توفيق بوعشرين - مصاصو الدماء في المملكة

انه عدو خفيّ يتغلغل في أوصال الاقتصاد والمجتمع والدولة بهدوء مثل قاتل صامت : إنه الريع. ذاك الكائن الطفيلي الذي يتغذّى على المال العام، بلا جهد، بلا عرق، بلا استحقاق. إنه اقتصاد “الامتيازات”، حيث تُبنى الإمبراطوريات المالية من لا شيء، وتُنهب الثروات باسم “الولاء للدولة ومؤسساتها ”.
هذا الكلام ليس مجرد مقال رأي او تحقيق صحافي ، بل هو صرخة مدوّية ضد اقتصاد الريع، ونداء للمكاشفة والمحاسبة. إليكم التفاصيل الكاملة…
نسمع كثيرًا عن الريع، لكن لا يراه إلا القليلون منا…
وقبل أن نتحرّك للقبض على الريع متلبسًا بالجرم المشهود، يجب أولاً أن نعرفه ونرسم ملامحه وندقق في هويته .
الريع هو كل دخل أو امتياز يحصل عليه شخص، أو شركة، أو مجموعة، أو نقابة، أو حزب، أو وزير، أو لوبي، أو تكتل، أو جماعة أوليغارشية، دون بذل جهد أو عرق أو مخاطرة أو استثمار.
الريع هو امتياز غير مستحق يحصل عليه شخص من الدولة، سواء كان أرضًا بسعر زهيد لبناء فيلا فسيحة في العاصمة ، أو تقاعد وزير أو رئيس حكومة انتهت مهمته، أو “كريما” لاستغلال مرفق عمومي، أو رخصة نقل، أو dérogation لبناء 13 طابقًا في عمارة مخالِفة لمخطط التهيئة الذي يحدد عدد الطوابق في أربعة أو خمسة، وهكذا…
جلّ المغاربة لا يعرفون من الريع سوى “كريمات” الطاكسيات الكبيرة أو الصغيرة، والحافلات الجديدة والمهترئة التي تمتلكها عائلات بعينها وفنانات مشهورات ومغمورات، ورخص الصيد في أسماء أبناء الأعيان والمسؤولين الكبار، وامتياز استغلال مقالع الرمال والرخام والحجر والغاسول والماء المعدني، الذي يتدفّق في قوارير عائلة بنصالح منذ أكثر من 70 سنة…
لكن لا، يا أعزائي، الريع ليس محصورًا هنا فقط، بل هو مملكة واسعة تمتد في الاقتصاد الأبيض والأسود، وتتجسد في الاحتكارات والتركيز المحمي قانونًا وواقعًا في قطاع البنوك والتأمينات، والمؤسسات العمومية، والصفقات الكبرى مع الدولة أو مع شركاتها.
الريع يختبئ أيضًا في بنود من القانون المالي تُفصّل على مقاس أشخاص بعينهم، وصفقات بعينها، وامتيازات بعينها.
الريع أيضًا يوجد في طرق توزيع الدعم في كل البرامج التي تمولها الدولة، مثل “المخطط الأخضر”. (رأينا كيف تدفّقت 13 مليار درهم في أسابيع في جيوب 18 “الفراقشي”، وكيف رفضت الأغلبية الحكومية في مجلس النواب تشكيل لجنة تقصّي حقائق لمعرفة مصير هذا الدعم الذي لم يصل إلى مستحقيه).
الريع موجود أيضًا في محطات تحلية مياه البحر التي تذهب بسهولة إلى شركات رئيس الحكومة، الذي يتصرّف كـ juge et partie، طرف وحكم.
الريع موجود في البحر، واسألوا برنامج “أليوتيس”.
الريع موجود أيضًا في مخططات التسريع الصناعي، في الاستيراد والتصدير، والتلاعب بالتعريفات الجمركية لصالح هذا وضد ذاك.
واسألوا “إمبراطور العسل” في البرلمان..
الريع يُولد ويُربّى في تضارب المصالح، وفي الأموال المتحصلة من هذا التضارب، من الصفقات العمومية المشبوهة، التي تصل أحيانًا إلى مليارات الدولارات، وليس الدراهم فقط…
الريع مثل parasites، أي تلك الحشرات التي تعيش في جلد الحيوان وتتغذى من دمه دون أن تفعل شيئًا.
أصحاب الريع هم مصاصو دماء الدولة والمصلحة العامة، دون وجه حق أو استحقاق أو أداء للضريبة.
هذه، باختصار، هي إمبراطورية الريع التي تتربى في حجر الدولة إلى أن تتحول إلى “فرانكشتاين”، الوحش الذي يبدأ في تهديد صاحبه…
من أين تأتي مخلوقات الريع هذه؟
من الدولة، ومن المجتمع، وحتى من الخارج…
ما هي البيئة التي تُشجّع نمو الريع وازدهاره؟
هذا هو سؤال المليون دولار:
الجواب يبدأ الربع من القرار السياسي، ويمرّ عبر المناخ الاقتصادي، يتعزز بغياب المساءلة القضائية، ويترسّخ مع تدجين إعلام الحقيقة وخنق صحافة التحقيق…
هناك دائما طفيليات تتربى فوق ظهر الدولة تستغل الفرصة لعرض خدماتها على السلطة مقابل الريع
هل تريدون المزيد؟
لا، هذا يكفي.
فلم تمر بعد سنة كاملة على خروجنا من السجن. في 30 يوليوز القادم سنحتفل بأول سنة حرية، وأملي أن يحتفل معنا بهذه المناسبة الشيخ النقيب محمد زيان، ومعتقلو الريف، ومعتقلوا مناهضي التطبيع…
هذا أمل ورجاء نضعه بين يدي الملك محمد السادس، بمناسبة احتفاله بـ26 سنة من الحكم،…
شفى الله الجميع، أفرادًا ومؤسسات.
تتمة الموضوع في الحلقة الجديدة من بودكاست كلام في السياسة الرابط في اول تعليق


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى