جوهر فتّاحي - بين الحتميّة.. والصدفة.. والحريّة..

منذ فجر الفكر الفلسفي، انشغل الإنسان بالسؤال عن طبيعة العالم: هل تسير الظواهر وفق نظام صارم يجعل كل حدث نتيجة ضرورية لما سبقه، أم أن للصدفة والحرية دوراً في تشكيل مجريات الكون؟ انطلاقاً من هذا السؤال، نشأت فكرة الحتمية التي ترى أن كل شيء خاضع لقوانين ثابتة لا تحيد، بحيث إذا عرفنا الشروط الأولية لأي ظاهرة، أمكننا التنبؤ بمآلاتها المستقبلية بدقة تامة.

في الفكر العلمي الكلاسيكي، تجلت الحتمية بأبهى صورها. فقد رأى رينيه ديكارت أن الكون أشبه بآلة ضخمة تخضع لقوانين رياضية صارمة، وأن العقل البشري قادر، عبر المنهج الاستنباطي القائم على الوضوح والتمييز، على كشف هذه القوانين. كانت الفيزياء النيوتنية تجسيداً عملياً لهذا التصور؛ فقوانين الحركة والجاذبية تسمح بحساب مواقع الأجسام وسرعاتها في كل لحظة، بشرط معرفة الشروط الابتدائية. وهكذا بدا الكون وكأنه كتاب مفتوح أمام رياضيات العقل.

وامتدت فكرة الحتمية إلى مجال التاريخ مع النظريات الماركسية، التي اعتبرت أن التطور الاجتماعي والاقتصادي يخضع لقوانين صارمة، وأن صراع الطبقات يؤدي حتمياً إلى تجاوز أنماط الإنتاج القديمة وقيام أنظمة جديدة. بدا التاريخ وكأنه بدوره محكوم بقوانين لا تقل صرامة عن قوانين الفيزياء.

لكن مع تطور العلم والفكر، تعرض التصور الحتمي لهزات عميقة. ففي بداية القرن العشرين، كشفت ميكانيكا الكم أن على المستوى الذري، لا يمكن التنبؤ بسلوك الجسيمات بشكل دقيق، بل فقط تحديد احتمالات متعددة لحدوث كل نتيجة. أصبحت الطبيعة، في أعماقها، غير حتمية بصورة جوهرية. وفي مجالات أخرى، أظهرت نظرية الفوضى أن الأنظمة الخاضعة لقوانين بسيطة يمكن أن تنتج سلوكيات معقدة وفوضوية، يصعب التنبؤ بها عملياً بسبب حساسيتها المفرطة للشروط الابتدائية.

في هذا السياق، لم تعد الحتمية تفسر كل شيء. برزت الحاجة إلى نظرية الاحتمالات لتفسير الظواهر المعقدة أو العشوائية، وأصبح جهلنا الكامل بالشروط الدقيقة أو تعقيدها يجعل التنبؤ الحتمي أمراً مستحيلاً في كثير من الحالات. ولم يقف التشكيك في الحتمية عند حدود الفيزياء والرياضيات؛ بل شمل أيضاً الفكر الإنساني والاجتماعي. ففي مقابل الحتمية التاريخية التي تبناها ماركس، ظهرت توجهات تشدد على أهمية الأحداث الطارئة والقرارات الفردية في صنع التاريخ.

هنا تبرز البراغماتية، مع مفكريها مثل ويليام جيمس وجون ديوي، كتحدٍّ حقيقي للرؤية الحتمية التقليدية. فالبراغماتيون ينظرون إلى الحقيقة بوصفها عملية مستمرة تتغير بتغير التجربة، وليست معطى ثابتاً مسبقاً. لا وجود، بحسبهم، لمسار تاريخي أو علمي محتوم، بل الواقع يتشكل بفضل الفعل البشري والتجريب المستمر. وهكذا، في مقابل الحتمية الديكارتية التي ترى العالم منتظماً ومحدداً بمبادئ عقلية مطلقة، تؤكد البراغماتية على الطابع العملي، المفتوح والمتغير للواقع الإنساني.

بين الحتمية الصارمة والتصور البراغماتي، يبدو أن الحقيقة أعمق وأكثر تعقيداً. فالكون ليس فوضوياً بالكامل، كما أنه ليس آلة جامدة كما تصوره ديكارت. بعض الظواهر تخضع لقوانين يمكن رصدها وتفسيرها، لكن هناك في الوقت نفسه مجالات شاسعة من عدم اليقين والحرية. بل يمكن القول إن الحتمية والاحتمال يتكاملان: فهناك نظام عام يحكم الكليات، لكنه يترك مجالاً للمرونة والاختلاف في التفاصيل.

في نهاية المطاف، يظهر أن الحتمية تظل أداة قوية لفهم العالم، لكنها ليست كافية وحدها لاحتوائه. يتطلب فهم الطبيعة والتاريخ والإنسان الجمع بين عقلانية الحتمية وانفتاح البراغماتية، بحيث نعترف بقوانين الكون من دون أن نتجاهل تأثير الصدفة والإبداع البشري. هكذا فقط يمكننا بناء تصور أكثر اتزاناً عن العالم، تصور يجمع بين الثابت والمتغير، بين الضرورة والحرية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى