الشعر تركيب. ومن وسائل التركيب الحذفُ والاختصار.
أتصورُ البيتَ الشعريَّ القديمَ تمثالاً ينحته الشاعرُ نحتاً. ثم يُقدمه لنا، فنتذوق جمالَه دون أن نعرف شيئا عن الكلمات التي طرحها الشاعرُ وحذفَها، ليستويَ في الأخير البيتُ/ التمثال.
قال الطفلُ للنَّـحَّات: كيف عرفتَ أن بداخل الصخرةِ حصاناً؟.. وأنا أقول للقارئ: آه.. لو عرفتَ كم وراء البيت الشعري الجميل من الاختيارات المطروحة والكلمات المُـلْـقاة.
تعالوا نُـلْـقِ نظرةً على سلة مهملات الشعراء:
يقول أبو دؤاد الإيادي ( وهو شاعر جاهلي قديم ):
( أَكُـلَّ امرئٍ تحسَـبِـيـنَ امرَأً؟
ونَــارٍ تَــوَقَّــدُ بــاللـيـلِ نَـارَا؟ )
يبدو، من هذا البيت، أن لأبي دؤاد نظرةً خاصةً إلى الوجود: ليس كلُّ الناسِ ناساً، ولا كلُّ النيران ناراً :
(والنار في الخيال العربي هي الأخلاق: نارُ القِـرَى.. وهي المال: كانوا يَـسِـمُون الإبلَ بكَـيِّـها بعلامةٍ خاصة تُعرفُ بها إبلُ هذه القبيلة من إبلِ تلك.
وهي المجد: (كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ.. )
وهي الهوية عموما.. هي التي تجعل المرْءَ امرَأً )
هل هي نظرة فلسفية ترى ان الوجودَ كـلَّه مُـقَـنَّـعٌ؟ وأن وراء كل كائنٍ ظاهرٍ كائناً آخرَ في الباطن؟
هل هي نظرةٌ ثقافية جاهلية ترى أن الزمنَ ينحدر، وأن الجميلَ هو الماضي:
( إِذِ الناسُ ناسٌ، والزمانُ بعِـزَّةٍ
وإذْ أُمُّ عَـمَّـارٍ صـديـقٌ مُساعِـفُ )
يقول أوسُ بنَ حَـجَـر؟
على أي حال، فهذه قضايا فكرية، والشعرُ لغةٌ لا أفكار، فلنعد إلى الشعر، وإلى بيت أبي دؤاد بالذات:
إذا حاولنا أن نترجم البيتَ إلى لغتنا النثرية، يمكن أن نصل إلى الصيغة التالية:
( هل تحسبين كلَّ امرئٍ امرَأً حقا؟
وهل تحسبين كلَّ نارٍ تتوقد بالليل ناراً فعلا؟ )
ولكن الشاعرَ تصرَّفَ في الكلمات، فحَذَفَ الزوائدَ وقَـدَّمَ وأخَّـرَ.. لينحتَ لنا هذا البيتَ الجميلَ الخالد. ولم يفعل ذلك ليتسق البيتُ مع وزن المتقارب ( فعولن فعولن.. )، فقد كان بإمكان المتقارب أن يتسق مع كثير من الصيغ الأخرى ليعبر عن الدلالة نفسها. ولكن الشاعر سَبَكَ الصيغةَ بهذا الشكل لتعبر عن ذوقه الخاص في تركيب الشعر ونَـمْـنَـمَـتِـه.. وربما أيضا ليتيح للمتلقي الإبداعَ بالتأويل، ذلك أن الشعراءَ الكبار لا يُبدعون لكل الناس، بل للأذكياء والذَّوَّاقين خاصةً. وإنما يُبدعُ المبدعون للمبدعين.
وشبيهٌ بهذا البيت، في اعتماد المحذوف من الشطر الثاني على المذكور في الشطر الأول، قولُ شاعرٍ أورَدَ له أبو العباس ثعلب في مجالسه ثلاثةَ أبيات في رثاء أبنائه الذين فقدهم ب(قِـنِّـسْـرين) بالشام. قال:
( سَـقَى اللهُ فتياناً، ورائي تركتُـهُـمْ
بحاضِـرِ قِـنِّـسْـرينَ، من سَـبَـلِ القَـطْــرِ
ثَـوَوْا لا يُـريدون الـرَّواحَ، وغالَـهمْ
مــن المـوت أسبابٌ جَـرَيْـنَ عـلى قَـدْرِ
يُـذَكِّـرُنـيـهــمْ كُــلُّ خَــيْــرٍ رأيْـتُــــهُ
وشَـرٍّ، فَــمـا أَنْــفَــكُّ مـنهم عــلى ذِكْــرِ )
وهو يقصد في الشطر الثاني: ( ويُذكرُنيهم كلُّ شرٍّ رأيتُهُ). ولكنه لم يذكر إلا: (وَشَـرٍّ) اعتماداً على فهم القارئ لباقي الكلمات من الشطر الأول.
وكذلك فعل أبو دؤاد، حين لم يذكر في الشطر الثاني لبيته إلا (ونارٍ)، اعتمادا على فهم القارئ للباقي من الشطر الأول.
وشبيهٌ بهذا البيت في الاختصار والنحت قولُ امرئ القيس:
( إذا ركبوا الخيلَ واستلأموا
تَحَـرَّقَـتِ الأرضُ واليومُ قَـرّْ )
فوراء هذا البيتِ كلماتٌ كثيرةٌ حذفها الشاعر، وأعاد ترتيبَ ما أعجبه منها، ليُشَـكِّـلَ هذا البيتَ المتوازنَ المتوازي: بيت من وزن أبي دؤاد نفسه: المتقارب (يقولون إن امرأَ القيس كان راويةَ أبي دؤاد): فقد حذف السلاحَ كلَّه (السهم والرمح والسيف والدرع والمغفر..)، واختصره في هذه الكلمة: (استلأموا): أي لبسوا اللأمة (وهي السلاح كله). والفارسُ المستلئم هو المدجَّجُ بالأسلحة، والذي لا يقدر عليه إلا أمثالُ عنترة القائل:
( إن تُـغْـدِفي دوني القناعَ فإنني
طَـبٌّ بأخذ الفــارسِ المُـسْـتَـلْـئِـمِ )
ثم انتقل الشاعرُ مباشرةً من بداية المعركة (ركبوا الخيلَ واستلأموا) إلى نهايتها (تحَـرَّقَـتِ الأرضُ واليومُ قَـرّْ).
كيف تتحَـرَّقُ الأرضُ في المعركة؟ ربما من حركة الخيل على الأرض (كر وفر وإقبال وإدبار..) يقول شاعرٌ آخر:
( إذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغربٍ
تَــحَـرَّكَ يَـقْـظانُ التُّــرَابِ ونَـائِـمُـهْ )
فبحركة التراب هذه (مع حركة الخيل وتصاعد الغبار وعرق الفرسان وتلاحم الأجساد والأحقاد..) تحترق الأرضُ أو (تَـتَـحَـرَّقُ) بعبارة الشاعر: أي تحترق شيئا فشيئا، مع أن الفصلَ شتاءٌ واليومُ (قَـرٌّ) أي باردٌ.
في النهاية استقامَ البيتُ الشعريُّ المرقسيُّ تمثالاً جميلاً:
في الشطر الأول جملتان، يوازيهما في الشطر الثاني جملتان. وليس في كلِّ جملةٍ إلا الضروري والموحي من الكلمات.
أحيانا يُحدثُ ولعُ الشعراء بالحذف والاختصار والنحت.. نوعا من الالتباس في الشعر، يُفجِّـرُ سيلاً من التأويلات:
في شعر الأعشى حرفٌ صغيرٌ حَـيَّـرَ العلماء: يقول الأعشى:
( فباتَتْ ركابٌ بأكْوارها
وخَـيْـلٌ لَـدَيْـنا بألْـبـــادها
لقومٍ، فكانوا همُ المُنْفِـدِينَ
شرابَـهُـمُ قـبـل إنــفَــادِها )
فَعَـلَامَ يعود ضمير الغائبة (ها) في قوله: (إنفادها)؟ وما هي هاته التي ينتهي شرابُ الندماء قبل أن تنتهي؟
قال بعضُ العلماء الـشُّـرَّاح: إنها دراهمُـهم: فلأنهم أغنياءُ مَياسير.. ينتهي الشرابُ قبل أن تنتهيَ دراهمُهم. ( ويبدو أن هؤلاء الشراح كانت تنتهي دراهمُهم قبل أن ينتهي شرابُهم ).
وقال آخرون: إنها عقولُهم: فلأنهم سُكارَى محترفون.. ينتهي شرابُـهم قبل أن يفقدوا عقولَهم.
أما نحن فنرى أنها آفاقُ خيالِ الأعشى التي لا تنتهي قبل أن تنتهي عقولُـنا نحن القراء.
أتصورُ البيتَ الشعريَّ القديمَ تمثالاً ينحته الشاعرُ نحتاً. ثم يُقدمه لنا، فنتذوق جمالَه دون أن نعرف شيئا عن الكلمات التي طرحها الشاعرُ وحذفَها، ليستويَ في الأخير البيتُ/ التمثال.
قال الطفلُ للنَّـحَّات: كيف عرفتَ أن بداخل الصخرةِ حصاناً؟.. وأنا أقول للقارئ: آه.. لو عرفتَ كم وراء البيت الشعري الجميل من الاختيارات المطروحة والكلمات المُـلْـقاة.
تعالوا نُـلْـقِ نظرةً على سلة مهملات الشعراء:
يقول أبو دؤاد الإيادي ( وهو شاعر جاهلي قديم ):
( أَكُـلَّ امرئٍ تحسَـبِـيـنَ امرَأً؟
ونَــارٍ تَــوَقَّــدُ بــاللـيـلِ نَـارَا؟ )
يبدو، من هذا البيت، أن لأبي دؤاد نظرةً خاصةً إلى الوجود: ليس كلُّ الناسِ ناساً، ولا كلُّ النيران ناراً :
(والنار في الخيال العربي هي الأخلاق: نارُ القِـرَى.. وهي المال: كانوا يَـسِـمُون الإبلَ بكَـيِّـها بعلامةٍ خاصة تُعرفُ بها إبلُ هذه القبيلة من إبلِ تلك.
وهي المجد: (كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ.. )
وهي الهوية عموما.. هي التي تجعل المرْءَ امرَأً )
هل هي نظرة فلسفية ترى ان الوجودَ كـلَّه مُـقَـنَّـعٌ؟ وأن وراء كل كائنٍ ظاهرٍ كائناً آخرَ في الباطن؟
هل هي نظرةٌ ثقافية جاهلية ترى أن الزمنَ ينحدر، وأن الجميلَ هو الماضي:
( إِذِ الناسُ ناسٌ، والزمانُ بعِـزَّةٍ
وإذْ أُمُّ عَـمَّـارٍ صـديـقٌ مُساعِـفُ )
يقول أوسُ بنَ حَـجَـر؟
على أي حال، فهذه قضايا فكرية، والشعرُ لغةٌ لا أفكار، فلنعد إلى الشعر، وإلى بيت أبي دؤاد بالذات:
إذا حاولنا أن نترجم البيتَ إلى لغتنا النثرية، يمكن أن نصل إلى الصيغة التالية:
( هل تحسبين كلَّ امرئٍ امرَأً حقا؟
وهل تحسبين كلَّ نارٍ تتوقد بالليل ناراً فعلا؟ )
ولكن الشاعرَ تصرَّفَ في الكلمات، فحَذَفَ الزوائدَ وقَـدَّمَ وأخَّـرَ.. لينحتَ لنا هذا البيتَ الجميلَ الخالد. ولم يفعل ذلك ليتسق البيتُ مع وزن المتقارب ( فعولن فعولن.. )، فقد كان بإمكان المتقارب أن يتسق مع كثير من الصيغ الأخرى ليعبر عن الدلالة نفسها. ولكن الشاعر سَبَكَ الصيغةَ بهذا الشكل لتعبر عن ذوقه الخاص في تركيب الشعر ونَـمْـنَـمَـتِـه.. وربما أيضا ليتيح للمتلقي الإبداعَ بالتأويل، ذلك أن الشعراءَ الكبار لا يُبدعون لكل الناس، بل للأذكياء والذَّوَّاقين خاصةً. وإنما يُبدعُ المبدعون للمبدعين.
وشبيهٌ بهذا البيت، في اعتماد المحذوف من الشطر الثاني على المذكور في الشطر الأول، قولُ شاعرٍ أورَدَ له أبو العباس ثعلب في مجالسه ثلاثةَ أبيات في رثاء أبنائه الذين فقدهم ب(قِـنِّـسْـرين) بالشام. قال:
( سَـقَى اللهُ فتياناً، ورائي تركتُـهُـمْ
بحاضِـرِ قِـنِّـسْـرينَ، من سَـبَـلِ القَـطْــرِ
ثَـوَوْا لا يُـريدون الـرَّواحَ، وغالَـهمْ
مــن المـوت أسبابٌ جَـرَيْـنَ عـلى قَـدْرِ
يُـذَكِّـرُنـيـهــمْ كُــلُّ خَــيْــرٍ رأيْـتُــــهُ
وشَـرٍّ، فَــمـا أَنْــفَــكُّ مـنهم عــلى ذِكْــرِ )
وهو يقصد في الشطر الثاني: ( ويُذكرُنيهم كلُّ شرٍّ رأيتُهُ). ولكنه لم يذكر إلا: (وَشَـرٍّ) اعتماداً على فهم القارئ لباقي الكلمات من الشطر الأول.
وكذلك فعل أبو دؤاد، حين لم يذكر في الشطر الثاني لبيته إلا (ونارٍ)، اعتمادا على فهم القارئ للباقي من الشطر الأول.
وشبيهٌ بهذا البيت في الاختصار والنحت قولُ امرئ القيس:
( إذا ركبوا الخيلَ واستلأموا
تَحَـرَّقَـتِ الأرضُ واليومُ قَـرّْ )
فوراء هذا البيتِ كلماتٌ كثيرةٌ حذفها الشاعر، وأعاد ترتيبَ ما أعجبه منها، ليُشَـكِّـلَ هذا البيتَ المتوازنَ المتوازي: بيت من وزن أبي دؤاد نفسه: المتقارب (يقولون إن امرأَ القيس كان راويةَ أبي دؤاد): فقد حذف السلاحَ كلَّه (السهم والرمح والسيف والدرع والمغفر..)، واختصره في هذه الكلمة: (استلأموا): أي لبسوا اللأمة (وهي السلاح كله). والفارسُ المستلئم هو المدجَّجُ بالأسلحة، والذي لا يقدر عليه إلا أمثالُ عنترة القائل:
( إن تُـغْـدِفي دوني القناعَ فإنني
طَـبٌّ بأخذ الفــارسِ المُـسْـتَـلْـئِـمِ )
ثم انتقل الشاعرُ مباشرةً من بداية المعركة (ركبوا الخيلَ واستلأموا) إلى نهايتها (تحَـرَّقَـتِ الأرضُ واليومُ قَـرّْ).
كيف تتحَـرَّقُ الأرضُ في المعركة؟ ربما من حركة الخيل على الأرض (كر وفر وإقبال وإدبار..) يقول شاعرٌ آخر:
( إذا نحن سرنا بين شرقٍ ومغربٍ
تَــحَـرَّكَ يَـقْـظانُ التُّــرَابِ ونَـائِـمُـهْ )
فبحركة التراب هذه (مع حركة الخيل وتصاعد الغبار وعرق الفرسان وتلاحم الأجساد والأحقاد..) تحترق الأرضُ أو (تَـتَـحَـرَّقُ) بعبارة الشاعر: أي تحترق شيئا فشيئا، مع أن الفصلَ شتاءٌ واليومُ (قَـرٌّ) أي باردٌ.
في النهاية استقامَ البيتُ الشعريُّ المرقسيُّ تمثالاً جميلاً:
في الشطر الأول جملتان، يوازيهما في الشطر الثاني جملتان. وليس في كلِّ جملةٍ إلا الضروري والموحي من الكلمات.
أحيانا يُحدثُ ولعُ الشعراء بالحذف والاختصار والنحت.. نوعا من الالتباس في الشعر، يُفجِّـرُ سيلاً من التأويلات:
في شعر الأعشى حرفٌ صغيرٌ حَـيَّـرَ العلماء: يقول الأعشى:
( فباتَتْ ركابٌ بأكْوارها
وخَـيْـلٌ لَـدَيْـنا بألْـبـــادها
لقومٍ، فكانوا همُ المُنْفِـدِينَ
شرابَـهُـمُ قـبـل إنــفَــادِها )
فَعَـلَامَ يعود ضمير الغائبة (ها) في قوله: (إنفادها)؟ وما هي هاته التي ينتهي شرابُ الندماء قبل أن تنتهي؟
قال بعضُ العلماء الـشُّـرَّاح: إنها دراهمُـهم: فلأنهم أغنياءُ مَياسير.. ينتهي الشرابُ قبل أن تنتهيَ دراهمُهم. ( ويبدو أن هؤلاء الشراح كانت تنتهي دراهمُهم قبل أن ينتهي شرابُهم ).
وقال آخرون: إنها عقولُهم: فلأنهم سُكارَى محترفون.. ينتهي شرابُـهم قبل أن يفقدوا عقولَهم.
أما نحن فنرى أنها آفاقُ خيالِ الأعشى التي لا تنتهي قبل أن تنتهي عقولُـنا نحن القراء.