المحامي علي ابوحبله - اليمين الشعبوي ـ في خطاب اليمين الأوروبي و المسيحية سلاحه

"يجب الحفاظ على الجذور المسيحية المشتركة لأوروبا". هذا ما تنادي به أحزاب متشددة في بلدان مختلفة من أوروبا، الأمر الذي يستنفر قواعدها الشعبية، وإن لم تتمكّن من تحقيق فوز كبير في صناديق الاقتراع أخيراً.

استدعاء القيم الدينية ترى فيه الباحثة من جامعة "إنس بروك" النمساوية، كريستينا ستوكل، محاولة لإقامة ما يشبه تحالفاً أوروبياً من أقطاب اليمين المتطرّف في المجتمعات الأوروبية بهدف تعزيز تعاونها ونفوذها في البرلمان الأوروبي مستقبلاً، وأتى التعبير عنه من خلال تقارب بين أحزاب من دول الشمال و"ليغا نورد" الإيطالي المتطرّف وحزب "البديل من أجل ألمانيا". والباحثة القائمة على مشروع "مجلس البحوث الأوروبية" حول أدوار القوى الدينية وتأثيرها في السياسات الأوروبية، كانت قد صرّحت لصحيفة "إنفورماسيون" الدنماركية قبيل انتخابات البرلمان الأوروبي، بأنّه بخلاف السابق عندما لم يكن ثمّة ربط بين التشدد اليميني والقيم المسيحية "يبدو أنّنا نشهد تغيّرات في مجتمعات أوروبا الآن، فأحزاب اليمين المتشدد باتت تركز كثيراً على القيم المسيحية، الأمر الذي تعدّه ردّ فعل على هجرة المسلمين. وقد لاحظنا أخيراً لديها تبنّياً أكبر لتلك القيم في خطابها الموجّه إلى الجماهير ووسائل الإعلام".

يشكل اليمين الشعبوي قوة سياسية داخل البرلمان الأوروبي، مع 36 مقعدًا يشغلها أعضاء من 10 أحزاب مختلفة في الدورة البرلمانية الحالية (2019-2024). يمثل الهوية والديمقراطية (ID) أكبر تكتل يميني شعبوي، يضم 93 مقعدًا من 12 دولة عضو. يُعد حزب الحرية النمساوي (FPÖ) وحزب الرابطة الإيطالي (Lega) من أبرز أعضائه. يمثل المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون (ECR) ثاني أكبر تكتل يميني شعبوي، يضم 63 مقعدًا من 13 دولة عضو. يُعد حزب القانون والعدالة البولندي (PiS) وحزب Vox الإسباني من أبرز أعضائه. يتعاون اليمين الشعبوي أحيانًا مع مجموعات أخرى لتحقيق أهدافه. على سبيل المثال، تحالف مع بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة: صوت بعض أعضاء اليمين الشعبوي مع أحزاب يمينية متطرفة مثل حزب “الحرية” الهولندي وحزب “الشعب” الدنماركي في قضايا محددة. يتعاون اليمين الشعبوي مع مجموعات مناهضة للهجرة مثل “الجيل الهوية” و”مواطنون قلقون”.

توجد خلافات بين الأحزاب اليمينة الشعبوية حول قضايا مختلفة، مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. بعض الأحزاب، مثل حزب الحرية النمساوي، متشككة بشكل كبير في الاتحاد الأوروبي وتدافع عن سيادة الدول الأعضاء بشكل مطلق. بينما تدعم أحزاب أخرى، مثل حزب الشعب الأوروبي، الاتحاد الأوروبي بشكل عام مع سعيها لإصلاحه من الداخل. تختلف مواقف الأحزاب اليمينة الشعبوية من القضايا الاقتصادية، مع دعم بعضها لسياسات اقتصادية ليبرالية، بينما يدافع البعض الآخر عن تدخل حكومي أكبر. تتفق جميع الأحزاب اليمينة الشعبوية على ضرورة الحد من الهجرة، لكن تختلف وجهات نظرها حول أفضل السبل لتحقيق ذلك.

حذر المستشار الألماني أولاف شولتز من “أزمنة عصيبة” مقبلة إذا استمر صعود الشعبويين اليمينيين في أوروبا، في خطاب حاد في مؤتمر للحزب الاشتراكي الديمقراطي الأوروبي في بوخارست 7 أبريل 2024. واتهم شولتز الشعبويين اليمينيين بمعارضة “أوروبا الموحدة وقيمها” في حملاتهم الانتخابية، قائلاً: “إنهم على استعداد لتدمير ما بنيناه على مدى عقود”. كما حذر من أن الشعبويين اليمينيين “أثاروا الاستياء ضد اللاجئين والأقليات”، مما يُهدد التماسك الاجتماعي في أوروبا. وأعرب شولتز عن قلقه من أن صعود الشعبويين اليمينيين قد يُهدد “السوق المشتركة” والاتحاد الأوروبي ككل. كذلك أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن قلقه من “خطر” صعود التنظيم الشعبوي على وحدة أوروبا. وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن “الديمقراطية الليبرالية في أوروبا تواجه تحديات لم نشهدها منذ عقود”.

حيث تُروج أحزاب اليمين الشعبوي لخطاب عنصري وكراهية ضد الأقليات. تسعى هذه الأحزاب إلى تقييد حرية التعبير والتجمع السلمي. تُهدد هذه الأحزاب استقلال القضاء وحرية الإعلام. تسعى هذه الأحزاب إلى تقويض دور المؤسسات الأوروبية وتعزيز سيادة الدول الأعضاء. تُروج أحزاب اليمين الشعبوي للقومية الضيقة وتُعارض التكامل الأوروبي. تسعى هذه الأحزاب إلى تقليص دور الاتحاد الأوروبي على المسرح العالمي، وتُعارض أحزاب اليمين الشعبوي سياسة الهجرة الأوروبية وتُطالب بفرض قيود صارمة على دخول المهاجرين. تُعارض أحزاب اليمين الشعبوي سياسة اللجوء الأوروبية وتُطالب بإعادة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية.

ووفق قرائه معمقه وفق التحليلات ، يُعدّ صعود اليمين الشعبوي في أوروبا ظاهرة مقلقة تتطلب من القوى الديمقراطية توحيد الجهود لمواجهة خطاباته المتطرفة، وتعزيز القيم الأوروبية التي تُؤسّس لِاتحاد قوي وموحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى