الدكتور ابراهيم عروش دريسي - الطب الحديث في المغرب من محمد بن عبدالسلام العلمي الى مدام شابو

عبَّر أول مقيم عام فرنسي بالمغرب عن ذهاء سياسي واستراتيجي عندما كتب الى القيادة الفرنسية بباريس: " أرسلوا لي 4 أطباء ، أعيد إليكم 800 عسكري " ، تصحبهم عشرات الراهبات تعملن ممرضات .
لقد أنتج المغاربة معرفة طبية منذ تأسيس الإمبراطوريات ، وخاصة إبان العصر الموحدي ، وذلك بإنشاء مارستان بمراكش متعدد التخصصات و قسم للأمراض العقلية ، تلاه مارستان فاس ( سيدي افرج ) ، و مارستان سلا ( سيدي بنعاشر ) . و في طنجة ، وبحكم طابعها الدولي و تواجد العديد من السفارات الأوروبية بني أقدم المشافي ذات صبغة حداثية كالمستشفى الإنجليزي ( هابي هاوس happy house : البيت السعيد ) أنشأه رهبان انجليز لدواعي تبشيرية و سياسية ، كما أنشئ أول مختبر للتحاليل الطبية " باستور " ، يباشرهم أطباء أجانب و ممرضات راهبات .
وفي الدار البيضاء أسست بنايات صغيرة مخصصة لرعاية الفرنسيين من الجنود و المعمرين ، إلى أن تفشى مرض التيفوس سنة 1913 ، ففرضت إلزامية التلقيح على المغاربة من المسلمين و اليهود ، أدى الى تطويق الوباء ، فظهر للمغاربة جانبا نفعيا من الطب الحديث الذي سيعرف توهجا بعد أن وضع المهندس المعماري الفرنسي "بروست" سنة 1915 بتكليف من " ليوطي" ، مخططا معماريا خارج أسوار المدينة القديمة ، حيث تم بناء مستشفى عسكري ( مستشفى جون فيبال، 20 غشت حاليا) واخرين مدنيين : مستشفى ( كولومباني) الذي كان يقدم خدماته للأوروبيين وبعض الأغنياء المغاربة بمقابل مالي ، و مستشفى ( موريزغو ) مجانا لعموم المغاربة .
و في الرباط التي أصبحت عاصمة الدولة بعد فاس التي أزعجت "ليوطي" حيث كانت تظم نخبة النخب المؤثرة في القرار السياسي و العلمي والتجاري والثقافي ، بفضل جامعة القرويين و أولى البعثات الطلابية التي أرسلها المولى الحسن الأول الى الخارج ، سبقهم الطبيب عبد السلام بن محمد العلمي خريج مدرسة الطب القصر العيني بالقاهرة بتكوين عثماني ، و الذي يصنف كأول طبيب مغربي عصري ، صاحب مؤلف " البدر المنير في علاج البواسير " . و كانت الرباط تضم مستوصفا فرنسيا صغيرا ، فأنشأ ليوطي مستشفى كبيرا و أطلق عليه إسم ( ماري فويي، ماريفيل) ، نسبة الى ممرضة فرنسية عسكرية توفيت بسبب مرض بالمغرب .
و في فاس التي سعى المستعمر الى تهميشها ، طورت الخدمات الصحية من أجل الاحتواء السياسي ، حيث بدأت تتكون النواة الاولى للحركة الوطنية ، فأنشئ مشفى جديد عند مدخل المدينة القديمة ، فظهر بعض الأطباء الفاسيين كعبد الله المنصوري خريج الطب بليون الفرنسية ، والذي عيِّن مسؤولا عن علاج داء السل بفاس .
و في ازرو تأسس مستشفى ( بوريس بونجان ) للأمراض الصدرية و التنفسية ، بعدها حمل اسم ( المركز الاستشفائي للأطلس المتوسط ) ، تميز بموقع وسط غابات البلوط على ارتفاع من سطح البحر ، يساعد على قهر الأمراض ، إلا أنه أصبح في خبر كان .
و بالجديدة تأسس المستشفى البلدي بالقلعة ، فقدِم الجراح " أنطوان باوليتي Antouane paolitti " سنة 1920 ، وتبعه بعد ذلك أطباء اخرون كالطبيب "بلان" ، الا أن أشهرهم الطبيبة " إيجين دي لانوي Eugène Delannoy" التي اشتهرت ب " مادام شابو" نسبة الى قبعتها ، و زوجها الدكتور " دي لانوي" ، الذين كانا لهما فضل في خلق مستوصفات أخرى بالجديدة لمحاربة بعض الأمراض المتفشية كالسل وداء الزهري والرماد الحبيبي والجدام والتيفويد .. ، وكانت عائلة دي لانوي تتألف منهما و ابنهما " guy" متخصص في أمراض القلب والشرايين ، وحفيدة متخصصة في البحوث والتاريخ ، و ختموا مسيرتهم بتأليف كتب تحكي عن تجربتهم بمدينة الجديدة ؛ حيث ألفت " مادام شابو" كتاب " 30 سنة من العمل الطبي بالمغرب : 30 années d'activités médicales au Maroc" ، وكتب ابنها "guy" ( CHRONIQUE SECRETES DU MAZAGAN )، أما الحفيدة "نيلسيا NELCYA " فقد ألفت كتاب ( إمرأة مازغان : FEMME DE MAZAGAN

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى