إلهام مسيوغة - الأدب الوجيز حركة تجاوزيّة جديدة من خلال نماذج مختارة

بدأ الأدب الوجيز يفرض نفسه في المشهد الأدبي والثقافي ويدير الأعناق والأقلام إليه بعد سنوات من الجفاء والرّفض والاستنكار. وتبحث هذه الورقة في فكرة الوجيز منذ أن كان أفكارا متفرّقة في كتب اللّغة والنحو والبلاغة تحت اسم الإيجاز بمعنى القصر والحذف إلى أن صار اليوم أدبا خاصّا له مقوّماته المستقلّة عن أجناس الأدب الأخرى. فوقفت على بعض المسائل: ما الأدب الوجيز؟، الوجيز بين النقد القديم والحديث، الأدب الوجيز خيار العصر، الوجازة في المفهوم الحديث، سمات الوجيز في الأدب الحديث، الوجيز وبعض إشكاليّاته المفاهيميّة: بين الومضة الشعرية والومضة القصصيّة، بين القصّة القصيرة جدّا والقصّة الوجيزة: هل من فوارق؟

ما الأدب الوجيز؟

سؤال متواتر جدّا.. ما الوجيز؟ وما الجديد في الوجيز، وهو مصطلح وارد في المدوّنة النقديّة العربيّة القديمة؟

الوجيز هو التعبير عن عديد المعاني بالقول القليل.. والوجيز هو البليغ أي من بلّغ مقصده فتمكّن من استمالة غيره دون أن يطيل حتّى لا يملّه، فخير الكلام ما قلّ ودلّ يغنيك قليله عن كثيره.

الوجيز بين النقد القديم والحديث

وجز الشخص الكلام قصّره وقلّله، أي وجز بيانا. وإن وقفنا عند صفة الوجيز فهذه الصفة مطلوبة منذ القديم وقد تعدّدت التسميات التي أطلقها النقاد العرب في التراث النقدي القديم ومنها القصير، المختزل، المختصر... وأبرز الأشكال الوجيزة المذكورة في النقد العربي القديم الحكم، الأمثال، الألغاز، والأخبار والوصايا القصيرة والنوادر...

الدرس النقديّ القديم احتفل بالإيجاز وعدّد محاسنه، واعتبروا الإيجاز بلاغة، والإطناب عجزا عن الإبانة. وقيل لأعرابيّ: ما البلاغة؟ فقال: "لمحة دالّة". لكن هل احتفاؤهم بالإيجاز يعني احتفاؤهم بالأشكال الوجيزة المذكورة؟ بالنسبة إلى العسكري وقدامة غضّا الطرف عن هذه الأشكال في تحليلهما للمنظوم والمنثور. وأمّا القاضي التّنّوخي فقد أدرجها جميعا ضمن جنس الخبر، ولا نجد تحديدا أجناسيّا واضحا في النظريّة النقديّة لهذه الأقوال الوجيزة، لكنّهم أجمعوا على ذكر وظائفها والاعتراف ببلاغتها وفصاحتها.

وأمّا النقّاد المحدثون (عبد الفتاح كيليطو، عبد السلام المسدّي، محمد الهادي الطرابلسي، رشيد يحياوي، وسعيد يقطين) رغم أنّهم اهتمّوا بمختلف الأجناس الأدبيّة وسماتها النّوعيّة، وانشغلوا بالسّلّم الأجناسي، وحاولوا تقديم تصوّر متكامل للكلام العربيّ وأصنافه، فإنّهم لم يدرجوا هذه النصوص الوجيزة ضمن سلسلة الأجناس الأدبيّة عند العرب، لأنّ الأجناس تكتسب ماهيّتها من خلال العناصر المهيمنة التي تتكوّن منها كما ذكر كيليطو.

ويمكن اعتبار أنّ الدّرس النقدي الحديث قد غفل أيضا عن تحليل خصوصيّة هذه الأشكال الوجيزة مجتمعة وردّها إلى جنس بعينه باعتبارها خطابا أدبيّا، ولعلّ الأمر يعود إلى ما اتّسمت به من تشتّت وانتشار في متون مصنّفات مختلفة انتشارا غير منظّم على خلاف بعض المسائل النقديّة الأخرى كالشعر والخطابة والترسّل. واعتبروها مجرّد مادّة أدبيّة لكنّهم لم يهتمّوا بخصائصها مجتمعة ولم يعقدوا صلة بينها وبين سائر الأجناس، باستثناء ما أشار إليه د. جميل بن علي في أطروحته الموسومة بـ" الأجناس الأدبيّة الوجيزة" وقد أقرّ أنّ لهذه النصوص الوجيزة سماتٍ أجناسيّةً مشتركة1.

ومهما يكن من أمر، سواء أ تمّ إدراج هذه النصوص الوجيزة ضمن الأجناس أم تمّ اعتبارُها مجرّد أشكال تعبيريّة بليغة من موادّ البيان، فإنّنا نحاول أن نؤكّد أنّ الأدب الوجيز في هويّته التجاوزيّة حركة لم تدّع يوما أنّها انبثقت من عدم بل كانت نتيجة تفاعل إيجابيّ مع كلّ الآداب العالميّة التي لم تخل من هذا النّوع من الكتابة الوجيزة الموغلة في القدم على مرّ التاريخ.

واليوم تُحدث هذه الحركة قطيعة إيجابيّة مع السابق، وهي إيجابيّة لأنّ الحركة الأدبيّة السليمة شأنها كشأن الحركات العلميّة لا تعصف بالقديم بل تبني مع الماضي وتسعى إلى تطويره فتكون دائما للمبدع المعاصر مزيّة التطوير والاستكمال.

الأدب الوجيز خيار العصر

الأدب الوجيز إذن له أبعاده التاريخيّة في الشّعر والأدب والتّراث، لكنّ الحاجة إلى إظهاره الآن هو من متطلّبات الحياة المعاصرة، فالتطوّر حالةٌ إنسانيّةٌ مُلحّة لأنّ المجتمع الإنسانيّ قيد التّطوّر المستمرّ، لذلك ظهر الأدب الوجيز حلّا لإعراض المتلقّي وعزوفه عن الأدب.

هو حركة تجرّأت على تشخيص الدّاء وتقديم الدّواء. فضحت داء الإسهاب والتكرار والاجترار شكلا ومضمونا. وتكمن قيمتها في أنّها تطرح مضامين ومفاهيم نقديّة جديدة، حيث تدعو إلى تجاوز الأشكال الوجيزة القديمة بمرتكزات نظريّة مغايرة تستجيب لحاجة العصر.

فتحوّل الأدب الوجيز إلى قوّة إبداعيّة استثنائيّة اكتسبها من قدرته على التعبير في إيجاز عن بحر من القضايا الرّاهنة في مجتمع لا يقرأ ولا يملك متّسعا من الوقت يقضيه في قراءة أثر أدبيّ مطوّل.

والوجيز هنا ليس مسايرة لحركة العصر بقدر ما هو نظرة جديدة للأدب وقضاياه، تبرّرها إرادة التجديد، إذ لا قيمة للوجود إلّا بالاستمرار في الإبداع.

الوجازة في المفهوم الحديث

انطلقت فكرة الأدب الوجيز من جملة تصوّرات نظريّة ومنطلقات فكريّة جديدة، أرساها منذ 2016 أعضاء ملتقى الأدب الوجيز بلبنان وعلى رأسهم الشاعر الرّاحل أمين الذيب الذي سعى إلى حشد التصوّرات والأعمال التّطبيقيّة في سبيل تشييد حركة فكريّة أدبيّة تجاوزيّة متماسكة ومتجانسة، مشرقا ومغربا.

وقد نظّم ملتقى الأدب الوجيز ببيروت سنة 2019 مؤتمرا دوليّا أسفر عن صدور كتاب جماعي تحت عنوان "الأدب الوجيز هويّة تجاوزيّة جديدة"، بحضور عددٍ من الأدباء والنّقّاد من البلدان العربيّة وعلى رأسهم أدونيس، لمناقشة على مدى يومين المسائل الفكريّة التنظيريّة.

وإيمانا بحيويّة التجديد جاءت حركة الأدب الوجيز مشروعا تجاوزيّا لأنّها ترتكز على مُنطلقات فكريّة رصينة تؤسّس نوعًا أدبيًّا جديدًا، يقوم على مقوّمات فنّية تجعل منه جنسا مستقلّا. وحين نقول بالجدّة فنحن لا نقصد القطع مع القديم، بل تطويره واستكماله بما يتناسب مع العصر الرّاهن. هو تجديد يولد من رحم التراث ثم ينعتق ليؤسّس هويّة تجاوزية.

وقد عنون أدونيس هذا التجاوز في الأدب الوجيز بالعبور إلى المستقبل على جسور واهنة وملتبسة، وقد كان في المؤتمر الأول محترزا، آملا، لم يُخف تخوّفه من هذه القفزة التجاوزيّة ومن الوقوع في هوّة الفراغ واللّا معنى، لكنّه كان مساندا متريّثا، فلم يسارع إلى رفض هذه المبادرة في التجاوز أو التشكيك فيها. إذن سؤالنا ما القديم والجديد في هذه الحركة؟

إنّ الأدب قديم قِدم الإنسان، وليس مجالنا في هذه الورقة أن نعرض مفهوم الأدب وتاريخه ووظائفه منذ أن عرف الإنسان سحر الكلمة. وإنّما الجديد في مصطلح الأدب الوجيز هو مفهوم "الوجازة". والمتأمّل في المعنى البلاغي للوجيز يجد له من التعريفات ما يؤكّد أنّه القصير أو القليل من الكلام.

ومن هنا نثير تساؤلات: هل الإيجاز يقتصر على معطى الكمّ أم يتعدّى ذلك إلى خصائص أخرى؟ ما هي المبادئ التي يجب أن يقوم عليها الأدب الوجيز ليشكّل هويّة تجاوزيّة ومفهوما جديدا للوجازة؟ ومن أين يكتسب الأدب الوجيز أدبيّته وجماليّته وشرعيّته النقديّة باعتباره جنسا؟ من الإيجاز؟ من المعنى؟ من التقنيات؟ من اللغة؟

وقد قال أدونيس في هذا الكتاب: إنّ الكتابة الأدبيّة نثرا وشعرا لا تأخذ قيمتها من الإيجاز لذاته وبحدّ ذاته، أو من الإطالة لذاتها وبحدّ ذاتها... هناك إيجاز فارغ مبتذل كما أنّ هناك إطالة فارغة مبتذلة"2.

فالقصر في أيّ نص أدبي ليس معيارا لتصنيفه أجناسيّا: (القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّا هل هما جنسان مختلفان؟ سؤال إشكالي خلافي). فقيمة الوجيز ليست في القصر ولا قيمة الرواية في الطول، بل في طاقاتهما المتنوّعة في الكشف والمعرفة والتأثير. فلكلّ نوع فرادته الإبداعيّة. وتبقى فرادة الوجيز في خروجه بالأدب إلى عالم مركّب متعدّد الأبعاد ينشأ من طاقة الكلمة وتفاعلها مع الكلمة.

ولهذا اتّفق المؤتمرون بلبنان في بيانهم الختامي على مفهوم جديد للوجازة بوصفها قولًا إبداعيّا قصيرا مكثّفًا ينفتح على تأويلاتٍ عديدةٍ انطلاقا من طاقة المفردة والتكثيف غير الملغز والتشظّي والقفل الصّادم تحقيقا للدّهشة.

إنّ الوجازة في مفهومها الحديث لا تشترط القصر فحسب بل لا بدّ من اشتراط سمات أخرى لتناسب ما طرأ على البلاغة من تنظيرات حديثة3. والوجازة الحقيقية تشترط الإيجاز والتكثيف الدّالّ والتلميح دون إلغاز باعتماد طاقة المفردة الواحدة، وتشظّي البنية دون فوضى، الإدهاش بالمفارقة والقفل الصّادم، ومنه تتفجّر عيون من المعاني والدلالات التي يمكن أن تحيلك إلى مباحث عديدة وتأويلات لا حدّ لها.

فالوجازة تشترط حالة معرفيّة مُكثّفة وقوّة فكريّة وفلسفيّة تطبع المجتمع وآدابه. ومن هنا يقرّ النقاد بصعوبة الكتابة في هذا الجنس، وكأنّ هذا النّوع من الكتابة هو خُلاصة مُكثّفةٌ لتجربة الكاتب، والتكثيف بأقلّ الكلمات وأوسع المعاني دليل بلوغٍ معرفيٍّ في الفنّ والحياة، وحال الواجز في كتابة الوجيز كحال من يحاول خزن شظايا كبيرة في ثقب صغير. وحال القارئ للوجيز كمن يحاول إخراج الشظايا من ذات الثقب.

سمات الوجيز في الأدب الحديث

شكّلت الملتقيات في البلدان العربيّة والندوات النقديّة والمقالات الدّوريّة في المجلّات والصحف، قاعدة انطلاقٍ لحركة الأدب الوجيز لتأسيس المرتكزات النقديّة الجديدة وللمساهمة في تركيز جهاز نقدي خاصّ بهذا الأدب وتأصيله والتقعيد له. وقد تمكّن المنتمون إلى هذه الحركة من تحديد السمات العامة للأدب الوجيز والخاصّة بالومضة والقصّة الوجيزة.

& السّمات العامّة: الإيجاز- التكثيف العالي والإيحاء دون إلغاز– الاتساع الداخليّ للّفظ – فتق آفاق التخيّل– تعدّد المعنى – الدهشة أو الصّدم

& سمات الومضة: كما أبدع الشاعر الجاهلي شكله الشعري للتعبير عن حياته نحاول أن نبدع كذلك شكلا جديدا للتعبير عن حياتنا. قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة\حالة واحدة. مع الانتباه إلى أنه ليست كلّ قصيدة قصيرة جدّا هي قصيدة ومضة، فهناك مُحدِّدات أخرى غير القصر والكمّ يُشترط وجودها في الومضة مثل طاقة المُفردة - الكثافة المولّدة - قوّة الصورة الشعرية الناتجة عن الصّدق - الإيقاع الداخلي – والإدهاش بالمفارقة – الرّمز – العمق الفلسفي.

& سمات القصّة الوجيزة: القصر، تنامي الحدث مكثّفا – الشخصيّة الأحاديّة – قوّة اللّفظ– الجمل القصيرة – البناء المتشظيّ – الكثافة المولّدة _ الخاتمة الصّادمة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه السّمات لا تزداد اتّضاحا إلّا باعتماد نماذج ومختارات من النصوص الوجيزة لفهم هويّة هذا الأدب.

الوجيز وبعض إشكالاته المفاهيميّة

بين الومضة الشعرية والومضة القصصيّة، ما الفوارق؟

إن كنّا نتحدّث عن الخصائص والسّمات فلا بدّ أن نقف عند الفوارق بين الومضة الشعريّة والأجناس التي تلتبس معها بحكم القصر مثل الومضة القصصيّة. فما الذي يميّز القصيدة الومضة عن القصّة الومضة إذا كانتا تشترطان بدورهما نفس السمات قِصَرَ الحجم والتكثيف والإدهاش؟

وليس همّي التعسّف ووضع أسلاك شائكة بين الأجناس الأدبية بل أطلب السّمات المميّزة لكلّ نوع على سبيل المعرفة والنظر في التطوّر الداخلي للأدب. ومن الإشكالات التمييز بين القصيدة الومضة والقصّة الومضة. فالقصّة الومضة تختلف عن القصيدة الومضة باعتماد مقياس الحكاية كونها تُبنى في سياق سردي خالص خالٍ من أي بلاغة أو صورة شعريّة.

مثال 1: قبلة (محمد إقبال حرب \ لبنان)

قبَّلها قُبلة الحب الأخيرة قبل عقد القِران.

قصّة ومضة أشارت إلى فتور الحب بعد الزواج، وللفتور أسباب كثيرة يعود معظمها إلى مفهوم الزواج الذي يتبنّاه الرّجل العربيّ قبل الإقدام على تلك الخطوة. حيث يعتبر المرأة ملكا ومتاعا وعقد القران هو عقد الشراء والامتلاك. وما الحبّ سوى شرك الصيّاد لاستدراج المرأة الطّريدة نحو شبكة الزواج والقبض على الفريسة. قصّة ومضة تشكّلت من فعل واحد خاطف آسر: قبّلها، هذا الفعل وحده كفيل بأن يثير المخيّلة لترتسم الصّور، وتلك الغاية من القصّة الومضة، الإشارة للاستثارة وقدح شرارة التخييل دون تفجير. فهو الومض اللّطيف والمرور العابر ليترك للقارئ فرصة إنتاج التفاصيل التي يريد، لتصبح القصّة قصّة المتلقّي، يكتفي فيها الكاتب بالإشارة ويتيح للقارئ العبارة، فنتحوّل من الفهم الواحد إلى الفهم المتعدّد ونطيح بديكتاتورية المؤلّف لنؤصّل ديمقراطية المتلقي الذي لا يملك من المعاول لبناء القصّة سوى ذكائه وذوقه وثقافته المشتركة مع المؤلّف. وتلك هي ميزة هذا النّوع من القصّ الوامض في الأدب الوجيز. إذن فالقصّة الومضة تقوم على مجرّد الومض، فلا تشكّل خطاطة قصصيّة مكتملة.

مثال 2: خراب (بهيجة البقالي القاسمي، المغرب).

باب ونافدة وجدار، وأمّ تبكي على منزل بلا سقف.

فكرة معبّرة جدا. على إيجازها صوّرت عالما من الوحدة والحزن ومأساة الفقد أو الحرب والقصف أو غياب البعل والسند... وغيرها من الدلالات الجائزة. فكلّ مفردة لها طاقة تعبيريّة على تفجير المعنى، والتعبير عن تلك الحالة النفسيّة الكئيبة التي قد تسيل الحبر وتستدعي صفحات مطوّلة من الكلام.. ونهض الومض القصصيّ فيها على فعل واحد هو نواة هذه القصّة "تبكي" وقد توسّطت النواة بقيّة المفردات توسّطا محكما، مفردة ذات طاقة كبيرة، قادرة على اختزان دلالات شتّى بالتفاعل مع ما جاورها من مفردات أخرى (باب، نافذة، جدار، أمّ، منزل، بلا سقف)، تفاعل فيزيائي رهيب بين النواة الفعليّة وجاراتها، ذات التفاعل الحاصل بين النواة والكتروناتها المتحرّكة حولها، المنجذبة إليها، في قلب ذرّة نوويّة atome. هذا التفاعل الذرّي المكثّف، القابل للانفجار في ذهن القارئ إلى شظايا دلاليّة، هو الذي أومض بالعالم القصصي في هذا النصّ. إنّه الخراب إذن كما أشار العنوان، خراب معنويّ داخل القصّة وعالمها، وخراب فنّيّ خارج القصّة بعد انفجارها في رأس القارئ. لكنّه خراب فنّيّ بنّاء مدهش، يشهد ببراعة صاحبته في تحقيق التشظّي بانتقاء محكم للمفردات وطاقاتها، كخبرة فيزيائيّ عارف بنتائج تجاربه وقوّة المكوّنات التي اختارها إذا تفاعلت فيما بينها.

مثال3: تواصل4 (علي بنساعود، المغرب)

انتظرت ردّه. كان صمته طلقةَ رصاص.

من الواضح أنّ القاصّ الواجز يحتاج إلى إلغاء التّفاصيل، وقد يكتفي بفعل أو فعلين حسب الحاجة والمقصد. لكنّ الحدث يتشكّل فكرة أو حالة تمثّل لحظة قصصيّة مفاجئة وخاطفة غالباً ما تكون مقتطعة من الحیاة الیومیّة. على غرار هذه اللّحظة القصصيّة بين المرأة وهذا الرجل الذي نجهل نوع الصلة بينهما، لكنّ الحدث بينهما يستدعي انتظار جواب عل طلب مسكوت عنه. ترى ماذا طلبت حتّى تلقى منه صمتا قويّا قاتلا بوقع رصاصة؟

فالكاتب يثير القارئ ويوقظ الأسئلة في ذهنه بالومض. فيزعزع ذوقه بوعي سرديّ جريء شكلا ومتنا وبناء، فهو لا يحفل بالفعل بقدر احتفاله بخلق إحساس عميق بالحالة، فلم تعد التفاصيل تفاصيل الكاتب في مملكته بل باتت ملكيّة مشتركة، المملكة للكاتب وما في المملكة للقارئ الذي ينفجر رأسه بالحيثيّات ودقائق الأمور التي يبحث عنها في كلّ حكاية. ولعلّ ولعلّ ولعلّ...، هذا الفيض من الاحتمالات والتأويلات هو ما يغني الأدب الوجيز، وهو أدب المتلقّي بامتياز، كلّ قارئ يجد فيه نفسه بما أنّه هو الذي يبني تفاصيله ويعبّر عنها أكثر من الكاتب، ويصبح القارئ هو الفاهم والمعبّر والباني، لأنّ كتّاب الوجيز يؤمنون بأنّ المتلقّي على درجة من الإبداع مثل الكاتب.





مثال 4: وطن5 (رياض انقزو \ تونس)



تنازع الإخوة، تفرّق دمهم بين الشعوب.



هذه فكرة وامضة، أبرقت عن زمن الحرب والنّزاع والأخذ بالثأر على مستوى شخصي أو جماعي، فيها قِصر تشكّل من فعلين خاطفين: تنازع وتفرّق، والثاني نتيجة حتميّة للأوّل، قد تقرب في أسلوبها من الحكمة أو القول المأثور الذي يختزل معاني عديدة في قول قليل. هي قصّة ومضت في ذهن القارئ لتترك أثرا خفيفا لا يختلف عن أثر سماع حكمة أو حديث أو مثل كأن نقول في نفس السّياق: "عداوة الإخوان تقطع الأرحام وتورّث الهوان". لكنّ القاصّ الوامض اختار أن يعبّر عن الفكرة بالقصّ الوجيز. وهذا النوع من القصّ العابر الوامض يغريك بوجود قصّة فيهمزك في رفق ويعطيك قادحا صغيرا لتطلق عنان المخيّلة. إذن هي القصّة القادح تومض بفكرة وتمضي كما يومض نجم في ليلة صيفيّة. ورغم عدم توفّر بنية قصصيّة حدثيّة متنامية تبني حكاية مكتملة، فإنّها قصّة تغري ببناء التفاصيل في ذهن القارئ، كلّ وفق ثقافته وبيئته ولغته.

أمّا القصيدة الومضة فالشعرية هي السمة الفنّيّة المميّزة لها إلى جانب الإيجاز والتكثيف والإدهاش. فإن كانت الحكائيّة هي المحدّدة لجنس القصّة طالت أو قصرت، فإنّ الشعرية خاصّية فارقة في قصيدة الومضة لا تكون قصيدة بغيابها (مع الانتباه إلى الفرق بين الشعريّة والشاعريّة6.) وسمة الشعرية تتجلّى في بعدين\ سمتين: الصورة الشعرية والإيقاع، إيقاع الذات في ملفوظها وطرق تصريفها للّغة 7.

مثال 4: "أمام شرفتكِ... عدّني طفل يعدّ أعمدة الطريق.. " (لطفي تياهي \ تونس)

الشعرية نابعة من طرافة التشبيه (الوقوف المطوّل للعاشق كانتصاب عمود الطّريق أمام شرفة الحبيبة.) فيبدو للمتلقّي أن طرفي الصورة متضادان من جهة الطبيعة ومتشابهان من جهة العمل(الوقوف). والمفارقة تولّد الحيويّة، وقد ركّز الشاعر على العناصر الشعورية والنفسية لهذه المفارقة (تحوّل الحيّ إلى شيء معدود لحظة عبث طفوليّ) ليعبّر عن توتّره النفسي الحادّ وليظهِر نقائض الذات في جدلها مع الواقع والحلم بل تصوير صراعها بين نزعتين: نزعة الألم والشكوى من قساوة الحبيب وشدّة المعاناة من طول الوقوف وانتظار الحبيبة + ونزعة الحلم والرؤيا، فلو كان لديه شيء يتمنّاه لتمنّى أن يكون عمودا من أعمدة الطريق حتّى لا يبرح مكانه أمام شرفة الحبيبة: يشكو من كونه عمودا منتصبا ينتظر الحبيبة ويتمنّى أن يكون عمودا حتّى لا يكلّ من انتظارها.8 فلكلّ ذات إيقاعها وحركتها في ملفوظها وينبغي تتبّع هذه الحركة من خلال مستويات اللغة لندرك المعاني من خلال طرائق الذات في إخراجها. فالشاعر الوامض فذّ يحسن بناء ملفوظه الشعريّ ويجيد صناعة إيقاع الذات في مختلف أحوالها العارضة لها (حال الجمود والرتابة، حال اليأس والتحدّي، حال التوتّر والصراع) يمسك بناصية اللّغة ويحسن الاستحواذ على المشترك منها ويجريه إجراء خاصا ليخرج تعبيرات مصوّرةً وفريدة.

بين القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّا، هل من فوارق؟

إنّ بعض الدّارسين يرفضون الاعتراف بالقصّة القصيرة جدّا جنسا مستقلّا، باعتبارها سليلة الأقصوصة أو القصّة القصيرة، ولا تختلف عنها في المقوّمات الفنّيّة المتمثّلة في البنية الحدثيّة ومظاهر التكثيف والتركيز، العقدة، مركزيّة الحدث أو الشخصيّة، أساليب القصّ وتقنيات الحذف والإسقاط، وحدة الانطباع، أنواع النّهايات أو لحظات الكشف والتّنوير، لغة القصّ الموجزة. فالقصّة القصيرة أخذت مداها طوال قرن مضى على أيدي مئات من كتّابها لتثبت شكلها وتكوينها، وعناصرها الفنيّة اللّازمة في بنائها. ولكنّنا نلاحظ، أنّ التكثيف والإيجاز وتقنيات الحذف خصائص فنّيّة مشروطة في القصّة القصيرة من قبل ولا تختصّ بها القصّة القصيرة جدّا.

إذن فيم تختلف القصّة القصيرة جدّا عن القصّة القصيرة إذا اشتركتا في نفس المقوّمات الأساسيّة؟ ما الذي يدفع بعض النّقاّد إلى تمييز القصّة القصيرة جدّا عن القصّة القصيرة واعتبارها جنسا مغايرا؟

وبتراكم النصوص في هذا النّوع من القصّ، جاء مصطلح "القصيرة جدّا"، ليس لاختلاف جوهريّ عن خصائص القصّة القصيرة بل لإلحاح الكتّاب على تحقيق عناصر الأقصوصة في أقلّ حجم ممكن (صالح الدمس). فالقصّة القصيرة جدّا لا تختلف في خصائصها الفنّيّة عن الأقصوصة أو القصّة القصيرة التي هي قصيرة ليس لأنّها صغيرة الحجم فقط بل لأنّها تعالج الموضوع علاجا خاصّا.

ودون أن نخوض في الفوارق الدّقيقة بين الجنس والنوع الأدبي حتّى لا ترهقنا متاهة إقامة الفواصل والحدود لأنّ غايتنا هي تمييز هذه الأجناس وبيان خصائصها وهذا يدخل في صميم الدّراسة الأدبيّة. فالقصّة القصيرة جدّا سليلة الأقصوصة، وهي من أنواعها ولا تمثّل جنسا مستقلّا، باعتبار النّوع أخصّ من الجنس. وبعض الرِّوائيين مثل: جبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، كتبوا في الرِّواية، ثم بعد ذلك كتبوا في القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدًّا باعتبارها آخر حلقة، والمتأمّل في قصصهم القصيرة جدّا يلحظ أنّهم كتبوها بنفس خصائص الأقصوصة مع فارق في مستوى الحجم والإيحاء. ولكن إن كانت القصّة القصيرة جدّا سليلة الأقصوصة فهل تندرج ضمن الأدب الوجيز أم لا؟

بين القصّة القصيرة جدّا والقصّة الوجيزة، هل من فوارق؟

القصّة الوجيزة، مصطلح أطلقه ملتقى الأدب الوجيز بلبنان، اختصارًا للتسمية الشّائعة "القصة القصيرة جدًّا"، وتعويضا لمصطلح لم تتقبّله الذّائقة الأدبيّة العربيّة وهو "الققجيّة"، وهو مصطلح عربيّ أصيل بعيد عن التأثر بالترجمة الحرفيّة للفكر الغربيّ، من وجُز الكلامُ وجزا ووجازة أي قلّ في بلاغة، وهو مصطلح مطروح للنقاش والحوار بين النّقاد المجدّدين.

وردّا على ما مال إليه ملتقى الوجيز بلبنان في اعتبار القصّة الوجيزة مرادفة للقصّة القصيرة جدّا، يكفينا أن نطرح تساؤلا أجناسيّا مشروعا: كيف نقرّ بسمات خاصّة للقصّة الوجيزة ونربو بها إلى مرتبة الجنس الجديد الذي ينهل من الوجازة في مفهومها الحديث، ثم بجرّة قلم نساويها مع القصّة القصيرة جدّا ونعتبرها رديفا لها؟ ما جنس النصوص القصيرة جدّا التي لا تستجيب لشروط الوجازة الحديثة من إيحاء وتكثيف عالٍ وتشظٍّ وقفلٍ صادم، هل نردّها إلى الأقصوصة أم نعترف بها قصصا قصيرة جدّا فقط، كنوع من أنواع الأقصوصة؟

وما دفع بنا إلى هذا التفريق بين المصطلحين وجعلنا نرفض هذا التّرادف رغم أنّنا في البدء كنّا نراهما رديفين، هو المعاينة، فبالنّظر في مختلف الكتابات القصصيّة القصيرة جدّا خرجنا بقناعة أنّها مختلفة رغم اشتراكها في القصر.

لا ننكر أنّ القصّة الوجيزة سليلة الأقصوصة والقصّة القصيرة جدّا، خرجت من صلبها، وتلبّست بأركانها، لكنّ تحقيق الوجازة بمفهومها الحديث في عمليّة القصّ لا يخلو من تعقيد. فالقصّة الوجيزة لم تبتعد عن تبنّي العناصر الفنّية اللّازمة في بناء القصّة: الحدث والحبكة، الشخصيّات، المكان، الزمان، إلى جانب القصر، وحتّى المفارقات والسخرية والتناصّ والرّمز هي سمات لم تختصّ بها القصّة الوجيزة بل أقرّها الدّارسون منذ تعريفهم للأقصوصة وقد يشتر ك فيها الشعر والسرد. فهي أدوات ووسائل توظّف بكلّ عناية في كلّ عمل فنّي: في الشعر، في القصّة بأنواعها، في الرواية، في الرسم التشكيلي، في النّحت، في المعمار، في الرّقص ... فهذه السمات تسكن الحياة، وتغني النص وتمنحه أبعادا.

ولكن لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون القصّة الوجيزة مرادفة للقصّة القصيرة جدّا التي لا يتعدّى معناها حدود الإشارة إلى الكمّ القليل فحسب، حيث تختلف الوجيزة عن القصّة القصيرة جدّا في طاقة لفظها وتعدّد إمكانات تأويلها، فتُوظّف عناصر القصّة كلّها بدرجة أعلى من التكثيف والتلميح والإيحاء دون إلغاز في بنية حدثيّة متشظّية، مع قفل صادم يهيمن عليه المسكوت عنه.

هذه أجواء الوجازة في المعمار القصصيّ الوجيز. وهي عمليّة ممتعة تلزمها مرونة وتدبّر وصبر كبير عند طرفي العمليّة الإبداعيّة لأنّ الواجز يفجّر ذهن القارئ بالتفاصيل انطلاقا من مفردة، فترتسم القصّة بحيثياتها وفق فهم القارئ وثقافته.

وعملنا على الالتفاف حول هذا الاختلاف الاصطلاحي وسعينا جاهدين في إطار ورشات نقديّة في صالون الأدب الوجيز بسوسة إلى بيان الفوارق المفهومية بين هذه الكتابات القصيرة جدّا وبين تصوّراتنا في مستوى المصطلح والتجنيس. وقد نزعنا نحو الفرز، فإنّ ما تراكم من نصوص قصصيّة قصيرة جدّا اليوم يخوّل لنا فرزها وتصنيفها وفق خصائصها القارّة والمشتركة ووفق المرتكزات الفكريّة للأدب الوجيز القائمة على طاقة المفردة الواحدة كيف تتفجّر منها عيون من المعاني والدلالات التي يمكن أن تحيلك إلى مباحث عديدة وتأويلات لا حدّ لها.

تحليل أمثلة من السّرد القصصي الوجيز:

ومن ثمة تتبّعنا نوعا مميّزا من القصص القصيرة جدّا، تلك التي توفّرت فيها سمات الوجازة في مفهومها الجديد. وسننطلق من بعض النماذج من أقطار عربيّة مختلفة لضبط خصوصيّات هذا النوع من الكتابة ورفع اللّبس بين المصطلحات وانتشال هذه الكتابات الرّائدة من دائرة الفوضى التي تتحرّك فيها أمام غزارة الإنتاج في هذا النوع واستسهاله إلى حدّ الابتذال..

1. صبر 9 (صالح الدمس \ تونس)

خلف الشبّاك أظلّ كلّ مساء أنتظره، المرفق على الفخذ.. والخدّ على الكفّ.. أنظر إلى الفضاء فيقابلني شبّاك الجار المغلق دائما، لكنّ عينيه أراهما من الشقوق - تتّقدان... فأخاف.. لو يحترق لوح النّوافذ ويفتضح -.. أظلّ أنتظره... يأتي ليلا سكران عادة.. فلا العشاء يأكله ولا القهوة يحتسيها... يدخل صامتا إذ أفتح الباب ويسرع إلى السّرير لينام... أطفئ الضوء وأدخل الفراش إلى جانبه... أعاتبه دوما بصمت.. بهمس أقول له: إلى متى يا حبيبي تأتي هكذا؟ ... فلا نتعشّى معا ولا تهتمّ بي... يبقى صامتا وأحيانا يقول لي: اصبري يا حبيبتي.. كلّ شيء سيمرّ.. المرّ سيمرّ.. اصبري يا حبيبتي... ثم ينام.

ها أنا صابرة رغم النّار... فيا ربّ صبّر الجار.

القصّة الأولى "صبر" قصّة قصيرة جدّا كتبها الدمس 1998، علما أنّه بدأ يتعاطى هذا النمط من الكتابة منذ منتصف الثمانينات. وقد جُنّست في سنتها من القصص القصيرة رغم أنّها كتابة قصصيّة جديدة لم يأنسها قارئ التسعينات وما قبلها، وبتراكم النصوص في هذا النّوع من القصّ، جاء مصطلح "القصيرة جدّا"، ليس لاختلاف جوهريّ عن خصائص القصّة القصيرة بل لإلحاح الكتّاب على تحقيق عناصر الأقصوصة في أقلّ حجم ممكن.

ونلاحظ أنّ الحدث القصصي ركيزة أساسيّة في معمارها النصّيّ. والأحداث متشظّية تخلّصت من بنائها الثلاثي المعروف، فما عدنا نجد بداية بسماتها المعروفة والمتدرّجة نحو الأزمة فالحلّ، بل يدخل الكاتب في الحدث مباشرة.

فهي قصّة عن معاناة الزوجة من الإهمال العاطفي والجسدي الذي قد يوقعها في المحظور، هذا الفراغ العاطفي وهذه الوحدة الحارقة أسباب قد تضعف المرأة وتدفعها إلى محاولة سدّ النّقص أمام غفلة الزوج وسكره وغرقه في الهمّ.

قصّة قصيرة جدّا ساعدتها الجمل البرقيّة الموجزة على الإيحاء، ولاءمها الحذف الكثير وإحداث البياضات بين الجمل، رغم أنّها قابلة للضغط والتكثيف والإيجاز أكثر دون الإخلال بدراميّة الحدث. ولا بدّ أن نشير إلى أنّ الحذف والإسقاط خصيصة أسلوبيّة أقرّها الدّارسون منذ تحديدهم لفنّ الأقصوصة.

2. س-و-س10 (صالح الدمس \ تونس)

عندما طلّق أبي أمّي كان يافعا يتسلّق سنته الثلاثين، وككلّ الرّجال كان له شارب أسود... و...

عندماّ طلّقت أمّي كانت مثل كلّ الصّبايا سمراء كالقمح تماما، ليس لها سوى شعرها المجدول كالسنبلة حين تنحني...

وككلّ المطلّقات عادت أمّي إلى...

حين طلّق أبي أمّي كنت صغيرا... آه... آه... لو انتظرا قليلا لما كان الذي كان.

والقصّة الثانية س.و.س كتبها الدمس منذ 1993، وهي أقلّ كلمات (53 كلمة)، وتخيّر في قصّه تقنية الحذف والإسقاط الكلّي لأحداث استغرقت سنوات عديدة، وقد تحقّق الحذف والإضمار بالنقاط المتتالية (...) وهي ظاهرة لافتة لا تخلو منها قصّة قصيرة جدّا. هي تقنية للتواصل غير اللّغوي مع القارئ، ودعوة مضمرة إلى ملء مساحات البياض وتأويل الفراغات. فبلاغة الحذف تعني أنّ الكاتب يقول الكثيرَ من خلال ما لا يقوله! وعلامات الحذف هي أساس الإضمار ولها مهامّ دلاليّة وجماليّة، بل هي ليست مجرّد محطّات تنفّسيّة وإنّما هي من توابع التفكير، ولا يضبط مقاديرها ومواطنها قانون سوى الفكرة المعبّر عنها.

وهذا الحذف حقيقة مُغر ومثير، له بلاغته، ويصبح فيه القارئ هو المشارك في إتمام الأحداث بالتخييل ورسم الشخصيّات وفق ثقافته وبيئته. وهو مبدأ يقرّ به الأدب الوجيز ويختصّ به، وبناء عليه تعدّ القصّة القصيرة جدّا من أشكال الأدب الوجيز لاعتمادها على عناصر أساسيّة كالإيجاز والحذف والتكثيف دون اعتبارها جنسا مستقلّا عن القصّة القصيرة.

فإنّ الحذف هنا تجسيد لانقطاع النفس أثناء تذكّر رحلة المعاناة التي مرّ بها السّارد بعد طلاق والديه وهو صغير، أب تقليديّ متسلّط قاس أوحى إليه بالشارب الأسود، وأمّ ريفيّة بسيطة عاملة كادحة أوحى إليها من خلال "شعر مجدول كالسنبلة" و"تنحني"، فكان ضحيّة انفصالهما وما عاناه من حرمان بأشكاله وضياع معنويّ وألم الوحدة والحزن وغيره من المشاعر السلبيّة جرّاء الطّلاق. والمقصد إشعار القارئ بمدى ألمه عبر الحذف، فهو عمليّة تجسيد للأفكار وتشكيل تعبيريّ للمعنى. فالقصّة هنا تشكّلت ببلاغة المسكوت عنه وبغير المقول le non dit. فيصبح القارئ هو الباني يتدبّر المسكوت عنه بآليّة التخيّل وهو المنتج بالتأويل انطلاقا من طاقة اللّفظ، لينسجَ مع الكاتب نَصًّا نَاضِجًا مُكْتَمِلاً.

3. كنتاكي11 (بسّام الأشرم \ فلسطين)

يتخطّفون أصابع أرجل ورؤوس دجاج مسلوقة من بين يدي أمّهم... وأب مُطرقا يتأمّل صغاره... يستعيد كلمات صاحب المذبح وهو يُزيح إليه بقدمه ما تراكم من تحته: -هنيئا لكلابك.

والحدث في القصّة الثالثة "كنتاكي" يتشكّل فكرة أو حالة تمثّل لحظة قصصيّة مفاجئة وخاطفة غالباً ما تكون مقتطعة من الحیاة الیومیّة، على غرار هذه اللّحظة القصصيّة بين أب مطرق يتأمّل صغاره يأكلون بل يتخاطفون فواضل دجاج من أصابع أرجل ورؤوسٍ يجمعها صاحب المذبح، ليقدّمها عادة للكلاب، تسلقها الأمّ لصغارها فتتراءى لهم في لذّة الكنتاكي، وهو أشهر أكلات الدجاج المقلي الأمريكيّة في العالم.

مفردات مكثّفة لتمرير رسالة اجتماعيّة هادفة تشير إلى شدّة الفقر والخصاصة التي يتساوى فيها الإنسان بالحيوان ويزاحمه في أكله. صورة مكثّفة، موحية لتمرير رسالة اجتماعيّة هادفة تشير إلى شدّة الفقر والخصاصة التي يتساوى فيها الإنسان بالحيوان ويزاحمه في أكله. فالكاتب لا يفصّل السرد ولا يسهب في التفسير، بل يتسلّح بالقصر الشّديد ليفجّر ذهن القارئ بالتفاصيل، فترتسم القصّة بحيثيّاتها وفق فهم القارئ وثقافته وبيئته.

في المقهى12 (بسّام الأشرم \ فلسطين)

كتب قصّةً قصيرةً عن عذراء في معتقل.. تئنّ من تحت أكفّ ضاغطة ورُكب راكعة.. بعينيها تنادي بقايا ملابس من حولها ممزّقة.. سمع لحروف قصّته أنينا فبكى.. تركها بجانب فنجان قهوته.. ومضى.

لحظة قصصيّة أخرى لا تقلّ ألما في قصّة "في المقهى"، لحظة اغتصاب عذراء في معتقل وقد انتهكوا جسدها واستباحوا عرضها من أجل فكرة او رأي. لكنّ الفكرة اليوم تُغتصب وتوطأ بالأقدام، وهي قضيّة عبّر عنها توفيق الحكيم في كتابه النقدي "تحت شمس الفكر"، يعبّر عنها بسّام الأشرم في سطرين عجيبين مؤثّرين يُسيلان الحبر والدّمع. ويُحدث بقدرة لغويّة وبلاغيّة قويّة مماهاةً بين القصّة والعذراء إلى حدّ التّقمّص، فحروف قصّتها تتقمّص معاناتها وتئنّ مثلها من فرط الألم وشدّة المعاناة قهرا وظلما، فهل يوجد أبشع منه مشهدا؟ وأشدّ منه قسوة وألما؟ وهذا المثقّف العاقل النّاضج الكفؤ كاتب قصّتها، رغم تأثّره، رغم بكائه وألمه، يترك قصّتها بجانب فنجان قهوته ويمضي، تخلّى عنها وتنحّى عن قضيّتها وترك قلمه وتنازل عن واجبه في فضح المغتصبين ونصرة المهزومين، خشية أن يتعرّض لهجوم أو يلحق مصالحه ضرر موهوم... ويُعنون الكاتب نصّه "في المقهى"، وهو مكان ذكوريّ مختلط، وكأنّ بالكاتب يقيم موازنة بين المقهى بزبائنه والمعتقل بحرّاسه، فكلاهما مكان جبن ودناءة. فكانت ضحيّة جرم مشترك بين رجل الأمن في المعتقل ورجل الفكر والقلم في مقهاه.



خطّ أحمر13 (بسّام الأشرم \ فلسطين)

يرنّ جوّالي -: بسّام...؟؟؟ - نعم أنا بسّام يمّا. – اسمعت أنّك استش.. هدت. - .. تشابه أسماء.. أنا بخير.. حيّ أُرزق يمّا. – يا حبيبي يمّا.. الحمد لله ربّ العالمين. تُعاود الاتّصال -: مُتأكّد أنّك بسّام..؟ - أنا اللّي وضّاتك الصّبح وبُست إيدك وافطرت معك فول يمّا. – صح والله.. يرضى عنك ويفرّج كربك.. حبيبي يمّا. ومازالت تعاود الاتّصال ومازلت أعاود طمأنتها خوفا على صحّتها، عند كلّ اتّصال كان الملَكان يتنحّيان جانبا لأجيبها ثمّ يعاودان مساءلتي.

لحظة قصصيّة أخرى في قصّة "خطّ أحمر" ينهض فيها الحوار بوظيفة السرد، فالوجيزة قادرة أن تحتضن كلّ الأجناس الأخرى حتّى خصائص الكتابة المسرحيّة مع شرط التكثيف والإيجاز، وقد نجح الأشرم إلى حدّ كبير في تصوير ألم أمّ فلسطينيّة (من خلال اختيار لغة الحوار، اللّهجة الفلسطينيّة) ثكلى فقدت بسمة حياتها باستشهاد ابنها بسّام، مرضت من هول الفاجعة التي لم يتحمّلها عقلها، فتهاتف ابنها الميّت غير مصدّقة خبر استشهاده، النص مهاتفة قصيرة بين الأمّ وابنها تضمر ألما مسكوتا عنه ولطفا ربّانيّا بهذه الأمّ مصرّحا به، ينزله اللّه على قلبها على قدر محبّته، يتنحّى الملكان جانبا كلّما ناجته أمّه إجلالا وتقديرا لألمها، وما إن يطمئنها ويخفّف بعضا من حزنها حتّى تعاود الاتّصال به تبحث عن صوته المفقود فيذكّرها ببرّه بها، ألم عظيم تتوقّعه الأمّ الفلسطينيّة في كلّ لحظة في ظلّ الكيان الصهيوني الغاشم، ألم قد لا تكفي صفحات للتعبير عنه، ينقله إلى القارئ في يسر شديد وأسطر قليلة مؤثرة تشهد له بالبراعة في كتابة الوجيز. وبقوّة غريبة يرتسم في مخيّلتنا وجه الأمّ ولم يصفها، وشكل بسّام ولم يحدّده، ونستنبط حادثة الاستشهاد وتفاصيلها وأثرها في الأمّ ولم يقل ذلك، فالقصّة هنا تشكّلت ببلاغة المسكوت عنه وبغير المقول le non dit. فيصبح القارئ هو الباني يتدبّر المسكوت عنه بآليّة التخيّل وهو المنتج بالتأويل انطلاقا من طاقة اللّفظ، لينسجَ مع الكاتب نَصًّا نَاضِجًا مُكْتَمِلاً.

وهل كان اختيار الكاتب لاسم بسّام قياسا على اسمه اعتباطيّا؟ لا شيء اعتباطيّ في القصّ ولا سيّما في الوجيز، ولعلّ الكاتب وضع نفسه محلّ أيّ شهيد وتخيّل ردّة فعل أمّه كيف ستكون. ومن هذه المخيّلة الصّادقة نشأ هذا النص الأليم المؤلم. ولعلّ الكاتب استنبط الفكرة تفاعلا وتناصّا مع الآية القرآنيّة من: "ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون"14، ولعلّ هذا ما يخفّف عن الأمّ ألم الفقد، أنّه حيّ يرزق في قلبها، متنعّم في رزق اللّه، فرح مسرور بما حباه به ربّه في الدّنيا وفي الآخرة.

وإذا كانت القصّة الوجيزة بهذه المواصفات، فحتماً لن يكتبها غير متمرّس خبير باللّغة، قاصٍّ بارعٍ في بلاغة الإيجاز ومتقنٍ للّغـة بمستوياتها.

6. غابة 15 (علي بنساعود \ المغرب)

كان الأطفال يرسمون الرّبيع.

تسلّلت بندقيّة.

روّعت الطيور والفراشات...

كما هو واضح في قصّة "غابة"، جمل قصيرة تختزل أفعال الطغاة وجرائم الإرهاب المتسلّل إلى المجتمعات، من اغتيال للطفولة واغتصاب للأحلام وتشويه للوجود. فالكاتب اختزل أحداثا إنسانيّة قد تُسيل الحبر للتعبير عن تفاصيل المعاناة في مئات الصّفحات، اختزلها في تسع كلمات. كلّ كلمة في هذه القصّة نواة تتفجّر في ذهن القارئ إلى شظايا من الصّور.

فالإيجاز والتكثيف يولّدان بياضات وإيحاءات تحتاج قارئا يسدّها عبر إعادة بناء القصّة بآلية التخيّل والتأويل. والقارئ الذي لا يملك من المعاول للتفجير سوى ذكائه وذوقه وثقافته المشتركة مع المؤلّف يصبح في السرد المكثّف منتجا ويجد مخيّلته أَمَامَ تَحِدٍّ حَقيقيٍّ لينسجَ مع الكاتب نَصًّا نَاضِجًا مُكْتَمِلاً.

وهذا التكثيف الشديد قد يخفق فيه الكثير من الكتّاب لصعوبته. إذ من اليسير الوقوع في السرد الطلسمي والتعتيم، فيستغلق المعنى، ويضيع الفتيل بين الكاتب والقارئ ويغيب الخيط وتتوارى الدّلالة فيأتي الظلام. فبعض الكتّاب الذين قدروا على الكثير ألقوا بأنفسهم في يمّ الوجيز وهو لا يجيدون السباحة فيه، فبعض النّصوص لا تتوفّر فيها مقوّمات القصّ ولا سمات الوجازة في مفهومها الحديث (القصر، التكثيف، التشظّي، الإيحاء دون إلغاز، القفل الصّادم). وفي هذه المرحلة قد يختلط الجيّد بالغثّ ولا سيّما أنّ هذه السّمات الجديدة مازالت على رمال متحرّكة ومازال بعض الكتّاب لا يعُونها بوضوح، فليس كلّ سرد قصير جدّا هو قصّ، وليست كلّ قصّة قصيرة جدّا هي وجيزة، وليس كلّ غموض هو تكثيف. بل التكثيف الدّالّ المولّد قد يخفق فيه الكثير من الكتّاب لصعوبته.

ومن هنا نقرّ بأنّ القصّة الوجيزة صعبة كتابة ونقدا ولا سيّما أنّها مازالت تبحث عن نفسها، ولأنّها تختزن في مفرداتها عصارة التجربة الثقافية والفلسفيّة واللّغوية الجماليّة للكاتب.

7. أثمان 16 (عبد المجيد أحمد المحمود \ سوريا)

وهم يعلّقونه في المشنقة، توسّل إليهم أن يخبروه بمن وشى به.. أجابه الضّابط بابتسامة ساخرة: العصفورة... حينها تذكّر روايته... تذكّر كيف حرّرها (في الخاتمة) من قفص (التلغيز والكناية والإيحاء) صارخا: اذهبي، أنت عصفورة طليقة.

صكّ الغفران17 (عبد المجيد أحمد المحمود \ سوريا)

أدمن الزّحف حذاء (الحيط)... يخرّ عليه... يدفنونه... يكتبون على شاهدة قبره (هكذا يستشهد المخلصون)

سائق وشهيد18 (عبد المجيد أحمد المحمود \ سوريا)

يعود إلى الوطن بعد غياب طويل، على جناحي شوق عظيم... يركب سيّارة أجرة، يطلب إلى السّائق أن يأخذه إلى أكثر الأماكن التي يحبّها أبناء وطنه... باكيا يستدير السّائق عائدا به إلى المطار.

قصص شديدة القصر عبد المجيد أحمد المحمود، قويّة التكثيف، تصبح فيها الشّخصيّة عبارة عن علامة سيميائيّة تحضر في صور مختلفة. شخصيّات نكرة، لا تحمل هويّة، ولا اسمًا ولا صفات إلّا بما يجود به الكاتب من صفات محدودة وظيفيّة ينتقيها لغايات دلاليّة. وقد يغيب الزمان والمكان في بعض القصص، فلا أطر محدودة، ولا هويّة مكشوفة، ولا صفات مُرسلة، بل هو الاقتصاد ما أمكن، والاقتضاب المتمكّن الذي لا يحتمل الزوائد المخلّة بجماليّة هذا الجنس. بل اعتمد الإيحاء الشديد ليجعل القارئ يبذل جُهدًا كي يتفاعل مع النصّ ومدلولاته، وتحفّز ذاكرة المُتلقّي وتحثّ خياله على التأويلٍ والتفسيرٍ والاستنتاجٍ الإيديولوجيّ انطلاقا من المفردات التي يستعملها الكاتب بعناية فائقة.

وكاتب القّصة الوجيزة يستعمل اللّغة استعمالا خاصّا، يختار ألفاظه بعناية كما في قصّة "أثمان"، يمرّ بنا عبر لغة مكثّفة، عبر محطّات يجبرنا فيها على التوقّف والتأمّل في العمق الدّلالي، وإعادة القراءة للخروج بحصيلة ممتعة من الصور التي تبني عالم القصّة، بل الكاتب بأسلوبه يكثّف لقطة ويشحنها بفلسفته وثقافته ومواقفه، كلقطة المحاكمة الفكريّة والحكم بالإعدام على الكاتب الذي يصرّح بأفكاره ويطلق آراءه بحرّية، ولعلّ أحمد المحمود يلتقي مع الأشرم في إثارة قضيّة القمع الفكري والتنكيل بالمثقّفين نساء ورجالا.

أو في قصّة "صكّ الغفران" راهن الكاتب على طاقة المفردة الواردة بين قوسين (الحيط) لإحداث المفارقة وتحريرها من معناها الأصلي، من معنى الجدار إلى معنى الحيطة والاحتياط والإفراط في الحوط والحذر والاحتراز إلى حدّ الجبن والسلبيّة والتواطؤ مع الباطل والسكوت على الحقّ إرضاء لذوي النّفوذ وإخلاصا وموالاة لهم لنيل الحظوة عندهم، إشارة إلى دناءة بعض الأقوام وصفاقتهم.

أو في قصّة سائق وشهيد، انتقى الكاتب مفردة "المطار" لها طاقة دلاليّة قويّة لاختزال معاني الغربة والهجرة والضياع والمعاناة التي يتخبّط فيها الشباب بعد الثورة، فالبكاء كان على جراح الوطن الذين يغادره أبناؤه دون رجعة.

ويولي كاتب الوجيز أهمّية قصوى للعنوان الذي يؤدّي وظائف معيّنة ربما أبرزها تزويد المتلقي بعناصر دلالية تدفعه للقراءة أولاً وتعينه في الكشف عن الدلالات العميقة للمتن الإبداعي ككلمة شهيد في العنوان قيّدت دلالات النص بالثورة، أو يؤدّي وظيفة النّقد السّاخر كعنوان صكّ الغفران كشف عن سخرية لاذعة من حماقة بعض النّاس حين يرون السكوت عن الحقّ إخلاصا، وهو تناصّ يذكّرنا بفساد ابن القارح في رسالة الغفران. إضافة الى وظيفة العنوان عنصر إثارة يقود القارئ أو المتلقّي إلى عبور أسوار النص وعتباته الأخرى وسبر أغواره. وفي الحقيقة يختلف عنوان القصّة الوجيزة عن عنوان السرود الأخرى فيهمز ولا يفضح، ويقول ما أضمره النص مع ضرورة التكثيف.

أمّا القفلة، فهي تُعدّ مقوّما أساسيّا في القصّة الوجيزة لأنّ فيها التّحفّز والإدهاش، هي لحظة الكشف عند القارئ، لحظة الصّدم والإرباك. فأتت القفلات في هذه النصوص عفويّة تبعث على التّأمل والدّهشة من مرارة الواقع ومن كفاءة الكاتب في إخراج كلّ هذا الألم والبؤس في سطرين من الكلام.

فالخطاطة السّرديّة الوجيزة حينما تكون مسبوكة جيّدا بلا تعمية خانقة ولا مباشرة قاتلة، فإنّها تحقّق الإمتاع والإقناع من العنوان إلى القفلة، كلّها عضويّة واحدة منسجمة تتكتّل عناصرها لبناء عالم القصّة، وهنا يكمن الإبداع الحقيقي في كتابة الوجيز.

أمّا المفارقات والسخرية والتناصّ والرّمز في هذه القصص فهي سمات لم تختصّ بها القصّة الوجيزة بل أقرّها الدّارسون منذ تعريفهم للأقصوصة وقد يشتر ك فيها الشعر والسرد. فهي أدوات ووسائل توظّف بكلّ عناية في كلّ عمل فنّي: في الشعر، في القصّة بأنواعها، في الرواية، في الرسم التشكيلي، في النّحت، في المعمار، في الرّقص ... فهذه السمات تسكن الحياة، وتغني النص وتمنحه أبعادا.

فالواجز كمن رمى سطح الماء بحجر صغير فاتّسعت حوله دوائر صغيرة وكبيرة، والخطاطة السّرديّة الوجيزة حينما تكون مسبوكة جيّدا بلا تعمية خانقة ولا مباشرة قاتلة، فإنّها تحقّق الإمتاع والإقناع من العنوان إلى القفلة، كلّها عضويّة واحدة منسجمة تتكتّل عناصرها لبناء عالم القصّة، وهنا يكمن الإبداع الحقيقي في كتابة الوجيز بانتقاء محكم للمفردات وطاقاتها، كخبرة فيزيائيّ عارف بنتائج تجاربه وقوّة المكوّنات التي اختارها إذا تفاعلت فيما بينها. فكيف يشكّك البعض في قدرة هذا الوجيز على التعبير عن قضايانا وشواغلنا وآلامنا؟

تحليل نماذج من السرد الوجيز الطّلسمي

ملل (محمد إقبال حرب، لبنان)

وُلدت ولم يكترث أحد، زارني ملك الموت، ولم يشيعني أحد. عدت مرّة أخرى فلكزني الجميع. انتحرت فأنقذني الشيطان. تبّا لهذه الأحكام الجائرة.

لا علاقة لهذا النص بفنّ القصّ الوجيز سوى في القصر وحضور السّرد من خلال استرسال الجمل الفعليّة وأدوات الرّبط وعلامات التنقيط. ومتى حاولنا البحث فيه عن مقوّمات القصّ التي تنهض عليها كلّ قصّة، لم نجد سوى سرد عاديّ لا يرتقي إلى مستوى الأدبيّة والجماليّة المنشودة في كلّ فنّ من فنون القصّ. فلا حبكة ولا حدث ولا مظاهر تكثيف أو تركيز، ولا عقدة، ولا فكرة ذات مغزى، لأن صاحب النصّ أن يستجيب لخاصّية التشظّي في عناصر البنية الحدثية، فوقع في فوضى السرد وتجاورت الجمل دون رابط علّي ظاهر أو خفيّ، فلم يحقّق الجماليّة المنشودة النّابعة من الاتّساق الدّاخلي لعناصر القصّ، فبنية التشظّي في القصّة الوجيزة لا تعني تشّتّت الأفكار وبعثرتها كيفما حدث، ولا نقصد بها إحداث فوضى بين الجمل إلى حدّ تدمير المعمار القصصيّ. وفي هذا النصّ جاء التشظّي مفتعلا، غير قابل لإعادة البناء، والخاتمة غير تلقائيّة لا تخلو من تعسّف وإسقاط. وهو ما أفضى بالنصّ إلى حدّ الغموض العقيم الذي لا يضفي قيمة جمالية على النصّ، ولا يجعل النص قابلا لتعدّد القراءات والتأويلات. وهو ما أحدث قطيعة بين النص والمتلقّي الذي يريد نصّا قريبا من فهمه وذائقته. وكلّما زاد الكاتب في التشظّي الاعتباطيّ إلى حدّ القطع مع المعنى والتعتيم خفّ بريق الإبداع في النص وكأنّه يكتب لذاته!! ما يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى الكتابة الوجيزة إذا أصبح ثالوث الكتابة الكاتب، المتلقي، النص، يحيا في قارات منعزلة؟



ذاكرة الماء (سميّة تكجي، لبنان)

على غفلة من النّاس مدّ يده إلى شبكة الصّيّاد ورمى بعض الأسماك إلى البحر. ثم قال مسكين هذا الصّيّاد لم يحظ إلّا بسمكة واحدة. ابتسم الصّيّاد ابتسامة حزينة، أضاءت عيناه كنجمتين، وتلألأت الأسماك في ملامح الماء...!!!

يوجد تنامي الحدث، وتتوفّر الحكائيّة، إذن هي قصّة لا تخلو من بنية حكائيّة ماثلة في الجمل الفعليّة وترابطها حدثيّا واتّساق عناصرها القصصيّة. لكن الملفت للنّظر أنّ هذه القصّة رغم قيام عنوانها على المفارقة المغرية والمشوّقة التي تعد بحكاية مثيرة، تنحدر نحو اللّامعنى وتغرق في التعتيم الثقيل. وبما أنّه لم يتيسّر لنا ظاهر المعنى، قلنا لعلّه داخلي وغائرٌ في أعماق النص لا يدركه عوامّ القراء. وهذا الشيء الغائر في النص هو الرمز الذي يتوسله المبدع وسيلة فنية عميقة تكشف عن طاقته واقتداره على تجاوز المعنى الظاهر للنص الإبداعي. وفي هذه المساحة المحدودة من القراءة وقفنا ما أمكن على الرمز في هذا النص: رمز الصيّاد والبحر والماء، ووقفنا عاجزين أمام صلاتها بالعنوان والمغزى من هذا التمثيل وهذا التشكيل الجماليّ الملغز. إذ من اليسير الوقوع في السرد الطلسمي والتعتيم، فيستغلق المعنى، ويضيع الفتيل بين الكاتب والقارئ، ويغيب الخيط وتتوارى الدّلالة فيأتي الظلام. يقول كمال العيادي في حديثه عن القصّة القصيرة جدّا في مقال منشور بجريدة القاهرة: "غرفة السرد لا نثقلها ضوءا، ولا نحرقها ظلاما، هي كتابة تتخفّى وراء غمزة الإشارة وغنج العبارة، وتتقنّع وتتمنعّ ". ولعلّ التكلّف في التكثيف والتركيز سينتج نصوصا ينبغي علينا أن نجد لها تجنيسا مغايرا للقصّة الوجيزة.

.خاتمة:

شاهد هذا الوجيز طيلة السنوات الماضية ضروبا شتّى من الرفض والاستهزاء والاستخفاف بقدرة هذا النوع من الكتابة الوجيزة على التعبير عن قضايا العصر وعن ذات الإنسان ووجوده..

وازداد هذا الرّفض أمام ما أصاب الأدب من استسهال وإسهال، يتراءى لغير الفاهم أنّ الكتابات الوجيزة سهلة الصناعة والإنشاء. فتراكمت النّصوص بغثّها وسمينها في غياب النقد الجادّ ما ساعد على الإنتاج الرّديء العاجز عن التكثيف والتورية. وأفضى كلّ ذلك إلى فوضى في المفاهيم والإنتاج. ودور الناقد يكمن في تأصيل المصطلح والنوع والتأسيس لمنظومة نقدية خاصة بهذا الأدب بهويّته الجديدة، ولإخراج هذه النّصوص من خانة المجاملات والعلاقات الشخصيّة. ونحن نرى أنّه من واجبنا في هذه المرحلة التي بلغ فيها النّقّاد حالة من الركون إلى المفاهيم النّقديّة الثابتة حرصا على القديم ورفضا لكلّ جديد يمكن أن يخلخل راحة تمكّنهم من السّائد، أن نعيد إحياء الحركة النقدية الفاعلة التي من شأنها أن تعيد النّاقد إلى موقعه الحقيقي في حركة الأدب، لأنّ معظم كتاباتنا النقديّة هي إعادة صياغة لما سبق وكأنّنا مفصولون عن حركة العصر ومفاهيمه وقيمه الجديدة.

ولعلّنا نعد بدراسة نقديّة جادّة نتناول فيها مسألة الأدب الوجيز اصطلاحا وأجناسا لنثبت وجهة نظرنا القائلة بأنّ الوجيز في الشعر يضمّ ثلاثة أجناس أدبيّة بحكم قانون التّطوّر: ما يصطلح عليها بالأقصودة قياسا على الأقصوصة في النّثر، والهايكو، والومضة، وفي النثر الوجيز نرتئي وجود ثلاثة أجناس أيضا: هي الشذرة وهي كتابة وجيزة خالية من القصّ، والقصّة القصيرة جدّا والقصّة الوجيزة، مع اعتبار القصّة القصيرة جدّا من أشكال الأدب الوجيز لكنّها ليست جنسا جديدا بل هي من جنس الأقصوصة للأسباب التي أتينا عليها بإيجاز في هذه الورقة. ومن القصّة الوجيزة انسلّت أنواع أخرى لا تمثّل أجناسا مستقلّة على نحو القصّة الومضة.

ومن المفيد التأكيد أنّ هذه المقاربة الأجناسيّة غير مستقرّة وغير نهائيّة وقابلة للتعديل والتغيير، ولا ننكر وجود ضبابيّة في تحديد سمات هذا الجنس وخصائصه. فمنذ العصور القديمة إلى اليوم لم يتوقّف الجدال بين أصحاب نظريّة الأجناس الأدبيّة (ستامبل وشولس وياوس) وكان النّقاش حادّا ومتباينا حول تعريفها وعددها وعلاقاتها وحول وجودها ذاته.





1 جميل بن علي، الأجناس الوجيزة في النثر العربي القديم، منشورات جامعة سوسة، كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، 2023، ص39.
2 أدونيس، الأدب الوجيز هويّة تجاوزيّة جديدة، عمان، دار جليس الزمان، 2020، ص20
3 التصّور البلاغي الحديث تجاوزت فيه الاستعارات المجال اللّغوي وصارت عرفانيّا هي التي نحيا بها وتخترق ممارساتنا الحياتية اليوميّة، ونفهم بها ذواتنا وعالمنا. كما ذهب إلى ذلك لايكوف وجونسون في كتابهما الاستعارات التي نحيا بها.
والبلاغة باتت أمرا يتجاوز اللّفظ إلى الخطاب حيث تنبهر حين تتيح اللّغة إجراء تلك الصورة الجماليّة للتأثير في السامع وحمله على الانتباه إلى رؤيته المختلفة إلى العالم من خلال البلاغة والترميز الذي يكون محمّلا بعمق التجربة الإنسانيّة والنظرة الوجوديّة. ومن منظور أنّ الكلام الوجيز هو البليغ، أو أنّ البلاغة في الإيجاز، تغيّر مفهوم الوجازة بتغيّر التصوّر البلاغي الحديث. وبناء على ذلك كلّ نصّ أدبيّ هو "نسيج استعاريّ تؤلّف خيوطه بنى ذهنيّة متآلفة، طبقات من الموادّ القديمة والجديدة ترسّبت في الذاكرة منذ عقود وتظلّ قابعة هناك حتّى تستدعيها بناء الخطابات"، محمد بازي، البنى الاستعاريّة نحو بلاغة موسّعة، الرّباط دار الأمان، 2017، ص120)
4 علي بنساعود، ظلال ذابلة، الرباط، مطبعة الأمنية، 2013، ص117.
5 رياض انقزو، تونس، 2019
6 الشعرية la poétique مفردة مؤنثة وهي اسم يعني قواعد الشعر وخصائصه. أمّا الشاعرية le poétique مفردة مذكرة وهي صفة لما يلامس الشعر في روحه وجوهره. والشعر poesis في حقيقة الأمر كما تحدّث عنه أرسطو في كتابه البويطيقا poiêtika هو جزء من هذه الشاعريّة لأنّها لا توجد في فنّ الشعر وحده بل في كلّ أشكال الإبداع في الأدب والموسيقى والرقص والمسرح.
7 الإيقاع لم يعد حكرا على القيس والوزن والتوازي والتكرار، بل هو حركة الذات في ملفوظها على حدّ قول ميشونيك وأحمد حيزم. نحن أمام ذات تحاول أن تعي بنفسها من خلال تأمّلها في ذاتها وفي الأشياء التي تحيط بها. فلكلّ ذات إيقاعها أي حركتها في ملفوظها وطريقتها في الاستحواذ على اللغة وإجرائها إجراء خاصا. وينبغي تتبّع هذه الحركة من خلال مستويات اللغة لندرك المعاني من خلال طرائق الذات في إخراجها.
8 لهذه الشعريّة صدى في "المؤنسة" أشهر قصائد قيس مجنون ليلى:
فليت ركاب القوم لم تقطع الغضا وليت الغضا ماشى الركابا لياليا: فكان في شكواه بين الرّجاء والتمنّي، حيث رجا عدم مرور الركب من هذا المكان، ثم تمنّى لو رافق هذا المكان الرّكب ليالي.
9 صالح الدمس، حكايا الأمير، تونس، دار سحر، 1993
10 صالح الدمس، حكايا الأمير، 1998
11 بسّام الأشرم، فلسطين، 2019
12 بسّام الأشرم، فلسطين، 2019
13 المرجع نفسه
14 سورة آل عمران، الآية 169
15 علي بنساعود، ظلال ذابلة، الرباط، 2013
16 عبد المجيد أحمد المحمود، سوريا، 2020، وهو طبيب مختص في الأمراض الصدريّة.
17 المرجع نفسه
18 م. ن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى