جوهر فتّاحي - في فلسفة الحياة والموت

الحياة، في عمقها الوجودي، ليست سوى سؤال لا ينتهي، سؤالٌ تفرد به الإنسان بين كل الكائنات حين يسأل: لماذا أعيش؟ ولماذا أموت؟ ليس لأنه يبحث فقط عن غاية أو هدف محدد، بل لأنه يشعر بفجوة داخلية بين وجوده المادي والمعنى الذي يحاول أن يجد له مكاناً في هذا العالم. الحياة كما قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو ليست مشكلة يمكن حلّها، بل حقيقة يجب عيشها، وهي بهذا المعنى تُصبح ميداناً لصراع دائم بين السعي إلى المعنى وبين صمت الواقع الذي لا يجيب.

لماذا نحيا؟ الإجابات تتعدد بحسب الزوايا التي ينظر منها الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله، فمن يرى الحياة عبادة، يفهم وجوده كرسالة إلهية، خدمة لله وتحقيق لمشيئة مقدسة، بينما يراها آخرون اختباراً يمر به الإنسان قبل عالم آخر، وآخرون يرونه فرصة ذهبية لبناء الذات، وإسعاد الآخرين، وترك بصمة لا تمحى. لكن السؤال الحقيقي، والذي قد يكون أكثر عمقاً، هو: هل يمكننا أن نجد معنى في هذه الحياة دون أن نحتاج إلى جواب نهائي؟ هل يستطيع الإنسان أن يعيش بسلام مع عدم اليقين، ويستمر في العطاء رغم الغموض؟

أما الموت، فهو ليس نهاية، بل مرآة تعكس لنا قيمة الحياة، كما قال نيتشه إن الموت بالغ الدلالة عندما يموت المرء في لحظة اكتماله، وليس حين يذبل كالورقة الجافة التي تسقط بلا معنى. الموت يطرح سؤالاً عميقاً عن طبيعة الزمن، وعن طبيعة الوعي الإنساني، وعن الفردنة التي تفصل كل شخص عن الآخر، فهل هو عدالة كونية تعيد التوازن للوجود؟ أم مجرد حكم طبي ينفي الحياة بعدما تُنفد مهمتها؟ أم أنه بداية لسؤال أكبر لم نكتشف بعد كيف نسأله؟

ظهرت في القرن العشرين مدرسة الفلسفة العبثية (Absurdism) كرد فعل على فقدان الإيمان التقليدي بالمعنى، خاصة بعد الحروب العالمية والانهيار الأخلاقي والمعنوي الذي أصاب البشرية، وقد قاد هذه المدرسة رواد مثل ألبير كامو الذي رأى أن العالم بلا معنى، وأن الإنسان عليه أن يعي ذلك ويستمر في العيش رغم العبث، وفرانتس كافكا الذي عبرت رواياته مثل "التحول" و"المحاكمة" عن شعور الإنسان بالانفصال عن نفسه ومن حوله، وصمويل بيكيت الذي قدم في مسرحيته "انتظار غودو" صورة عن الإنسانية وهي تنتظر ما لا يأتي، وتعيش في فراغ زمني ووجودي. الفكرة المركزية لهذه المدرسة هي أن الحياة عبثية لأن الإنسان يطلب معنى بينما الواقع لا يقدمه، لكن كامو لم يستسلم لهذا العبث، بل دعا إلى الثورة الفلسفية: أن تعيش واعياً لعبثيتك، وتُقاوم هذا العبث برأس مرفوعة.

الأديان السماوية تقدم أجوبة واضحة ومحددة لسؤال معنى الحياة، فالإسلام يرى أن الحياة الدنيا اختبار، وأن الموت هو انتقال إلى الحياة الأخرى. والمسيحية ترى أن الحياة فرصة للتوبة والاتحاد مع الله، والموت ليس نهاية، بل فتح الباب نحو الحياة الأبدية مع المسيح، حيث قال يسوع/عيسى: "أنا هو الطريق والحق والحياة". واليهودية ترى أن الحياة خدمة لله وتنفيذ للوصايا، والموت ليس نهاية، بل اعتقاد بالقيامة المستقبلية.

من ناحية أخرى، تقدم الأديان غير السماوية رؤى مختلفة، ففي البوذية تُعتبر الحياة دوامة من المعاناة والميلاد المتكرر، والهدف هو الخروج من هذه الدائرة عبر التخلص من الشهوات والجهل والوصول إلى النيروانا، وقال بوذا: "الحياة مؤلمة، والوجود هو معاناة، والإفراج منها هو السلام". أما الهندوسية فترى الحياة جزءاً من سكة الروح (Samsara)، والموت ليس نهاية، بل انتقال إلى جسد جديد، والمعنى يكمن في التحرر من الدائرة عبر الكارما والمعرفة، كما قالت الجيتا: "الروح لا يولد ولا يموت، إنه أزلي، خالد، أولي، دائم".

السؤال الوجودي حول التخيير والتسيير يظل واحداً من أقدم المشكلات الفلسفية، فهناك من يرى بالإنسان المسير حياتُه مكتوبة لا يملك حرية الاختيار، وهناك من يراه حراً مسؤولاً عن اختياراته، وهناك من يوفق بين الحرية والقدر، فيرى أن الحرية تعني أن الإنسان يتصرف بإرادة ضمن حدود محددة. في الإسلام، يظهر هذا الجدل في الخلاف بين المعتزلة التي تؤكد التخيير، والأشعرية التي تؤكد التوفيق بين القضاء والقدر، كما قال الإمام الغزالي: "العبد مخير فيما يعمل، ومع ذلك فهو تحت قدر الله"، وفي الفلسفة الغربية، يقول كانط إن الإنسان حر في المجال الأخلاقي لكنه مسير في المجال الطبيعي.

الفلسفة الوجودية ركزت على الفرد وحريته واختياره، فقال سارتر: "الوجود يسبق الجوهر"، أي أن الإنسان لا يُخلق بمعنى مسبق، بل يبني معناه بنفسه، وقال هيدغر: "الإنسان هو كائن مُعرَض للوجود، يسأل عن ذاته ويحمل مصيره". المعنى عند الوجوديين لا يُعطى، بل يُصنع، والحرية تحمل وزن المسؤولية الثقيلة.

أما الفلسفات الإلحادية، فتقدم وجهات نظر متعددة، فاللاأدرية (Agnosticism) لا تدّعي معرفة وجود الله أو عدمه، وتقول إن معنى الحياة يعتمد على الإنسان، كما قال توماس هكسلي: "اللاأدرية ليست موقفاً سلبياً، بل اعترافاً بحدود المعرفة البشرية"، والملحوظية (Humanism) ترى أن الإنسان مركز الكون، والحياة لها معنى إذا خدم الإنسان الإنسانية، كما قال برنارد شو: "الحياة ليست لعبة نلعبها، بل مهمة نقوم بها"، والNihilism (العدمية) ترى كما عند نيتشه أن كل القيم تهالكت، لكن الإنسان يستطيع إعادة بناء قيم جديدة، وقال نيتشه: "الذي لديه سبب ليحيا يستطيع أن يتحمل كيف يعيش".

سبينوزا كان له رؤية فريدة، إذ اعتبر الله جزءاً من الطبيعة نفسها، وقال: "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura)، ولم يؤمن برب شخصي، بل برؤية وحدوية pantheistic، حيث كل شيء هو جزء من الإله، وكل ما يحدث ضروري، وقال: "العقل البشري جزء من العقل الإلهي". علاقة هذا الإله بفلسفة الحياة هي أن المعنى لا يأتي من خارج الإنسان، بل من الاندماج في النظام الكوني، ومن التحرر من الشهوات عبر المعرفة.

لكن رغم كل هذه الرؤى والأقوال، يبقى السؤال قائماً لأن لا يوجد جواب شافٍ، وقد يكون أعظم ما في الإنسان هو قدرته على طرح الأسئلة التي لا تنتهي، ففلسفة الحياة ليست إجابة واحدة، بل مجموعة من التأملات والتجارب والأسئلة التي تُعاد طوال العمر، كما قال راينهولد نييبور: "الحكمة هي أن تتعلم أن تعيش مع أسئلة لا يمكن الإجابة عنها". الحياة إذن ليست غاية تُكتشف، بل طريق يُشق، وقد تكون الحكمة الحقيقية ليست في العثور على الجواب، بل في الاستمرار في البحث، رغم اليقين بأن الجواب النهائي لا وجود له.
  • Like
التفاعلات: سنيا قرين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى