جوهر فتّاحي - حديث في العلوم..

يمكن تعريف العلم على أنه مجموع المعارف البشرية التي يتم الحصول عليها من خلال أساليب صارمة ومنهجية تهدف إلى فهم قوانين وظواهر الكون. ويقوم العلم على الملاحظة، والتجربة، والتحليل العقلاني لتوليد معارف موثوقة وقابلة للتحقق وإعادة الإنتاج.

تاريخ العلم هو قصة طويلة من الاكتشافات والتقدم والصدمات، وأحيانا من المآسي. وبدأ في العصور القديمة مع مساهمات الحضارات اليونانية والمصرية والبابلية، التي وضعت أسس الطب والرياضيات والفلك. وكان عصر النهضة علامة على بداية سيادة العلم في أوروبا، وأدى إلى الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع عمالقة مثل كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن وكبلر. ثم كان القرن الثامن عشر، أو عصر التنوير، فترة من التنظيم العقلاني والمعرفة العلمية، مما وضع أسس العلم الحديث. وشهد القرنان التاسع عشر والعشرون ثورات علمية متتالية مع ظهور الديناميكا الحرارية، ونظرية التطور، والنسبية، وميكانيكا الكم.

يعتبر مجال المعرفة علمًا عندما يلتزم بالمبادئ الأساسية للطريقة العلمية، بما في ذلك الملاحظة التجريبية، ووضع الفرضيات القابلة للاختبار، وإجراء التجارب المنضبطة، والتحليل النقدي للنتائج. بالمقابل، يعتبر مجال ما علمًا زائفًا، أو "بسيودوساينس"، عندما يفتقر إلى الدقة المنهجية، ويرفض القابلية للدحض، ويعتمد على أساليب غير قابلة للتحقق أو غير قابلة لإعادة الإنتاج. وتتسم العلوم الزائفة غالبًا بتأكيدات استثنائية بدون أدلة قوية، ومقاومة للنقد، وغياب التقدم أو التطور النظري.

المنطق هو جوهر العلم. فهو يسمح بتنظيم التفكير، وإقامة العلاقات السببية، واستخلاص النتائج الصالحة من المقدمات المرصودة. أما المنطق الزائف، أو المغالطة، فهو حجة تبدو صالحة ظاهريًا لكنها في الواقع خاطئة أو مضللة. مثال كلاسيكي على ذلك هو مغالطة الاستدلال على السلطة (argumentum ad verecundiam)، حيث يدعم المرء ادعاءً معينًا لمجرد أن شخصًا ذا سلطة يؤيده، دون تقييم الأدلة الكامنة. مجالات مثل الكيمياء القديمة (الخيمياء) والفراسة (الفيرينولوجيا) كانت تُعتبر علومًا قبل أن يتم دحضها. فقد كانت الخيمياء، على سبيل المثال، تسعى لتحويل المعادن الأساسية إلى ذهب واكتشاف إكسير الحياة. ومع تطور الكيمياء الحديثة، تم الاعتراف بأن هذه الممارسات غير علمية. وبالمثل، كانت الفراسة تدعي تحديد سمات الشخصية من خلال دراسة نتوءات الجمجمة، وهي نظرية تم دحضها بتقدم علم الأعصاب. ولتجنب الوقوع في فخاخ العلوم الزائفة، من الضروري الحفاظ على عقلية نقدية ومشككة، والتحقق من إمكانية التحقق والدحض للادعاءات، والتأكد من قابلية إعادة إنتاج التجارب، وعرض الأعمال على مراجعة النظراء. الشفافية في الأساليب والبيانات ضرورية أيضًا. المنهج الديكارتي، الذي قدمه رينيه ديكارت والذي يعتمد على الشك المنهجي، شكّل علامة فارقة في تنظيم العلوم وتنقيتها. ويتمثل المنهج في الشك في كل شيء غير مؤكد تمامًا، للاحتفاظ فقط بالمعارف غير القابلة للجدل. وقد أتاح هذا الأسلوب تنظيم الفكر العلمي من خلال التركيز على الدقة ووضوح الأفكار.

تلعب النظرية دوراً مركزياً ولا غنى عنه في العلم. فهي تُستخدم كإطار مفاهيمي لتنظيم وشرح الملاحظات والبيانات التجريبية. فالنظرية هي مجموعة متماسكة من التفسيرات والتنبؤات حول ظاهرة طبيعية، وتتكون من مفاهيم، ومسلمات، وقواعد استنتاج. تعمل النظريات من خلال تقديم نماذج تفسيرية يمكن اختبارها والتحقق منها بالتجربة. ولكن براهين عدم الاكتمال لغودل، التي تأسست في عام 1931، أظهرت أنه في أي نظام رسمي قوي بما فيه الكفاية، توجد مقترحات لا يمكن إثباتها أو دحضها داخل هذا النظام. لهذه البراهين تأثير بعمق على فهمنا لحدود النظريات الرسمية وتؤكد على عدم الاكتمال الكامن في أي نظام منطقي معقد.

أما الإبستمولوجيا فهي فرع الفلسفة الذي يدرس طبيعة وأصل وحدود المعرفة. وتلعب دورًا حاسمًا في تحديد معايير صلاحية وصحة المعارف العلمية، وفي تحليل أساليب وأسس العلوم، والمساعدة في التمييز بين العلم والعلوم الزائفة. الإبستمولوجيا ضرورية لبقاء العلم لأنها تتيح التفكير النقدي في الممارسات العلمية وتضمن الصرامة وقوة المعارف.

مستقبل العلم واعد وغير مؤكد في آن واحد. واعد بسبب التقدم التكنولوجي والاكتشافات المحتملة في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية والفلك والذكاء الاصطناعي. وغير مؤكد بسبب التحديات العالمية مثل تغير المناخ، والأزمات الصحية، والصراعات الاجتماعية التي يمكن أن تؤثر على تمويل وتوجيه البحث العلمي. سيستمر العلم في التطور، متأثرًا باحتياجات وتطلعات الإنسانية، بينما يسعى للتغلب على العقبات والحفاظ على سعيه الدؤوب نحو الحقيقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى