لطفي بوخريص - رواية "أحلام أخرى ممكنة " لصباح بن حسونة.. نجم ساطع ينير درب تحرّر المرأة و تحقيق إنسانيّتها

رواية أحلام أخرى ممكنة للكاتبة صباح بن حسونة متفرّدة،و تفرّدها يتجلّى في بنيتها الروائيّة المتميّزة و في قدرة الكاتبة على التحكّم في زمن القصّ غير الخطّي لتفسح حيّزا أوسع لاستحضار الذكريات الذي وظّفته في نواح عديدة و كذلك في اقتدارها على إغناء السرد بالوصف الذي يرتقي إلى اللغة الشعريّة الرومنسيّة المفعمة بروحها الثوريّة و شخصيّتها الجسورة المتحديّة لإرث اجتماعي ثقافي أخلاقي يكبّل الإبداع الأدبي بمتاريس الممنوعات و المحرّمات .

يتجلّى تفرّد المبدعة صباح بن حسونة في البطل الجمعي النّسائيّ ، فجميع بطلات روايتها نساء: أحلام في أوّل الرّواية " صرت إلى اللّه اقرب" و في آخرها " الصّباح الجديد". ثمّ وردة "عنقود الفرح الذّابل"، حياة ، و أحلام في "كتابات ليليّة"، نجمة و سارّة في " اليمامة و الصيّاد" ثم نجمة من جديد ..

كلّ هذه العناوين التي صدّرت مقاطع الرّواية بطلاتها نساء تعرّضن إلى القهر الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي بدرجات متفاوتة و كأنّهن امرأة واحدة عانت من ويلات مجتمع أبويّ يتمترس فيه الرّجل و يتحصّن بسلطانه المادي و بإرث من التقاليد البالية و الثقافة المغرقة في التخلّف و التحجّر ليضطهد المرأة و يحوّلها إلى شيء أو متاع لا يختلف عن أثاث البيت .
هكذا تتحوّل وحدة جنس بطلات الرواية إلى أساس متين لوحدة أطوار الرواية من ألفها إلى يائها .

الأساس المتين الثاني الذي جسّم وحدة الرواية، هو أنّ جميع بطلاتها من قرية ريفيّة نائية، باستثناء أحلام التي اختارت عن طواعية الإقامة في هذه القرية المتميّزة بربوتها في منزل زوجها الكاتب الشهير و الناشر.

البطلات يغادرن القرية ليعدن إليها ثانية ،مثل الطّالبة نجمة التي زاولت دراستها الجامعيّة ثم عادت مجدّدا إلى القرية، أو أحلام التي أقامت طويلا في القرية لتغادرها إلى المدينة بعد أن تحرّرت من رباط الزوجيّة من زوجها الروائي الشهير و الناشر الثري لتماديه في مغامراته العاطفية و الغرامية. فهيمنة المكان ألا وهو القرية و البطلات المنتميات إليها، عزّز الصّلة بين مختلف أطوار الرّواية و تشعّباتها، و جعل منها وحدة مترابطة من أوّلها إلى آخرها.

أمّا زمن الرّواية فهو زمن ماض قريب روّضته الكاتبة المبدعة صباح بن حسونة باعتمادها القصّ غير الخطّي لتجد المجال فسيحا لاسترجاع الذكريات و استحضارها. و هذه التقنية في الكتابة الروائية أسهمت في التدفّق السردي الذي يشدّ القارئ و يستحثّه لاستزادة القراءة و معرفة أطوار الرواية إلى آخرها. و قد نهض أيضا السرد في مقاطع الاسترجاع و استحضار الماضي بمزيد تعريف القارئ بشخصيّات الرواية ليتمثّلها و يتعرّف إلى هويّتها من خلال أعمالها و أقوالها في المقاطع الحواريّة المبثوثة في غضون هذه الرواية. و معلوم أنّ قدرة الكاتبة على جعل القارئ يتمثّل مختلف الشخصيّات يؤثّر في وجدانه و خاطره و مخيّلته فيتعاطف مع بطلات الرواية و يسخط أو ينقم أو يثور في وجه من أساء إليهن و ألحق بهنّ شتى الأضرار المعنويّة و الماديّة ليعانين الحرمان العاطفي بكل أبعاده و الإهانة و الإذلال الذي بلغ حدّ اغتيال إحدى بطلات الرواية "حياة" أمّ طفلة و طفل من زوج متغطرس سكنته الغيرة و الشكوك حتى فقد صوابه و قتل أمّ أبنائه خنقا ليعيشا يتيمين محرومين من أمّهما ضحيّة القهر و التوحش المنافي لحق الإنسان في الحياة و من أبيهما المتوحّش القابع مدى الحياة في السجن بسبب جريمته الشنيعة النكراء.
تتخلّل الرواية مقاطع وصفيّة أغنت السرد و قد تميّز الوصف لدى الكاتبة المبدعة صباح بن حسونة بعدّة ميزات قلّما نجدها مجتمعة في رواية واحدة .فالوصف في عديد المقاطع لا يخلو من شاعريّة تحوّل النثر إلى لغة شعريّة :" عندما التقته أول مرّة على ذلك الشاطئ البعيد وقعت أسيرة لعينيه، عينان تكتظّان بالعسل سبحت في لجّتهما فلم تر منه غيرهما.."( ص13 ) و في الصفحة 60: " في غياب اشتعالات أخرى أطفئ رغبتي عادة على طاولة المطبخ و أنا أترشّف قهوة بطعم الفجر المتسلّل عبر النافذة معلنا وصوله"، "عارية أنا إلاّ منك، تقول الكلمات، أنت حرفي الذي يحبّر الحياة في ورقي و أنت حبري الذي أتشرّبه في الغياب، أكتبك فتدفأ اختلاجاتي و تهدأ و إن إلى حين .." و تتنامى هذه اللغة الشعريّة لتبلغ درجة رومانسية الخطاب الثوري ( ص 89/90):لم يكن هناك أجمل من تلك اللحظات التي عشناها،تفتح الحلم أمامنا مورّدا، تونس أخرى تعبق بالجمال نزرع في كل ركن منها الأزهار فتفوح من شوارعها و أزقّتها روائح زكية عطرة روائح الحريّة و عطر نسائم فجر جديد .."

و لم يخل الوصف من واقعية جريئة تحدت بها الكاتبة النظام الاجتماعي السائد و البنية الثقافية السائدة التي تتكتّم عن فظاعة حقائق القهر الذي يتعرض له بعض النساء ( ص 53/54)" ..في حمّى جنونه ، نزع عنها ثيابها بلهفة متنامية حتى أنه مزّقها عليها ثم تسلّق إلى جسدها البارد الذي طاله الموت ، و استسلم للرغبة فأثخنه دنسا و عاث فيه جنونا .."

و تتوغّل الكاتبة في وصفها الجسور المتمرّد على الممنوعات و المحرّمات الذي يدلّ على تحرّرها و تصدّيها للنّظام الاجتماعي الثقافي السّائد في مقطع وصفي ملامس للواقع حين عندما تساوي بين جميع النساء حين تنطفي الأضواء أثناء العلاقات الحميميّة جدّا التي تجمع النساء بالرجال فيستحيل جمال المرأة أو دمامتها متساويين بل أحيانا تكون تلك العلاقات أكثر متعة و لذة مع المرأة الدميمة. وهو انتصار لحق النساء جميعهن في حياة عاطفية ينعمن فيها باللذة و المتعة .
و هذا الانتصار للنساء جميعهن متناغم مع انتصارها للمرأة المعنّفة و المقهورة و المضطهدة و للإنسان بقطع النظر عن جنسه رجلا أو امرأة المضطهد اقتصاديّا و اجتماعيّا يعاني النسيان و التهميش و البطالة لأصحاب الشّهائد العلميّة و غيرهم من العاطلين و العاطلات عن العمل .أمّا النساء اللاتي يعملن في حقول الأثرياء و غاباتهم و بساتينهم و مصانعهم من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس فهن فريسة استغلال اقتصادي متوحش و ظروف عمل و نقل شاقة تستنزف طاقاتهن و قوة عملهن.

و رغم قتامة ما عانته أغلب البطلات فالكاتبة بقدر ما كشفت مظاهر تسلط الرجال فقد أنصفت أحد الأبطال ألا وهو ذلك الشاب الجامعي المتقد نضالية و ثورية دفع ثمنها السجن من أجل تدوينة .فقد مثّل نموذجا للرجل المناضل الصادق الوفي لوطنه و لحبيبته نجمة التي عاد إليها بعد الخروج من السجن و تزوجها لينجبا " أحلام" التي تختزل أحلام أجيال كافحت من أجل الحرية و العدالة و الكرامة و السيادة للشعب .و هو نموذج لأسرة قائمة على مشاعر الحب و التعاون و المساواة بين المرأة و الرجل.

إنّ خاتمة الرواية تؤكّد إمكانية تجسيم الحلم تحديّا لقتامة الواقع .وهو ما يجسّم تطلّع الكاتبة إلى تونس أجمل و أفضل و أعدل تتحقّق فيها المساواة الفعليّة بين المواطنين و المواطنات و انسانيّة الإنسان .

لقد انفتحت الرواية بالتجربة الإنسانية للبطلة الأولى أحلام و تنغلق بنفس البطلة وهي تقبّل أحلام الطفلة الرضيعة ثمرة زواج شاب جامعي متعلم يحي و شابة جامعية متعلمة نجمة: "تأملت أحلام الطفلة النائمة بهدوء ملائكي ، تحسست تقاطيعهاالجميلة و قبلت عينيها الزرقاوين ثم حملتها بين يديها ووقفت بها امام النافذة و هي تقول :" لك الحمد يا الله اللهم بارك لنا فيها و اجعلها قرة عين لنا..
كان الصباح ينثر على الدنيا انواره و عبق نسائمه يتضوع في كل الارجاء .."

صباح بن حسونة أديبة تونسية تشقّ طريقها في دنيا الأدب وهي مستندة إلى شغفها بالمطالعة منذ طفولتها إلى اليوم و الفضل في ذلك يعود إلى عائلة جدّها للأم ّالذي سخر حياته ليكون أبناؤه و بناته متعلّمين أحرارا فاختاروا درب المعرفة و الأدب و سائر الفنون الأخرى و اختاروا أيضا درب النضال من أجل الحريّة و المساواة بين المواطنين و المواطنات فقاوموا الاستبداد والاضطهاد و القهر و الاستغلال و دفع أغلب أخوال صباح بن حسونة الثّمن غاليا اعتقالا و تعذيبا و سجونا في برج الرومي .
هذا الوسط المعرفي الثقافي و النضالي السياسي و النقابي و الحقوقي أثّر تأثيرا بالغا في الكاتبة صباح بن حسونة فأبدعت بعد عقود طويلة من الاطّلاع على عيون الإبداعات الأدبية بمختلف مشاربها و التجربة الإنسانية كأستاذة و زوجة و أمّ فأفرزت صباح بن حسونة التي أطلّت على دنيا الأدب بقصّة قصيرة ثم بروايتها الأولى : " فصام ، سكيزوفرينيا " سنة 2021تلتها هذه الرواية المتفرّدة في عديد النواحي في بنية الرواية و القدرة على التحكّم في زمن السرد الروائي و في إغناء السرد بمقاطع وصفيّة وظّفتها توظيفا تأثيريّا انطباعيّا أو لمزيد تسليط الأضواء على الشخصيات و التعريف بها أو لتحدّي النظام الاجتماعي الثقافي المتخلف المغرق في التحجّر و الانغلاق و المساهمة في التأسيس لفكر حرّ و ثقافة حرّة و مجتمع حرّ يتساوى فيه المواطنون و المواطنات على جميع الأصعدة . تحديّا لرواسب الفكر الاقطاعي الذي يقرّ بدونية المرأة و الفكر البورجوازي الذي يشيّئ المرأة و يجعلها سلعة يوظفها لمزيد الاستهلاك و إثراء الأغنياء . إنها تطمح إلى تونس جديدة و عالم جديد تتحقّق فيه إنسانية الإنسان بقطع النظر على جنسه..

إنّي متيقّن أنّ المبدعة صباح بن حسونة ،كما أبدعت في جنس الرواية، قادرة على الإبداع في جميع الأجناس الأدبيّة . لكن الأهمّ هو استمرار كفاحها من أجل حلمها و شخصيتها الأدبية المتفردّة و قيمها و مبادئها و خلاصة تجربتها الإنسانية من الطفولة المتدفقة أحلاما إلى كهولتها المتدفّقة نضجا دون تنازلات و رضوخ إلى قيد مهما كان مأتاه سياسيّا أو ثقافيّا أو اجتماعيّا حتى يتعاظم المنتصرون لإبداعاتها في زمن يبشّر بانتصار من يكافحون من أجل القيم الكونية المثلى و المبادئ الإنسانيّة المثلى مساهمة منها في تشييد تونس الجديدة و عالم جديد تتحقّق فيه قيم الحريّة و العدل و الكرامة الإنسانية بجميع أبعادها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى