عبدالوهاب أبو زيد - سعادة ما هو زائل

ومن جهتي فإن الشعر يبدو جديرا بأن تكرس له حياة كاملة». هذا ما قاله وطبقه بحذافيره الشاعر العراقي محمود البريكان من بين حفنة قليلة من الشعراء الذين ينطبق عليهم ذات الوصف.«ربما يكون ذلك هو السبب والدافع الذي وقف وراء امتناعه عن نشر الكتب، وعزوفه عن الأضواء، وزهده في الشهرة التي عادة ما يتكالب عليها الكثير من الشعراء. إنه شاعر يهتم بفنه، وليس بالظهور الآني الذي يترك وراءه الكثير من الصخب، ولا شيء أبعد من ذلك، ولذلك استطاع كما أشار في الحوار المنشور في (متاهة الفراشة) أن «يحافظ على استمراريته» رغم أنه لم ينشر إلا القليل من أشعاره في هذه المجلة أو تلك.
استطاع أن يطورها وينتقل بها من طور إلى آخر دون أن يتخلى عن اهتمامه الشديد وتركيزه على البعد الإنساني في الشعر
اشتغل البريكان على قصيدته في صمت، واستطاع أن يطورها وينتقل بها من طور إلى آخر دون أن يتخلى عن اهتمامه الشديد وتركيزه على البعد الإنساني في الشعر، نافرا من التجريد الذهني والألاعيب اللفظية التي ظن كثير من الشعراء أنها ستدخلهم إلى جنة الحداثة الموعودة من أوسع أبوابها، فهو لا يغتفر « اللعب بالكلمات وانتهاكها». وهو شديد الحرص على أن تكون كل كلمة في نصه حاملة لمعنى ما، فكل «كلمة لا يعنيها الشاعر تعني تفككا في الكيان، وإن عبارة لا تستقطب شيئا هي خيانة». إن قصيدة البريكان خافتة في إيقاعها، متقشفة في ألفاظها، عميقة في معانيها ودلالاتها حقاً.اقرأوا معي ما يقوله في (احتفاء بالأشياء الزائلة): « أربعُ أيد/تمتد إلى دفء النار معا/وعيون أربع/تتأمل طفلا في مهده/مائدة/من زاد الفقراء/ وحديث هادئ/الليل، وفيلم السهرة/ أنسام الفجر ترف رفيف جناج فراشة/ العشب اللين بعد الغيث/ يبدو منتعشا ونظيفا/ الموسيقى تتموج في الغرفة/ عنوان كتاب ممتع/ كأس الماء لظمآن/ نعاس المتعب/ لعب الأطفال وضجتهم/ الذكرى تمرق في لحظة/ خطة يوم قادم/ نور الشمس/ مجرد نور الشمس/ أجمل ما في العالم/ مشهده العابر/ ومباهجه الصغرى/ طوبى لك/ إن كنت بسيط القلب/ فستفهم مجد الأرض/ سحر الأشياء المألوفة/ إيقاع الدأب اليومي/ وجمال أواصر لا تبقى/ وسعادة ما هو زائل!»
أعلى