الاحتلال يحظر عمل نقابة المحامين في القدس: تكريس للضم ونسف للشرعية الدولية

الاحتلال يحظر عمل نقابة المحامين في القدس: تكريس للضم ونسف للشرعية الدولية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ضمن سلسلة التحليلات السياسية والقانونية

في خطوة خطيرة تتعارض مع كافة القوانين الدولية والشرعية الأممية، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على استدعاء نقيب المحامين الفلسطينيين الأستاذ فادي عباس، وإبلاغه رسميًا بقرار حظر عمل نقابة المحامين الفلسطينيين في مدينة القدس الشرقية المحتلة، وهو قرار يحمل أبعادًا قانونية وسياسية تعكس عمق الهجمة على المؤسسات الوطنية الفلسطينية في المدينة المقدسة، وعلى رأسها المؤسسات القضائية والنقابية.

أولاً: مخالفة صريحة للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية

1. اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949

تنص المادة (64) على بقاء القوانين السارية في الأراضي المحتلة كما هي، ولا يجوز لقوة الاحتلال إلغاؤها أو فرض نظام قانوني جديد، إلا في حدود الضرورة الأمنية.

المادة (47) تؤكد أن "أشخاص الأراضي المحتلة لا يفقدون حمايتهم بموجب هذه الاتفاقية... بسبب أي تغيير تجريه قوة الاحتلال في مؤسسات البلاد أو حكومتها."

➤ المصدر: اتفاقية جنيف الرابعة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر

2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)

المادة (22) تكفل الحق في التنظيم النقابي بحرية تامة، وتمنع تقييده إلا بموجب القانون ولضرورات قصوى تتعلق بالأمن العام في مجتمع ديمقراطي.

➤ المصدر: الأمم المتحدة، المفوض السامي لحقوق الإنسان

3. اتفاقيات أوسلو (1993–1995)

نصت على أن وضع القدس من قضايا الوضع النهائي، ولا يحق لأي طرف اتخاذ إجراءات تغير من طابعها السياسي أو القانوني.

ثانياً: دور نقابة المحامين الفلسطينيين في القدس تاريخيًا

منذ تأسيسها، أدت نقابة المحامين الفلسطينيين دورًا محوريًا في الحياة القانونية والسياسية للقدس، وكانت من أوائل الأطر النقابية الوطنية التي واجهت ممارسات الاحتلال عبر الوسائل القانونية، وسعت للدفاع عن حقوق المواطنين الفلسطينيين أمام المحاكم الإسرائيلية والدولية.

كما كانت النقابة حاضنة للطاقات القانونية والمهنية المقدسية، ورافعة أساسية في تعزيز سيادة القانون الفلسطيني في القدس الشرقية رغم الاحتلال، وشاركت في توثيق الانتهاكات ورفع القضايا ضد الاستيطان والتهجير القسري، وخاصة في أحياء مثل سلوان والشيخ جراح.

ونظرًا لرمزيتها القانونية، كانت النقابة دومًا هدفًا لمحاولات الإقصاء والإغلاق، ضمن سياسة الاحتلال الهادفة إلى تجريد المدينة من هويتها الوطنية ومؤسساتها السيادية.

ثالثًا: حظر النقابة ضمن سياسة التهويد وتفريغ المدينة من مؤسساتها

القرار الإسرائيلي يأتي ضمن نهج ممنهج لتفريغ القدس من كل مؤسساتها الوطنية والمدنية، وهو استمرار لسياسات سابقة شملت:

إغلاق بيت الشرق عام 2001.

حظر جمعيات ثقافية وتعليمية، مثل مؤسسة إيليا الإعلامية.

استهداف المناهج التعليمية والمؤسسات الصحية والاجتماعية الفلسطينية.

إن ما نشهده هو محاولة لفرض سيادة إسرائيلية مطلقة على المدينة الشرقية، بما فيها النظام القضائي والنقابي، وهو أمر يتناقض مع الواقع القانوني المعترف به دوليًا.

رابعاً: قرارات الأمم المتحدة التي ترفض إجراءات الاحتلال في القدس

1. قرار مجلس الأمن رقم 478 (1980)

يرفض اعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ويعتبر إجراءات الضم باطلة قانونًا.

➤ نص القرار على موقع الأمم المتحدة

2. قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016)

يشدد على عدم شرعية الاستيطان ويؤكد أن أي تغيير في طابع المدينة المحتلة غير قانوني.

➤ نص القرار على موقع الأمم المتحدة

خامساً: منع النقابة هو إقصاء للحق في الدفاع والعدالة

إن استهداف نقابة المحامين في القدس يعني ضرب أحد أهم آليات الحماية القانونية للفلسطينيين، ويكرّس واقعًا أحاديًا لا يعترف بحقوق الإنسان الفلسطيني، ويمنع الوصول إلى العدالة.

كما أن المنع يشكل سابقة خطيرة لتجريم العمل القانوني والنقابي الفلسطيني، ويضعف قدرة المقدسيين على مواجهة التهجير والمصادرات والملاحقات القضائية الجائرة.

خاتمة: حماية النقابة دفاع عن القدس والعدالة

إن حظر عمل النقابة في القدس لا يمكن فصله عن مشروع أوسع لتصفية القضية الفلسطينية في المدينة. ويجب أن يُقابل هذا القرار:

بتحرك عاجل من السلطة الفلسطينية لإحالة الملف إلى محكمة العدل الدولية.

بجهد من النقابات العربية والدولية لإدانة القرار والدفاع عن حرية العمل النقابي.

وبموقف موحد من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لتعزيز صمود المدينة ومؤسساتها.

نقابة المحامين ليست مجرد مؤسسة مهنية، بل قلعة من قلاع الدفاع عن القدس وحقوق أهلها. والسكوت عن استهدافها هو تواطؤ مع الاحتلال ضد القانون والعدالة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى