محمد مندور - الأدب عسر لا يسر

منذ عودتي من أوروبا بعد السنين الطويلة التي قضيتها بها وأنا أرسل للثقافة المقال تلو المقال فتنشر القليل وتمسك الكثير بحجة أن فيما أكتب غموضًا وكثرة استطراد وإشارات إلى بعض الآداب الأجنبية، لا يستطيع القارئ المصري فهم معناها، وقد خلا ذهنه مما تفترضه معلومًا لديه من أسس الثروة العقلية التي يملكها مثقفو القوم في أوروبا، والرأي عندها أنه من واجبنا أن نلحظ القارئ ونقدم إليه ما يتناسب وثقافته في وضوح وجلاء. وفي هذا إهدار لكل القيم، فالماء الوشل لا يعرف إلا لونًا واحدًا تتفق عليه كل الأبصار، ونحن نحرص على أن نترك له عمقه حتى تتهيأ له من تكافئ طبقاته تلك الألوان المتباينة تباين ما يلقى عليه من ضوء أو تنعكس فيه من ألوان السماء، وفي نفسي — إذا أقول ذلك — صور لبحيرة Bourget في جبال السفوا بفرنسا، فهناك تتغير ألوان مياهها بتغير حالات الجو وساعات النهار، فطورًا تنحدر الأضواء عما يحيطها من جبال شامخة لتنتهي إلى صفحة الماء وكأنها مأخذ آلة مصورة تجتمع إليها الأشعة، فإذا بشدة البريق تلهينا عن لون مياهها، فكان البريق لونًا، وطورًا يخف الضوء بما انتشر فوقه من ظلال، وإذا بالماء في زرقة قاتمة أو خفيفة كالعين المبصرة. وكثيرًا ما تعبس السماء فلا ترى إلَّا ما يشبه النحاس علاه الصدأ، وفي ذلك من الجلال مثل ما نحسه بإزاء أثر قديم قد كساه الزمن بذلك الطلاء القاتم، الذي يخلع على ما يكسوه من نبل القدم، ما يأخذ بكل نفسٍ صادقة الحس، وعلى شاكلة تلك البحيرة أود أن لو كان كل مقال، أود أن نترك له عمقه حتى لا يجد فيه كل قارئ ما يجد الآخر. والنفوس متباينة، وبحكم هذا التباين نفسه لن نستطيع أن نقدم لكل منها ما تبغي، فالسبيل إلى تغذية النفوس بالحق والجمال لا يمكن أن يكون بغير ترك احتمالات لا حد لها ترقد تحت ألفاظنا فتلتقط منها كل نفس ما تريد، وحسبما كان لونها الدائم أو الموقوت.
ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما في نفوسنا في أنفس الغير، وإنما لنعين كل نفس على الوعي بمكنونها؛ إذ النفوس عامرة بكل حق وجمال، والمقال الجيد هو ما يأخذ بتلك النفوس إلى حيث يستقر منها ذلك الحق وذلك الجمال.
يخيَّل إليَّ أن الطبيعة البشرية كقطعة الرخام حَلَّتها الطبيعة بأجمل «التجازيع»، ولكنها مختفية كما هو الأمر في الرخام، ولكي تظهر تلك التجازيع لا بد لها من محك يذهب بالطبقة السطحية التي تخفيها، وهذا المحك في الطبيعة البشرية هو الحياة. فنحن إذ نكتب لا نفعل ذلك إلا لأن الحياة قد كشفت لنا عما في طبيعتنا من «تجازيع» نطلع الغير عليها لتعينهم على اكتشاف ما اكتشفنا، فيجدون في أنفسهم ما وجدنا. ذلك أنه وإن تكن تجاربنا الخاصة لن تغني الغير عن التجربة الذاتية، إلا أنه ما من شك في أن حياتنا الروحية خاضعة لقانون عام هو قانون «ادخار الطاقة»؛ فالرواية التمثيلية نراها فتشفي النفس من غريزة مكبوتة أو أمل مكتوم، وكأننا أحيينا تلك الغريزة وحققنا ذلك الأمل، وهكذا تحل المشاهدة وما يصاحبها من مساهمة خيالية محل المزاولة الفعلية، وبهذا نجنب أنفسنا التجربة المباشرة، وندخر ما في جهدنا من طاقة، والأمر في الرواية كغيره في كل أثر أدبي أو فني.
وإذن، فنحن نكتب لنساعد الغير على اكتشاف نفسه، ونحن نريحه بتجاربنا من المزاولة الفعلية، وخلاصة تجاربنا في أكثر الأحيان ليست من الوضوح بحيث يُظن إلا أن تكون تجارب مدعاة، فالحياة لسوء حظنا أعمق من أن تسلم إلينا أسرارها، والخلق الأدبي ليس خلقًا عقليًّا بل خلق حواس، فليس لرجل الفن أن ينتظر حتى تأخذ الصور الحسية عنده دلالتها العقلية، وإلا حكمنا عليه ببعد طبيعته عن إمكان ذلك الخلق، وإنما هو يأخذها عند نبعها، قبل أن تصل إلى نفسه فتسقط في الميدان العقلي الذي يشترك فيه جميع الناس. وكيف نستطيع أن ندعي الخلق بما هو شائع بين البشر؟
ومن هذه الصورة الحسية نصوغ ما نعرضه على القارئ وقد شاطرنا صفة الإنسانية واثقين أنه واجد في نفسه ما يماثلها، ونحن بعد ذلك لا نعرض عليه ما في نفوسنا من حب أو ألم تطفلًا منا وزجًّا له فيما لا يعنيه ليضيق بنا نفسًا، بل لإيماننا بأنه يحب ويألم كما نحب ونألم. والواقع أنه ليس هناك أي خلق أدبي يسند إلى حادثة بذاتها، فالكاتب للغزل لا يتغنى بامرأة بعينها بالغًا حبه لها ما بلغ، وإنما أقصى ما يستطيع أن يفعل هو أن يحضرها إلى نفسه ليخلق جوًّا يستطيع بفضل ما يشيع فيه من حرارة أن ينفذ إلى صميم النفس البشرية إطلاقًا.
والفنان يعرف أنه صائر إلى الفناء، وهو منذ نشأته يحس بأن في نفسه رسالة لا بد من أدائها، وهمه الأول هو تحديد تلك الرسالة وقد شاعت في نفسه غامضة، فليس لإنسان أن يزيده نصبًا وقد شد عزمه لجمع ما انتثر من تلك الرسالة، ولا أن يطالبه بتأديتها دفعة واحدة، فلو أنه استطاع لما توانى، وإنما لنا وعلينا أن نمهله متلقين ما يحمل لنا من فتات، مقدرين له جهده، عالمين أنه خير للإنسانية أن تؤدي نفس واحدة رسالتها ولو نقطة نقطة من أن يملأ الناس آلاف الصفحات المستعارة.
هذا هو الأديب كما أظنه، وأما من يدَّعون الأدب بغير رسالة تطرب بها نفوسهم فتلك أرواح خلقت خطأ كما خلق أكثر الناس بغير سبب، ولا مبرر إلا إتلاف الحياة على من يستحق الحياة.
رأيت بمسرح الأديون بباريس رواية لإبسن Ipsen هي رواية «بيرجنت» Pyr Gynt موضوعها خيالي استقاه المؤلف من أساطير البلاد الشمالية، ووضع لبعض أجزائها الموسيقي جريج Greeg ما زاد في دلالتها من ألحان. والذكرى التي علقت بنفسي منها هي ذكرى أحد أشخاصها الوهميين، وقد سار على المسرح وبذراعه سلة وبيده الأخرى «مجراف»، وقد أخذ يجرف من يلقاه من الناس الذين خلقوا خطأ، يلقيهم بالسلة ليعود خلقهم من جديد رحمة بهم وبغيرهم ممن يشاركون في صفة الإنسانية.
وكلما فكرت في أمر الأدب أو الفن عندنا عاودتني تلك الذكرى، وبودي لو ساقت هذا الرجل قدماه إلى بلادنا، فما أشك أنه واجد ما يملأ أضعاف سلته.
فالأدب عندنا تزجية فراغ أو احتيال على العيش، وفي هذا امتهان لحياتنا لا حد له، وهو إن سعى إلى غاية جاءت غايته حقيرة، فمن قائل: إنه منبر وعظ وسبيل إرشاد، ومن قائل: إنه مصري أو يجب أن يكون مصريًّا، والكل يجمع على ضرورة تيسيره لكافة الناس حتى نكسب من ورائه المال.
وأنا بعدُ أعلم أننا بوجه عام لم نزل في حالة فطرية؛ حيث تقاس الأشياء بما تعود به من نفع مادي أو معنوي مباشر، وأنه لا بد لنا من زمن حتى نصل إلى تقدير الحق والجمال في ذاتهما.
ولكن أما لنا أن نحاول بسط أجنحتنا؟ وشباب هذه الأمة يحتفز نشاطًا، فما له لا يأخذ عدته، فيبحث وينقب عما نشير إليه، يغني بتفاصيله نفسه؟
فرجاؤنا إلى الشباب اليقظ أن يرجع إلى ما يشير إليه الكاتب، فيستوعبه ليرى أثره العام في نفسه، وليذكر مثل هذا الشاب أن الثقافة الحقيقية «هي ما يبقى في النفس بعد أن ننسى ما حصلنا»، وهذه الثقافة هي ما نحاول أن نمده بها، وإن يكن ذلك غير مغنيه عن الرجوع بنفسه إلى كتب البسط، فمهمتنا ليست في ذلك، وإنما هي في تعليمه كيف يجد نفسه.
الأدب عسر لا يسر، وما ينبغي أن يكون غير ذلك، على أنك مجازى بغير ريب عن جهدك، فسترى أمامك عوالم لم تحلم بها من قبل، وسيأتي يوم يخيل إليك فيه بمجرد نظرة، أنك تشق الحجب فترى في النفوس ما تكنه من جمال أو قبح، كما سترى خلف الأشياء ما فيها من حق أو باطل. وأي كسب يعدل كسبًا كهذا؟ وأي معنًى للحياة بغير الفطنة إلى أسرارها وغاياتها؟


محمد مندور
كتاب فى الميزان الجديد
"مقال كتب سنة 1939"

"مقال كتب سنة 1939"
أعلى