كنتُ قبل إصدار سيرتي الذاتية "أمواج" شغوفا بأدب السيرة الذاتية، وتفاقم شغفي به بعد إصدارها؛ فقد تملّكتني رغبة في معرفة ما تميّز به عليّ أقراني من كتّاب السيرة الذاتية، فلا يعرف المرء مقامه إلا بمضاهاة مؤلفاته بمؤلفات غيره من دون غرور ولا انتقاص، ومن غير إنكار ولا تحيّز، فلا معيار في تقويم الآثار الأدبية أجدر من معاينتها في ضوء المعايير الأسلوبية والبنائية والدلالية للأعمال التي وقع الاعتراف بها على أوسع نطاق، ونالت قبولا عاما من المتلقّين، فتلك الآثار ليست خواطر تنبتُ كالطحالب العارضة إنما تتمخّض عن معرفة، وخبرة، وإجادة، وإتقان، وتنشأ في سياق يغذّيها بالمعاني والمقاصد. وأفضل ما يلوذ به الناقد لتقويم عمل أدبي النظر إليه في سياق نوعه السردي.
شغلتُ بقراءة السير الذاتية مدفوعا برغبة المعرفة والمتعة، ولم أجد ما يروي غليلي إلا ما ندر، فكأنّ أصحابها يَحْبُون في صقع جديد عليهم، ولم تقطف أيديهم ثمار البساتين الوارفة حتى وجدت ضالّتي في سيرة الفيلسوف الفرنسي (لوي التوسير). لو قلت إنها فاتنة فكأنني أمدح بإفراط، ولو قلت إنها قاتمة فكأنني أقدح بإيجاز، فلا تكتفي بِسْبِر الذات، واعترافاتها المريعة، فحسب، بل تجعل منها لسانا ناطقا، ومدارها إلتواء أخلاقي، وانثناء فكري، واعوجاج نفسي، وارتكاس في الخطيئة المدمّرة للأنا والآخر. ولم يسع كاتبها إلى تجميل تجربته، ولا الإعلاء من شأنه مفكرا، وفيها نصيب من اللوم لنفسه وللمحيطين به من زوجة وأمّ وأب، ومثقفين خالطوه، وحزب انتسب إليه. وفاق شعوره باستحواذ الآخرين عليه أيّ شعور آخر. ولطالما توهّم أنه قادر على حماية نفسه، لكنها حماية وهمية ما جاوزت فعل اللفظ الناطق بها في يوم من الأيام، وأقصى ما كانت عليه ممانعته أن يسقط مريضا، وهو دائب البحث عن حامٍ له.
في النصف الثاني من القرن العشرين، كان ألتوسير نجما ساطعا بين أقرانه من مثقفي فرنسا، وشغل به كثيرون ما عداي. ليس لديّ تفسير مقنع للإعراض عنه حتّى أنني أعدّ ذلك خطأ اقترفته في الأخذ بميثاق الدليل الاسترشادي لقراءاتي، ومن بين الآداب الفرنسية، شغفت بالفكر النقدي، وزادي منه أعمال شتراوس، وريكور، وبارت، وتودوروف، وجينيت، وغريماس، ثم فوكو، ودريدا، ودولوز، وبعد ذلك تورين، وبورديو، وبوديار. وكان ألتوسير في القلب من ذلك التيار الصاخب، غير أنني لم أقترب إليه، وبيان ذلك على الوجه الآتي بالتقريب: في الوقت الذي انهمكت فيه بقراءة البنيوية وما بعدها في النقد الأدبي، والانثربولوجيا، والفلسفة كنت أتحاشى الغوص في عالم ألتوسير. بلغني أنه من أواخر المؤوّلين للماركسية، ومع رغبتي في معرفة ذلك، فلم أطّلع على تأويله لها. ولو قلت بأن عزوفي عنه مبعثه إعراضي عن الماركسية فلن أكون دقيقا، فقد ألممتُ بجانب من التراث الماركسي، ولفتني ماركس الهيغلي في شبابه بكتاب "المخطوطات" وبكتاب "الأيدولوجيا الألمانية" وهو الموضوع الذي كان مثار اهتمام التوسير أكثر من سواه.
وحسبتُ أنني سأجني فائدة عظيمة لو عرفت بتأويل ألتوسير للماركسية، فربما كان يثري من قيمتها عندي، ثم تبيّن لي بعد الاطلاع على سيرته أنه لم يكن ضليعا فيها، واعترفَ أنه لم يكن على دراية بها، حتى إنه لم يقرأ غير الجزء الأول من (رأس المال) حينما أصدر كتابه الذي اشتهر به "من أجل ماركس" والكتاب الجماعي الآخر الذي أشرف عليه (قراءة رأس المال) وذلك في الأعوام ١٩٦٤- ١٩٦٥. ومن غير المقبول إعادة النظر في مأثور فكري ضخم وعميق بعدم الإطلاع الكامل عليه. زعم ألتوسير أنه جرّد ماركس من الزوائد التي لحقت به، ولم تكن من صُلب فلسفته، ومن ذلك "الديالكتيك" و "الأيديولوجيا"، واستبقى فقط على ما جعل ماركس مفكرا عظيما، وبصنيعه أعلن أنه تملّك ماركس بعيدا عن الشعبوية السائدة عنه. وأشار إلى أنه صدر عن موقف لم يقبل بالتحريف الذي تعرضت له الماركسية من المفسّرين الأيدولوجيين في غير مكان في العالم؛ فجعله ذلك التجريد في مرمى ذم أغلب المتمركسين الذين أشاعوا لماركس صورته النمطية بالتفسير الشيوعي ذائع الصيت لها. لم تمض الأمور على خير ما يرام، فحالما نشرت تلك المؤلفات حتى خالج ألتوسير شعور بأنه فيلسوف كامل العري أمام الآخرين، بل رُسمتْ له صورة الفيلسوف الذي لا يفقه شيئا في تاريخ الفلسفة، ولا يعرف شيئا عن ماركس الذي خصّه باهتمامه حتى شعر بأنه فيلسوف بتكوين عشوائي لا صلة له بماركس. لم يقتصر ذلك الشعور عليه، إنما شاع بين المثقفين الماركسيين حتى وصفت ماركسيته بأنها "ماركسية متخيّلة" فخطر له في تلك الأجواء العدائية إحراق الكتب التي قام بتأليفها ان ماركس.
وقف ألتوسير في سيرته على جوانب من ذلك العبء الذي أثقل كاهله، وتجسدّ بسوء التفاهم مع الحزب الشيوعي الفرنسي ما ترك أثره البالغ في إثارة أزماته النفسية، وأزمات زوجته هيلين ريمان، وهي، أيضا، عضو في الحزب الذي لم يكن قادرا على استيعابهما بحكم نزعة التشدّد التي سيطرت عليه إبان وبعد الحرب العالمية الثانية، وتبعيته العمياء للاتحاد السوفياتي باعتباره ذراعا من أذرعه الطويلة في قلب العالم الرأسمالي. وحينما أرادا الزوجان تقديم رأي في نهج الحزب اتهما بالخيانة، ثم جرى اتهام هيلبن بأنها عميلة للاستخبارات البريطانية حينا، وللغستابو النازي حينا آخر. وللشاعر (أراغون) يد في نشر تلك الإشاعات المغرضة التي طعنت في نفس هيلين. وما لبث أن أجرى الحزب محاكمة لها نتج عنها طرد هيلين من صفوفه، وتجاوز ذلك إلى طلب التفريق بين الزوجين. فلم ينظر الحزب لهما باعتبارهما مثقفين لامعين، إنما تابعين من أتباع الحزب، وفصم ذلك صلة ألتوسير الفكرية بالحزب، وخاب ظنه فيه إلى درجة رآه سلبيا إبان الأحداث الطلابية التي اجتاحت فرنسا في عام ١٩٦٨.
وبقدر تعلّق الأمر بي قارئا، فقد كنت جاهلا بكثير مما ورد ذكره عن اليسار الفرنسي في سيرة ألتوسير، ولطالما حسبت أنّ الجهل سبب خفّي من أسباب الإعراض عن المعرفة، وندر أن اعترف الجهلة بذلك، ويهربون منه بتزوير أسباب أخرى. ومن فاته علمُ المعاصرين له، فلا يشفع له القول بمعرفته علوم الأولين. وكنت من تلك الزمرة، ولدي دليلان على ذلك، أولهما أنني دائم الخلط بين ألتوسير ولاكان، فلا أميّز بينهما مع وجود اختلاف كبير بين الاثنين، ويعود ذلك إلى أنني لم أنكبّ على قراءتهما، وتبيّنت لي العلاقة الشائكة التي ربطتهما بعد أن أطلعت على سيرة الأول، وربما يكون الأهم هو أنني لم أعلم بالحدث الجلل الذي يعدّ المحفّز لكتابة سيرته الذاتية، وهو خنق زوجته هيلين ريمان حتى الموت في يوم ١٦-١١-١٩٨٠ أثناء تدليك رقبتها جراء اضطراب نفسي شديد كان يعانيه منذ زمن بعيد. لم أكن أعرف بتلك الفعلة الشنيعة، وإعفاء القاتل من العقاب بذريعة كونه غير واع للفعل الذي اقترفه، فأودع في غير مصحّة نفسية، ثم سمح له العيش وحيدا في بيته برعاية أصدقاء له إلى أن توفّي في عام ١٩٩٠. غاب عني ذلك إلى أن قرأت، في الأسبوع الأول من فيراير ٢٠٢٥ سيرته الذاتية، وعنوانها (ويدوم المستقبل طويلا) وفيها اعتراف نادر عن حياته منذ ولادته في الجزائر المُستَعمَرة حتى انفراده وحيدا في بيته إلى وفاته. ولفتني أن تجربته طفلا في الجزائر أورثته معظم ما أصبح نبعا من منابع اضطرابه النفسي، ومن ذلك علاقته بوالديه وجدّيه، فَداءُ الاستيطان لا سبيل للشفاء منه، حتى لو توّهم المستوطِنُ أنه بمنأى عنه.
بدأ شعور الطفل ألتوسير بالتمزّق في الجزائر التي كانت امتدادا استيطانيا لها، ودمغته تلك التجربة بعدم القدرة على التآلف لا مع نفسه، ولا مع عائلته، فكان الإنطواء نهجه صغيرا، وتنامى بنموّه، واستفحل، وما عاد قادرا على كبح نزوعه إلى الإنطواء، فقد نشأ في أرض غريبة عنه، وحمل داء الشعور بالعزلة في وطنه الأم حينما عاد إليه، فإن يدمغك شعورُ الإنطواء وأنت مستعمِر، فكأنك تغدو مُستَعمَرَا حتى الموت، وقد أنبتتْ فيه الغابةُ الجزائرية التي ترعرع فيها ضمن عائلة من المستعمرين الفرنسين شعورا دائما بالاغتراب عن نفسه وعن المكان الذي عاش فيه، حتى أنه عجز عن تخطّي الشعور بذلك إلى آخر أيام حياته. ومن هذه الناحية، الناحية الرمزية، فيصحّ تأويل تجربة ألتوسير بأنه ضحية استعمارية لم تستقم حياتها بين أمّ رقيقة العود جدا، ومتعلّقة بأخ زوجها الذي توفّي في الحرب، وأب قاسي الطباع شبه منقطع عنها، وقد أعادا بناء نفسيهما في الوطن الأم بعد مغادرة الجزائر، ولكن حياتهما قد تفكّكت إلى الأبد.
لا يصحّ القول بوجود بؤرة مركزية في حياة المرء، فحياته مسار متحوّل من التجارب، ولكن قد تجعل السيرة الذاتية لها بؤرة مركزية تنجذب إليها الأحداث، فتكون الحبكة الناظمة لأحداث كانت في الأصل متفرّقة، وقد جعلها السرد متماسكة، وبؤرة سيرة ألتوسير خنق زوجته، وهو يمسّد عنقها، فلم ينتبه إلا وقد جحظت عيناها، واندلق لسانها، ولم تصدر عنها أيّ ممانعة، فكأنها تنتظر الموت، وترغب فيه، فاستقبلته بترحاب. ولم يشعر بما قام به إلا بعد أن لفظت هيلين أنفاسها. لم يأت ذلك الفعل مجردا عن ظروف حياتهما الزوجية، فقد كان وضعهما يزداد سوءا، وآلت حياتهما إلى حطام من سوء التفاهم شبه اليومي، وفي حين كان الناس يمحضون ألتوسير الثقة، كان هو يقوّض أركانها، بأفعال تبدو هادئة، وغير مقصودة، لكنها تطعن الثقة به، وتجرف قدرته على الثقة بنفسه، فهو متردّد، وسوداوي، وكثير الأوهام، ويعيش حالة فقدان مريعة عجزَ عن تعويضها إلى درجة أنه كان سعيدا بأسره عند الألمان، لأنه وجد معتقلَ النازيين ملاذا حاميا له من خطر لا وجود له.
وفي سيرته الاعترافية بوصفه قاتلا، أسهب ألتوسير في وصف علاجه النفسي الذي شغل معظم صفحات كتابه، وقصد إلى بيان ذلك قصدا، فقال أردتُ أن أعرض( عيوبي عارية) وذكر الأخيلة الهوسية التي كانت تسيطر عليه، وانقطاع علاقته مع هيلين، وهي تخطط للانتحار، ولم يكن يصدق عزمها على القضاء على نفسها حتى أنها طلبت منه قتلها. ولم تخفت وتيرة الأزمات في البيت، وتشاركا في سوء الظنّ ببعضهما. وانتهى الامر بهما إلى غلق باب البيت عليهما، وعدم فتحه لأحد من الأصدقاء الوجلين عليهما، ولا الجواب على الهاتف الذي يواصل الرنين حتى يتوقف. وانتهى بالوقوف على فعل الخنق الذي تمّ بهدوء تام، وذلك قبل يوم واحد من إيداع ألتوسير في المصحّة النفسية. كان الخنق فعلا شنيعا جرى اقترافه بصمت، وكأنه تواطؤ بين قاتل وضحيّة، حتى بدا أن القاتل قدّم العون للضحية لأنها كانت راغبة في الموت، وساعية إليه، فما كان يقصد إلى قتلها، إنما قدم لها "خدمة جليلة بقتلها نيابة عنها لأنها عاجزة عن قتل نفسها بنفسها".
شغلتُ بقراءة السير الذاتية مدفوعا برغبة المعرفة والمتعة، ولم أجد ما يروي غليلي إلا ما ندر، فكأنّ أصحابها يَحْبُون في صقع جديد عليهم، ولم تقطف أيديهم ثمار البساتين الوارفة حتى وجدت ضالّتي في سيرة الفيلسوف الفرنسي (لوي التوسير). لو قلت إنها فاتنة فكأنني أمدح بإفراط، ولو قلت إنها قاتمة فكأنني أقدح بإيجاز، فلا تكتفي بِسْبِر الذات، واعترافاتها المريعة، فحسب، بل تجعل منها لسانا ناطقا، ومدارها إلتواء أخلاقي، وانثناء فكري، واعوجاج نفسي، وارتكاس في الخطيئة المدمّرة للأنا والآخر. ولم يسع كاتبها إلى تجميل تجربته، ولا الإعلاء من شأنه مفكرا، وفيها نصيب من اللوم لنفسه وللمحيطين به من زوجة وأمّ وأب، ومثقفين خالطوه، وحزب انتسب إليه. وفاق شعوره باستحواذ الآخرين عليه أيّ شعور آخر. ولطالما توهّم أنه قادر على حماية نفسه، لكنها حماية وهمية ما جاوزت فعل اللفظ الناطق بها في يوم من الأيام، وأقصى ما كانت عليه ممانعته أن يسقط مريضا، وهو دائب البحث عن حامٍ له.
في النصف الثاني من القرن العشرين، كان ألتوسير نجما ساطعا بين أقرانه من مثقفي فرنسا، وشغل به كثيرون ما عداي. ليس لديّ تفسير مقنع للإعراض عنه حتّى أنني أعدّ ذلك خطأ اقترفته في الأخذ بميثاق الدليل الاسترشادي لقراءاتي، ومن بين الآداب الفرنسية، شغفت بالفكر النقدي، وزادي منه أعمال شتراوس، وريكور، وبارت، وتودوروف، وجينيت، وغريماس، ثم فوكو، ودريدا، ودولوز، وبعد ذلك تورين، وبورديو، وبوديار. وكان ألتوسير في القلب من ذلك التيار الصاخب، غير أنني لم أقترب إليه، وبيان ذلك على الوجه الآتي بالتقريب: في الوقت الذي انهمكت فيه بقراءة البنيوية وما بعدها في النقد الأدبي، والانثربولوجيا، والفلسفة كنت أتحاشى الغوص في عالم ألتوسير. بلغني أنه من أواخر المؤوّلين للماركسية، ومع رغبتي في معرفة ذلك، فلم أطّلع على تأويله لها. ولو قلت بأن عزوفي عنه مبعثه إعراضي عن الماركسية فلن أكون دقيقا، فقد ألممتُ بجانب من التراث الماركسي، ولفتني ماركس الهيغلي في شبابه بكتاب "المخطوطات" وبكتاب "الأيدولوجيا الألمانية" وهو الموضوع الذي كان مثار اهتمام التوسير أكثر من سواه.
وحسبتُ أنني سأجني فائدة عظيمة لو عرفت بتأويل ألتوسير للماركسية، فربما كان يثري من قيمتها عندي، ثم تبيّن لي بعد الاطلاع على سيرته أنه لم يكن ضليعا فيها، واعترفَ أنه لم يكن على دراية بها، حتى إنه لم يقرأ غير الجزء الأول من (رأس المال) حينما أصدر كتابه الذي اشتهر به "من أجل ماركس" والكتاب الجماعي الآخر الذي أشرف عليه (قراءة رأس المال) وذلك في الأعوام ١٩٦٤- ١٩٦٥. ومن غير المقبول إعادة النظر في مأثور فكري ضخم وعميق بعدم الإطلاع الكامل عليه. زعم ألتوسير أنه جرّد ماركس من الزوائد التي لحقت به، ولم تكن من صُلب فلسفته، ومن ذلك "الديالكتيك" و "الأيديولوجيا"، واستبقى فقط على ما جعل ماركس مفكرا عظيما، وبصنيعه أعلن أنه تملّك ماركس بعيدا عن الشعبوية السائدة عنه. وأشار إلى أنه صدر عن موقف لم يقبل بالتحريف الذي تعرضت له الماركسية من المفسّرين الأيدولوجيين في غير مكان في العالم؛ فجعله ذلك التجريد في مرمى ذم أغلب المتمركسين الذين أشاعوا لماركس صورته النمطية بالتفسير الشيوعي ذائع الصيت لها. لم تمض الأمور على خير ما يرام، فحالما نشرت تلك المؤلفات حتى خالج ألتوسير شعور بأنه فيلسوف كامل العري أمام الآخرين، بل رُسمتْ له صورة الفيلسوف الذي لا يفقه شيئا في تاريخ الفلسفة، ولا يعرف شيئا عن ماركس الذي خصّه باهتمامه حتى شعر بأنه فيلسوف بتكوين عشوائي لا صلة له بماركس. لم يقتصر ذلك الشعور عليه، إنما شاع بين المثقفين الماركسيين حتى وصفت ماركسيته بأنها "ماركسية متخيّلة" فخطر له في تلك الأجواء العدائية إحراق الكتب التي قام بتأليفها ان ماركس.
وقف ألتوسير في سيرته على جوانب من ذلك العبء الذي أثقل كاهله، وتجسدّ بسوء التفاهم مع الحزب الشيوعي الفرنسي ما ترك أثره البالغ في إثارة أزماته النفسية، وأزمات زوجته هيلين ريمان، وهي، أيضا، عضو في الحزب الذي لم يكن قادرا على استيعابهما بحكم نزعة التشدّد التي سيطرت عليه إبان وبعد الحرب العالمية الثانية، وتبعيته العمياء للاتحاد السوفياتي باعتباره ذراعا من أذرعه الطويلة في قلب العالم الرأسمالي. وحينما أرادا الزوجان تقديم رأي في نهج الحزب اتهما بالخيانة، ثم جرى اتهام هيلبن بأنها عميلة للاستخبارات البريطانية حينا، وللغستابو النازي حينا آخر. وللشاعر (أراغون) يد في نشر تلك الإشاعات المغرضة التي طعنت في نفس هيلين. وما لبث أن أجرى الحزب محاكمة لها نتج عنها طرد هيلين من صفوفه، وتجاوز ذلك إلى طلب التفريق بين الزوجين. فلم ينظر الحزب لهما باعتبارهما مثقفين لامعين، إنما تابعين من أتباع الحزب، وفصم ذلك صلة ألتوسير الفكرية بالحزب، وخاب ظنه فيه إلى درجة رآه سلبيا إبان الأحداث الطلابية التي اجتاحت فرنسا في عام ١٩٦٨.
وبقدر تعلّق الأمر بي قارئا، فقد كنت جاهلا بكثير مما ورد ذكره عن اليسار الفرنسي في سيرة ألتوسير، ولطالما حسبت أنّ الجهل سبب خفّي من أسباب الإعراض عن المعرفة، وندر أن اعترف الجهلة بذلك، ويهربون منه بتزوير أسباب أخرى. ومن فاته علمُ المعاصرين له، فلا يشفع له القول بمعرفته علوم الأولين. وكنت من تلك الزمرة، ولدي دليلان على ذلك، أولهما أنني دائم الخلط بين ألتوسير ولاكان، فلا أميّز بينهما مع وجود اختلاف كبير بين الاثنين، ويعود ذلك إلى أنني لم أنكبّ على قراءتهما، وتبيّنت لي العلاقة الشائكة التي ربطتهما بعد أن أطلعت على سيرة الأول، وربما يكون الأهم هو أنني لم أعلم بالحدث الجلل الذي يعدّ المحفّز لكتابة سيرته الذاتية، وهو خنق زوجته هيلين ريمان حتى الموت في يوم ١٦-١١-١٩٨٠ أثناء تدليك رقبتها جراء اضطراب نفسي شديد كان يعانيه منذ زمن بعيد. لم أكن أعرف بتلك الفعلة الشنيعة، وإعفاء القاتل من العقاب بذريعة كونه غير واع للفعل الذي اقترفه، فأودع في غير مصحّة نفسية، ثم سمح له العيش وحيدا في بيته برعاية أصدقاء له إلى أن توفّي في عام ١٩٩٠. غاب عني ذلك إلى أن قرأت، في الأسبوع الأول من فيراير ٢٠٢٥ سيرته الذاتية، وعنوانها (ويدوم المستقبل طويلا) وفيها اعتراف نادر عن حياته منذ ولادته في الجزائر المُستَعمَرة حتى انفراده وحيدا في بيته إلى وفاته. ولفتني أن تجربته طفلا في الجزائر أورثته معظم ما أصبح نبعا من منابع اضطرابه النفسي، ومن ذلك علاقته بوالديه وجدّيه، فَداءُ الاستيطان لا سبيل للشفاء منه، حتى لو توّهم المستوطِنُ أنه بمنأى عنه.
بدأ شعور الطفل ألتوسير بالتمزّق في الجزائر التي كانت امتدادا استيطانيا لها، ودمغته تلك التجربة بعدم القدرة على التآلف لا مع نفسه، ولا مع عائلته، فكان الإنطواء نهجه صغيرا، وتنامى بنموّه، واستفحل، وما عاد قادرا على كبح نزوعه إلى الإنطواء، فقد نشأ في أرض غريبة عنه، وحمل داء الشعور بالعزلة في وطنه الأم حينما عاد إليه، فإن يدمغك شعورُ الإنطواء وأنت مستعمِر، فكأنك تغدو مُستَعمَرَا حتى الموت، وقد أنبتتْ فيه الغابةُ الجزائرية التي ترعرع فيها ضمن عائلة من المستعمرين الفرنسين شعورا دائما بالاغتراب عن نفسه وعن المكان الذي عاش فيه، حتى أنه عجز عن تخطّي الشعور بذلك إلى آخر أيام حياته. ومن هذه الناحية، الناحية الرمزية، فيصحّ تأويل تجربة ألتوسير بأنه ضحية استعمارية لم تستقم حياتها بين أمّ رقيقة العود جدا، ومتعلّقة بأخ زوجها الذي توفّي في الحرب، وأب قاسي الطباع شبه منقطع عنها، وقد أعادا بناء نفسيهما في الوطن الأم بعد مغادرة الجزائر، ولكن حياتهما قد تفكّكت إلى الأبد.
لا يصحّ القول بوجود بؤرة مركزية في حياة المرء، فحياته مسار متحوّل من التجارب، ولكن قد تجعل السيرة الذاتية لها بؤرة مركزية تنجذب إليها الأحداث، فتكون الحبكة الناظمة لأحداث كانت في الأصل متفرّقة، وقد جعلها السرد متماسكة، وبؤرة سيرة ألتوسير خنق زوجته، وهو يمسّد عنقها، فلم ينتبه إلا وقد جحظت عيناها، واندلق لسانها، ولم تصدر عنها أيّ ممانعة، فكأنها تنتظر الموت، وترغب فيه، فاستقبلته بترحاب. ولم يشعر بما قام به إلا بعد أن لفظت هيلين أنفاسها. لم يأت ذلك الفعل مجردا عن ظروف حياتهما الزوجية، فقد كان وضعهما يزداد سوءا، وآلت حياتهما إلى حطام من سوء التفاهم شبه اليومي، وفي حين كان الناس يمحضون ألتوسير الثقة، كان هو يقوّض أركانها، بأفعال تبدو هادئة، وغير مقصودة، لكنها تطعن الثقة به، وتجرف قدرته على الثقة بنفسه، فهو متردّد، وسوداوي، وكثير الأوهام، ويعيش حالة فقدان مريعة عجزَ عن تعويضها إلى درجة أنه كان سعيدا بأسره عند الألمان، لأنه وجد معتقلَ النازيين ملاذا حاميا له من خطر لا وجود له.
وفي سيرته الاعترافية بوصفه قاتلا، أسهب ألتوسير في وصف علاجه النفسي الذي شغل معظم صفحات كتابه، وقصد إلى بيان ذلك قصدا، فقال أردتُ أن أعرض( عيوبي عارية) وذكر الأخيلة الهوسية التي كانت تسيطر عليه، وانقطاع علاقته مع هيلين، وهي تخطط للانتحار، ولم يكن يصدق عزمها على القضاء على نفسها حتى أنها طلبت منه قتلها. ولم تخفت وتيرة الأزمات في البيت، وتشاركا في سوء الظنّ ببعضهما. وانتهى الامر بهما إلى غلق باب البيت عليهما، وعدم فتحه لأحد من الأصدقاء الوجلين عليهما، ولا الجواب على الهاتف الذي يواصل الرنين حتى يتوقف. وانتهى بالوقوف على فعل الخنق الذي تمّ بهدوء تام، وذلك قبل يوم واحد من إيداع ألتوسير في المصحّة النفسية. كان الخنق فعلا شنيعا جرى اقترافه بصمت، وكأنه تواطؤ بين قاتل وضحيّة، حتى بدا أن القاتل قدّم العون للضحية لأنها كانت راغبة في الموت، وساعية إليه، فما كان يقصد إلى قتلها، إنما قدم لها "خدمة جليلة بقتلها نيابة عنها لأنها عاجزة عن قتل نفسها بنفسها".