علي عبد الواحد وافي - في الاجتماع اللغوي.. صراع اللغات

يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكار وصراع وتنازع على البقاء وسعي وراء الغلب والسيطرة. وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال: فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين، فيسارع إلى القضاء على الآخر مستخدماً في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلا يكاد يبقي على أثر من آثاره؛ وتارة ترجح كفة أحدهما كذلك، ولكنه يمهل الآخر، وينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه، ويعمل على خضد شوكته شيئاً فشيئاً حتى يتم له النصر؛ وأحياناً تتكافأ قواهما أو تكاد، فتظل الحرب بينهما سجالاً، ويظل كل منهما في أثنائها محتفظاً بشخصيته ومميزاته.

وينشأ هذا الصراع عن عوامل كثيرة أهمها عاملان: أحدهما أن ينزح إلى البلد عناصر أجنبية تنطق بلغة غير لغة أهله؛ وثانيهما أن يتجاور شعبان مختلفا اللغة، فيتبادلا المنافع، ويتاح لأفرادهما فرص للاحتكاك المادي والثقافي.

وكلا العاملين ينتهي أحياناً إلى تغلب إحدى اللغتين على الأخرى، وأحياناً إلى بقائهما معاً جنباً لجنب.

وسنقتصر في هذا المقال على بيان الحالات التي يؤدي فيها العامل الأول إلى تغلب إحدى اللغتين على الأخرى، وما يمتاز به هذا التغلب من خصائص، وما يتصل به من شئون، مرجئين تكملة البحث إلى مقالات تالية.

قد يحدث على أثر فتح أو استعمار أو حرب أو هجرة. . . أن ينزح إلى البلد عنصر أجنبي ينطق بلغة غير لغة أهله، فيشتبك اللغتان في صراع ينتهي أحياناً إلى تغلب إحداهما، فتصبح لغة جميع السكان قديمهم وحديثهم، أصيلهم ودخيلهم. ويحدث هذا في حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون كلا الشعبين همجياً قليل الحضارة منحط الثقافة، ويزيد عدد أفراد أحدهما على عدد أفراد الآخر زيادة كبيرة. ففي هذه الحالة، تتغلب لغة أكثرهما عدداً سواء أكانت لغة الغالب أم المغلوب، لغة الأصيل أم الدخيل؛ على شريطة أن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين

والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ. فمن ذلك أن الإنجليز السكسونيين، حينما نزحوا من أواسط أوربا إلى إنجلترا، لم تلبث لغتهم أن تغلبت على اللغات السلتية التي كان يتكلم بها السكان الأصليون. وذلك لأن عدد من بقي من السلتيين بهذه الأقاليم لم يكن شيئاً مذكوراً بجانب عدد المغيرين؛ وكلا الشعبين كان همجياً منحطاً في مستوى حضارته ومبلغ ثقافته؛ وكلتا اللغتين تنتمي إلى فصيلة اللغات الهندية - الأوربية - والنورمانديون حينما أغاروا على إنجلترا في منتصف القرن التاسع الميلادي واحتلوا معظم أقاليمها، لم تلبث لغة الشعب المقهور أن تغلبت على لغتهم، فأصبح جميع السكان، أصيلهم ودخيلهم، إنجليزيهم ونورمانديهم، يتكلمون الإنجليزية السكسونية. وذلك لأن الإنجليز المغلوبين كانوا أكثر عدداً من النورمانديين الغالبين؛ ولم يكن لأحد الشعبين إذ ذاك حضارة ولا ثقافة راقية؛ وكلتا اللغتين من الفصيلة الهندية - الأوربية

وقد يحدث أحياناً في هذه الحالة أن تتغلب لغة على أخرى من غير فصيلتها. ولكن هذه الظاهرة نادرة الحدوث، ولا يتم التغلب فيها إلا بصعوبة وبعد أمد طويل. واللغة التي تنشأ من هذا التغلب ينالها كثير من التحريف في ألسنة المحدثين من الناطقين بها لشدة الاختلاف بينها وبين لغتهم الأصلية، فتبعد بعداً كبيراً عن صورتها الأولى. فالبلغاريون وهم من أصل (فينواني حينما نزحوا إلى البلقان وامتزجوا بشعوب الصقالبة (السلافية أخذت لغتهم تنهزم شيئاً فشيئاً أمام لغة هذه الشعوب حتى انقرضت وحل محلها لسان صقلبي. وذلك لأن عدد البلغاريين لم يكن شيئاً مذكوراً بجانب عدد الصقالبة الممتزجين بهم؛ وكلتا الفئتين كانت إذ ذاك همجية منحطة في مستوى حضارتها ومبلغ ثقافتها. وقد حدث هذا التغلب مع اختلاف اللغتين في الفصيلة؛ فلغة البلغاريين الأصلية كانت من الفصيلة الفينية، على حين أن اللغات الصقلبية من الفصيلة الهندية - الأوربية، ولكن هذا التغلب لم يتم إلا بصعوبة، وبعد أمد طويل، وصراع عنيف خرجت منه اللغة الغالبة مشوهة محرفة عن مواضعها في ألسنة المحدثين الناطقين بها، فبعدت بعداً كبيراً عن صورتها القديمة. فالبلغارية الحديثة هي أكثر اللهجات الصقلبية تحريفاً وبعداً عن أصولها الأولى

(الحالة الثانية): أن يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته وآداب لغته، وأشد منه بأساً وأوسع نفوذاً. ففي هذه الحالة يكتب النصر للغته فتصبح لغة جميع السكان، وإن قل عدد أفراده عن أفراد الشعب المغلوب؛ على شريطة أن تدوم غلبته وقوته مدة كافية، وأن تقيم بصفة دائمة جالية يعتد بها من أفراده في بلاد الشعب المغلوب، وأن تمتزج بأفراد هذا الشعب، وأن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين

والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ. فقد نجم عن فتوح الرومان في وسط أوربا وشرقيها أن تغلبت لغتهم اللاتينية على اللغات الأصلية لإيطاليا وإسبانيا وبلاد الجول (فرنسا وما إليها) والألب الوسطى والإليريا مع أن الرومان المغيرين كانوا في هذه البلاد أقلية بالنسبة لسكانها الأصليين. وقد نجم عن فتوح العرب في آسيا وأفريقيا أن تغلبت لغتهم على كثير من اللغات السامية الأخرى وعلى اللغات القبطية والبربرية والكوشيتية؛ فأصبحت اللغة العربية لغة الحديث والكتابة في معظم مناطق شبه الجزيرة العربية وفي مصر وشمال أفريقيا وفي جزء كبير من قسمها الشرقي المتاخم لبلاد الحبشة؛ مع أن الجالية العربية في هذه البلاد كان عددها أقل كثيراً من عدد السكان الأصليين

وفي كلتا الحالتين السابقتين لا يتم النصر غالباً لإحدى اللغتين إلا بعد أمد طويل يصل أحياناً إلى أربعة قرون، وقد يمتد إلى أكثر من ذلك. فالرومان قد أخضعوا بلاد الجول (فرنسا وما إليها) في القرن الأول؛ ولكن لم يتم النصر للغتهم اللاتينية على اللغة السلتية التي كان يتكلم بها أهل هذه البلاد إلا حوالي القرن الرابع الميلادي. ومع ما كان للعرب من قوة الشوكة، ورقي اللغة، واتساع الحضارة، وحماية الدين، وسطوة الغالب، لم يتم النصر للغتهم على القبطية والبربرية إلا بعد أمد طويل. على أن اللغة القبطية لا تزال مستخدمة في كثير من الطقوس الدينية الأرثوذكسية؛ واللغات البربرية لا تزال إلى الوقت الحاضر لغة محادثة لدى بعض العشائر المغربية

وغني عن البيان أن انتصاراً لا يتم إلا بعد أمد طويل وجهاد عنيف لا يخرج المنتصر من معاركه على نفس الحالة التي كان عليها من قبل. فاللغة التي يتم لها الغلب لا تخرج سليمة من هذا الصراع. بل إن طول احتكاكها باللغة الأخرى يجعلها تتأثر بها في كثير من مظاهرها وبخاصة في مفرداتها

ويختلف مبلغ هذا التأثر باختلاف الأحوال: فتكثر مظاهره كلما طال أمد احتكاك اللغتين وكان النزاع بينهما عنيفاً والمقاومة قوية من جانب اللغة المقهورة؛ وتقل مظاهره كلما قصرت مدة الصراع أو خفت وطأة النزاع أو كانت المقاومة ضعيفة من جانب اللغة المغلوبة. فلطول الأمد الذي استغرقه الكفاح بين لغة الإنجليز السكسونيين بإنجلترا، ولغة الفاتحين من الفرنسيين النورمانديين (الذين أغاروا على بلاد الإنجليز في القرن التاسع الميلادي واحتلوا معظم مناطق إنجلترا كما سبقت الإشارة إلى ذلك) ولشدة المقاومة التي أبدتها اللغة النورماندية المقهورة، خرجت اللغة المنتصرة (الإنجليزية) من هذا الصراع، وقد فقدت أكثر من نصف مفرداتها الأصلية واستبدلت به كلمات من اللغة النورماندية المغلوبة، واقتبست منها فضلاً عن هذا مفردات أخرى جديدة. على حين أن لغة بلاد الجول التي انتصرت عليها اللغة اللاتينية لم تترك في اللغة الغالبة أكثر من عشرين كلمة؛ واللغات القبطية والبربرية المغلوبة لم تكد تترك أي أثر في اللغة العربية الغالبة. وذلك لأن الصراع في هذين المثلين، على طول أمده، لم يكن عنيفاً، ولم تلق في أثنائه اللغتان الغالبتان (اللاتينية في المثال الأول والعربية في المثال الثاني) مقاومة شديدة من جانب اللغات المقهورة (لغة الجول السلتية في المثال الأول، والقبطية والبربرية في المثال الثاني)

وتختلف كذلك النواحي التي يبدو فيها تأثر اللغة الغالبة باللغة المغلوبة تبعاً لاختلاف الأحوال التي تكون عليها كلتا اللغتين في أثناء اشتباكهما. ويبدو هذا التأثر بأوضح صورة في النواحي التي تكون فيها اللغة المغلوبة متفوقة على اللغة الغالبة. ولذلك تألف معظم المفردات التي أخذتها الإنجليزية الغالبة عن الفرنسية النورماندية المغلوبة، من كلمات دالة على معان كلية وألفاظ تتصل بشئون المائدة والطهي والطعام. وذلك لأن النورماندية كانت غنية في هاتين الطائفتين من المفردات؛ على حين أن الإنجليزية كانت فقيرة فيهما كل الفقر؛ فعمدت إلى خصيمها المقهور واستلبته ما كان يعوزها قبل أن تجهز عليه. وإلى اقتباسها منه الألفاظ المتصلة بشئون المائدة والطهي وألوان الطعام يرجع السبب في أسلوبها الغريب في تسمية الحيوانات المأكولة اللحم. فكثير من هذه الحيوانات يطلق على كل منها في الإنجليزية اسمان: اسم جرماني الأصل يطلق على الحيوان مادام حياً: , , , واسم آخر فرنسي الأصل يطلق عليه بعد ذبحه وإعداده للطعام: , , ,

والألفاظ الأصيلة للغة الغالبة ينالها كثير من التحريف في ألسنة المحدثين من الناطقين بها (المغلوبين لغوياً)، فتبعد بذلك في أصواتها ودلالاتها وأساليب نطقها عن صورتها الأولى ويبلغ بعدها هذا أقصى درجاته إذا كانت اللغة المقهورة من فصيلة أخرى غير فصيلة اللغة الغالبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك بصدد البلغارية القديمة والصقلبية

والألفاظ الدخيلة التي تقتبسها اللغة الغالبة من اللغة المغلوبة ينالها كذلك كثير من التحريف في أصواتها ودلالاتها وطريقة نطقها، فتبعد في جميع هذه النواحي عن صورتها القديمة، ويظهر هذا بالموازنة بين الكلمات الإنجليزية الآتية والكلمات الفرنسية التي اقتبست منها: , , فإن كل كلمة منها تختلف عن أصلها اختلافاً غير يسير في صوتها ودلالتها وطريقة النطق بها. حتى أن الفرنسي الذي لا يعرف الإنجليزية لا يكاد يتبينها أو يدرك مدلولها إذا سمعها من إنجليزي - وليست هذه الظاهرة مقصورة على الاقتباس الناشئ من الصراع بين لغتين، كتب لإحداهما النصر، بل هي ظاهرة عامة تتحقق في جميع الحالات التي يحدث فيها انتقال مفرد من لغة إلى أخرى.

وتقطع اللغة المغلوبة في سبيل انقراضها مراحل كثيرة تمتاز كل مرحلة منها بمظهر خاص من مظاهر الانحلال وضعف المقاومة ففي المرحلة الأولى تقذفها اللغة الغالبة بطائفة كبيرة من مفرداتها فتوهن بذلك متنها الأصلي وتجرده من كثير من مقوماته ولكن اللغة المغلوبة، تظل طوال هذه المرحلة محتفظة بقواعدها ومخارج حروفها وأساليبها في تطبيق الكلمات: فيؤلف أهلها عباراتهم ويصرفون مفرداتهم وفقاً لقواعدهم التنظيمية والمورفولوجية: (السنتكس والمورفولوجيا، أو النحو والصرف). وينطقون بألفاظهم الأصلية وما انتقل إليهم من ألفاظ دخيلة طبقاً لأسلوبهم الصوتي ومخارج حروفهم؛ حتى أنهم ليستبدلون في الكلمات الدخيلة بالحروف التي لا يوجد لها نظير لديهم حروفاً قريبة منها من حروف لغتهم. . . وفي المرحلة التالية تتسرب إلى اللغة المغلوبة أصوات اللغة الغالبة ومخارج حروفها وأساليبها في نطق الكلمات. فينطق أهل اللغة المغلوبة بألفاظهم الأصيلة، وما انتقل إليهم من ألفاظ دخيلة من نفس المخارج. . . وبنفس الطريقة التي يسير عليها النطق في اللغة الغالبة. فيزداد بذلك انحلال اللغة المغلوبة ويؤذن نجمها بالأفول. ولكنها تظل طوال هذه المرحلة مستبسلة في الدفاع عن قواعدها الصرفية والتنظيمية (قواعد المورفولوجيا والسنتكس) وفي مقاومة قواعد اللغة الغالبة. فيركب أهلها جملهم ويصرفون كلماتهم وفق أساليبهم الأولى. وفي المرحلة الأخيرة تضعف هذه المقاومة شيئاً فشيئاً، فتأخذ قواعد اللغة الغالبة في الاستيلاء على الألسنة حتى يتم لها الظفر، فيتم بذلك الإجهاز على اللغة المغلوبة. فالقواعد في اللغة المغلوبة أشبه شيء بالقلعة التي تحتمي بها فلول الجيش المنهزم وتقاتل عنها حتى آخر رمق، والتي يتم بسقوطها استيلاء العدو على البلاد.

علي عبد الواحد وافي
ليسانسيه ودكتور في الآداب من جامعة باريس
مدرس العلوم الاجتماعية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول


مجلة الرسالة - العدد 347
بتاريخ: 26 - 02 - 1940

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى