(ملف خاص في الذكرى السابعة لاغتياله)
منذ سبع سنوات اغتيل الشاعر الكبير محمود البريكان في داره في مدينة البصرة، ولم يكن اغتياله بالحدث الهين الا أن السلطة آنذاك وهيمنتها على كل ما له علاقة بالثقافة وتسييره باتجاهها لم تعط أهمية لأغتيال البريكان الذي يعد من اكبر الشعراء العرب وأهمهم في تلك الفترة.. اغتيل في أواخر شباط عام 2002 ودفن في مقبرة الزبير الى جوار صديقه الشاعر محمد علي الإسماعيل..
بصرياثا تستذكر الشاعر الراحل ، وتقتطف من كتابات الأخوة الأدباء ما يمكن أن نعطي حق هذا الأديب الكبير الذي عاش بعيداً عن الناس وعن الأضواء.. لكنه كان اقرب ما يكون الى الإبداع الأدبي..
وننوه الى أن عدد من الكتابات قد وصلتنا عبر البريد الالكتروني وبعضها اخترناها من كتابات سابقة لاصدقاء الشاعر.. واننا اذ نحيي ذكرى البريكان رحمه الله بهذا الملف البسيط ندعو حكومتنا الى تبني مشروع ثقافي خاص بالشاعر على غرار ملتقى السياب أو مهرجان الجواهري او المتنبي او مهرجان المربد، أو ان تسمي مؤسسة ثقافية باسمه وهذا اقل ما يمكن تقديمه لديب عراقي كبير مثل محمود البريكان.
مجلة بصرياثا الثقافية
—————————————————-
قصيدة تنشر لأول مرة
الوصية
•للشاعر الكبير الراحل محمود البريكان
على مدى السنوات الثلاثين الماضية حين كان الشعراء في العراق يتسابقون إلى المهرجانات الشعرية في المرابد المعروفة ، وفي غيرها ، وحين كان ضجيجهم وصخبهم يعلو في القاعات الباذخة وتحت الأضواء البرّاقة ، طلباً لمجد كاذب ، أو شهرة عارضة ، كان هو في معتزله في أحد بيوتات البصرة منشغلاً مع نفسه عن تلك الأستعراضات بشيء آخر .. بهدف أسمى وأعز : ابداع أعمال شعرية حقيقية باقية تعيد إلى الشعر العربي الحديث كرامته ، وتأخذه عن جدارة وأصالة إلى العالمية ، وكان يسرُّ إلى خاصته بأن ما يقدم في تلك المهرجانات بأسم الشعر والثقافة لا يمت بصلة إلى الشعر الحقيقي أو الثقافة الحقة . وعبر سنوات من الكد الشعري الصامت الدؤوب ، والولاء النادر لفنه الشعري نجح الشاعر في تحقيق طموحه أيما نجاح . وأنجز في الفترة الممتدة من العام 1969م وحتى العام 2000م أعمالاً شعرية فريدة لا تقدر بثمن .. عشرات القصائد المتميزة التي تذهب بعيداً في مديات الإبداع الشعري غير المسبوق ، والتي ستظل على مدار الزمن حية متوهجة في فردوس الشعر الإنساني . وأعرف بحكم صلتي بالراحل ، وما كنت أدونه عنه في أوراقي الخاصة أن أعمال الفترة المذكورة ضمّها ديوانه ( عوالم متداخلة ) وهو الديوان الأحدث والأكبر للشاعر حيث سجل فيه أخطر وأهم تجاربه الشعرية . والقصيدة التي اخترناها هنا للنشر مستلة من هذا الديوان ، وهي تقدم مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على قدرة الخلق الشعري عند هذا الشاعر الكوني . فهذه القطعة الشعرية الصغيرة ، البالغة الدلالة في بعدها الإنساني ، مثلما هي صالحة للقراءة الآن ، فأنها تصلح كذلك للقراءة بعد ألف عام من زمن كتابتها دون أن تفقد شيئاً من جمالها أو عمقها . كما أنها تتوجه في خطابها إلى الأجيال الشابة الصاعدة في هذا العالم ، والى الأجيال الآتية عبر امتداد المستقبل على حد سواء . وهذا هو سر الإبداع الشعري الذي يبقى مستعصياً على أي تصنيف أو تعريف . ولعل أجمل ما تطالعنا به ( الوصية ) هذا النداء المخلص الذي يطلقه الشاعر بحرارة من أجل أن ننفتح مجدداً على الأمل العريض : معانقة الحياة ، والأيمان بها رغم ما قد يعتريها أحياناً من آلام وخيبات . وهذه الدعوة إلى تعزيز أواصر الصداقة البشرية بين بني الإنسان من أجل أن يتوجه الجميع في هذا الكوكب المضطرب صوب معجزة حلمهم المشترك ( المستقبل ) هذا المستقبل الذي يأمل الشاعر بأن يكون أكثر عدلاً وإشراقاً ، وأوفر أمناً وحرية لعموم بني البشر .
عبد الله البريكان
القصيدة
لكم أن تكونوا صغاراً
وأن تنعموا بالشباب
وأن لا تشيبوا سريعاً
لكم كل شيءٍ : جمال العطاء
وكنز الصداقة
لكم كل هذا الوجود العريض
فلا تقنطوا
ولا تتبعوا الشعراء إلى الوهم .
لن تجدوا حكمة في البكاء .
تسيئون فهمي
إذا لم تروا غير حزني العميق
نشدتُ الفرح
ولكن حملي ثقيل
فكونوا أخفّ وأوفر حظاً .
لكم أبسط الكلمات
ستكفي .
لكم فسحة الوقت :
أن تصنعوا أجمل الذكريات
وأن تعرفوا للفصول مسراتها
وأن تتغنوا معاً .
ألا آمنوا بالحياة
ولا تفقدوا لون هذا الحضور :
عذوبة هذا الهواء
وحرية الأفق المترامي
ودفء اليد البشرية
ومعجزة الحلم المشترك .
تشرين الاول 1984
البصرة
منذ سبع سنوات اغتيل الشاعر الكبير محمود البريكان في داره في مدينة البصرة، ولم يكن اغتياله بالحدث الهين الا أن السلطة آنذاك وهيمنتها على كل ما له علاقة بالثقافة وتسييره باتجاهها لم تعط أهمية لأغتيال البريكان الذي يعد من اكبر الشعراء العرب وأهمهم في تلك الفترة.. اغتيل في أواخر شباط عام 2002 ودفن في مقبرة الزبير الى جوار صديقه الشاعر محمد علي الإسماعيل..
بصرياثا تستذكر الشاعر الراحل ، وتقتطف من كتابات الأخوة الأدباء ما يمكن أن نعطي حق هذا الأديب الكبير الذي عاش بعيداً عن الناس وعن الأضواء.. لكنه كان اقرب ما يكون الى الإبداع الأدبي..
وننوه الى أن عدد من الكتابات قد وصلتنا عبر البريد الالكتروني وبعضها اخترناها من كتابات سابقة لاصدقاء الشاعر.. واننا اذ نحيي ذكرى البريكان رحمه الله بهذا الملف البسيط ندعو حكومتنا الى تبني مشروع ثقافي خاص بالشاعر على غرار ملتقى السياب أو مهرجان الجواهري او المتنبي او مهرجان المربد، أو ان تسمي مؤسسة ثقافية باسمه وهذا اقل ما يمكن تقديمه لديب عراقي كبير مثل محمود البريكان.
مجلة بصرياثا الثقافية
—————————————————-
قصيدة تنشر لأول مرة
الوصية
•للشاعر الكبير الراحل محمود البريكان
على مدى السنوات الثلاثين الماضية حين كان الشعراء في العراق يتسابقون إلى المهرجانات الشعرية في المرابد المعروفة ، وفي غيرها ، وحين كان ضجيجهم وصخبهم يعلو في القاعات الباذخة وتحت الأضواء البرّاقة ، طلباً لمجد كاذب ، أو شهرة عارضة ، كان هو في معتزله في أحد بيوتات البصرة منشغلاً مع نفسه عن تلك الأستعراضات بشيء آخر .. بهدف أسمى وأعز : ابداع أعمال شعرية حقيقية باقية تعيد إلى الشعر العربي الحديث كرامته ، وتأخذه عن جدارة وأصالة إلى العالمية ، وكان يسرُّ إلى خاصته بأن ما يقدم في تلك المهرجانات بأسم الشعر والثقافة لا يمت بصلة إلى الشعر الحقيقي أو الثقافة الحقة . وعبر سنوات من الكد الشعري الصامت الدؤوب ، والولاء النادر لفنه الشعري نجح الشاعر في تحقيق طموحه أيما نجاح . وأنجز في الفترة الممتدة من العام 1969م وحتى العام 2000م أعمالاً شعرية فريدة لا تقدر بثمن .. عشرات القصائد المتميزة التي تذهب بعيداً في مديات الإبداع الشعري غير المسبوق ، والتي ستظل على مدار الزمن حية متوهجة في فردوس الشعر الإنساني . وأعرف بحكم صلتي بالراحل ، وما كنت أدونه عنه في أوراقي الخاصة أن أعمال الفترة المذكورة ضمّها ديوانه ( عوالم متداخلة ) وهو الديوان الأحدث والأكبر للشاعر حيث سجل فيه أخطر وأهم تجاربه الشعرية . والقصيدة التي اخترناها هنا للنشر مستلة من هذا الديوان ، وهي تقدم مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على قدرة الخلق الشعري عند هذا الشاعر الكوني . فهذه القطعة الشعرية الصغيرة ، البالغة الدلالة في بعدها الإنساني ، مثلما هي صالحة للقراءة الآن ، فأنها تصلح كذلك للقراءة بعد ألف عام من زمن كتابتها دون أن تفقد شيئاً من جمالها أو عمقها . كما أنها تتوجه في خطابها إلى الأجيال الشابة الصاعدة في هذا العالم ، والى الأجيال الآتية عبر امتداد المستقبل على حد سواء . وهذا هو سر الإبداع الشعري الذي يبقى مستعصياً على أي تصنيف أو تعريف . ولعل أجمل ما تطالعنا به ( الوصية ) هذا النداء المخلص الذي يطلقه الشاعر بحرارة من أجل أن ننفتح مجدداً على الأمل العريض : معانقة الحياة ، والأيمان بها رغم ما قد يعتريها أحياناً من آلام وخيبات . وهذه الدعوة إلى تعزيز أواصر الصداقة البشرية بين بني الإنسان من أجل أن يتوجه الجميع في هذا الكوكب المضطرب صوب معجزة حلمهم المشترك ( المستقبل ) هذا المستقبل الذي يأمل الشاعر بأن يكون أكثر عدلاً وإشراقاً ، وأوفر أمناً وحرية لعموم بني البشر .
عبد الله البريكان
القصيدة
لكم أن تكونوا صغاراً
وأن تنعموا بالشباب
وأن لا تشيبوا سريعاً
لكم كل شيءٍ : جمال العطاء
وكنز الصداقة
لكم كل هذا الوجود العريض
فلا تقنطوا
ولا تتبعوا الشعراء إلى الوهم .
لن تجدوا حكمة في البكاء .
تسيئون فهمي
إذا لم تروا غير حزني العميق
نشدتُ الفرح
ولكن حملي ثقيل
فكونوا أخفّ وأوفر حظاً .
لكم أبسط الكلمات
ستكفي .
لكم فسحة الوقت :
أن تصنعوا أجمل الذكريات
وأن تعرفوا للفصول مسراتها
وأن تتغنوا معاً .
ألا آمنوا بالحياة
ولا تفقدوا لون هذا الحضور :
عذوبة هذا الهواء
وحرية الأفق المترامي
ودفء اليد البشرية
ومعجزة الحلم المشترك .
تشرين الاول 1984
البصرة