أ. د. عادل الأسطة - تداعيات الحرب في غزة ٢٠٢٣ ملف -ج2- (21..35)

ج2

21- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : الصمود على بكسة حامض : " سحر خليفة وعزمي بشارة ويحيى السنوار"

كتب إميل حبيبي " باق في حيفا " وبقي ، ونطق قبله توفيق زياد باسم الباقين من شعبه " هنا باقون " وصمدوا ، مع ما هم عليه في هذه المقتلة من صمت ، خلافا لما كانوا عليه في ال ٧٤ عاما السابقة ، ليظلوا على أرضهم في ظل توغل اليمين الإسرائيلي وصدمته وردة فعله الجنونية مما حدث في ٧ أكتوبر ، وكتب كتاب آخرون عن الأرض والتشبث بها وماتوا فيها ، ومنهم سميح القاسم ومحمد نفاع ، أما محمود درويش فقال إن أباه نهاه عن السفر ، فمن لا وطن له لا قبر له ، ولكنه لم يلتزم بما قال ، ولحسن حظه هو وراشد حسين أنهما على الرغم من مغادرتهما فلسطين دفنا في ترابها .
في أثناء متابعة الرواية والوقوف أمام فكرة البقاء والصمود أستحضر ثلاثة أصوات لها تأثيرها في الواقع الفلسطيني هي سحر خليفة وعزمي بشارة ويحيى السنوار .
عرفت سحر روائية وعزمي مفكرا والسنوار سياسيا . أنجزت الأولى ما لا يقل عن عشر روايات والثاني روايتين والثالث رواية ، وفي الرواية تتعدد الأصوات الروائية وتتنوع ، والحكم على موقف الروائي ، من البقاء أو الرحيل ، لا يعتمد على ما يقوله الشخوص بل بما يمارسه الروائي .
تشبث بطل حبيبي بخازوقه ورفض الهجرة ومثله حبيبي نفسه ، ولا نستطيع أن نخوض في هذا ونحن نناقش حالة كنفاني ، لأنه في ١٩٤٨ حين ترك عكا كان في ال ١٢ من عمره ، أما الحسيني ؛ جمال واسحق ، فكتبا وهما في القدس ؛ وجد الأول نفسه خارجها في ١٩٤٨ وفي ١٩٦٧ ومات الثاني فيها ودفن .
خليفة التي أقامت في نابلس حتى ١٩٩٣ استقرت لاحقا في الأردن ، وبشارة الذي ولد في الناصرة وعاش فيها غادر إلى العالم العربي ، وأما السنوار فما زال في غزة وهو الذي قاد أحداث ٧ أكتوبر .
في روايات سحر التي كتبتها في الأرض المحتلة شغل موضوع الأرض والبقاء فيها حيزا كبيرا من صفحاتها ، وقد بدا ذلك في " الصبار " و " عباد الشمس " وبدرجة أقل في " باب الساحة " و " الميراث " .
في " الصبار " ( ١٩٧٦ ) تصوير لواقع أهل نابلس بعد ١٩٦٧ ، هؤلاء الذين صاروا بالآلاف عمالا في المصانع الإسرائيلية التي دفعت لهم أجورا مرتفعة أغرت كثيرين منهم بترك الأرض وإهمالها ، ومع ذلك فقد كان سلوكهم هذا أفضل من الهجرة إلى . لقد فضلوا البقاء والعمل على الهجرة إلى وصاروا يتغنون بالبقاء والصمود .
" أنا صامد صامد
على بوكسة حامض "
يردد طفل فلسطيني يسخر من الصمود ، ولكنه حتى في عبارته الساخرة هذه يعكس حوارات كثيرة دارت على الألسن يدعو أصحابها إلى عدم الهجرة ؛ التي بدأت مع حرب أكتوبر ١٩٧٣ تتزايد بخاصة إلى دول النفط التي فتحت حدودها للوافدين ودفعت لهم الأموال المغرية .
إن نغمة الحزن على ما ألم بالأرض منذ هجرها مالكوها وصاروا عمالا في المصانع الإسرائيلية تبرز بجلاء على ألسنة شخوص الرواية المنتمين وطنيا ، وتستمر هذه النغمة أيضا في الجزء الثاني " عباد الشمس " ( ١٩٧٩ / ١٩٨٠ ) .
في " باب الساحة " ( ١٩٩٠ ) التي كتبت عن الانتفاضة الأولى إتيان على التضحيات الجسام في مقاومة الاحتلال ، وتنتهي الرواية بمشاركة فعلية لإحدى الشخصيات النسوية بالمجابهة من أجل فلسطين التي تصورها بغولة تأكل أبناءها .
"الميراث " ( ١٩٩٧) التي تأتي على مرحلة السلام المبندق ، كما تقول روح الرواية ، معبرة عن رؤية سحر ، لا تشجع على البقاء ، فعادل القادم من ألمانيا ليستقر في وطنه يفاجأ بحجم الخراب ، فيقرر العودة إلى حيث جاء . هل كان ما قام به هو ما يدور في أعماق الكاتبة ، إذ سرعان ما غادرت أيضا لتستقر في عمان ؟
لا يختلف بشارة ، في روايته " حب في منطقة الظل " ( ٢٠٠٦ ) ، عن خليفة .
عزمي ابن الناصرة مدينة توفيق زياد صاحب قصيدة " هنا باقون " التي تتلمذت عليها أجيال من الفلسطينيين الباقين فتغنوا بها وصمدوا ، عزمي مع تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لهؤلاء السكان ، إثر اتفاقية أوسلو ، عبر على لسان بطله عمر عن شعوره بالغربة وعدم الانسجام ، ما جعله يفكر بمغادرة أرض الآباء والأجداد . ما فكر فيه عمر مارسه عزمي الذي غادر واستقر في قطر .
عندما قاربت الرواية ، رابطا بين سلوك الشخصية وسلوك عزمي ( ٩ / ٩ / ٢٠٠٧ ) ، مرر لي الكاتب في مؤتمر جامعة فيلادلفيا في الأردن في ٢٠٠٩ ، وكنا معا على المنصة ، قصاصة وصف بها ملاحظتي بأنها ذكية .
عموما لقد سار الكاتبان على خطا محمود درويش وغادرا فلسطين ، ما دفعني لأكتب " سحر وعزمي على خطى محمود درويش " ( ٨ / ٩ / ٢٠١٣ ) .
اختلف يحيى السنوار في روايته الوحيدة التي يمكن أن تعد " سيرة روائية " " الشوك والقرنفل "( ٢٠٠٤) عنهما ، فهو الذي أنفق أكثر من عشرين عاما في السجون الإسرائيلية تشبث بالأرض وآثر البقاء ، على الرغم من قسوة الحياة في غزة . لقد عبر عنها في الرواية من خلال شخصية إبراهيم زوج مريم .
عندما كانت سبل الحياة في غزة تضيق تقترح أم زوجته عليه أن يخرج إلى الأردن عله يحصل على فرصة عمل في السعودية ، ولكنه يرفض الاقتراح ويحسم أمره بالبقاء وعدم مغادرة غزة ولو عاش فيها على الخبز وحده ، وعندما أنجبت مريم طفلة أسماها إسراء حتى تذكره كلما رآها بواجبه تجاه أرض الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى " وبما أن الأولاد أحد أسباب تقاعس الناس عن الجهاد ، فإن تسميتها إسراء يجعل هذا سببا لدفعي لواجبي ، بدلا من أن يكون سببا لتقاعسي " .
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٥ / ٢ / ٢٠٢٤ )
السبت والأحد والاثنين ١٧ و ١٨ و ١٩ / ٢ / ٢٠٢٤

***

22- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : يوميات مقتلة غزة وإبادتها وإهلاكها جوعا

لا أعرف إن كان هناك من كتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ؛ يوما يوما صباح مساء ، ولا أرجح أن من يكتب اليوميات أو يصدر كتابا تحت عنوان " يوميات " كتبها يوما يوما ، ولنا في الأدب الفلسطيني نماذج من خليل السكاكيني " يوميات السكاكيني " مرورا ب " يوميات الحزن العادي " لمحمود درويش و" يوميات غزة " لمعين بسيسو ، والأول هو أكثر من كتب اليوميات يوما يوما .
كنت أتابع صفحات عديدة لكتاب غزة المقيمين فيها لأقرأ يوميات ، فلم تشف غليلي باستثناء ما كتبه عاطف أبو سيف الذي عاش أجواء الحرب حتى يومها الخامس والثمانين ، ثم خرج من معبر رفح .
ولكي أكون أكثر صدقا فإن الصفحات التي تابعتها هي لعثمان حسين ونعمة حسن وطلعت قديح ومحمود جودة وعمر حمش ومريم قوش وشجاع الصفدي وخضر مححز وآلاء القطراوي ، وهناك إبراهيم خشان الذي لم أقرأ له من قبل . لقد كتب هؤلاء ، ومنهم من كتب يوميا ، ولكن نصوصهم كانت قصيرة غالبا ، وغالبا ما غلب عليها الطابع الإخباري ، ولا يعني هذا أن قسما منهم لم يكتب نصوصا تنفلت من السمة الإخبارية ؛ نصوصا لا تخلو من جماليات ما .
هل كان لسان حالهم هو قول محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) :
" الشهيد يعلمني : لا جمالي خارج حريتي " ؟
عندما كنت أحيانا قليلة ألتفت إلى خطأ لغوي أو نحوي - قد أقع أنا أيضا فيه - رد علي بعض الكتاب أن هذا ليس وقته .
كان أبو سيف بصفته الروائية يكتب موظفا قدرته اللافتة في السرد . كان يكتب في ظروف صعبة قاسية ، واللافت هو اهتمامه بالتفاصيل التي خلت منها كتابات الآخرين ، وعندما سألته كيف يكتب ما يكتب في هذه الأجواء ، أجابني بأنه يعاني كثيرا في الحصول على النت وشحن اللابتوب ، وأنه يستغل أماكن ، يرتادها في ساعات محددة ، تخلو من البشر .
وأنا أتصفح بقية ما كتبه غيره لاحظت أن أغلب كتاباتهم أقرب إلى المقطوعات القصيرة التي تصف ، وتعبر عن مشاعر آنية لحظية ، نادرا ما حفلت ببعد معرفي مستمد من كتابات سابقة ، وغالبا ما كان سبب ذلك الحالة النفسية وانقطاع الكهرباء والنت وعدم توفر أجواء القراءة والكتابة في ظل الاكتظاظ السكاني في الأماكن التي يقيمون فيها .
ومما لاحظته أيضا أن نصوص أدباء غزة في حروبها السابقة لم تستحضر ، فالحرب هذه هي استمرار لحروب عديدة عاشها القطاع من قبل ، من ١٩٥٦ و ١٩٦٧ حتى ٢٠٢١ وهذه الحرب ، وهذا دفعني إلى التساؤل عن السبب :
- أهو الظرف الذي يمرون به أم هو انقطاعهم عن قراءة النصوص السابقة أم عدم بقائها في ذاكرتهم ، إن هم قرأوها ؟
هذه الحرب هي استمرار لحروب سابقة ، وما يتردد فيها من حديث عن تهجير وإبادة كتب عنه إبراهيم طوقان ، وما يقال عن تهجير وتوطين في سيناء كتب عنه معين بسيسو في كتابيه " دفاتر فلسطينية " و " يوميات غزة " عن خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن ٢٠ ، وبالتالي يفترض أن تستحضر ذاكرة الكاتب تجارب سابقة ليبني عليها .
عندما بدأت أكتب يوميات غزة في هذه المقتلة ، وكنت كتبت يوميات حرب ٢٠٢١ ، وجدتني أعيش الحرب وأعيش أيضا الحروب السابقة ، كما كتب عنها كتاب كثر سابقون ، غير طوقان وبسيسو ، وأبرزهم محمود درويش وهارون هاشم رشيد وغريب عسقلاني ومريد البرغوثي وفدوى طوقان وزياد عبد الفتاح ... و .. ولعل ما ساعدني في ذلك هو ذاكرة ممتلئة بالنصوص السابقة ، ومكتبة تحفل بها كتب أصحابها ، وترف وقت لم يتوفر لكتاب غزة المقيمين فيها ، وقلق اللحظة قلقا إيجابيا لا قلقا سلبيا ، وتفرغ تام للكتابة تفرغا لم يحفزني لقراءة كتاب أو موضوع خارج محيط المقتلة ، وربما لأول مرة منذ عقود لم أقرأ كتابا جديدا أو أشاهد مبارة كرة قدم أو ... .
غير أن الذاكرة والنصوص السابقة وترف اللحظة والحالة لم تكن كلها وراء ما كتبت ، فهناك نشرات الأخبار وأشرطة الفيديو وقراء الصفحة وملاحظاتهم وهم لا بأس بهم ، وما أسمعه في الحافلة وفي الشارع أيضا على قلته ، ثم الأصدقاء الذين أمطروني بأشرطة فيديو ومقالات وحوارات بيننا عبر الماسنجر غالبا أو عبر الهاتف ، وكنت أصوغ بعض هذه الحوارات لتثري النص المكتوب ، كما كنت أتكيء على التعليقات أحيانا في كتابة موضوع استوحيته منها .
في حوار مع إحدى الفضائيات سألتني المحاورة إن كانت كتابة اليوميات مرهقة فأجبت بأنها تستهلك مني وقتي كله ، ولكن ما قيمة هذا أمام ما يعانيه المواطنون الغزيون !!
كتابتي هي كتابة من خارج مكان المقتلة . هكذا يجب أن ينظر إليها ولا أظنها مختلفة اختلافا كليا عن تلك اليوميات التي كتبتها في العام ٢٠٢١ .
في العام المذكور بدأت أكتب سلسلة يوميات تحت عنوان " ذاكرة أمس " واخترت لها أولا مدينة نابلس وشارع النصر في البلدة القديمة منها ، ثم اندلعت الحرب في غزة فشعلتني عن الشارع وما فيه ، وعندما بلغ عدد اليوميات مائة وجمعها لي الصديق المغربي مهدي ناقوس فكرت أن أصدرها في كتاب طلبه مني صاحب مكتبة دار الشامل في نابلس ، وتعذر إصداره . لقد اخترت للكتاب عنوان " يوميات شارع النصر وحرب غزة " .
في الحرب الدائرة حاليا اتصل بي الروائي زياد عبد الفتاح المقيم في مصر واقترح علي أن نصدر معا كتابا يحوي ما كتبه وقسما مما كتبت وهو ما كان ، فقد صدر الكتاب في هذا العام عن دار ميريت المصرية . وأظن أنه سيمكن القراء من التمييز بين شكلين من الكتابة ، وإذا قرأ المرء كتاب عاطف ابوسيف فسوف يرى الفارق واضحا بين الكتابة عن الحدث من غزة ومن الضفة الغربية ومن القاهرة .
والخلاصة أن كتابة يومياتي ما كان ليتم على ما كانت عليه لولا رفد الآخرين لي بمواد واقتراحات وأشرطة . إنها يومياتي ويومياتهم ويوميات غزة .

الأربعاء والخميس ٢١ و ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٤
( مقال لدفاتر الأيام الفلسطينية ٣ / ٣ / ٢٠٢٤ )

***


23- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية

في ٢٥ شباط ٢٠٢٤ غادرت نابلس ، لأول مرة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بداية طوفان الأقصى ، لأشارك في ندوة ، في معرض الكتاب في سلطنة عمان ، ندوة عنوانها " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " . غبت ثمانية أيام وعدت في الرابع من آذار . ركبت السيارة والطيارة ونمت في فندقين وتجولت في الشوارع والأسواق وصالات المطار ، ولم أنس أنني وشعبي نعيش تحت الاحتلال ، وأن أهل غزة يعانون من ويلات الحرب وقسوتها ، وما مررت به قال لي إن الحياة ، بعيدا عن فلسطين ، مختلفة تماما ، وأن اهتمامات الناس هناك لا تمت بصلة لما نعانيه ونكابده ، وأن أكثر ما يمكن أن يقدمه الآخرون لنا لا يعدو عبارة تعاطف يمكن اختصارها ب " الله ينصركم ويكون بعونكم ويقويكم على عدوكم " .
مثلا السائق الذي أقلني من الجسر إلى عمان ، وهو لداوي لاجيء ستيني ولد في مخيم الجلزون وهاجر مع أهله في حزيران ١٩٦٧ ، تحدث طويلا عن معاناته وعذابات السواقين ، وكان فاتحة الحديث هو استفساري عن سبب عدم توصيله الركاب ، هو وغيره من السواقين ، إلى الموقف المحدد في " طبربور " . السائق لم يأت على ما يجري في غزة . الحديث عن غزة حضر مع صديق اصطحبني ليلا من الفندق إلى الأسواق الجديدة في عمان ، المقامة على أرض مبنى المخابرات الأردنية السابق في الشميساني ، ولأول مرة أسمع باسم ( بوليفارد
) . عالم مختلف تماما عما تختزنه الذاكرة . من مقر مخابرات إلى سوق تجاري حديث أوروبي الشكل والنمط . في بوليفار ليلا يعيش الناس حياتهم بالطول والعرض ، مكررين قول محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ، كأن لا حرب هناك في غزة ، فلا قتلى ولا جرحى ولا جوعى ولا مشردين بلا مأوى ولا مرضى بلا علاج . لا شيء لا شيء من هذا ، فالعالم كله شبعان ريان وكاس غير عريان ولا ينقصه شيء ، وفي صالة الطعام في الفندق صباحا تحتار فيما تختاره ، بعد أن نمت ليلا في غرفة مكيفة .
في مطار الملكة علياء الذي وصلت إليه بسيارة حديثة مكيفة تمشيت وتابعت حركة البشر المنشغلين بختم جوازات سفرهم والتجول في السوق الحرة . في المطار ترد إلى مسامعك مفردات لغات مختلفة ، فتشعر أنك في برج بابل الذي يتحدث فيه البشر كل بلغته ، والفارق هو أن برج بابل في المطار لا يدخل اللغات إلى نهر ( ليثي ) ليفهم الجميع اللغات كلها بعد صهرها بلغة واحدة - أعني أن النهر لا يحول كل شيء يدخل إليه إلى ذهب - أي اللغات إلى لغة واحدة ، وفي المطار لا تفهم اللغات كلها . وفي المطار تصغي إلى صوت يوجه الركاب إلى طائراتهم ، والركاب مشغولون بأحاديث جانبية ، ربما عن العائلة والوطن والعمل وأسعار العملات والمشتريات ووجبات الطعام في الطائرة . في مطار الدوحة يصطحبك الصديق فخري صالح إلى صالة المها المسموح دخولها لحملة البطاقة الائتمانية ( إليت / Elite ) التي لم تفعلها أنت .
قبل أن أقطع جسر الملك حسين كنت أكتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة صباح مساء ، وأما منذ قطعته ، وصرت خارج حدود فلسطين ، فقد انصرف ذهني إلى السفر والطائرة والفندق والسوق والإقامة ، وما عدت أصغي ٢٤ ساعة إلى الأخبار وما عدت أشاهد الأشرطة واستحضر كتبي وأظل مشغولا بما سأكتب . لقد أخذتني تفاصيل السفر إلى عوالم مختلفة ، وصارت غزة وفلسطين بعيدة ، فانطبق علي المثل الشعبي " البعيد عن العين بعيد عن القلب " وتيقنت من أن مناشدة الفلسطينيين العرب والمسلمين ، لمساعدتهم ، ليس أكثر من سلوك دونكيشوتي .
في مطار مسقط استقبلنا مضيفنا العماني . رحب بنا وأقلنا إلى فندق هرمز ( داريسدون ) لننفق الليلة الأولى ونحاضر في مساء اليوم التالي عن " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " . هل ينسى العرب فلسطين ؟ ها هي تحضر في معرض الكتاب في سلطنة عمان ويصغي العمانيون إلى أبنائها - أي فلسطين ، يتحدثون عنها مدة ساعة ، ثم ... ثم تسير الحياة وتستمر ، وتنتهي المحاضرة والنقاش ، وينصرف الحاضرون الذين لم يتجاوز عددهم الأربعين إلى شؤون حياتهم ، وينصرف المتحدثون إلى الفندق ومطعمه يواصلون أحاديث جانبية عن الأدب والأدباء ؛ الأحياء منهم والأموات .
هل تدور حرب في غزة ؟
الحرب في غزة محتدمة يعاني من ويلاتها الغزيون ، أما نحن ، في الفندق والسوق وعلى شاطيء بحر عمان ، فنأتي على سيرة محمود درويش وبهارات عدن ونتمشى على الشط ، وحين نجلس في المقهى لنستمتع بمنظر البحر يطلب منا النادل أن نترك الطاولة لنجلس على أخرى داخل المقهى ، فالرياح تنبيء بمطر غزير ، وما هي إلا دقائق حتى انهمرت الأمطار واشتدت الرياح وطارت المظلات ، وفي داخل المقهى نتحدث مع الكاتب العماني محمود الرحبي والسعودي طاهر الزهراني عن روائيات وروائيين سعوديين ؛ محمد حسن علوان وعبده خال ووردة عبد الملك وصبا الحرز ورجاء صانع ، وينضم إلينا الكاتب المغربي محمد جليد ، لنواصل الثرثرة في الأدب ، ولا نأتي على ما يجري في غزة . هل كان يجري في غزة شيء ؟ هل كان ثمة قتلى وثمة جرحى يعانون من نقص الأدوية ومستلزمات العمليات الجراحية ؟
كأن لا شيء يحدث في غزة !!
غزة التي تعيش أسوأ كوابيسها .
في مسقط نزور المتحف الوطني وسوق مطرح ونشاهد قلعة الجلالي . في المتحف نحضر فيلما عن عمان ، وفي السوق يشتري فخري البهارات ، فقد نصحه بها صبحي حديدي ، وعن قلعة الجلالي يحدثنا محمد الشعري الروائي العماني . يحدثنا عن سجنها وبعض سجنائها ، والذاكرة ما عادت حديدية .
العالم بعيدا عن غزة لا يعرف عنها وقد يهتم بأمرها وقد لا يعنيه أمرها كثيرا ، وفي أحسن الأحوال قد يتعاطف مع المقاومين وينظر للحلول القادمة من منظور إسلامي ، فيبدو مطمئنا ، فالله في كتابه الكريم وعدا المسلمين بالنصر و ... و ... .
العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية يواصل حياته العادية كأن لا حرب هناك ولا جوعى ولا عطشى ولا قتلى ولا جرحى بالآلاف ولا .. ولا .. ولا .. .
مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ١٠ / ٣ / ٢٠٢٤ .
٥ / ٣ /:٢٠٢٤
عادل الاسطة

***

24- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : استحضار نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية

في ٢٧ شباط ٢٠٢٤ شاركت في معرض الكتاب في سلطنة عمان بندوة عنوانها " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " ، صحبة الناقدين صبحي حديدي وفخري صالح ، وقد دعاني إليها الكاتب العماني سليمان المعمري .
كان مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " تداعيات حرب ٢٠٢٣ : غزة وأبناؤها وغزاتها: هل تتواطأ الأرض مع الفلسطيني ؟ " مدخلا لحوار إذاعي مع الكاتب العماني ومن ثم سببا لدعوتي للندوة التي أنفقت أربعة أسابيع أكتب أربعة مقالات من أجلها ، مسترجعا ما يختزن في الذاكرة من نصوص أدبية فلسطينية قرأتها حول الموضوع وكتبت عنها ، ولأنني أسافر إلى سلطنة عمان لأول مرة ، فقد كان علي أن أسترجع نصوصا أدبية قرأتها عن عمان ، علني إن التقيت مع أبنائها أتحدث معهم في بعض ما يخص حياتهم ، فلا يعقل ألا أعرف شيئا عن بلادهم وحياتهم ، ولا يعقل أن أتحدث عن فلسطين ، فقط ، التي يعرفون عنها بلا أدنى شك .
هل ينسى قاريء فلسطيني قصة غسان كنفاني " موت سرير رقم ١٢ " ، ولكن هل تكفي هذه القصة وحدها ، وقد كتبت في خمسينيات القرن ٢٠ ، والسلطنة الآن مختلفة تماما عما كانت ؟
ليس إذن إلا الأدب العماني نفسه الذي تعرفت إلى القليل منه من خلال مجلة نزوى ومن رواية الدكتوره جوخة الحارثي " سيدات القمر " ( ٢٠١٢ ) التي فازت ، في العام ٢٠١٩ ، بجائزة مان بوكر العالمية للرواية المترجمة .
في قصة غسان قرأنا عن عمان الفقيرة التي يهاجر أبناؤها الفقراء ، في خمسينيات القرن ٢٠ ، إلى الكويت ، بحثا عن عمل يثرون من ورائه ويعودون إلى بلادهم فيتمكنوا من تحقيق أمنياتهم وتجسيد رغباتهم ، ولكنهم يموتون هناك في المنفى غرباء ومجرد أرقام فلا يجدون من يعرف أسماءهم أو من يهتم بجثثهم . هكذا يموت محمد علي أكبر مجرد رقم في مشفى كويتي . لا أهل حوله ولا أصحاب ، بل ولا اسم في المشفى له . إنه سرير رقم ١٢ .
قالت لي قصة غسان ، عن السلطنة ، القليل جدا ، ولكني عرفت الكثير من خلال رواية جوخة .
في صيف العام ٢٠١٩ درست طلبة الماجستير في جامعة النجاح الوطنية مساق " موضوع في الأدب العربي الحديث " واخترت رواية " سيدات القمر " نموذجا ، وصرت أكتب يوميا عنها على صفحة الفيس بوك ، بالإضافة إلى مقال أو اثنين في جريدة الأيام الفلسطينية ، وقد تجمع لدي مادة تصلح لنشرها في كتاب ، ومن خلال الرواية عرفت الكثير عن المجتمع العماني ، وقبل أن أسافر بأيام عدت إلى ما كتبت لأقرأه وأتذكر صورة المجتمع العماني ، كما ظهرت في الرواية التي عدها بعض قرائها قريبة من رواية الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " مائة عام من العزلة " التي تقص عن قرية ( ماكوندو ) ، إذ تروي رواية جوخة عن مائة عام أيضا ، ولكن عن قرية عمانية مفترضة ، هي العوافي ، وعن مسقط أيضا ما يقارب المائة عام .
عرفت من الرواية سلطنة عمان خلال مائة عام ؛ عرفت عن التركيبة الاجتماعية للمجتمع العماني الذي كان يتكون من أسياد وعبيد وكان قسم من الأخيرين راضين بعبوديتهم وإن أخذ قسم آخر يحتج ويتمرد ويهاجر من عمان إلى دول مجاورة كالكويت ، وعرفت أن للأسياد أسماءهم وللعبيد أيضا أسماءهم ، وكان الأخيرون ملك يد السيد يعطف عليهم إن أطاعوه و ينتقم منهم إن عصوا أوامره ، وأدركت جيدا لماذا كان أبي يكرر على مسامع أبنائه " أنت ومالك لأبيك " ، والحمد لله أنه لم يقل أيضا " أنت ومالك وأبناؤك لأبيك " كما هو حال مجتمع الأسياد والعبيد ، فالعبد وأبناؤه كلهم ملك للسيد .
وعرفت من الرواية أيضا عن الطعام العماني في زمن الفقر ، ما جعلني أسأل عنه ، وقد ظننت أن السكان ، أمام ثراء عمان الحالي ، قد نسوه ، فإذا به معروف حتى الآن . طعام " القاشع " وهو السمك الصغير الذي نطلق عليه اسم " السريدة " .
وعرفت من الرواية أيضا عن الشاعر " أبو مسلم البهلاني " ( توفي ١٩٢٠ ) وقصيدته النونية في المنفى والحنين إلى الوطن ، كما عرفت عن تأسيس جامعة السلطان قابوس وتطور الحياة من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع يلامس الحياة المدنية العصرية .
ولم تخل الرواية أيضا من أمثال شعبية يرددها العمانيون ، وهي تبدو لنا غريبة غير مألوفة . منها مثلا " المحبوب محبوب جا ضحى وجا غروب والرامد رامد جاء حاش وسامد - المحبوب يبقى محبوبا في أي وقت أتى وغير المحبوب يظل غير مرغوب فيه مهما اجتهد في الحصاد والسماد " .
وأنا أقرأ عن ثنائية المنفى والوطن في " سيدات القمر " عن عمان ومنفييها وعودتهم إليها توابيت أو برفقة توابيت تذكرت قول محمود درويش :
- يا ليت لي منفى ليكون لي وطن .
وتذكرت موتانا في منافيهم الذين حرموا حتى من ميزة الدفن في تراب بلادهم .
ونظرت إلى هجراتنا التي ، منذ العام ١٩٤٨ ، تتكاثر ولا تبدو لها نهاية .
بعض أهل شمال قطاع غزة هاجروا في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة أكثر من تسع هجرات والحبل على الجرار والميناء الأمريكي سينجز عما قريب !!
" قلنا سنخرج
عما قليل سنخرج
لا تسألونا كم سنمكث بينكم
لا تسألونا "
كتب محمود درويش في ديوانه " هي أغنية .. هي أغنية " ( ١٩٨٤ ) عن خروج العام ١٩٨٢ من بيروت .
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ١٧ / ٣ / ٢٠٢٤ )
أنجز في :
٧ و ١٠ و١١ و١٢ / ٣ / ٢٠٢٤
دفاتر الأيام الفلسطينية .

***

25- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : اغتصاب الفلسطينيات : حقيقة أم إشاعات ؟ رواية " تفصيل ثانوي"

في شريط فيديو شاهدته أصغيت إلى فلسطينية من غزة احتجزت ، في الحرب الحالية ، لفترة ، ثم أطلق سراحها ، تأتي على ما ألم بها . طلب منها الجنود أن تنزع ثيابها فاعترضت واقترحت إحضار مجندات إسرائيليات .
في ٢٣ و ٢٤ / ٣ / ٢٠٢٤ تحدثت جميلة الهسي ، من غزة وتقطن قرب مجمع الشفاء عن اغتصاب فلسطينية حامل وقتلها وجنينها ، وبعض الروايات زعمت أن الاغتصاب تم أمام زوجها .
اختلفت ردود الأفعال إزاء سلوك الاغتصاب ، فقسم صدق وتذكر أسطر مظفر النواب عن القدس عروسا تغتصب ، وقسم قال إنها إشاعات يقصد من وراء بثها تهجير الغزاويين ، وربما أهل الضفة الغربية ، وطلب من الفلسطينيين ألا يروجوها وألا يكرروا تجربة ١٩٤٨ ، حيث استغل الإسرائيليون موضوع العرض لتسهيل تفريغ الأرض .
إحدى الغزيات في شريط فيديو منقول عن فضائية رددت أسطر مظفر النواب عن ظهر قلب ، إذ رأت أن ما قاله ينطبق الآن على غزة .
ما سبق ذكرني بما ورد عن الاغتصاب في أدبيات الصراع الفلسطيني الصهيوني منذ ١٩٤٨ ، بخاصة أنني أعيد قراءة رواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي " ( ٢٠١٧ ) التي تأتي على حادث اغتصاب ضابط إسرائيلي وجنوده ، في آب ١٩٤٩ ، فتاة بدوية في صحراء النقب ، معتمدة على قراءة ساردتها مقالة صحفي إسرائيلي عن حادث الاغتصاب .
وأنا أكتب عن رواية أكرم مسلم " بنت من شاتيلا " ( الأيام الفلسطينية ٤ / ٨ / ٢٠١٩ ) أشرت إلى فعل الاغتصاب فيها وفي روايات أسبق مثل " الطريق إلى بئر سبع " ل ( ايثيل مانين ) و " بلد المنحوس " لسهيل كيوان ، وفي كتاب ( إيلان بابيه ) " التطهير العرقي " ، ويمكن العودة إلى المقال .
صدرت رواية " تفصيل ثانوي " ، والأصح القصة الطويلة ( النوفيلا ) عن دار الآداب ، في بيروت ، وتقع في ١٢٧ صفحة ، وقد نقلت إلى الإنجليزية والألمانية ونافست على القائمة القصيرة لجائزة ( مان بوكر ) البريطانية للرواية المترجمة ، وحصلت على جائزة ( ليبيراتور برايس ) من ألمانيا وكان يفترض أن تتسلمها الكاتبة في أكتوبر ٢٠٢٣ في فعاليات معرض الكتاب في فرانكفورت ، لولا تأجيل الحفل بسبب الحرب التي انحازت فيها ألمانيا الرسمية إلى إسرائيل ، ما أثار ضجة حول الموضوع كون الكاتبة فلسطينية ، علما بأنها تقيم في بريطانيا وتدرس في إحدى جامعاتها . ومن يرد أن يقرأ عن الضجة التي أعقبت الحدث فما عليه إلا أن يكتب اسم المؤلفة وعنوان روايتها وعبارة حرمان من الجائزة ليرى كيف تحولت تفصيل ثانوي إلى تفصيل رئيسي وشغلت الصحافة والقراء .
تتكون النوفيلا من قسمين بلا عناوين فرعية ؛ يدرج الأول تحت الرقم ( ١ ) ويمتد من صفحة ٥ إلى صفحة ٦١ ، والثاني تحت الرقم ( ٢ ) ويشغل الصفحات ٦٣ إلى ١٢٧ . ويسرد الأول ، بضمير الغائب / الهو ، سارد غير محدد الملامح ، والثاني بضمير الأنا وتسرده باحثة شابة فلسطينية من الضفة الغربية ، من مناطق " أ " تحديدا ، وتقيم في رام الله ، وتروي عن شغفها بالبحث عن قصة اغتصاب الفتاة الفلسطينية البدوية ، والباحثة من مواليد ١٩٧٤ ، وهو تاريخ ميلاد عدنية شبلي ، " ومرة أخرى ، مجموعة من الجنود يأسرون فتاة ، يغتصبونها ، ثم يقتلونها في ما سيصادف بعد ربع قرن يوم مولدي ، هذا التفصيل الثانوي ، الذي لا يمكن إلا أن يستهين به الآخرون ، سيلازمني إلى الأبد رغما عني ومهما حاولت تناسيه ، حيث ستبقى حقيقته تعبث بي بلا انقطاع ، بما فيي من ضعف وهشاشة .. " .
تغامر الباحثة التي لا يسمح لها بدخول المناطق المحتلة ١٩٤٨ والقدس ، فتوافق على عرض زميلتها المقدسية المتمثل بإعارتها هويتها لتسافر بها إلى يافا فتل أبيب فصحراء النقب مكان الاغتصاب ، ويستأجر لها صديق مقدسي باسمه أيضا سيارة ، وتحضر للمكان خريطتين ؛ واحدة لفلسطين قبل العام ١٩٤٨ والثانية إسرائيلية ، وتحكي من خلالهما تهويد المكان وعبرنته ، وتتمكن ، بعد جهد جهيد ، من الوصول إلى مكان الاغتصاب لتعاين حيثيات الجريمة وفجأة تدخل منطقة عسكرية فتقع في ورطة إذ ماذا لو اتصل جنود الجيش بالشرطة واكتشف أنها بهوية مزيفة وتقود سيارة مستأجرة باسم شاب . وتنتهي النوفلا بالأسطر الآتية :
" فجأة يغمرني ما يشبه الحريق الحاد في يدي ثم صدري ، يليه أصوات إطلاق نار بعيدة " .
والنهاية تترك مجالا للاجتهاد . هل أطلق الجيش النار على الساردة فقتلها أم أنها ، في لحظة اكتشاف الجيش لها رأت مصير الفتاة البدوية المغتصبة في العام ١٩٤٩ ؟
هل ثمة دلالة رمزية لحادث اغتصاب الفتاة أم أنه واقعي ؟
في طريق الساردة / الباحثة من رام الله إلى يافا إلى النقب تركز على المكان الذي تتحرك فيه وتنظر في الخريطتين وتقارن بينهما . كان الاسم وصار الاسم . هل هذه التغيرات في الأماكن واخفاء المكان الفلسطيني يوازي اختفاء الفتاة البدوية ، وبالتالي تصبح الفتاة رمزا لفلسطين أرضا ، وفي القسم الأول الذي يأتي على حادثة الاغتصاب نقرأ عن مرايا الذات والآخر - أي الفلسطيني واليهودي ، نقرأ ما قرأناه في الأدبيات الصهيونية والعربية ، فالبدوية رائحتها كريهة نتنة واليهودي يهتم بنظافته ، والأرض بأيدي العرب صحراء قاحلة سيحولها اليهود إلى جنة ... إلخ .. إلخ ، وهذا الموضوع يحتاج إلى كتابة خاصة يسأل فيها إن اختلفت الصورة المقدمة في الرواية عنها في سابقاتها

( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٣١ / ٣ / ٢٠٢٤ )
أنجز في الاثنين والثلاثاء ٢٥ و ٢٦ / ٣ / ٢٠٢٤ .

***

26- رغيف خبز الفلسطينيين المغمس بالدم

لم تكن الحرب حربا بين طرفين مسلحين وحسب، فلقد كانت حرب وجود كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) بعد أحداث ٧ أكتوبر، وعزز قوله هذا وزير دفاعه (يوآف غالانت) حين قال مكشرا: لا ماء. لا كهرباء. لا طعام. لا وقود، ولم يكتف بالقتل.
دمرت إسرائيل المباني وهجرت سكان شمال القطاع ووسطه نحو الجنوب، ثم منعت لفترة طويلة دخول المواد الغذائية، فعز الرغيف وهلك الناس جوعا، حتى ليصح أن تنعت هذه الحرب بحرب الطحين والرغيف أيضا، وقد يكتب روائي رواية يسميها “شوال طحين” أو “كيس طحين” أو “الرغيف” أو “الموت جوعا” أو “أبو عمرة”، وتسميات مثل هذه عرفها الأدب العربي والفلسطيني، فللروائي اللبناني توفيق يوسف عواد رواية “الرغيف” (١٩٣٩) ولسميرة عزام قصة “خبز الفداء” (١٩٦٠) ولمحمد كمال جبر مجموعة “شوال طحين” (١٩٨٠) وللمغربي محمد شكري سيرة “الخبز الحافي” (١٩٧٢نشرت بالعربية ١٩٨٢) ولمحمود درويش قصيدة “الخبز” (١٩٧٧)، وفي متشائله أتى حبيبي على تسمية العرب الرغيف “أبو عمرة” وذلك حين كتب عن اللداوية التي هاجرت إلى عمان وعاشت مع زوجها الفقر والجوع “تستف الثرى” (١٩٧٤).
لم نشاهد أشرطة فيديو تصور المعارك بين المتقاتلين وحسب، ولم نقرأ فقط عن أخبار المعارك، ولم نر جثث الجنود الموتى أو صور الجرحى منهم فحسب، بل كثيرا ما قرأنا عن الجوع والموت جوعا لقلة المواد الغذائية ونقص الطحين، فاضطر الناس إلى أكل الخبز المصنوع من علف الدواب، وقرأنا أيضا عن قتلى كثر قنصهم القناصة أو قتلتهم المسيرات أو المدفعية وهم يسعون للحصول على كيس طحين، وشاهدنا وقرأنا ما هو أكثر.
قرأنا عن ابن جاع أبوه فغامر ابنه، في حصار جباليا، ليحضر له كيس طحين، فقنصه قناص. لم يعد الابن سالما ولا وصل الطحين، وشاهدنا شريط فيديو لامرأة تركت أولادها الخمسة مع أبيهم لتحضر لهم الطحين، فلما شعرت بثقل في صدرها ولعب الفار في عبها خوفا، عادت لتطمئن عليهم، فلم تجد الدار ولا الأولاد والزوج. لقد سوتهم القذائف بالأرض.
وأنا أتابع أخبار الطحين واختلاطه بالدم والجوع والاستغلال حضرت إلى ذهني أعمال أدبية فلسطينية عديدة أتى كتابها على رحلة الجوع في حياة الفلسطيني منذ ١٩٤٨، بل ومنذ أيام السفر برلك.
كانت سميرة عزام في قصتها أول من كتب عن خبز مغمس بالدم، فحين حوصر المقاومون في عكا وجاعوا غامرت سعاد بالخروج لتحضر الخبز لهم، فقنصها القناصة وهي عائدة، فسال دمها على الخبز، واضطر المقاومون إلى أكله حتى يصمدوا، فلم تكن لترضى لهم أن يموتوا جوعا. لقد حكى رامز لرفاقه المقاومين قصة فداء الحياة بالجسد والدم وهي قصة عرفتها أرض فلسطين “كلوا! هذا هو جسدي.. وهذا هو دمي فاشربوا”.
ولم يختلف غسان كنفاني عنها كثيرا، ففي خمسينيات القرن٢٠ كتب قصته “القميص المسروق” التي أتى فيها على متاجرة بعض مسؤولي وكالة غوث اللاجئين بطحينهم، حيث يؤجلون تسليمه شهريا مدة عشرة أيام ليبيعوه للتجار غير عابئين بجوع أهل المخيم. هكذا كان كيس الطحين يمشي في الليل “إن رأيت الآن كيس طحين يمشي من أمامك فلا تذع السر لأحد” يخاطب اللاجئ اللص أبو سمير أبا العبد اللاجئ الذي عرض عليه العمل معه، ولكنه يرفض على الرغم من حاجته إلى النقود لشراء قميص لطفله الذي يقر من البرد.
في الحرب الأهلية في لبنان، كتب محمود درويش قصيدته “الخبز” عن حرب الجياع، ومنها “لم يكن للخبز في يوم من الأيام هذا الطعم، هذا الدم هذا الملمس الهامس هذا الهاجس الكوني هذا الجوهر الكلي هذا الصوت هذا الوقت هذا اللون هذا الفن هذا الاندفاع البشري هذا السحر”.
وعندما استحضر بعض الكتاب، مثل جمال بنورة، في قصصهم، زمن الحكم التركي كتبوا عن المجاعة التي حدثهم عنها أجدادهم. نقرأ هذا بوضوح في قصة “هكذا قال جدي”، فالجد يحكي للحفيد عن أيام الغربة التي قضاها بالجوع والألم “وصلت بنا الأمور إلى حد أكلنا الشعير المخلوط بروث الحيوانات.. نحافظ به على بقائنا ..” وفي قصة “حكاية جدي” (١٩٨١) يخاطب الجد الحفيد متسائلا: “هل تستطيعون أن تصمدوا إذا حدث إضراب لمدة ستة أشهر؟ هذا ما فعلناه… كنا نكتفي بأكل الخبز والزيت والعدس والقطين.. هل تكتفون أنتم بذلك؟”، ولا أعرف ماذا سيقول الجد لو امتد به العمر وعاش في شمال قطاع غزة منذ ٧ أكتوبر حتى اليوم؟!!
وإن اتخذنا من طفولة شاعر فلسطيني نموذجا نقارنه بحياة أطفال غزة في هذه الأيام فليس أوضح من طفولة الشاعر أحمد دحبور الذي هاجر أهله من حيفا في ١٩٤٨، وكان في الثانية من عمره، فعاش في مخيم لاجئين، فقيرا معدما أقام وأهله في غرفة واحدة، بل إن أخاه الأكبر تزوج في الغرفة نفسها وكان الفاصل بين العريسين وبقية أفراد الأسرة مجرد حرام نصب.
ومن المؤكد أننا إن عدنا إلى الأدبيات التي صورت حصار مخيم تل الزعتر في بيروت في ١٩٧٦، مثل رواية ليانة بدر “عين المرآة” فسنقرأ كتابة لا تختلف عما نقرؤه ونسمع عنه في هذه الأيام في غزة.

***

27- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: فدوى طوقان "مع لاجئة في العيد"

عندما وقعت النكبة في العام ١٩٤٨ امتلأت شوارع مدينة نابلس ومدارسها وجوامعها بأفواج اللاجئين ، وفيما أعرفه فقد أقاموا ، لمدة عامين أو أكثر ، فيها وفي المغر ، بل إن صديقي شعبان يخبرني أنه وأهله أقاموا في مغارة من مغاراتها لسنوات أطول ، قبل أن ينتقلوا للإقامة في مخيم عسكر . ومن صديقي نبيل سمعت باسم جامع الساطون ، فقد ولد فيه ، وبعدها ذهبت إلى الجامع أزوره وأتعرف إليه ، فهو يقع في حارة الياسمينة بالقرب من حمام " السمرا " الذي يعود تأسيسه لآلاف السنين . وكثيرا ما عرفت عن حياة اللاجئين حتى العام ١٩٥٨ - حيث حلت بيوت الباطون محل الخيام - من كبار السن الذين عاشوا في تلك الأيام وكانوا واعين ، وما زال قسم منهم على قيد الحياة ، مثل أبو زكر ( فاروق ) ، وهو سائق حافلة عمومية عمل والده وأبي في شركة الحافلات العاملة في ٦٠ القرن ٢٠ على خط مخيم عسكر - نابلس .
عندما كنت مشروع كاتب قصصي في ٧٠ القرن ٢٠ طلب مني الأستاذ أبو خالد البطراوي مجموعة قصص عن حياة المخيم ، ليصدرها مع قصص أخرى لقاص من غزة ، حتى تظهر صورة المخيم لدى قاصين من الضفة الغربية وقطاع غزة ، فيرى القاريء التشابه والاختلاف في بيئة المخيم في مكانين مختلفين . يومها كنت أصغي إلى لاجيء فلسطيني ، هو أبو محمد طقاطق ، عاش التجربة ووعاها وكان له حضور في المخيم ، وكنت أدون ما يقصه على مسامعي بأسلوب قصصي .
لم تصدر القصص التي لم أحتفظ بنسخة منها ، أنا المولود في الخيام وقد عشت فيها وفي غرف الصفيح ، ثم غرف الباطون . لقد عانيت مثل أبناء جيلي من قسوة الحياة ، وعندما قرأت ، في تلك الأيام ، قصص سميرة عزام وغسان كنفاني ، رأيت فيها الكثير مما يشبه حياتنا في مخيمنا . لقد كانت حياة اللجوء التي صورها القاصان تشبه الحياة التي نعيشها وعشناها ، بل إنني وأنا أقرأ قصة عزام " لأنه يحبهم " أخذت أبحث عن شخصيات من مخيمنا شبيهة لشخصيات القصة .
في تلك الأيام كانت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تقيم في شارع النصر في البلدة القديمة من نابلس ، وهو شارع منه تدلف إلى حارة الياسمينة فجامع الساطون ، وربما من تجوال أبناء اللاجئين المقيمين في جامع الساطون استوحت قصيدتها المعروفة " مع لاجئة في العيد " التي ظهرت في ديوان " وحدي مع الأيام " ( ١٩٥١ ) ، أو أنها ربما زارت أحد مخيمات اللجوء وتجولت فيه ، وهو ما تقوله القصيدة التي كانت لفترة مقررة في المنهاج المدرسي الأردني ، وذكرني مؤخرا بهذا أحد الأصدقاء ممن أرسلت إليهم فقرة كتبتها عنها .
قبل أسبوع من بدء عيد الفطر ألح علي سؤال بخصوص العيد الأول للاجئي قطاع غزة في داخل القطاع نفسه ، وصرت أتابع ما يكتبه الكتاب وما يبثه ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي من أشرطة فيديو عن أطفال غزة ونسائها ورجالها في الاستعداد للعيد . كيف سيكون عيدهم الأول - بعيدا عن بيوتهم التي دمرها الإسرائيليون - في خيمة ينقصها كل شيء اعتادوا عليه ؟
عدت إلى القصيدة أقرؤها وأخربش حولها ، وكنت في أثناء هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة أتيت على كثير من نصوص أدب النكبة لدرجة أنني أحييتها ، فالشيء بالشيء يذكر والنكبة تستحضر النكبة و... .
تفتتح فدوى قصيدتها التي تتكون من ثمانية أقسام ، يقع كل قسم في خمسة أبيات ، بالآتي :
" أختاه ، هذا العيد رف سناه في روح الوجود
وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر البعيد
وأراك ما بين الخيام قبعت تمثالا شقيا
متهالكا ، يطوي وراء جموده ألما عتيا
يرنو إلى اللاشيء ... منسرحا مع الأفق البعيد " .
وكان قسم من أهل غزة يرنو إلى اللاشيء ... منسرحا مع الأفق البعيد القريب الذي لم يتعد أشهرا قليلة ، عد كل يوم فيها بألف سنة مما نعد نحن البعيدين الآن عن حياة الخيام .
وتنهيها بالآتي :
" أختاه ، هذا العيد عيد المترفين الهانئين
عيد الآلى بقصورهم وبروحهم متنعمين
عيد الآلى لا العار حركهم ، ولا ذل المصير
فكأنهم جثث هناك بلا حياة أو شعور
أختاه ، لا تبكي ، فهذا العيد عيد الميتين " .
هل نطقت فدوى بلسان حال زمانها وحسب أم نطقت أيضا بلسان حال أهل غزة في زماننا نحن وكأنها رأت أن مستقبل أحفاد الطفلة لن يختلف عما عاشته ؟ ( بالمناسبة لي ابنة عم ولدت في العام ١٩٥٠ في خيمة وتزوجت في غزة وأقامت منذ العام ١٩٧١ في حي الرمال حتى ٧ أكتوبر ، حيث عاشت أولا في مركز إيواء ثم في خيمة ، وتعيش الآن حفيداتها معها ) .
قبل العيد بيومين ثلاثة تابعت استعداد أهل غزة للعيد . غنى الأطفال ورقصوا وصنعت النساء كعك العيد وقرر أكثرهم على الرغم من المأساة أن يحتفلوا به ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ولكن ...
في ثاني أيام العيد كنت أتابع أخبار ما يجري . لقد شنت قوات الاحتلال غارات عديدة أعنفها وقع في سوق فراس وسط غزة ما أدى إلى قتلى وجرحى . كان الناس يتسوقون يريدون أن يمارسوا حياتهم في العيد فجاءهم الموت مباغتا . هل أقول مفاجئا ولا مفاجآت منذ ٧ أكتوبر ؟!
في قصة سميرة عزام " العيد من النافذة الغربية " تتزوج المرأة ويموت الزوج بعد عامين مخلفا لها طفلة ترى الحياة فيها ، فتقول " نحن بذرة لا تموت إلا جزئيا لأن في قلبها بذرة التجدد " .
الله المستعان فهناك من لم يغيره العار ولا حركه ذل المصير ، والتعبير للشاعرة في العام ١٩٥١ .
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٤ / ٤ / ٢٠٢٤ )
نابلس ١١ / ٤ / ٢٠٢٤

***

28- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: مأساة الفلسطيني في حياته اليومية: الحمامات

لم تقتصر حدود المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة الدائرة منذ ٧ أكتوبر على استخدام أسلحة القتال وحسب، فقد اتسعت لتقتل في الفلسطيني كل ما هو إنساني ولتسلب منه أبسط حقوقه. لم تسلب منه الأمان والاستقرار ورغيف الخبز وحسب، ولم تمنعه من ممارسة حياته اليومية المألوفة في العمل والدراسة والعلاج، فقد حرمته، منذ دمرت أماكن سكنه، من ممارسة طقوسه وشعائره وعاداته اليومية التي ألفها كممارسة حياته الزوجية والذهاب إلى الحمام والاستحمام بحرية.
شغلت الكتابة عن الانتظار في طوابير طوابير، من أجل قضاء حاجة الإنسان في مرحاض ما، حيزا لا بأس به من كتابات كتاب وسائل التواصل الاجتماعي وكتاب اليوميات في الصحف، (كعاطف أبو سيف الذي أصدر يومياته في كتاب "وقت مستقطع للنجاة: يوميات حرب غزة")، بل وصارت حجة لمعارضي أحداث ٧ أكتوبر في وجه من يؤيدونها، وأمنية للأولين بأن يمر الأخيرون هم وعائلاتهم، بما يعاني منه في هذا الجانب الغزيون، حتى يعرفوا مدى معاناة الأهالي وقسوة حياتهم وما جرته عليهم الحرب.
وأنا أتابع ما يكتب وأهتم به، وألفت نظر المشرفة على موقع "مبدعون فلسطينيون" إلى ما يكتب عن الحرب، أرسلت إلي الكاتبة الغزية النشيطة نعمة حسن نصا تسرد فيه معاناة الناس اليومية بخصوص طقوس قضاء الحاجة أو الاستحمام، وكنت من قبل قرأت شيئا من هذا في يوميات الروائي عاطف أبو سيف والناقد طلعت قديح. ونص نعمة يأتي على التمييز بين جرأة الأطفال وخجل النسوة والكبار. إنه يأتي على معاناتها وأطفالها في قضاء حاجتهم، في بيوت أقاربهم، وهذا يشعرها، وهم غادون رائحون، بالخجل، وحين ترغب في الاستحمام وتمارس طقوسه ينتابها حذر شديد وحرص كبير.
تكتب نعمة نصا تحت عنوان "جسد الماء حرا: الضفاف مجرد وطن" وفيه نقرأ:
"أحاول اليوم بكل ما لي من قوة البحث عن حفنة ماء نظيفة.. موقد وبعض الورق.. مكان آمن للاستحمام.. الحب والحياة مرتبطان منذ بدء الخلق بنطفة ماء. أنا الآن أريد أن أستعيد فطرة الأشياء الأولى.. إنه يوم الاستحمام رغما عن أنف الحرب.. لا يمكنني الاستحمام داخل حمام المدرسة القذر.. ربما يعوزني الكثير من الشجاعة للوقوف في طابور (التبول)، ولكني لم أستطع قتال نفسي للوقوف عارية في حمام عام يؤمه مئات الأشخاص لقضاء حاجتهم...".
وحكايات الحمامات العامة والمراحيض في سفر اللجوء الفلسطيني، وفي المخيمات تحديدا، حكايات كثيرة مر بها أجدادنا وآباؤنا واستمرت تقريبا عقدين من الزمان وسببت لهم مشاكل كثيرة؛ اجتماعية وصحية وأخلاقية أيضا.
وإذا كانت النصوص الشعرية، فيما قرأت، لم تولِ هذا الجانب شأنا، فلم تأت عليه، فإن الرواية الفلسطينية خصته بكتابة فيها قدر من الجرأة لم يعتدها القارئ الفلسطيني ولم يألفها، فلم يستسغ ما كتب، وهنا آتي على روايتي سامية عيسى "حليب التين" (٢٠١١) و "خلسة في كوبنهاجن" (٢٠١٣)، والثانية متممة للأولى وجزؤها الثاني، وتعد أكثر النصوص جرأة في الكتابة، ولهذا لم ترق لمثقفين وسياسيين عديدين، إذ رأوا فيها إساءة لأهالي المخيمات ولمسؤولي بعض التنظيمات الفلسطينية فيها.
تكتب سامية في "حليب التين" عن ضيق البيوت في مخيم "أوزو" في لبنان، ما يمنع الفلسطيني من ممارسة طقوسه اليومية والبيولوجية منها بحرية. هكذا تنسلب منه خصوصيته، فيمارس سلوكات تبدو غير سوية، أو تدفع إلى الانحراف، أو تحرمه من ممارسة حياته بحرية، فيخضع لرغبات جسده، دون أن يشعر بأنه مراقب ودون أن يشعر بإثم ما. وستولد هذه الحياة لديه، وما ينجم عنها من سلوكات وطقوس سرية، أمنيات يسعى إلى تحقيقها إن استطاع، بل ويضعها في سلم أولوياته.
هكذا يغدو الحمام الذي افتقده، في منزله في المخيم، أو أقامه بشكل بائس، في سلم اهتماماته إن امتلك شقة أو بنى منزلا، وسيوليه جل عنايته وسيهتم ليس فقط بنظافته، بل بجودته وفخامته واختيار أجود أصناف مواده. ويذهب الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك، فحسام ابن صديقة سيغدو "السمكري المعروف بمهارته لدى كل بيوتات الجالية في الغيتو في عموم كوبنهاجن" (١٢٣).
ولعل من الصفحات التي تلفت النظر هي الصفحات التي تصف العلاقة الغرامية بين صديقة والشاعر الفلسطيني وليد في دبي حين التقيا هناك، والدهشة التي انتابته حين رأى المرحاض في شقة صديقة:
"حين دخل وليد إلى المرحاض شعر أنه كمن أقحم في حلم. فوجئ بديكوره البديع. كان أشبه بقصر صغير من قصور ألف ليلة وليلة. سيراميك أزرق لا هو بالفاتح ولا هو بالغامق، يغطي أرضيته. ومغطس عريض بعض الشيء أقل زرقة من الجدران المصنوعة من البورسلان الفاخر، على جنباته فتحات معدنية مدورة من الكروم تنتهي برشاش معلق بأعلى الجدار، وتفصل بين المغطس والحائط المقابل حافة صغيرة على جانبها جهاز ثبتت فيه ثلاثة أزرار كهربائية. بالقرب منها وعاء زجاجي شفاف يحتوي على أزهار مجففة وآخر مملوء بأملاح ذات لون برتقالي، وزجاجات عديدة فيها سوائل ملونة لم يفهم ما هي، وسلة صغيرة من القش تحتوي قطعا ملونة تشبه قطع الصابون تنبعث منها روائح الياسمين واللافندر والورد والليمون. ستارة بيضاء من طبقتين تتدلى من السقف على الجانب الفاصل ما بين المغطس وكرسي المرحاض..." وأظن أن هذا يكفي حتى لا يثور ضدي لاجئو غزة وحتى لا تنتابهم حالة من التحسر تؤدي إلى الموت كمدا.
الله المستعان به على ما يلم بنا!

***

29- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غسان كنفاني : " ما تبقى لكم " وأحداث ٧ أكتوبر

يهدي غسان كنفاني روايته " ما تبقى لكم " ( ١٩٦٦ ) إلى " خالد " العائد الأول الذي ما يزال يسير " ، وخالد ، كما في بعض الدراسات ، هو الشهيد خالد أبو عيشة المولود ، في العام ١٩٤١ ، في قرية " السكر " قضاء عكا ، وكان واحدا من الشباب الثائرين المؤمنين بأن قضيتهم جزء من قضايا الأمة العربية . انضم إلى منظمة " شباب الثأر " ، وشارك قبل بروز العمل الفدائي مع رفاقه في مسح الأرض المحتلة شبرا شبرا ، استعدادا لبدء الكفاح المسلح ، واستشهد عندما اشتبكت مجموعته بقوة صهيونية في ٢ / ١١ / ١٩٦٤ في منطقة " إدمث " على الحدود اللبنانية ، إثر معركة استمرت ثلاث ساعات ونصف ، قتل للعدو فيها أكثر من عشرين جنديا ، وهي المعركة التي أسر فيها المناضل اللبناني حسين رمضان . هكذا افتتح خالد طريق الكفاح المسلح " .
وقد يكون كنفاني استوحى شخصية حامد في روايته " ما تبقى لكم " من شخصية خالد ، وقد ذهب إلى هذا دارسون عديدون رأوا أن حامد هو المعادل الفني له .
ما الذي ذكرني برواية غسان كنفاني المذكورة ؟
يوم الأحد الماضي ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ أجرت معي صحفية جزائرية ( Benmeziane Sarah ) لقاء عن أدب النكبة الفلسطيني وغسان كنفاني وجهت لي فيها أسئلة عديدة حولهما وخصت بالذكر رواية غسان المذكورة ، والأسئلة ، كما كتبتها لي ، هي :
- لو تتحدث عن السياق التاريخي الذي نشأ فيه أدب ما بعد النكبة . كيف تقرأ ذاك السياق الذي نشأ فيه هذا الأدب ؟ وما هو الفرق بين أدب ما قبل النكبة وأدب ما بعد النكبة ؟
- يقول جون لوك غودار إنه من عام ١٩٤٨ كان على الفلسطينيين تصوير مأساتهم ، بينما كان على الصهاينة اختراع سردياتهم . ما تعليقك ؟
- يوصف غسان كنفاني بأنه ( فرانز فانون ) الثورة الفلسطينية . ما هو دوره في بناء المتن السردي للرواية الفلسطينية ؟ رأيك ؟
- رواية " ما تبقى لكم " كانت من أهم رواياته ، فقد جسد فيها الوعي والتبشير بقدوم جيل جديد في غزة سيباشر حركة التحرير . إلى أي مدى قاربت هذه الرواية ما يحدث اليوم في غزة ؟
- من من الكتاب والروائيين الفلسطينيين قارب النكبة أكثر .. النكبة بتفاصيلها وبشاعتها ؟
وقد جعلتني أسئلتها أمعن النظر في الفرق بين الأدب المكتوب قبل النكبة والأدب المكتوب بعدها ، وقد لخصت إجابتي بعبارات قليلة .
كانت فلسطين حتى العام ١٩١٧ زاوية شبه مهملة في الإمبراطورية العثمانية ، إذا ما قورنت بالقاهرة وبيروت ، وكان الأدب فيها تقليديا وجزءا من الأدب العربي موضوعا وأسلوبا ، وقد عد إبراهيم طوقان رائد الشعر الفلسطيني وحامل لوائه ( ولد في ١٩٠٥ وتوفي في ١٩٤١ ) ، وحتى ١٩٢٠ لم تصدر أية رواية فلسطينية وفي العام ١٩٢٤ صدرت المجموعة القصصية الأولى .
وإذا ما أمعنا النظر في شعر طوقان وشعر " أبو سلمى " فإننا نلحظ أن الغلبة عليه تتمثل في التنبيه لما يجري والخوف من المستقبل والدعوة إلى التشبث بالأرض ومقاومة بيعها وهجاء الزعماء العرب لموقفهم المتخاذل ، وهذا أكثره صار بعد النكبة في عداد الماضي ، ولقد صار الفلسطينيون لاجئين بعد أن فقدوا أرضهم ، فعاشوا في الخيام مشردين يحنون إلى الماضي ويتطلعون إلى العودة ، وهذا ما صوره الأدباء الفلسطينيون ، وهنا أصاب ( غودار ) . في المقابل واصل الإسرائيليون اختراع سردياتهم وتحقيقنها على أرض الواقع ، وقد بدأ هذا واضحا ، منذ العام ١٩٠٢ ، في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " التي صور فيها ما ستكون عليه فلسطين بعد عشرين عاما من إقامة الدولة اليهودية فيها ، ورأي ( غودار ) هذا عموما هو ما رآه غسان كنفاني في كتابه " في الأدب الصهيوني " ( ١٩٦٦ ) حين ذهب إلى أن هذا الأدب يضبط إيقاع السياسة .
هل من صلة بين الرواية وأحداث ٧ أكتوبر ؟ هل تنبأت الرواية بها ؟
جرت أحداث الرواية في غزة وعلى أرض صحراء النقب ، وهو ما يجري الآن وما جرى في بداية الحرب ، وانتهت الرواية بأسر حامد الجندي قبل قتله ، وفي رواية " عائد إلى حيفا " نطقت شخصيتها الرئيسة سعيد . س ، حين لاحظت عنجهية خلدون / دوف الجندي الإسرائيلي ، بعبارة " تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب " . لم تنه اتفاقية أوسلو الصراع ولم ينجز الحل النهائي ، فانتفض الفلسطينيون في العام ٢٠٠٠ واندلعت عدة حروب في غزة وما زالت الحرب مستمرة . ما زال الفدائي الأول يسير وما زال حامد يقاوم . كأن ما حدث في ٧ أكتوبر هو تجسبد لطروحات الروايتين الكنفانيتين .
وبقي السؤال : من من الروائيين الفلسطينيين قارب النكبة أكثر ... النكبة بتفاصيلها وبشاعتها ؟
شغل السؤال عن علامات روائية جديدة في الرواية الفلسطينية ، بعد كنفاني وحبيبي وجبرا ، بال روائيين ونقاد وقراء كثيرين ، وما زال مثارا ، وأظن أن السؤال السابق لا يختلف كثيرا عنه ، ومع ذلك فقد قارب النكبة بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ سميرة عزام وكنفاني وشعراء تلك الفترة ، وبعد ١٩٦٧ عبر الكتاب عن الواقع الفلسطيني بعد هزيمة حزيران ، ليسترجعوا النكبة من جديد منذ العقد الأخير من القرن العشرين . يحيى يخلف ورشاد أبو شاور وحزامة حبايب وعبدالله تايه وعاطف أبو سيف وكتاب كثر ، على أن أبرز هؤلاء كلهم هو الروائي اللبناني إلياس خوري في روايته " باب الشمس " وثلاثيته " أولاد الغيتو " .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
(مقالي اليوم الأحد لدفاتر دفاتر الأيام الفلسطينية ٢٨ / ٤ / ٢٠٢٤ )
الاثنين والثلاثاء والأربعاء ٢٢ و٢٣ و ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ .
عادل الاسطة

***

30- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: أم سـعـد الـفـلـسـطـيـنـيـة فـي لبنان تتناسخ في غزة

في متابعة أشرطة الفيديو التي تنشر - ويصور فيها مواقف المرأة الفلسطينية في غزة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ - ما يلفت النظر ويذكر بنساء فلسطينيات كتب الروائيون والروائيات عنهن، فصرن حاضرات أبدا في الذاكرة يسترجعهن المرء كلما شاهد شريطا تتحدث فيه امرأة غزية بعنفوان وشموخ وإباء وكبرياء وتحد وجرأة متناهية. وأنا هنا لا أزعم أن النسوة الغزيات كلهن مسطرة واحدة أو نموذج واحد، فهناك أمهات لم يقددن من صخر وحديد صلب؛ أمهات لهن قلب يرق ويذوب ألما وحسرة على من يفقدن من أزواج أو أبناء أو آباء أو إخوة أو أخوات أو أحفاد، فقد شاهدنا أشرطة فيديو كثيرة تبكي فيها المرأة من فقدت، ووالدة الطفل يوسف «أبو شعر كيرلي أشقر» وكتابات د. آلاء القطراوي التي فقدت أطفالها الأربعة، شاهدة ودليل على ذلك. إنها تقطر ألما وحزنا.
في ٢٣/ ٤/ ٢٠٢٤ أدرجت على صفحتي شريط فيديو لامرأة من بيت حانون، شمال قطاع غزة، تعبر فيه عن موقفها مما يجري وتسرد لنا حوارا بينها وبين ضابط إسرائيلي قال لها، إن أبناءها وأنسباءها كلهم مخربون، فردت عليه تشير بإصبعها إلى الخراب الشامل الذي أحدثه جيشه في غزة:
- إيش بتقول. أبنائي وأنسبائي كلهم مخربون، وهذا الخراب والدمار إيش بتسميه.
وعندما سألها:
- لماذا فعلتم ما فعلتم في ٧ أكتوبر ورميتم دولة إسرائيل بالطوب وبيتكم من زجاج.
أجابته إجابة شجاعة جدا:
- إنكم رجمتمونا عشرات المرات بالقذائف والطائرات والصواريخ، أفلا يحق لنا أن نرجمكم مرة واحدة بالطوب؟!
لم تجبن المرأة ولم تصمت، ويبدو أنه قدر شجاعتها فطلب من جنوده أن يحضروا لها الماء لتشرب.
رفضت المرأة فهي صائمة، وكان رمضان انتهى، وعندما استغرب أعلمته أنها تصوم الستة البيض، وشتمت رئيس الوزراء الإسرائيلي وعبرت عن تحديها وإصرارها على العودة إلى بيتها في بيت حانون.
والصحيح أنني شاهدت شريط الفيديو أكثر من مرة، معجبا بجرأتها وشجاعتها ورخامة صوتها، وملاحظا تعابير وجهها وشموخها وثقتها الكبيرة بنفسها. لقد ذكرتني بالنسوة اللاتي كتب عنهن الروائيون والروائيات ابتداء من غسان كنفاني في روايته «أم سعد» مرورا بوليد الهودلي في روايته «فرحة» وليس انتهاء برواية وداد البرغوثي «البيوت»، وقد كتبت عنهن مقالا موسعا نشرته في مجلة الدراسات الفلسطينية تحت عنوان «من أم سعد إلى أم عسكر: من المرأة المكافحة إلى المرأة المقاومة».
كما ذكرتني المرأة ببعض قصص كتبتها استوحيتها من تجارب مررت بها في شبابي، وجعلتني أوازن بين ما كنت عليه شابا وما صرت إليه منذ عقود، ووجدتني أكرر المقولة:
«لا تثق بمن هو فوق الثلاثين».
تذكرت قصة «عند الحاجز» من مجموعتي «فصول في توقيع الاتفاقية» (١٩٧٩)، وقصتي «ثلاثة أيام حزيرانية في حياة يوسف. م» (١٩٨٦)، ونصي «خربشات ضمير المخاطب» (١٩٩٧).
في العام ١٩٧٩، كنت مدرسا في مدرسة العقربانية الإعدادية، وكان علي أن أركب باص أريحا للوصول إليها، وغالبا ما كان هناك حاجز قرب معسكر الباذان يوقفنا جنوده يسألون عن هوياتنا، وقد يكون بين الجنود جندي نزق كاره لنا يريد إذلالنا. حدث مرة أن طلب جندي، مثل هذا، أن ننتظم في صف مستقيم تماما، ويبدو أنه لاحظ خروجي عن الصف فجاء يصرخ وأراد اعتقالي، كما لو أنني أملك سلاحا حادا، علما بأنني كنت أقرأ في كتاب. هل أردت يومها، بعدم الانصياع له، تحديه؟
هذه الحادثة كانت محور قصة «عند الحاجز» المذكورة.
في العام ١٩٨٦، كتبت قصة «ثلاثة أيام حزيرانية في حياة يوسف. م»، وقد استوحيتها من قصة اعتقالي طفلا، قبل العام ١٩٦٧. في حينه كان علي أن أزود بيتنا بالماء من عين المخيم، وكنا ننتظر ساعات طويلة حتى يأتي دورنا ونعبئ تنكات الماء قبل أن يغلق أبو عوض جربي - المسؤول عن فتح الخزانات وإغلاقها - الماء. عندما جاء دوري، حضرت الممرضة زكية ومعها إبريقا فخار، ووضعتهما فورا تحت العين غير مراعية الدور، فما كان مني إلا أن بصقت فيهما، ليجن جنونها وتذهب إلى مخفر الشرطة المجاور وتشكوني وتحضر معها الشرطي ليعتقلني. يومها ضربني بالقشط وطلب مني أن أنظف مخفر الشرطة، ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي ضربني فيها شرطي أو اعتقلني.
في أثناء حرب حزيران ١٩٨٢، كنت في عمان، لكي أناقش رسالة الماجستير، واتفق أن كانت أمي هناك وأرادت أن أغير لها موعد حجزها لتعود إلى الضفة، وكان مركز الحجز في جبل الحسين. ولما لم أحضر ورقة الحجز السابق معي اقترحت على المسؤول أن يحجز جواز سفري لديه حتى أحضرها في الغد، فرفض، ما جعلني «أنرفز» وأشتم وأتهم، ولم تمر الأمور.
هاجمني الشرطي فدافعت عن نفسي وأمسكت بقميصه ففلت منه زر، وهنا شاط غضبا ونادى على زملائه الذين لم يقصروا وقرروا أن يقدموني إلى المحاكمة بحجة شتم الملك، ولم أكن شتمته. التهمة جاهزة.
هل أنا اليوم ذلك الذي كان؟
منذ عقود، صرت مثل سعيد متشائل إميل حبيبي. صرت أواجه القهر والظلم والتمادي بالصمت والتغابي والتهكم و ... وشتان بين موقفي وموقف تلك المرأة الفلسطينية الجريئة الواثقة من نفسها العائدة إلى بيت حانون.

***

31- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: «لا تسألونا كم سنمكث بينكم: زيارتنا قصيرة» نكبة جديدة في ذكرى النكبة الأولى

يرى إلياس خوري أن النكبة الفلسطينية مستمرة منذ ١٩٤٨، وقد صدر له في ٢٠٢٣ عن دار الآداب كتاب «النكبة المستمرة».
تتجسد النكبة في كل معلم من معالم الفلسطينيين وكل مظهر من مظاهر حياتهم، فلا اللاجئون عادوا ولا المخيمات التي أقيمت عقبها تفككت، ولا العدوان الإسرائيلي انتهى أو وجد حلاً.
ومنذ ٧ أكتوبر٢٠٢٣ وإجبار أهل شمال قطاع غزة ووسطه على الهجرة إلى جنوبه، وإقامة مخيمات لجوء فيه، يعاد استنساخ ما حدث في ١٩٤٨ وفي ١٩٦٧، وفي مخيمات لبنان في الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من ١٩٧٥ - ١٩٩٠، ناهيك عن استمرار هجرة أهاليها منذ ١٩٩٠ إلى أوروبا، وبخاصة الدول الاسكندنافية. ونحن نقرأ عموماً انعكاس هذا في النصوص الأدبية الفلسطينية على مدار ٧٦ عاماً.
ومنذ ٧ أكتوبر صرنا نقرأ أخباراً ونشاهد أشرطة فيديو تستثير فينا مخزون ما ظل عالقاً في ذاكرتنا من نصوص أدبية كتبها أدباؤنا، وبتنا نستحضرها في كتاباتنا، فالحدث يستحضر شبيهه والصورة تستحضر أختها وتجربة الأجداد والآباء يمر بها الأبناء، بل إن هناك، ممن امتد به العمر، من عاش تجربة ١٩٤٨وتجربة ٢٠٢٣ وأقام في الخيام طفلاً وعجوزاً كهلاً، وهناك من ولد في الخيمة ومات في شبيهتها بعد سبعة عقود، ولما تتوقف الهجرة، فالآن ٦/ ٥/ ٢٠٢٤ تطلب إسرائيل من سكان رفح واللاجئين إليها تركها إلى وسط القطاع، لتكمل حربها.
وأنا أقرأ ما يكتب، في صفحات التواصل الاجتماعي لأبناء قطاع غزة، وأشاهد مقاطع أشرطة فيديو لحياتهم، سرعان ما أستحضر شبيهاً لها قرأته.
ليست حياة الفلسطينيين في الحرب حياة يسودها الوئام والمحبة والسلام، وليست حياة مستقرة يغلب عليها السلم الاجتماعي، فالبقعة الصغيرة التي اكتظت بالمواطنين ضاقت عليهم وبهم؛ على المقيمين والطارئين، ما ولد مشاكل اجتماعية ونزاعات وخصومات وسرقات واستغلالاً، بل وضرباً من تعالي بعض المقيمين على اللاجئين، ومثل هذا كله عاشه بعض الأجداد والآباء وعرفوه وخبروه وعرفه معهم وخبره أبناؤهم أيضاً.
في مساء السبت ٤/ ٥/ ٢٠٢٤ قرأت في صفحة «حي تل السلطان يجمعنا» منشوراً لـ Mohammad Awad نصه بالتمام:
«إخواني النازحين في رفح، استعدوا واحزموا أمتعتكم واتركوا صورة جميلة عنكم لمن أكرمكم بضيافتكم في أرضه، عند المغادرة اتركوا أماكنكم نظيفة واعكسوا نظافة بيوتكم بها لا تزهقوا إخوانكم الكرماء بمخلفاتكم. ولا تنسوا أن تقدموا لهم كلمات الشكر التي يستحقونها. لا تودعوهم بل اوعدوهم بالزيارة والتواصل فهم كانوا أهلاً على مدار سبعة أشهر».
وقرأت ٣٢ تعليقاً لا ضرورة لذكر أصحابها، وهذه هي بعد إدراج المنشور بثماني ساعات:
«- إن شاء الله نلتقي أيام أفضل وأحسن من هيك أيام/ - برافو عليك/ - والله يا أخي بدون زعل مني. في ٣ شهور عشتهم في رفح كرهت حالي. صح في عالم كويسة بس شاعر كنت عايشة (؟) في ما يستحق أي احترام عالم بستحق يسير فيهم زي ما صار فينا؟/ - يخووفي م احنا نحزم امتعتنا ونروح معهم/ - والله إنك كريم ابن كرام. بارك الله فيكم/ - كلها ابر بنج الأيام الجايه هتشدد الحرب خاصة ع رفح / - رجعوا الأغراض اللي حزمتوهم. لسه قصتنا طويلة./- شكلنا كلنا حنحزم امتعتنا بس لوين مش عارفين/ - كل أخبار المفاوضات والهدنة كذب بكذب ومفش ترويحة على غزة والشمال/ - الفريقين ما بتفاوضوا. افهموااااا. والباقي عندكو واللبيب بالإشارة يفهم.
لا تتلاعبوا بمشاعر الناس... لم تنتهي(؟) هذه المصيبة بعد/ - ما فيش صفقة/ - سموحة أحمد كل الشكر حبيبتي ربنا يقدرنا ونرد جميلكم ويرجع الجميع لبيوتهم يا رب/ - وبعدين فهذه منشورات اللي ملهاش لازمة/ - طيب اصبر علينا لبكره. جالس تطردنا من الآن. النهار إلو عينين/ - الوضع صعب والقعده بالموااصي طوااله / - ربنا يفرجها وتنتهي هالوحشية وبعدين كل شيء ساهل.. حللت مرحبا بكم. احنا بنعمل كل شي بدلا عنكم.. ربنا يردكم سالمين غانمين. يااااااااااارب/ - موافقين/ - وجهك عليها راح نخلي رفح تضوي ضوي بس الاتحاد السوفيتي اللي عنا ينهينا من هالقصة ويبطل مماطلة على حسابنا../ - يا رب/ - ليش مش رايحين معنا. باي/ - شكلهم أهل رفح رح يحزموا امتعتهم معهم والكل يطلع سوا./ - إنها (ء) الحرب في ٢٠٢٧ النهاية للحرب. بدون تعليقات / - الله كريم وتصير/ - ما احنا برضو نروح نعطي انطباع بيجنن. تستعجلش. مو وقته هسه».
إنها تعليقات تعكس وجهات نظر منها السلبي ومنها الإيجابي، ومنها المتفائل ومنها المتشائم، ومنها الساخر من «الاتحاد السوفيتي» الفلسطيني في غزة (؟) - أي حماس. ومنها اثنان يذكران بقصة سميرة عزام «فلسطيني» التي عبرت فيها عن أقسى معاني الاغتراب، حيث يجرد الفلسطيني من ملامحه الخاصة ويغدو فرداً في قطيع. مجرد فلسطيني لا اسم له ولا هوية، بل وتذكر بقصيدة محمود درويش «نزل على بحر» التي يقول فيها: «لا تسألونا كم سنمكث بينكم: زيارتنا قصيرة»، وقد كتبها بعد الخروج من بيروت في ١٩٨٤.
عندما انتهيت من كتابة المقال بدأ العدوان على رفح وصار الكل لاجئاً، فالمنشورات تساقطت على المدينة تطالبهم بالرحيل.
الله المستعان به.

***

32- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : الطفولة الفلسطينية المسلوبة : من " كعك على الرصيف " إلى شيبس في الطريق .

في نهاية سبعينيات القرن العشرين أخذت أنشر في جريدة الفجر رسائل تحت عنوان " رسائل من المخيم " ، ولما كنت موظفا في وكالة غوث اللاجئين فقد نشرتها باسم مستعار تارة باسم عادل الراوي وطورا باسم أحمد الزعتر .
في واحدة من هذه الرسائل التي كتبت تحت التأثر برواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل "( ١٩٧٤ ) كتبت عن الطفولة وضمنت الكتابة مقاطع شعرية لمحمود درويش " ملوثة يا كؤوس الطفولة " و" نحن أدرى بالشياطين التي تجعل من طفل نبيا " وعندما درست " جداريته ، التفت إلى كتابته عن الطفولة فيها وكتبت مقالا من أحد عشر مقالا عنوانه " الطفولة : لم أكن ولدا سعيدا " تتبعت فيه طفولة الشاعر في أشعاره .
شيء من طفولتي الشخصية أوردته في كتابي " حزيران الذي لا ينتهي : شظايا سيرة " ( ٢٠١٦ ) ، وقد صدر عن الرقمية للنشر .
في الحرب الدائرة على غزة قتل ويتم وتشرد عشرات آلاف الأطفال الفلسطينيين ، وعاش الأطفال كلهم أهوالا تشبه أهوال يوم القيامة التي قرأنا عنها في النص القرآني ، وما سبق دفع ببعض الناشطين إلى الترفيه عن الأطفال الأحياء والتخفيف من مآسيهم والأخذ بيدهم ، من خلال الأغاني وعرض الأفلام السينمائية و ... و ... .
والظاهرة اللافتة في الحرب هي تحول قسم كبير من الأطفال إلى باعة في الشوارع ، فلا مدارس ولا رياض أطفال ولا دورات تدريبية ولا بيتا واسعا ولا نوادي ولا ... لقد انعدمت الحياة وصار الشغل الشاغل للناس هو أن يبقوا على قيد الحياة يوفرون الرغيف الذي عز والطعام الذي شح وندر.
هكذا هام أطفال في البراري يحتطبون أو يبحثون عن نبتة ما ، ووقف آخرون في الشوارع ينادون على بضاعة لا تسمن ولا تغني من جوع ، وذهب آخرون إلى شاطيء البحر يسبحون ويلهون بالرمل .
كل ما سبق أعادني من جديد إلى نصوص أدبية فلسطينية وإلى مظهر من مظاهر الحياة في المخيمات الفلسطينية في بداية ستينيات القرن العشرين .
ولأن المشاهد التي تستحضر شبيهتها كثيرة ، و" لأن الشجا يبعث الشجا " ولأن غزة كلها انطبق عليها قول الشاعر متمم بن نويرة الذي وقف على قبر أخيه مالك يذرف الدموع السوافك فقال " فهذا كله قبر مالك " ، فإنني سوف أتوقف أمام مشهدين اثنين :
- أولهما مشهد الطفل الذي وقف في العراء وقد عرض على تنكة فارغة بعض ظروف شيبس ينادي عليها : الشيبس الشيبس ياللا الشيبس .
- وثانيهما هو الأطفال في الخيمة جلوسا على الأرض يشاهدون فيلما سينمائيا .
أعادني مشهد الطفل ، ومثل الطفل عشرات ، إلى قصة غسان كنفاني " كعك على الرصيف " التي كتبها في الكويت ، في العام ١٩٥٩ ، يسترجع فيها قصة معلم في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في دمشق مع أحد طلابه .
حميد طفل فلسطيني ماتت أمه وفقد أخاه الكبير في حادث مصعد ، فجن الأب وكان على حميد طالب المدرسة أن يمسح الأحذية وأن يبيع الكعك على الرصيف ، لكي يرعى أباه وأختيه ، ثم يذهب إلى المدرسة ، وفيها ينام ، لأنه في الليالي يظل ينتظر رواد السينما حتى يخرجوا منها فيشتروا منه الكعك.
يهتم المعلم الذي كانت نكبة ١٩٤٨ أجبرته ، ذات يوم ، على مسح الأحذية أيضا ليعيش ، يهتم بأمر حميد الذي كان أحيانا يكذب ليخفي حقيقة وضعه على معلمه ، ومع ذلك ظل المعلم يشعر مع حميد:
" لقد استطاعت صورته أن تحفر نفسها في عظم رأسي قبل عام واحد ، حينما رأيته في تلك الزاوية بالذات - كنت احتل هذه الزاوية قبل عشر سنوات ، حينما كانت المحنة على أشدها ، وكانت طريقتي في مسح الأحذية تشبه طريقته إلى حد بعيد ، كان الحذاء بالنسبة لي هو كل الكون : رأسه وكعبه قطبان باردان ، وبين هذين القطبين كانت تتلخص دنياي " .
وأما المشهد الثاني فقد أعادني إلى حياتنا في مخيم عسكر في ستينيات القرن ٢٠ وبداية سبعينياته.
افتقدت المخيمات في تلك الفترة ، وما زالت ، إلى دور السينما ، ولم تكن التلفزيونات دخلت البيوت . كان أبناء المخيم القادرين إن أرادوا الذهاب إلى السينما يصعدون الحافلة إلى مدينة نابلس ويدخلون إلى دور السينما ويشاهدون الأفلام ، وغالبا ما تم ذلك في الأعياد ، وغالبا ما تيسر للرجال دون النساء وللشباب دون الشابات ، وأرجح أن أكثر أهل المخيم لم يذهبوا إلى السينما ، وإن شاهدوا أفلاما فهي تلك التي يتم عرضها في المخيم .
كانت وكالة غوث اللاجئين تتيح للناس هذه الفرصة مرة في كل عام أو في كل عامين . يتم الإعلان عن ذلك وتعميمه ، فيجتمع أهل المخيم أكثرهم ، عندما يحل الظلام ، في الساحة العامة في وسط المخيم قرب مركز التغذية ، ويبدأ العرض على الجدار ، وأذكر أن من الأفلام التي تم عرضها فيلم فريد شوقي " صراع في الوادي " وكان تغلب البطل في صراعه مع عدوه وأظنه محمود المليجي يدغدغ عواطفهم ومشاعرهم ، وقد يرون فيه انتصار الرئيس المصري جمال عبد الناصر على عدوهم الذي طردهم من بلادهم .
وفي نهاية ستينيات القرن العشرين لم يكن أكثر أهل المخيم قادرين على إدخال أجهزة التلفزيونات إلى بيوتهم ، وكان أحد القادرين يستأجر مخزنا ويضع فيه عشرات الكراسي ويمكن الأطفال والشباب ، مقابل مبلغ مادي ، من مشاهدة بعض المسلسلات والأفلام .
هل جانب محمود درويش الحقيقة حين قال " ملوثة يا كؤوس الطفولة " ؟ والطفولة في الحرب الدائرة حاليا انتهكت تماما ، فقد ذهب البؤس بكل ملامحهم ، والقول لمظفر النواب في أطفال تل الزعتر في ١٩٧٦ .
الاثنين والثلاثاء والأربعاء ١٣ و ١٤ و ١٥ / ٥ / ٢٠٢٤
( مقال دفاتر الأيام الفلسطينية ١٩ / ٥ /:٢٠٢٤ )

***

33- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غزة ورائحة الموت

أثار الأستاذ سامي أبو سالم المقيم في غزة السؤال الآتي :
- هل للموت رائحة ؟
وكتب مقالا أحال في صفحته إليه ( نشره في موقع جامعة النجاح الوطنية في ٦ / ٤ /٢٠٢٤ ) . وأتى فيه على القتلى والجرحى والمشافي وما رآه وشعر به وتسلل إلى أنفه من روائح ، ووضح ما كان يعتقده عن رائحة الموت " أنها مجرد تعببر أدبي مجازي " ، و " إذا ولا بد فالرائحة تتلخص في روائح الجثث المتحللة في الشوارع من بقايا الكوارث والحروب " ويرى أن الأمر مختلف في واقع غزة ، ففيها " تشتم اللحم البشري المتفحم ورائحة البارود مع غبار الخرسان ، ولكن لا تستطيع أن تفرق بين لحم الأطفال ولحم العجائز ولا لحم طبيب أو مهندسة أو ربة بيت ، فكلهم سواء ، سيما إذا تناثرت بقع الدم على جدران مجاورة . هذه الرائحة التي التصقت بالذاكرة ينفرد بها الموتى فقط " .
ويكتب عن روائح للموت ؛ رائحة جثث مع بقايا أغصان زيتون محترقة . رائحة دم وطحين . رائحة الأرض المعهودة ورائحة السماد العضوي . أي - كما فهمت - تكون رائحة الموتى من رائحة المكان الذي ارتقوا قربه ، أو الشيء الذي كانوا يحملونه .
ولم يتوقف الكاتب أمام دم أصحاب شعار " إنه لجهاد : نصر أو استشهاد " ويعدون ، من وجهة نظر إسلامية ، شهداء ارتقوا ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وفي الحديث النبوي " رملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون دم وريحه ربح مسك " ، وقسم من أهل غزة قالوا عن موتاهم - كما سمعت في أشرطة بثها مقربون لهم - أن رائحتهم رائحة مسك ، وغالبا ما أصغي ، في مناسبات ، إلى بعض مواطنين من نابلس يتحدثون عن شهداء فتحت قبورهم ، ليدفن فيها أقاربهم معهم أو ليدفن فيها شهداء جدد ( ما يعرف بالفستقيات ) ، أن أجسادهم كما هي لم تبل ( ى ) .
دال " رائحة " أثار في ذهني مجموعة من التداعيات فيما يخص استخدامه ، وأعتقد أن نصوصا أدبية فلسطينية وعربية وعالمية لم تخل منه ، بعضها ارتبط بالأشجار والنبات وبعضها بالتراب والحجر والأرض والبحر والخبز ، وآخر بالإنسان نفسه في أحواله المختلفة .
وعبارة " من ريحة البلاد " عبارة منتشرة انتشارا واسعا على لسان فلسطينيي الشتات ، وإن حضر في ذهني نص أدبي لافت تكررت فيه ، فهو رواية إلياس خوري " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) ، إذ يرد على لسان أم حسن الفلسطينية التي زارت قريتها بعد اتفاقات أوسلو . وكان الشعر عموما أسبق من النثر ، إذ حفل بالحديث عن رائحة البيارة والبرتقال والأرض .
كان كاتب القصة القصيرة حنا إبراهيم ابن البعنة في الجليل أول من استخدم التعبير عنوانا لمجموعته " ريحة الوطن " ( ١٩٧٩ ) ، وبعده كتب إلياس خوري " رائحة الصابون " وفاروق وادي " رائحة المانجا " والحبيب السلمي " روائح ماري كلير " ... إلخ .. إلخ .
في " ذاكرة للنسيان " عن حرب بيروت ١٩٨٢ كتب محمود درويش عن رائحة الهال التي يمكن أن تدل إلى مدخل بناية " اقطعيها واتبعي رائحة الهال إلى مدخل البناية كما يتبع كلب البحر رائحة الدم " ، هذا عدا كتابته عن رائحة القهوة .
وفي أدبيات السجون غالبا ما قرأنا عن رائحة العطن في الزنزانة ، ورائحة البول ، وأحيانا عن رائحة الدم ، وفي الأدبيات التي أتت على المدن القديمة كالقدس ونابلس قرأنا عن رائحة الأزقة في الصباح ، وكتب الياس خوري في " كأنها نائمة " عن رائحة المدن ؛ بيروت ويافا ، وعن رائحة البسطرما والبرتقال ،
ولن أعرج على رائحة العطور ورواية الألماني ( باتريك سوسكيند ) " العطر " وتأثير ترجماتها في بعض الأدبيات الفلسطينية ، وإن كنت لا أنسى رواية عزمي بشارة " حب في منطقة الظل " وكتابته فيها عن رائحة الخشب ، وعندما قرأتها تساءلت إن كان وقع تحت تأثير رواية ( سوسكيند ) فقد ذكرها في روايته .
وفيما يخص رائحة الموت وارتباطها بالجثث أذكر أسطرا لمظفر النواب ونص الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) " أربع ساعات في شاتيلا " الذي كتبه بعد أن شاهد في اليوم التالي لمذبحة شاتيلا وصبرا آثارها ، ونصه ترك أثره في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
ترد أسطر مظفر في " وتريات ليلية " ( ١٩٧٣ ) :
" وطني أنقذني رائحة الجوع البشري مخيفة / وطني أنقذني من مدن سرقت فرحي / أنقذني من مدن يصبح فيها الناس مداخن للزبل مخيفة / أنقذني من مدن ترقد في الماء الآسن
كالجاموس الوطني وتجتر الجيفة "
وأما (جينيه ) فكتب في صلب الموضوع ولست متأكدا إن كان سامي أبو سالم قرأه . يكتب ( جينيه ) : " وقد يستطيع طفل ميت ، أحيانا ، أن يسد الأزقة لأنها جد ضيقة ، والموتى كثر . ولا شك أن رائحتهم مألوفة لدى الشيوخ ، فهي لا تضايقهم. لكن ، ما أكثر الذباب ..... كانت هذه الكومة من الأجساد ذات رائحة قوية ، ولكنها لم تكن كريهة . وخيل إلي أن الرائحة والذبابات متعودان علي ..... إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة ..... لم تكن رائحة الجثث تخرج من منزل ولا من جسد منكل به : بل كان يبدو لي أن جسدي وكياني هما اللذان يبعثان تلك الرائحة ..... في شاتيلا مات الكثيرون من هؤلاء الفدائيين ، ولكن صداقتي ومودتي لجثثهم الآخذة بالتعفن ، كانت أيضا كبيرتين " .
وفي " أولاد الغيتو يذهب الدكتور ميخائيل الفلسطيني المولود في اللد إلى بيروت ، بطلب من ادوارد سعيد ، مع وفد ترأسه إبراهيم أبو لغد ، وعندما عرف بأخبار المذبحة هرول إلى المخيم ليجد نفسه في مواجهة الموت والرائحة والذباب!
" حين دخلت إلى المخيم كانت مفاجأتي الأولى هي الرائحة . عادت رائحة اللد . الرائحة التي لا اسم لها ، ولا تستعاد إلا حين تشمها مرة أخرى ، فتفوح بها الذاكرة . شممت رائحة الموت قبل أن أرى شيئا ... وشممت رائحة اللد " .
عندنا مثل شعبي يقول :
طول عمرك يا زبيبة في طيزك ( قفاك ) هالعودة . حالة الفلسطينيين سيزيفية . هل للموت رائحة ؟
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ، زاوية دفاتر الأيام ، ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٤ )
الاثنين والثلاثاء والأربعاء
٢٠ و ٢١ و ٢٢ / ٥ / ٢٠٢٤ ) .
عادل الاسطة

***

34- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: خربة خزعة وخربة غزة... ومحرقة رفح

في ليل الأحد ٢٦/ ٥/ ٢٠٢٤ تساقطت القذائف على خيام النازحين في بركسات الوكالة غرب رفح. كانت مواطنة تهيئ الفراش لأطفالها فوجدت رجلها قد طارت. قطع رأس طفل عن جسده فانشغل الأب بالبحث عن الرأس، وسحب الأحياء أجساد من ارتقوا، وبلغ عدد القتلى العشرات، وحين تصفحت بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي قرأت أسطرا تمنى فيها كاتبوها أن يعجل الله يوم القيامة، وتساءلوا إن كان ما ورد في أغنية جوليا بطرس «وين الملايين» صحيحا. هل العرب حقا إخوة؟ وإن كانوا كذلك، فأين النخوة التي يتغنون بها؟ (ماتت قلوب الناس ماتت بنا الرحمة. يمكن نسينا فيوم إنو العرب إخوة).
تساؤل النشيطين قرأنا، من قبل، مثله في «مديح الظل العالي» لمحمود درويش وفي كتابه «في وصف حالتنا»، وفي قصيدة مريد البرغوثي «طال الشتات» التي منها:
فلما استنجز الموعود وعدا
تصايحت الملوك بأن فداكا
أغاثوه بمرثية وندب
وبئست تلك من غوث وذاكا
ودمع الحاكمين له لغات
وأفصحها يريد لنا الهلاكا»
وأيضا في مطولة سميح القاسم «خذلتني الصحاري» والاستشهادات والاقتباسات والإحالات كثيرة جدا.
مجزرة رفح تمت بعد يوم من خطاب الناطق باسم «حماس» أبو عبيدة، حيث أعلن عن قتل جنود إسرائيليين وجرح وأسر آخرين، وذلك في مخيم جباليا، وأنهى كلامه بعبارة «وللحديث بقية». وكان لخطابه فعل السحر في غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني. لقد انتشرت عباراته في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الألسن انتشار النار في الهشيم، بل ولقد خرجت مسيرات يحتفل المشاركون فيها بالحدث. ولم يقتصر الأمر على هذا، فروح السخرية التي ألمت بقسم منا في يومي الحرب الأولين: ٧ و٨ أكتوبر ٢٠٢٣، واختفت بعد ذلك - لأن الطائرات الإسرائيلية بدأت تغير وتدمر وتقتل بالمئات وتجرح بالآلاف، وبذلك لم يعد هناك مجال لسخرية - فروح السخرية عادت من جديد، ولكنها لم تتواصل، إذ عجلت محرقة رفح باختفائها، بل إن أحد الساخرين هو من تمنى أن يعجل الله بالقيامة، كأن يسقط صاروخا ما لا يبقي ولا يذر.
القتلى والجرحى في المجزرة هم نازحون، من شمال غزة ووسطها، إلى رفح التي قالت عنها إسرائيل، في بداية الحرب، إنها منطقة آمنة. لقد نزح النازحون بعد أن طلبت منهم إسرائيل أن يغادروا بيوتهم، حرصا على حياتهم، لتقوم بتصفية المقاتلين الفلسطينيين الذين شاركوا في أحداث ٧ أكتوبر.
ما ألم بالنازحين أعادني إلى رواية (يزهار سيميلانسكي) «خربة خزعة» (١٩٤٩) وإلى ما كتبه عنها مترجمها من العبرية القاص توفيق فياض ابن قرية المقيبلة والمقيم حاليا في تونس، بعد إبعاده في العام ١٩٧٤ في عملية تبادل أسرى إثر حرب ٦ أكتوبر١٩٧٣.
«كأننا لا رحنا ولا جينا» كما يقول المثل الذي سمعته من إميل حبيبي الذي نعت العرب بأنهم ذوو ذاكرة عذراء. هل يمكن القول، قياسا على المثل والوصف، إن الحركة الصهيونية تكرر ما قامت به في العام ١٩٤٨ وإن الإسرائيليين لم يتعلموا، أو إنهم لا يريدون أن يتعلموا، على الرغم من أن مياها كثيرة جرت في نهر العالم؟
الفكر الصهيوني هو الفكر الصهيوني وما مارسوه من قبل يصرون على ممارسته، مع أن إمبراطوريات عظمى تلاشت وصغرت (بريطانيا وفرنسا) وعوالم تفككت (الاتحاد السوفيتي) وقوانين عنصرية لم يعد لها وجود (جنوب أفريقيا).
وأنت تتابع ما يجري الآن في قطاع غزة تشعر أن قصة (سيميلانسكي) أصبحت على أرض الواقع خماسية مثل خماسية «مدن الملح»، بل وتشعر أنك تشاهد مسلسلا لا فيلما قصيرا. هذا من حيث القتل والتهجير والتدمير والحرق، مع فارق جوهري أساس يتمثل في تغير صورة الفلسطيني تغيرا كليا، فالصورة التي ظهرت له في الرواية ما عاد لها وجود إطلاقا. لقد اختفت تماما لتحل محلها صورة المقاوم الشجاع الذي يشعر عدوه الغازي أنه ليس في نزهة، كما كان في حرب ١٩٤٨ وحرب ١٩٦٧.
في «خربة خزعة» تظهر الصورة الآتية للفلسطيني، على لسان الجندي غابي، مقابل صورة الإسرائيلي:
«كان شبابنا يقاتلون كمن لا أعرف ماذا، وهؤلاء يهربون. إنهم لا يحاولون حتى القتال»
ويجيبه شموليك عامل اللاسلكي:
«دعنا من هؤلاء الأعراب - إنهم ليسوا رجالا».
والعرب، كما يرد على لسان الجندي السارد:
«قذرون» وذوو نفوس قاحلة. «أصبحوا مقيتين مقيتين إلى حد الغضب، فما الذي نريده منهم. أي دخل لنا. لشبابنا وأيامنا العابرة، بقراهم المقملة المبققة المقفرة الخائفة...»
«يهربون... حتى ولا طلقة واحدة، أنذال...».
ومن المؤكد أن الصورة السابقة لم يبق منها في هذه الحرب أي بقية إلا إذا واصل الكتاب الإسرائيليون نهج الأدباء الصهيونيين الأوائل الذين كذبوا وكذبوا وكذبوا حين رفعوا شعار «أرض بلا شعب» وصدقوه، ثم جوبهوا على مدار ستة وسبعين عاما مجابهة لم تتوقف إلا لتتواصل، ولكنهم خلالها لم يعرفوا شكيمة الفلسطيني وقوته وبطولته إلا في مجابهات عديدة قليلة أهمها حرب حزيران ١٩٨٢ في بيروت وحرب ٧ أكتوبر الدائرة حاليا في غزة.
ومن المؤكد أن هذه الحرب ستعيد للفلسطيني صورته التي ظهرت له عقب هزيمة حزيران ١٩٦٧.

***

35- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: حزيران عن حزيران يفرق

في ٩/ ٦/ ١٩٦٧ وضعت حرب الأيام الستة أوزارها أو كادت. انتهت الحرب التي بدأت في صباح يوم الاثنين، في الخامس من الشهر، انتهاء سريعاً، كما لو أنها لم تبدأ، حتى ليصدق ما قالته عنها أم سعد في رواية غسان كنفاني «أم سعد» ١٩٦٩ وهو:
«بدأت الحرب بالراديو وانتهت بالراديو»
وأضافت معبرة عن حزنها من نتيجتها:
«وحين انتهت قمت لأكسره، ولكن أبا سعد سحبه من تحت يدي. آه يا ابن العم! آه».
ولم يكن أمام الفلسطينيين الذين ظلوا ينظرون إلى الزعامة العربية وجيوشها، لتحرر لهم بلادهم السليبة، إلا أن يعتمدوا على أنفسهم وأن يبادروا بذلك، فكان أن انتقلت الثورة الفلسطينية من السر إلى العلن، والتحق بها مئات، بل آلاف، الشباب الفلسطيني والعربي، وترك كثيرون أشغالهم ومقاعدهم الدراسية الجامعية وانضموا إلى معسكرات الفدائيين، في الأردن وسورية ولبنان، وتسللوا إلى فلسطين، وتأتي رواية كنفاني المذكورة على نماذج من أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومنهم سعد الذي لم تعارض أمه التحاقه بالمقاومة، فقد قالت للراوي: «إذا لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟».
كانت المرأة التي أقامت عشرين عاماً في المخيم متعبة، إذ اهترأ عمرها من قسوة الحياة هناك، ولو كان بإمكانها أن تلتحق بالفدائيين لفعلت «لعشت معهم. طبخت لهم طعامهم، خدمتهم بعيني»، ولكن ماذا تفعل بطفليها.
لقد وازنت أم سعد بين خيمة المخيم وخيمة معسكر التدريب وقالت عبارتها الشهيرة التي ترددت على الألسن وتناقلها الكتاب «خيمة عن خيمة بتفرق».
تذكرت عبارتها السابقة في بداية حزيران هذا، وكنت تذكرتها في حزيران العام ١٩٨٢، وعليها قست، فاستبدلت كلمة بأخرى وقلت «حزيران عن حزيران يفرق»، وها نحن في حزيران ٢٠٢٤ وهذا، ومثله حزيران ١٩٨٢، يختلفان عن حزيران ١٩٦٧من زوايا عديدة: منها ما يخص صورة الجيش الإسرائيلي الذي حارب وحقق، على ثلاثة جيوش عربية، انتصاراً سريعاً كاسحاً، ولكنها بدأت تهتز، فقد ولى زمن الانتصارات السريعة الخاطفة.
ومنها ما يتعلق بصورة المقاتل العربي الذي لم يحارب، ثم تدرب وخاض حرباً قال فيها إن زمن حرب الأيام الستة ولى، وإن الحرب لم تعد كما لو أنها نزهة. لقد صارت كابوساً وحرباً حقيقية.
وإن تركنا صورة الآخر وصورة الذات بين حزيران وحزيران وتوقفنا أمام الأدبيات العربية التي كتبت في حزيران ١٩٦٧ وحزيران ١٩٨٢وحزيران هذا فماذا نجد؟
يمكن عموماً الإشارة إلى أعمال أدبية لافتة شاعت في السنوات اللاحقة لحرب ١٩٦٧ وصارت عناوينها ومضامينها تتردد على ألسنة المهتمين بالأدب ومن أبرزها قصيدة «غنت فيروز مغردة» وقصائد نزار قباني السياسية «هوامش على دفتر النكسة» ومسرحية سعد الله ونوس «حفلة سمر من أجل ٥ حزيران» ومسرحية ممدوح عدوان «محاكمة الرجل الذي لم يحارب» ورواية عبد الرحمن منيف «حين تركنا الجسر» ومطولة مظفر النواب «وتريات ليلية»، وقد غلب على أكثرها طابع السخرية من الزعامة العربية من ناحية، ومن ناحية ثانية النزعة المازوخية - أي التلذذ بجلد الذات وشتمها.
باعت الزعامة العربية الجولان برمته كما ورد في القصيدة، والجندي لم يحارب، وحفلة السمر من أجل ٥ حزيران ليست حفلة انتصار، وحين ترك الجيش الجسر، كما يقول زكي النداوي شخصية رواية منيف، شعر بأنه شوال فارغ مثقوب يستحق الموت ضرباً بالأحذية والكلب وردان أطهر منه وأفضل، والجماهير العربية مثل حكامها مهزومة تداوم في قبو مؤسسة الحزن حين تطق أكواب الزعماء ليلاً يسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارة القدس تغتصب، «فما أوسخنا! ما أوسخنا! ما أوسخنا!» أولاد قحبة.
من المؤكد أن جلد الذات والمبالغة فيها في الأدبيات السابقة لم تكن عامة طامة، فما كتبه أدباء المقاومة في الأرض المحتلة غلب عليه التحدي والإصرار «كبوة هذي وكم يحدث أن يكبو الهمام/ إنها للخلف خطوة من أجل عشر للأمام» و «خسرت حلما جميلا... وما خسرت السبيلا» و ... و .... .
وجاء حزيران ١٩٨٢ ليخلق الفدائي من جزمة أفقا ومن جرحه شفقا، وليقول للإسرائيليين «ستنفقون العمر في دبابة»، وبعدها بواحد وأربعين عاماً سيعرف الجيش الذي لا يقهر معنى الحرب.
في حزيران هذا يبدأ شهر الحرب التاسع ومن يدري كم ستطول، وكما قال سيمون في قصيدة محمود درويش «الكتابة على ضوء بندقية» (١٩٧١):
«ويمر الحارس الليلي، / والاسفلت ليل آخر/ يشرب أضواء المصابيح / ولا تلمع إلا بندقية».
في الخامس من حزيران ٢٠١٦ بدأت أكتب يوميات عن حزيران ١٩٦٧ واخترت لها العنوان «حزيران الذي لا ينتهي» ثم أضفت لها عنواناً فرعياً هو «شظايا سيرة»، وقد رصدت فيها حياتنا تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى ٤ حزيران ١٩٨٢ بداية الهجوم الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية التي تواجدت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية.
وقد ذهبت إلى أن حزيران ١٩٦٧ لم ينتهِ فما زال مستمراً، وها هي حرب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ تدخل في حزيران ٢٠٢٤ شهرها التاسع. هل انتهى حزيران ١٩٦٧؟
يرى الروائي اللبناني إلياس خوري أن نكبة العام ١٩٤٨ مستمرة، وهذا عنوان آخر كُتبه، وعليه قس.

***
=================
21- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : الصمود على بكسة حامض : " سحر خليفة وعزمي بشارة ويحيى السنوار"
22- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : يوميات مقتلة غزة وإبادتها وإهلاكها جوعا
23- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية
24- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : استحضار نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية
25- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : اغتصاب الفلسطينيات : حقيقة أم إشاعات ؟ رواية " تفصيل ثانوي"
26- رغيف خبز الفلسطينيين المغمس بالدم
27- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: فدوى طوقان "مع لاجئة في العيد"
28- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: مأساة الفلسطيني في حياته اليومية: الحمامات
29- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: غسان كنفاني: "ما تبقى لكم" وأحداث ٧ أكتوبر
30- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: أم سـعـد الـفـلـسـطـيـنـيـة فـي لبنان تتناسخ في غزة
31- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: «لا تسألونا كم سنمكث بينكم: زيارتنا قصيرة» نكبة جديدة في ذكرى النكبة الأولى
32- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : الطفولة الفلسطينية المسلوبة : من " كعك على الرصيف " إلى شيبس في الطريق.
33- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غزة ورائحة الموت
34- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: خربة خزعة وخربة غزة... ومحرقة رفح
35- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤: حزيران عن حزيران يفرق

.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى