علي نوير - البريكان : ترجمة ذاتية

-
في جلسة خاصّة مع الراحل الكبير محمود البريكان أوائل تسعينيات القرن الماضي سألته عن حقيقة ما يميّز هذا الشاعر عن ذاك . أجابني بإيجاز شديد ، وبحكمة الشاعر المُجرّب : " إنّه النَبْر يا عليّ " .
وتأسيساً على إجابة أستاذي البريكان هذه أقول : يبدو أنّ لكلّ شاعرٍ حقيقيّ نبره الخاص ، وعدا ذلك لا نحظى بشعرٍ له تضاريسه ونكهته وخصائصه التي يتّصف بها . والنبر هنا قد لا يعني الإيقاع بمعناه الاصطلاحي ، هو إيقاع عابر لمعناه المتداول . ويبدو أنّ هاجس الوقوع في أسر نبر الآخر ، وإيقاعه ، وشخصيته يعتمل في وجدان الشاعر الكبير قبل الصغير ، والمجرّب قبل قليل التجربة ، وذلك لإدراكهما غير العادي بأهمّية الشعر وجدواه في عالم متغيّر ، سريع الخطى بحاجة الى مَن يضيء له روحه على الدوام .
أقول (الشعر) وأدرك أنّ ثمّة شعراء كثر مازالوا يهيلون التراب عليه ، وباسمه تحديداً .
أقول (الشاعر) وأعرف أنّ الفضاء قد امتلأ بأشباهه .
أقول ذلك ولا أعفي نفسي .

يطيب لي هنا أن أبشّر محبي (الشعر المختلف) أنّ أعمال البريكان الشعرية (المنشور منها وغير المنشور) والتي طال انتظارنا لها سنشهد بزوغها خلال هذا العام ، بتحقيق نخبة من الأدباء ، وبإشراف ودعم وزارة الثقافة .
ولمناسبة رحيله عنا في مثل هذا اليوم من عام ٢٠٠٢ معمّداً بالدم والشعر والأسئلة اخترت لكم إحدى قصائده :

ترجمة ذاتية
~~~~~~ء

أنبياء بلا رسالة
وحوش داجنة
سادة الأسواق :
(يبيعون الحقيقة بالخضوع)
خطباء مُدرّبون يتكلّمون في أيّ شيء
وأنا رجلٌ بسيط .

أنا أكتفي بالسماع
وفي كلّ ليلةٍ
أغسل قلبي بصمت .

بسيطةٌ هي الشمس
بسيطة زرقة السماء
وبسيطة خضرة الأرض
وبسيطٌ هو وضوح الجبل
ولكن ما أبعد أصداءها !
ولعلّ البساطة ليست سوى تعقيدٍ متوازن .

أنا أحبّ عنف البحر
ولكنّني أتعب من التحديق في جدولٍ عَكِر ،

إجتزت التاريخ ولم أحترق ،
ولكن دخان الكلمات يعميني .

أنا ألعب
(ولكن لا بالكلمات)
أنا أكذب
(مُتلمّساً أعذاراً واهيةً لضعف الأصدقاء !)
أنا أعاندُ
(القلبَ الذي يعلم أنّ لا فائدة !)
أنا أتمرّغ
(على عتبة الليل ، مُحطّماً كبريائي الفارغة)
أنا أسقط
(على ذاتي كجبل)
أنا أنعزل
(لكي أرى المنظر كاملاً)
أنا أضعف
(كالجميع ولا أماري)
أنا أتضاءل
(لأنّ الأنموذج كبير)
أنا أغنّي على مهل
(لأنّه يجب أن أحيا)

النور رائع
أرى ذلك
أنا الرجل المطروح في سفينة
الجذام .

.
محمود البريكان
١٤/ ٦ / ١٩٦٢
أعلى