كاظم حسن سعيد - في قصص ضائعة لماركيز.. لماذا ينتحرن في السادسة مساء .

سواء وحيدة تماما في منزلها او مع طفل او اكثر او ان لها زوجا اقترن باخرى فيواصلها نادرا او يتناساها فالشعورعميق بكارثة الوحدة والضياع .
الرجال والناس لا يتمثلان ذلك , فالمراة لا تموت اثر رصاصة غادرة او نوبة او اي مسبب اخر للموت , الوحدة والاهمال هو سرطان الاحتضار البطيء .
اتذكر في طفولتي جارة تشع جملا وخلقا , نذرت نفسها في تلك الازقة الترابية الضيقة المتعرجة في بيت شيد من الطين ان لا تتزوج حتى ترى اخاها متوجا بشهادة دكتور .. حين تحقق الحلم كانت قد بلغت الثلاثين .ستمزق روحها كل ليلة فاذا حل المنتصف تغفو على شبح اليأس والرعب متسائلة ( ما الذي قد جنيت من العمر يا صاحبي ؟ ! ).
نحن نردد من الموروث <ظل رجل ولا ظل حيطة >وعراقيا ( اسمك رجل يا كعيم من وحشة الليل ) .
بالقياس ترجح المراة اسم رجل (شخصه المرفوض ), او ظله ( وجوده مع عدم نفعه ) على مخالب الوحدة وتحمل الاعباء منفردة .وليست الوحشة هنا خوف المراة من المجهول قدر ما هو تسكين من التوتر المرير والخواء الذي يصعب سبر اغواره حين تتمكن منها الوحدة ليلا .
في كتابه(قصص ضائعة )الذي يضم مقالات صحفية وقصصا نادرة يبحر ماركيز في هذا الموضوع عميقا , فيذكر انه كان يتسلى في محلات السوبر بمراقبة ربات البيوت وبعد التفحص يسال نفسه <ايهن ستنتحر اليوم في الساعة السادسة مساء >... ويقول ان هذه العادة السيئة جاءته من سنوات عبر دراسة طبية حدثته عنها صديقته الطبيبة وحسب هذه الدراسة فان اكثر النساء سعادة في الديمقراطيات الغربية ينتحرن في الساعة السادسة .بعد ان يعشن حياة خصبة ويساعدن ازواجهن على الخروج من المستنقع ويربين ابناءهن ليصبحوا شديدي العود وليني القلب وان جميع المشاكل قد تم تجاوزها فلم يبق امامهن سوى الانتحار في مستنقعات خريفهن الراكد .فينتحرن مساء .ويسجل ماركيز رأيا قد لا يتوقف عنده القارئ غير المتمرس وهو (لقد كتبت دوما عن شرط المراة وعن سر طبيعتها ومن الصعب معرفة الاراء الاقرب الى الصواب ) ورغم ان عبارة , شرط المراة , غامضة فان الجمل التالية تعكس محنة الرجل وان كان متبحرا عن ادراك الاعماق الحقيقية للنساء .
يسجل ماركيز رأيا لصديق له (النساء لا ينشدن اكثر من دفيء منزل وحماية سقف, يعشن في خوف دائم من الكارثة وفي نضالهن ضد جميع الشرور الغامضة لا توجد حيلة الا ولجأن اليها ... ولو ان الحضارة بايدي النساء لعشنا الى اليوم في كهوف الجبال ... ولكان جل ما يطلبنه من الكهف اضافة لكونه مأوى هو ان يكون افخم درجة واحدة من كهف جارتهن وان يحتفظن باولادهن آمنين .فعقب ماركيز (بعد اطلاعي على هذا الرأي كتبت ــ ان جميع الرجال عنينون ـــ ) ما اثار عليه امطارا من الشتائم . في اللوجستية المنزلية يكمن نضال المراة ولم تكن الحروب الكولومبية ان تحدث لولا استعدادهن لتحمل تبعات العالم وهن في البيت ..كان الرجال يمسكون بندقيتهم ويمضون الى المغامرة دون ان يتخذوا الاحتياطات من اجل اسرهن وقد يعود احدهم من حروبه فيجد كل شيء على ما يرام .
ويختم ماركيز بتعليل الظاهرة \الانتحار , (بعد ان كن جميلات , دؤوبات , مخلصات عنيدات كرسن افضل طاقتهن لدفع ازواجهن الى الامام بيد وبيد اخرى يربين الاطفال بتفان ومحبة في بطولة سرية كانت مبررا لهن في الحياة لكن تلك البطولة تضاءلت حين بدأ الزوج وحيدا يحصد ثمار الجهد المشترك وازدادت ضآلة بعد ان كبر الاطفال فكانت تلك بداية فراغ كبير لكنه ليس بلا علاج فثمت فجوة متمثلة بالاعمال المنزلية اكثر الاعمال سخفا في العالم كما ان اعتذار الزوج عن الحضور يمكن تقبله فثمت مسلسل وصالون التجميل وصديقات متشابهات ومكالمات مطولة فلا يبقى من المستقبل الا الساعة السادسة .. في هذه الساعة اما ان يحصلن على عشيق عابر من الصنف الذي لا وقت لديه لخلع حذائه او يتناولن كمية اقراص منومة وقاتلة ..
سيعلق الاصدقاء <كان لديها كل ما تحتاج لتكون سعيدة > ..لكن ماركيز يرى انهن كن سعيدات فقط عندما كن يملكن القليل مما يحتاجنه للسعادة .
ـــــــــــــــــ
هذه هي القصة كما رووها لي
تتحدث هذه القصة عن كارلو وريث امبراطورية صناعية ورئيسها .. كان في 36 من عمره اكثر الناس اناقة وكياسة في الحفلات ومحدثا لامعا بخمس لغات عازفا بآلات عدة كمحترف ..كان يغني ويرقص وطيارا مجربا ورياضيا ماهرا ومقلدا باهرا للشخصيات الشهيرة وله زوجة جميلة سعيدة وابن وحيد هو بيرو 8 سنوات هذه الصفات اثارت قلب سيلفيو المهاجر اللاتيني الخجول والكفؤ ولاسباب من النوع الاخلاقي لم يجد لها تفسيرا توصل ليقين بانه امام امر لا يطاق : رجل متكامل السعادة .
وكما راى في الافلام وهو يصحب بن رئيسه بالصدفة اجرى مكالمة مغطيا السماعة بمنديل ( انه يتحدث باسم منظمة بروليتارية ولا يمكن اطلاق الصغير الا بشرطين :ادخال اصلاحات عميقة في العمل و ودفع خمسين مليون دولار نقدا ...
(لا بد لرجل يعيش بسعادة كلية ان يمر بنكسة ).. هذا هو قرار سيلفيو ).
هكذا تتنقل في هذا الكتاب بين الواقعية والسحرية والقصة والمقالة الصحفية في رحلة مشوقة يتدفق فيها الخيال لاقصاه ويضعك اما م مباحث وقضايا انسانية تكرهك ان تفكر فيها بعمق .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى