١١
معين بسيسو ، ابن غزة ، أدرك ما يجري الآن، ولكن :
أعتقد أن معين بسيسو الذي عمل بوصية غسان كنفاني ( اعرف عدوك ) عرف منذ 1968حقيقة العدو وما يفعله الآن في غزة.اقرأوا مسرحيته " شمشون ودليلة "في ضوء كتاب( ياعيل دايان ) مذكراتي الحربية ، واقرأوا ما كتبته أنا عن الموضوع في رسالة الدكتوراه "اليهود في الأدب الفلسطيني بين1913 - 1987 " عن المسرحية ، وستعرفون لماذا تقصف إسرائيل غزة بهذه الوحشية ، أو انتظروا مقالي غدا في الأيام الفلسطينية وعنوانه:
" أرض قديمة - جديدة...غزة قديمة -جديدة "
٢٠١٤
٢
في بيروت 1982 قال أبو عمار :
"بيروت ليست مدينة فلسطينية " .
غزة مدينة فلسطينية فهل ستكون ( ستالينغراد ) الفلسطينية ؟
وهل سينهد المعبد على شمشون ؟
لقد أمعن اﻷسرائيليون في قمعنا وسلب أراضينا وحصارنا وها هي النتيجة .
انتظروا فربما القادم أخطر .
من سيكون العابرون في فلسطين ؟
قبل أيام صرح ضابط اسرائيلي بأن الفلسطينيين أخطر على الدولة العبرية من قنبلة آيران النووية .
ثمة ظلم كبير حاق بنا منذ 1948 وهو يكبر ويتسع ويمتد ويشتد ، فهل كان على أهل غزة أن يمطروا أبناء العمومة بالورود وأغصان الزيتون ؟
في 1994 قدمنا لهم في الضفة أغصان الزيتون ، فهل قدروا هذا وهل حل السلام وقلت المستوطنات؟
" وغزة لا تبيع البرتقال ﻷنه دمها المعلب " . (م.د ) .
فكيف إذا لم يبق فيها برتقال ولم يبق لها سوى الحصار؟
هل أبناء العمومة أغبياء ؟
٢٠١٤
٣
في غزة لي إخوة أصدقاء :
لا أعرف من من أقاربي بقي في غزة حيا . عمتي رئيسة ماتت منذ زمن ، ومات أكبر أبنائها ممن ظلوا مقيمين في غزة .
بقية أبنائها الآن في جدة .
ابنة عمي فريال ما زالت هناك ، وقد تزوجت بعد 1967 واستقرت هناك .
غير أنه لي في غزة إخوة أصدقاء ؛ بعضهم انتقل إلى رحمته تعالى وآخرون ما زالوا أحياء ، غير أن السبل بيننا انقطعت .
زكي العيلة مات بالمرض ومحمد أبو النصر ، وهو قاص أيضا ، استشهد في الانتفاضة اﻷولى ، ولا أعرف أخبار ابراهيم الزنط - غريب عسقلاني - وأخبار محمد أيوب المقيم في خان يونس .
في 70 ق 20 كنت ألتقي بهؤلاء ، وكنا نحاول إيجاد حركة أدبية .كانوا شبابا مهمومين بالكتابة ، وثمة فراغ أدبي أخذنا على عاتقنا إشغاله .
أول أمس مات محمد كمال جبر وكان واحدا منا .
ما هي أخبار من تبقى من اﻷصدقاء على قيد الحياة ؟
هل أخطأتهم صواريخ الطائرات ؟
مقالي اليوم في اﻷيام الفلسطينية عن غزة في نصوص أدبية .
ولكن ماذا عن صورة غزة في قصص غريب عسقلاني وزكي العيلة ومحمد أبو النصر ومحمد أيوب و ..الخ الخ ..
ماذا بقي في غزة من غزة ؟
الليلة مباراة ألمانيا واﻷرجنتين وسأنحاز طبعا لشعبي في غزة ضد الطائرات الإسرائيلية .
من سأشجع ؟
الطائرات أم الصواريخ ؟
٢٠١٤
٤
في نشرة أخبار الثامنة صباحا من إذاعة " أجيال " / رام الله أتى المذيع على مباراة كرة القدم بين إيطاليا وإنجلترا وأنهى الخبر بالآتي :
" وفازت إنجلترا على إيطاليا بنتيجة ٣ - ٢ " .
طبعا إيطاليا هي من فاز ، وثمة خطأ غير مقصود عفوي هو المسؤول عن الخراب الكبير في هذا العالم ، مثل أكل التفاحة وإغواء حواء آدم أو العكس ( فراودته التي هو في بيتها ) .
هل غزا العراق الكويت في العام ١٩٧٣ وكان غزوه في ١٩٩٠ هو الغزو الثاني ؟
هذا ما قرأته في الترجمة العربية من كتاب ( بنيامين نتنياهو ) " مكان تحت الشمس " في فصل " حقيقة القضية الفلسطينية " ص ١٠٩ .
كله بروح مع الغسيل .
٢٠١٤
٥
في وداع الدكتور نهاد الموسى :
أمس غادر الدكتور نهاد الموسى هذه الفانية ، وفضله على أجيال تعلمت العربية كبير ، ولا أظن أن طالبا من طلابه لا يتذكره .
تتلمذت على يد الدكتور نهاد منذ كنت طالب بكالوريوس في الجامعة الأردنية بين ١٩٧٢ و١٩٧٦ ، فدرست معه مادتي الصرف والنحو ج . رسبت في الأولى وأعدتها لأحصل في المرة الثانية على أعلى علامة في الشعبة ، وعندما عدت إلى الجامعة نفسها لأدرس الماجستير درست معه موضوعا في النحو هو باب " الصفة " وفي أثناء دراستي الثانية تعرفت إليه عن قرب . كنا ستة طلاب درسنا المادة في مكتبة قسم اللغة العربية ، وكان يكرمنا ويطلب لنا القهوة والشاي ويعاملنا على أننا زملاء لاحقون له . في الأيام الماطرة كان يسألنا عن طريق عودتنا ويبدي استعداده ليقل من كان طريقه الطريق نفسه .
مرة وأنا أتحدث معه أمام مبنى قسم اللغات سألني عما أنوي فعله بعد الحصول على الماجستير ، فأجبته بأنني سأعود إلى نابلس أواصل حياتي فيها في السلك التعليمي ، فعقب مازحا :
- لو عاد بي العمر إلى مثل عمرك لسرت في طريق آخر .
كنت يومها جادا أرى أن البقاء في الوطن هو الفضيلة الأولى ، وكانت أبواب الثراء المفتوحة في دول الخليج على مصراعيها متاحة لمن هب ودب .
تقدير الدكتور نهاد لطلابه واحترامه لهم ومعاملتهم على أنهم زملاء لاحقون له ، وهو ما تحقق لبعضهم ، حكم سلوكي في تعاملي مع طلاب الماجستير في الجامعة إلا أقلهم .
عندما أخذت أشارك في المؤتمرات العلمية في الجامعة الأردنية صرت ألتقي باستمرار بالدكتور نهاد ، في مكتبه أيام عاد رئيس قسم وفي قاعات المحاضرات وفي قاعات الطعام وفي الرحلات الترفيهية بعد انتهاء المؤتمرات أيضا ، وهنا عرفت الكثير عن شخصيته المرحة التي تميل إلى الدعابة والفكاهة .
كان الدكتور علامة في تخصصه سعى باستمرار إلى تطوير نفسه علميا ، فسافر إلى جامعات عالمية ليقضي فيها سنوات تفرغه العلمية ، وأعطى جل وقته للاهتمام بالعربية ونحوها وصرفها .
عندما كنت ألتقي بطلابه الذين زاملوني في قسم اللغة العربية كنا نذكره بالخير وعندما يزوره هؤلاء في أثناء سفرهم للقائه كنت أطلب منهم أن يبلغوه تحياتي .
رحم الله الدكتور نهاد الموسى وأدخله فسيح جناته وإلى ذويه وإلى قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية تعازي الحارة .
الأستاذ الدكتور نهاد الموسى وداعا .
٢٠٢٣
٦
الشيخ راتب النابلسي :
غالبا ما أصغي إلى الشيخ راتب النابلسي وأنا في الحافلة .
الناس تحب الإصغاء إليه ﻷنه يبدو مقنعا وهادئا ، ففي منطقه وهدوئه ما يجعل المرء يرتاح إليه .
هذا الصباح كان يتحدث من إذاعة النجاح ، ككل صباح تقريبا منذ شهر ، وأنا أصغيت إليه وأنا نصف صاح .
الشيخ راتب أتى على الدول الاشتراكية - يبدو أن حديثه قديم نسبيا - وقال إن الله أذلها بسبب إلحادها وأنها الآن في ذيل شعوب العالم .
لا أدري إن كان الشيخ راتب على قيد الحياة . إن كان على قيد الحياة فإن سؤالي له :
- وأين نحن من دول العالم ؟
هل نحن في مقدمتها؟وما السبب ؟
نحن في رمضان وفيه يقتتل المسلمون بينهم لرفع كلمة الله .
ربما سيحرر السنة والشيعة والحوثيون والوهابيون ، بلحاهم ، العالم .
ربما أنا لا أرى . ربما أنا أعمى البصيرة ولهذا لا أرى . ربما ولعن الله السكري والتقدم في السن : إنه أرذل العمر ، وربما أوصلتنا إليه أيضا أوضاع العرب والمسلمين الذين هم في رأس الشعوب لا في ذيلها !
هل من قال :
-العرب والمسلمون الآن خارج التاريخ . الآن على اﻷقل .
اللهم نسألك سلامة العقل ورحم الله الشاعر عبد اللطيف عقل .
٢٠١٥
٧
سامح خضر:يعدو بساق واحدة (3) :
هل شذت رواية سامح خضر اﻷولى عن كثير من الروايات اﻷولى لكثير من الكتاب؟
غالبا ما تكون الرواية اﻷولى لكثير من الكتاب رواية سيرية - أي تتكيء على تجارب شخصية للكتاب ، وفي هذا الجانب فإن " يعدو بساق واحد " هي من هذا النوع من الروايات. إنها رواية سيرية تروي قصة حياة سامح خضر الذي يتماثل مع قاسم بطل الرواية ، فكلاهما عاد إلى فلسطين اﻷوسلووية إثر اتفاق أوسلو .
السؤال اﻷهم هنا هو : هل تشابهت هذه الرواية في أسلوبها مع كتابات العائدين ؟
ربما وجب على الدارس أن يستعرض روايات اﻷدباء العائدين كلهم ونصوصهم النثرية أيضا؟
أصدر زكريا محمد روايتين وغسان زقطان رواية ومثله زياد عبد الفتاح ،وكتبت مايا أبو الحيات ثلاث روايات اطلعت على اثنتين منها ، وأغلب هذه الروايات تقليدية الشكل . ربما شذت عنها رواية السيدة من تل أبيب لربعي المدهون فقد حاول أن يكتب رواية غير تقليدية الشكل .
ربما ما لفت اﻷنظار أكثر في أدبيات العائدين هو أسلوبها ، وأقصد بهذه اﻷدبيات أعمالا نثرية انتشرت أكثر من غيرها ولاقت صدى واستقبلت نقديا ومنها نصا مريد البرغوثي ونص فاروق وادي وكتاب محمود شقير " ظل آخر للمكان " . طبعا هؤلاء كتاب لهم باع طويل في الكتابة ، خلافا لسامح خضر فقد كانت " يعدو بساق واحدة " هي روايته اﻷولى .
ويمكن القول إن أسلوب كتابات البرغوثي ووادي وشقير - نسيت الإشارة إلى كتاب محمود درويش " في حضرة الغياب " - كان أسلوبا متميزا ، فقد نوعوا في السرد ووظفوا ضمائر عديدة في الكتابة وتنقلوا ما بينها .. ولما توزع أكثر هؤلاء على زمنين ؛ الماضي قبل67 والحاضر - بعد 93 فقد جرد أكثرهم من نفسه شخصا آخر وأخذ يخاطبه وهكذا نلحظ توظيف الضمير الثاني في الكتابة ، وهو ما كان محمود درويش وظفه في " يوميات الحزن العادي " 1973 و وليد أبو بكر في " الخيوط " 1980 - كما أخبرني - وكنت وظفته في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " 1993.
سامح خضر يكتب رواية تقليدية الشكل ، ويبدو أن هدفه اﻷساس هو التعبير عن التجربة ، وكأن الشكل الفني لم يؤرقه كثيرا.يسرد السارد الرواية مستخدما الضمير الثالث ويسرد أحداث روايته سردا تقليديا ، وهنا يمكن القول إن الرواية في بنائها وأسلوب سردها لم تضف جديدا إلى الرواية الفلسطينية.وعلينا ألا نقسو كثيرا على مؤلفها فهي روايته اﻷولى على أية حال .
٢٠١٥
٨
ياسر عبد ربه وأوسلو :
اليوم قرأت في اﻷيام الفلسطينية أن السيد ياسر عبد ربه يرى في اتفاقات أوسلو كارثة لحقت بالشعب الفلسطيني .
وضعت على الخبر دائرة وكتبت :
- بدري .
في 1993 كتبت هواجس عن اﻷدب الفلسطيني واتفاقية السلام ونشرتها على نفقتي الخاصة ثم أعدت نشرها في مجلة كنعان .
في صيف 1997 ساءلت نصوص اﻷدباء الآتية أسماؤهم:
- درويش والقاسم ودحبور ومريد البرغوثي وعلي الخليلي وآميل حبيبي وسحر خليفة ويحيى يخلف ،
وأنجزت كتابا طبعه الشاعر أحمد دحبور في وزارة الثقافة وسئل من مسؤول :
- كيف طبعت هذا الكتاب ؟
المهم أن نصوص اﻷدباء كانت تقول شيئا مختلفا عما كان الياسران ؛ عرفات وعبد ربه ، يقولانه .
كانت نصوص اﻷدباء تعبر عن خيبة عميقة ، وكانت نصوصا تحفل بالحزن ، ولكن من كان يصغي إلى صوت اﻷدب واﻷدباء ، حتى صوت المعتدلين والقادمين وفق اتفاقات أوسلو.
؟
بدري يا أستاذ ياسر . بدري والله .
عنوان كتابي :
أدب المقاومة من ...
٢٠١٥
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 45 :
( القدس عروس عروبتنا : أهلا أهلا ) :
في سبعينيات القرن العشرين استمعت إلى أشعار مظفر النواب لأول مرة .
كان الشهر شهر رمضان ، وكنت أقيم في وادي الحدادة ، في غرفة من غرفتين ، أنا والصديق الزميل فارس ، وهو طالب لغة عربية ، جاء من قرية النبي إلياس ، قرب قلقيلية ، وكان شابا مرحا يحب الدعابة ، ويميل ، أحيانا ، إلى ( الهيلمة ) .
كان ذلك الرمضان بداية تحول في حياتي ، فأنا الذي كان يصوم الشهر كاملا ، منذ الطفولة ، ما عدت أصوم ( لعله حزيران السبب ، فلو كنت في نابلس لصمت مع العائلة . لعله ! فحزيران شتتنا من جديد ) . وفي رمضان ذاك أصغيت إلى قريب فارس يقرأ مظفر النواب عن ظهر قلب .
كنت عائدا إلى غرفتي ، وهي غرفة من بيوت جحا لها بابان يفضيان إلى ساحة واسعة أفضل ما فيها ، وأردت أن أعد طعام الإفطار ، وهو ال ( بولبيف ) والبندورة والبيض ، وإذا بضيف كريم . تعرفت إليه وتعاورنا الحديث حول الدراسة والتخصص وأشياء من هذا القبيل .
عرفت أن الضيف أنهى دراسته ، في كلية العلوم في الجامعة الأردنية ، وأنه يدرس في إحدى محافظات الجنوب .
وأخذ الضيف يقرأ على مسامعي مقاطع طويلة من " وتريات ليلية " ، ولا أدري من أين حصل على القصيدة . لم تكن أشعار مظفر النواب ، في ذلك الوقت ، مطبوعة ، فقد كانت تتناقل عبر أشرطة ال ( كاسيت ) ، ولم يكن يتناقلها إلا قلة قليلة من السياسيين أو من بقايا الفدائيين والناقمين على النظام الأردني والأنظمة العربية ، وكان هؤلاء حذرين في قراءتها وفي تبادل أشرطة قصائد الشاعر ، وأغلب الظن أن الضيف كان تحريريا ، ولا أدري كيف وثق بي خلال مدة قصيرة ، فلم نكد نتعارف ، اللهم إلا إذا كان فارس قال له إنني لاجيء فلسطيني لا يحب النظام العربي ويرى فيه مسؤولا أيضا عن نكبة الشعب الفلسطيني .
منذ ذلك اللقاء سحرت بمظفر النواب وأخذت أتابع قصائده ، ولما زرت سورية سألت عن أشعاره ولم أجد له سوى ديوان " للريل وحمد" ، وهو ديوان باللهجة العراقية ، لم أفهم الكثير من أشعاره ، فلم أقتنه ، بعد أن تصفحته .
وفي العام 1975 تعرفت إلى شاب من الجبهة الشعبية ، ممن شاركوا في معارك أيلول ، من خلال إحدى الفتيات اللاتي كنت اعرفهن . وأخذ هذا الشاب يقرأ قصائد مظفر النواب عن ظهر قلب . كان الشاب يريد أن يخطب الفتاة ، واعترض أهلها ، لأنه من الجبهة الشعبية ، ولما كان مناضلا وأهل الفتاة برجوازيين ، ولما كان في أيلول يقاتل وكان والد الفتاة يبحث عن رزقه غير مهتم بالسياسة والحرب الأهلية و ...و ... ، فإن الشاب قال لي عبارة ما تزال ترن في أذني : عندما كنا نقاتل دفاعا عن الثورة كان والد الفتاة يبحث عن العقار ليصبح على ما أصبح عليه .
مرة ، في العام 1976 ، وأنا أهييء نفسي للعودة إلى الضفة الغربية ، قرأت في الرأي أو الدستور الأردنيتين ، مقالا عن مظفر النواب . كم فرحت يومها . كما لو أن هدية سقطت من السماء . وعندما عدت إلى نابلس أخذت أصغي إلى إذاعة ليبيا لأستمع إلى قصائد الشاعر بصوته ، ولما نشر الشاعر عبد اللطيف عقل مقالة طويلة في مجلة البيادر عنوانها " مظفر النواب ، هذا المتسلل البذيء تسلل إلى القدس " قرأتها بشغف .
ستطبع منشورات صلاح الدين في القدس ديوان " وتريات ليلية " للشاعر ، وسأقرؤه عشرات المرات ، ومثله ديوان " اربع قصائد " ، وحين ينشر المرحوم حسين البرغوثي ، في جريدة الطليعة الشيوعية ، حلقات ، جمعها لاحقا في كتاب " سقوط الجدار السابع " ، ستتفتح عيناي على الشاعر الذي أنجزت عنه في العامين 1978/ 1979 مقالين نشرتهما في جريدة الفجر .
كان المقالان ضربا من النقد التعاطفي الذي لم يكن يصدر عن وعي نقدي ، أو عن ناقد ملم بمصطلحات النقد . ناقد تأثري ، إن جاز التعبير ، أدواته النقدية فقيرة . ولكني سأعود إلى قصائد مظفر ، بعد عشرين عاما ، لأكتب عنها كتابة جديدة مختلفة كليا عن الكتابة السابقة ، مستفيدا من مقولات نظرية التلقي الألمانية ، عن استقبال النصوص الأدبية ، وعن قراءة الناقد لنص واحد في زمنين مختلفين ، وكيف تؤدي إلى قراءتين مختلفتين ، بل وسأكتب عن تلقي أدباء الأرض المحتلة أشعار مظفر النواب ، وعن تأثير أشعاره في شعر الأرض المحتلة .
كان مظفر النواب واحدا من أهم الأصوات الشعرية التي استجبت لها ، وأخذت ادرسه في الجامعة ، وأنجزت عنه دراسات عديدة ، لا لشاعريته التي هي موضع خلاف بين النقاد ، وإنما لجراته في نقد الأنظمة العربية من ناحية ، ولأنه شاعر لا يبيع نفسه ، حافظ على مواقفه واحترم كلمته . والجانب الأخير هو الذي ترك أثرأ كبيرا في ، وجعلني حذرا دائما ، و مختارا العزلة و البعد عن الجهات الرسمية ، حتى لا أقع فريسة الإغراء ، فتناقض كتاباتي مواقفي ، وحتى لا يقال إنني ناقد مع التيار يبيع نفسه للجهة التي تدفع .
لقد علمني مظفر النواب الحذر ، لا الشتائم .
القدس عروس عروبتنا : أهلا .. أهلا .
13/7/2016
١٠
( حزيران الذي لا ينتهي ) 46 :
( وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون :لا تهلك أسى وتجمل ) :
قبل العام 1972 كنت أعرف عمان حيا حيا ، وجبلا جبلا ، لا لأنني ديك فصيح من البيضة يصيح ، ولا لأن أبي كان فرحا بي وأنا طفل ، فكان يتجول بي في العام الذي أقمنا فيه في مخيم الحسين - يوم عمل هناك - ليعرفني على المدينة ، وإنما عرفتها من نشرات الأخبار في أثناء الحرب الأهلية بين الفدائيين والجيش الأردني .
في العام 1970 كنا نتابع أخبار الحرب ساعة ساعة ونشرة نشرة ، من خلال صوت العاصفة التي كنا منحازين لها كليا ، وكانت هي تبث تفاصيل ما يجري ، وهكذا سمعنا بجبال عمان ومخيماتها ؛جبل عمان وجبل الحسين وجبل التاج وجبل الأشرفية وجبل الجوفة ، ومخيم الوحدات ومخيم الحسين ومخيم البقعة ومخيم شنلر أيضا ، بل وعرفنا أحياء جبل الحسين حيا حيا ودوارا دوارا ؛ دوار الداخلية ، وإن لم تخني الذاكرة دوار مكسيم / فراس .
كنا نعرف عدد الدبابات التي دمرت وعدد الشهداء والجرحى ، ومقدار التقدم والتراجع و ...و ....
قبل أن أسكن في مخيم الحسين ، زرت جبل الحسين ، فقد اصطحبني خالي إلى بيت خالة أمي ، ليسلم عليها ، وليعرفني إليها . وهي امرأة فاضلة أمها تركية تقيم في نابلس ، وهي بيضاء بيضاء وطويلة القامة وذات وجه بشوش مرح وترحب بالزائرين وتحب أقاربها ، وكان زوجها يافاويا حنطي البشرة جادا في عمله ، مكبا عليه . ولم أعرف يومها أن البيت الذي تقيم فيه هو بيت الحكيم جورج حبش الذي غادر الأردن إلى لبنان بعد أحداث جرش في العام 1971. وكان البيت يقع مباشرة على دوار جرت بالقرب منه المعارك .
في أثناء الانتقال من مخيم الحسين إلى الجامعة الأردنية ، كان هناك امكانياتان ؛ الأولى أن استقل سيارة من المخيم إلى وسط البلد ، حيث ( باص )ات الجامعة ، والثانية أن أسير مشيا على الأقدام من نهاية المخيم إلى دوار الداخلية ، والثانية أوفر مالا ، ولكن أجواء المطر والبرد ، والأرض الموحلة لم تكن لتساعدنا في أيام البرد والشتاء ، وإن ساعدتنا في أيام الربيع والصيف .
في أيام الربيع المشمسة كنت ومحمود عطالله وشابا يدرس التاريخ من عائلة ابو زر ، وهو لداوي ، وشبابا من مخيم بلاطة سكنوا في حي النزهة الملاصق للمخيم ، كنا نقطع الأرض الخلاء الفاصلة بين مخيم الحسين وجبل الحسين ، وكنا نشاهد بقايا الاستحكامات التي اقامها الفدائيون في تلك المنطقة ، وقد ظلت هذه الاستحكامات لفترة طويلة ، ولم تزل إلا بعد أن بدأت المباني تزحف إليها ، وحين زرت عمان في العام 2000 والعام 2001 ، لأشارك في مؤتمرات علمية ، زرت تلك المنطقة ، ولم تبق فيها أطلال أقف عليها .
في العام 2001 نزلت في فندق ( طوليدو )في العبدلي ، بالقرب من جبل الحسين ، واستبد بي الشوق لزيارة مرابع الشباب ، وأخذت أتجول في تلك المناطق ، وبدا لي أنني لم أعرف منها شيئا .
كل صباح كنا نقطع فيه الطريق من المخيم إلى دوار الداخلية كنا نشاهد الاستحكامات ، فاذرف الدمع على أطلال المقاومة ، وربما لهذا ، وأنا في دمشق ، اشتريت ديوان فتى الثورة ، ودونت بعض مقاطع منه على كتاب . لقد كانت المقاومة الفلسطينية املنا وخلاصنا ، ولم نتوقع يوما أنها ستخيب أملنا ، وأنها ستغدو مثل الأنظمة التي حاربتها .
ستعيدني الاستحكامات ، لاحقا ، إلى أشعار الشاعر المرحوم توفيق زياد ، وإلى ديوانه " عمان في أيلول " ، وكان زياد انحاز لشعبه وللمقاومة ووقف ضد الملك حسين . وفي نهاية 90 ق 20 فكرت أن أكتب دراسة مطولة عن صورة المرحوم الملك حسين في الأدب الفلسطيني ، ثم توقفت ، لأنه كان علي أن أحصل على الأشعار التي كتبت في المنفى ، ولم تكن بحوزتي ، ومنها ديوان سعيد المزين " فتى الثورة " الذي تركته في دمشق ، وكنت انقطعت عن زيارة الأردن مدة 18عاما ، و قررت ألا أزورها .
لم أنجز الدراسة لأسباب عديدة ، ولما اتصلت بي ابنتاي ، بعد سنوات من الانقطاع وجدتني أشارك في مؤتمر في جامعة اليرموك ، واسافر إلى عمان ، وهناك عرفت من الدكتور تركي المغيض -وهو أستاذ كان يدرس في جامعة اليرموك وكان زارني في ( بامبرغ ) في المانيا - أنه كتب عن صورة الملك حسين في الشعر . ولما سألته عن الدواوين التي درسها وهل درس الأشعار كلها ، التي مدحت الملك والتي أبرزت له صورة سلبية ، عرفت ان دراسته تركز على الأشعار التي ابرزت الصورة الإيجابية للملك ، وأنه اغفل الأشعار التي تظهر الصورة المناقضة ، فأيقنت أن لا قيمة لدراسته ، لا لموقف من الملك ، وإنما لسبب أكاديمي صرف ، فقد غدوت ، مع مرور الأيام ، من فصيلة الكائنات ذات الدم البارد . غدوت دارسا أكاديميا صرفا ، وهذا ،بالطبع ، لن يروق للفلسطينيين ولن يروق للملك أيضا .
في 70 ق 20 سأقرأ أشعار توفيق زياد في أيلول " عمان في أيلول " ، ولاحقا سأقرأ أشعار أحمد دحبور ايضا ، وكلما اقترحت الموضوع على طالب ، ليكتب فيه رسالة ماجستير تردد وعزف ، فالموضوع شائك ، وقد يسبب لمن يريد الخوض فيه مشاكل هو في غنى عنها .
" يا حادي العيس سلم لي على عمان
وقبل الجرح ، واحضن أهلها الشجعان
وقبل المدفع الرشاش ، في يدها
وخندق المجد ، والساحات ، والجدران
واهتف بها : رأسك المرفوع معجزة
عاش الحليب الذي أرضعت يا عمان
فواصلي الدرب ، يا مصلوبة أنفت
أن تنحني ، لحظة ، للسيف والسلطان
وواصلي الدرب ... يا عماننا ، فغدا
ندق بيرقنا الدامي على "بسمان" " .
وما كان أحد يتوقع أننا سنذهب إلى بسمان زاحفين ، مشيدين بالحكم الرشيد ، وأن ما جرى كان غلطة طباعية .
يا لحزيران إلى أين قادنا
هل هو الشاعر أحمد دحبور الذي كتب :
ألا لا ( برأتهم ) من دمي عمان !
يا لحزيران إلام قادنا !
13/7/2016
١١
هوزعات كتابنا وأكاديميينا و" بوس اللحى " :
حذف وليد أبو بكر ما كتبه عن ترجمة أبو هشهش ويبدو أن الأمر حل ببوس اللحى .
أطرف ما في الأمر أن أحد أصدقاء المترجم كتب إلي :
- وليد أبو بكر يؤيد طاغية الشام فكيف تؤيده ؟
طبعا أنا كنت أجيب ببرود أعصاب ، وكتبت له:
- لا تخلط الأحد بالخميس . الأمر علمي بحت .
ما أورده وليد من أمثلة يدل على ركاكة العبارة . وما كتبه فتحي البس دفاعا عن الترجمة يدينها أصلا ويؤكد ما كتبه وليد .
ببساطة أكاديميونا وكتابنا يحلون الأمور بهوزعات وبوس لحى . ولهذا حذف وليد ما كتب . وكثيرون أدلوا بدلوهم من باب " اللي معانا الله معاه " وفلان من جماعتنا .
هكذا أيضا تتم الأمور في مناقشات رسائل الماجستير وفي الإشراف وفي المشاركات في الوفود المشاركة في النشاطات وفي الدعوات وما شابه .
13/7/2017
١٢
المتنبي وخير جليس :
أتخيل المتنبي يعيش في زماننا ويرى مباريات كرة القدم وبيده (آيفون ) أو جهاز ( جلاكسي) ، أتخيله معنا في أحد المقاهي يشاهد مباراة كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا .
من المؤكد أنه سيقول:
"أعز مكان في الدنا سرج سابح/
وخير جليس في الزمان كتاب"
ومن المؤكد أنه لن يجد من يصغي إليه.
مقالي الأحد في الأيام عن مآل الكتاب في زمننا.
13/7/2018
١٣
رئيسة كرواتيا على خطى عادل الأسطة :
غالبا ما يسخر الفلسطينيون من الكاتب عادل الأسطة ويتساءلون :
- لمن يخلف ملياراته في البنوك الفلسطينية والألمانية ؟
وربما شبههوه بأهل اللد :
"يعيش فقيرا ويموت غنيا " .
لا يملك عادل الأسطة سيارة ولا يملك سوى شقتين متواضعتين ، فلماذا لا يبني قصرا في نابلس الجديدة مثلا ؟ ولماذا لا يسافر كل إجازة إلى بلد أوروبي ؟
الشريط الذي أرسله إلي هذا اليوم غير شخص هو عن رئيسة كرواتيا .
المرأة هذه قررت بيع طائرتها الخاصة كرئيسة والسفر بالطائرة وقررت أن تحضر مباراة منتخب بلادها الوطني كمواطن عادي وذهبت إلى اللاعبين واحتفلت معهم في غرف تغيير الملابس و ...و ...و .. وهي قررت ألا تستدين من البنك الدولي إلا بما يعود بالفائدة على بلادها - أي لمشاريع ربحية و .. و ..
تعالوا شوفوا مواكب مسؤولينا الرسمية .
المهم آخر إحصائية عن مديونية أفراد شعبنا للبنوك 300 مليون دولار للسيارات فقط .
غالبا ما اسأل :
لماذا لا تملك سيارة تتنقل فيها ؟
في الأيام الأخيرة قلت :
- لو يتصرف أبناء شعبي مثل تصرفي لكان لهم رصيد في البنوك ولما كانوا مديونين ب 300 مليون دولار .
عادل الأسطة غاوي فقر .
شو أعمل .
تحية لرئيسة كرواتيا وإن شاء الله يفوز فريق بلادها بالكأس .
13 / 7 / 2018
١٤
سرديات رام الله :
" الرتنو " ل Ziad Abedelfattah
كثرت في العقود الثلاثة الأخيرة الكتابة عن رام الله كتابة مفرطة لم نعهدها قبل العام ١٩٩٦ في الأدبيات الفلسطينية بعامة والسرديات الفلسطينية بخاصة .
بدأت الكتابة عن المدينة منذ غدت عاصمة للسلطة الفلسطينية الناشئة إثر اتفاقيات أوسلو في العام ١٩٩٣ ، فقد حضرت المدينة ، في كتابات العائدين ، حضورا لافتا ، ثم أخذت تحضر في كتابات المقيمين .
رصد العائدون ممن كانت لهم صلة بالمدينة صورتها في الذاكرة أيام الحكم الأردني ( مريد البرغوثي وفاروق وادي ومحمود شقير ) وصور المقيمون ما كانت عليه وما صارت إليه ( أكرم هنية وعباد يحيى وأحمد رفيق عوض وآخرون ) .
آخر الروايات التي تصور رام الله في عهد السلطة الفلسطينية ، وتحديدا في عهد الرئيس أبو مازن ، هي رواية زياد عبد الفتاح " الرتنو " ٢٠١٨ .
و " الرتنو " فندق من فنادق المدينة غالبا ما يقيم فيه الكاتب حين يزور رام الله ، وزياراته لها سنوية تقريبا .
يلفت اسم الفندق انتباه الكاتب الضمني " أبو شهد سعد الديراوي " ويبدأ رحلة البحث عن الحضور المصري قبل خمسة آلاف سنة في فلسطين ، ويرصد في الوقت نفسه زوار الفندق وحيواتهم وأجواء الحياة في المدينة نفسها و ... و ... .
" لم أتوقف لأسأل لمن أهدي هذه الرواية .
خطر لي على الفور أن من يستحق هو مملكة الرتنو بموقعها العبقري والفريد فوق أرض فلسطين ، تلاحقت فيها أنفاس الكنعانيين وأحفادهم الفلسطينيين منذ أربعة آلاف عام .
ثم إلى فندق الرتنو الذي أعاد للاسم نكهته وللذاكرة هويتها
ثم .... "
لعل لي عودة إلى الرواية لكتابة مقال عنها في دفاتر الأيام في ٢١تموز ٢٠١٩ وكان يفترض أن أنجزه هذا الأسبوع .
١٣تموز ٢٠١٩ .
١٥
في الذكرى ال47 لاستشهاد غسان كنفاني :
كرمتني الحبهة الشعبية في الذكرى السابعة والأربعين لاستشهاد الأديب غسان كنفاني .
شكرت اللجنة المشرفة لإحياء الذكرى وقلت لأعضائها إن أفضل تكريم لي في ذكرى غسان هو أن أتحدث عنه . ذلك يدفعني إلى إعادة قراءة بعض أعماله وهذا إنجاز ما بعده إنجاز .
هذا العام أعدت قراءة قصة " موت سرير رقم 12 " لأتحدث عن غسان والهم القومي .
كم أذهلتني لغته المعبرة وعمق أسئلته .
تصوروا الآتي :
كان عمر غسان حين كتبها أربعة وعشرين عاما ، فمن منا في الرابعة والعشرين كتب قصة تثير أسئلة عميقة ؟
خطر ببالي السؤال الآتي :
لو بقي غسان على قيد الحياة فهل كان سيقبل جوائز أدبية من دول نفطية ؟
شخصيا فإن أفضل تكريم لي في ذكرى غسان هو أن أقرأه وأتحدث عنه وعن أدبه .
١٦
الست كورونا : النكتة الشعبية والواقع المغاير ( ٢٠ ) :
أحد الأصدقاء كتب إلي على ( الواتس آب ) نكتة على لسان الفايروس يبدي فيها رأيه في الشعب الفلسطيني .
نص النكتة التقريبي هو أن وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت أن الفايروس غادر فلسطين بعد أن خاطب شعبها قائلا له :
- أنتم شعب الله ما بضبكم من الشوارع : بااااااي .
والمفارقة تكمن في أن حالات الإصابة بالكورونا في فلسطين هي بازدياد ، ما أدى أمس إلى إعلان الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية ابراهيم ملحم إلى تمديد الإغلاق إلى أربعة أيام أخر ، علما بأن وسائل التواصل الاجتماعي نقلت أخبارا عن بعض المحافظين يعلنون أن محافظتهم استثناء ولن يشملها التمديد ، خلافا لما أعلنه الناطق الرسمي ، وفي فترة لاحقة نقلت الوسائل أن رئيس الحكومة الدكتور محمد اشتية عزز رأي الناطق الرسمي باسم حكومته - يعني تمديد الإغلاق .
النكتة التي تنوقلت على لسان الفايروس شببهة بالنكتة التي كان الرئيس ياسر عرفات يرددها عن أبناء شعبه ، فإن كان في بعض الدول رأس يحكم يساعده بعض الجنرالات فإن شعبه كله رؤوس وجنرالات ، وأنا لا أجيد نقل النكتة حرفيا وبلهجة عرفات المصرية التي اكتسبها من المصريين يوم درس الهندسة هناك .
ليس ثمة إغلاق شامل عموما ولكن هناك تحديد من حرية التنقل ، فلا هي بممنوعة ولا هي بمسموح بها كاملا .
شخصيا لم أغادر أمس شقتي في المساكن الشعبية الشرقية ، وانشغلت ببعض تنظيفات ، وفي أثناء الترميم اكتشفت ان عمال البناء وتوابعها والطراشة والتمديدات الكهربائية وتمديد مواسير المياه و .. وبعض المهن يواصلون عملهم وإن تضرروا فبسبب الشيكات المرتجعة .
الحياة في أطراف المدينة عادية وفي السوق بعض بيع وشراء وأكثر من تضرر هم سواقو الحافلات العامة وأصحابها وأصحاب الصالات والمقاهي وعمالها وعمال المياومة ، وأما نحن المتقاعدون فمتقاعدون حرمنا من الجلوس في المقاهي ومن السفر ولو إلى رام الله وعمان لشراء بعض الكتب .
شخصيا لم أتمكن من مواصلة إتمام كتابي " صورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين " للأسباب السابقة ، علما بأنه صدر لي في عمان عن منشورات خطوط كتاب " الست كورونا " ويضم مائة خربشة امتدت من بداية آذار إلى نهاية أيار .
في أيام الكورونا لا شهية للطعام عموما ويبدو أنها - أي الكورونا - تسد النفس ، وهكذا يتذكر المرء أيام السينما وبعض الباعة ينادون " خبز بيض جبنة فلافل " و " قهوة شاي عسيس بارد عسيس مثلج " وفطورنا غالبا حمص وفول وجبنة وبيض و ..
كما لو أننا في الحجر الصحي صرنا " سيزيفيين " نمارس رفع الصخرة إلى الأعلى ليدحرجها الفايروس ونرفعها من جديد : إغلاق ، تمديد إغلاق ، إغلاق جزئي ، إغلاق لأيام ، في رواتب ، ما في رواتب و ...
١٣ تموز ٢٠٢٠
١٧
يحيى السنوار ٨
الأم التي ولدت ... الأم التي ربت : عصامية إبراهيم / يحيى وقسوته
يستشهد والد إبراهيم في حرب ١٩٦٧ ويختفي عمه ، وبعد حوالي ٢٠ عاما نعرف أنه استشهد في مجازر أيلول في الأردن ، مخلفا ولدين هما ماجد وخالد ، يعودان إلى غزة بعد توقيع اتفاق أوسلو .
ويتربى إبراهيم وأخوه حسن في كنف جده لأبيه وترعاهما زوجة عمه كما ترعى أبناءها الكثر ، فقد تزوجت أمه حين أصر أهلها على زواجها .
لا تقول الرواية لنا أي شيء عن والدة إبراهيم بعد زواجها ، فلا نقرأ أي خبر عن لقائها بابنيها إبراهيم وحسن . لا هي زارتهما ولا هما زاراها ، ولا نعرف إن كانت أنجبت من زوجها الثاني أبناء صاروا أشقاء لإبراهيم وأخيه .
هكذا نشأ إبراهيم يتيما ، فقد استشهد أبوه وتزوجت أمه وانفصل عنه أخوه حسن ليعود جاسوسا يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية ، وهكذا كان على إبراهيم أن يعاني من فقدان الوالدين وعار الأخ . وكان عليه أن يواجه ، مثل أبناء عمه الذين فقدوا الأب ، قسوة الحياة ، وكانت معاناته مضاعفة مرتين ، فهم فقدوا الأب وعاشوا على أمل أن يعود ، ولكنهم لم يخسروا الأم ولم يلحق بهم عار واحد منهم . تعلم محمود ومحمد وحسن والسارد أحمد وتزوجت الأخت من ابن عمها إبراهيم وانجبت . هذا كله ترك أثرا في تكوين إبراهيم وشخصيته ، عدا النشأة في المخيم والعيش على ما تجود به وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين من طعام وملابس ( بقج ) .
كانت زوجة عم إبراهيم بمثابة أمه ، فالأم البيولوجية تخلت عنه مضغوطا عليها من أهلها لتتزوج ، وزوجة العم حلت محلها . وهنا نتذكر مسرحية ( برتولد بريخت ) " دائرة الطباشير القوقازية " ورواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " وأعمالا أدبية أخرى .
لا أعرف الكثير عن حياة يحيى السنوار الشخصية ، ولا أعرف شيئا عن أسرته ، لأرى مقدار التطابق والاختلاف بينه وبين شخصية إبراهيم ، ولكني فيما قرأته من مقالات عن دوره في تأسيس جهاز ملاحقة العملاء " مجد " أكاد أجزم بأنه عانى مما قاموا به وارتكبوه بحق قيادات من حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى مثل فتح والجبهة الشعبية ، وهو ما يأتي عليه السارد في نهاية الرواية ، إذ يأتي على ذكر جمال منصور وجمال سليم وأبو علي مصطفى وآخرين غيرهم .
مما ورد في مقالات وتقارير عن يحيى السنوار أنه تخلص شخصيا من بعض الجواسيس وأنه لم يكن يرحمهم ، بل إن ثمة كتابات عن دوره في التخلص من شخصيات حمساوية عملت معه شك فيها وارتاب من بعض تصرفاتها ، مثل القائد محمود اشتيوي . إن ما ورد في الرواية عن فايز صديق إبراهيم ليس بعيدا عما قرأته عن قصة محمود اشتيوي ، والأمر يبقى بحاجة إلى التأكد عموما .
راقب إبراهيم صديقه فايز ولاحظ لقاءه بضابط المخابرات أبو وديع ، وفي إحدى مظاهرات الانتفاضة قتل فايز . لم يصرح السارد بأن إبراهيم قتله ،ولكن القاريء يلمح ذلك ، ومن قتل أخاه لأنه عميل فلن يتردد في قتل صديق صار جاسوسا ، بل وفي تصفية إخوة ارتاب في بعض سلوكهم ، ولن يتردد في مقاومة الأعداء مقاومة شرسة ، فهؤلاء هم العلة والسبب في فقدان الوطن وحياة اللجوء وتشرد الأخ وعمالته وتساقط الصديق وخيانته .
الطريف أن يحيى السنوار هو ابن مخيم وأن محمد دحلان هو ابن مخيم وفايز هو ابن مخيم وحسن شقيق إبراهيم هو ابن مخيم ، وفي أبناء المخيمات كتب غسان كنفاني روايته " أم سعد " فكتب عن ابن المخيم الفدائي الذي قال فيه الشاعر أحمد دحبور :
" اسمع - أبيت اللعن - راوية المخيم
افتح له عينيك وافهم :
هذي الصفائح والخرائب والبيوت
فيها كبرت ، بها كبرت
وفوضتني عن جهنم " .
وكم أنجب المخيم من أبطال فدائيين وعلماء وأطباء وجواسيس وحشاشين ، وتلك هي الحقيقة .
ماذا تخبيء الحياة ليحيى السنوار ؟
وماذا يخبيء هو لنا من مفاجآت ؟
هل ينطبق عليه ما قاله إبراهيم طوقان في قصيدته :
هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدأي يا عواصف
خجلا من جراءته
صامت لو تكلما
لفظ النار والدما
قل لمن عاب صمته
خلق الحزم ابكما
وبلادا أحبها
ركنها قد تهدما ... إلخ
١٣ تموز ٢٠٢١
١٨
فتاة نابلس ٢٢ :
عالم البنوك وغسيل الأموال والمال القذر والإنجليز :
لم أقرأ بالعربية روايات عن عالم البنوك ، علما بأن للروائي الفلسطيني المرحوم جمال ناجي رواية عنوانها " مخلفات الزوابع الأخيرة " قرأت أنه كتبها عن البنوك بعد تجربته فيها ، ولم أقرأ روايات عن غسيل الأموال والتلاعب بأموال الزبائن / العملاء إلا القليل مما ورد في بعض روايات ليلى الأطرش .
ربما كانت مقالات الكاتب Khoury Elias عن البنوك في لبنان ، في الفترة الأخيرة ، ونقل أصحابها أموالها إلى الخارج أوضح ما قرأت في هذا الجانب .
وعندما رفعت نسبة الفوائد على الدولار في أميركا ولم ترفع في بنوك الضفة الغربية ظننت أن موظفيها يتلاعبون بأموالنا ويرفعون نسبة الفائدة عليها لصالحهم . الصحيح أنني أكون أحيانا سيء النية والطوية وشكاكا . حقا لماذا لم يرفع البنك العربي الفائدة على أموالنا المودعة بالدولار ؟ وقد نصحني صديق مؤخرا بأن أنقل أموالي إلى بنك آخر ، وهو ما كان نصحني به أبو عمار ، وأبو عمار هذا ليس بالتأكيد ياسر عرفات .
صفحات كثيرة جدا من رواية ( DEAN DILLEY ) " Nablus Girl " تكتب عن البنوك وما يجري فيها وكيف تدار ، ولم أستغرب هذا ، فكاتبها الأمريكي عمل في الخليج مستشارا وقد يكون قسم كبير مما كتبه عن البنوك يتكيء على تجربته محاميا ، ثم إنه يكتب عن طالب فلسطيني يبحث عن فرصة عمل في بنك أميركي وفي وول ستريت ، ويكتب عن جنرالات إيرانيين وجاسوسية وغسيل أموال ومال قذر .
الفلسطيني أمير الذي كذب على أمه وأخته والفتاة التي يحبها اكتشف أن كذبته لا تذكر أمام عالم النصب والاحتيال والتلاعب بالأموال في البنوك .
في دبي حيث أصبح موظفا في البنك يتعرف على رشيد اللبناني ولبنانيين آخرين وينادى بينهم ب " بنكنا " ، وعندما يقدم لهم مساعدات ويكون طيبا يطمعون فيه أكثر ، ويقترحون عليه أن يساعدهم في عملية نقل أموال وتلاعب فيها مقابل أن يحصل على نسبة ٢ بالمائة من الأرباح .
يفكر أمير في الموضوع ويحسب حساباته ويخاف فيقرر مفاتحة كاترينا - المسؤولة عنه في البنك - بالموضوع ليمنع العملية ، ولكنها تفاجئه . تقترح عليه أن يمشي فيها ويلعب مع لاعبيها Let it play " t " وترتب له لقاء مع Fiona التي دربته وأتينا على ذكرها ، إذ تظهر من جديد ، وتطلب منه هذه أن يوافق على عرض رشيد وأصدقائه اللبنانيين .
هل سيلعب الشاب النابلسي اللعبة ؟
كنت خربشت أمس عن تصور الكاتب الأميركي لتصور الفلسطينيين الإنجليز ، و Fiona إنجليزية ، ويعرف أمير منها ما لا يخطر على بال ، وهو ما يستحق كتابة منفصلة .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٣ .
١٩
غزة ( ٢٨١ ) :
عار العالم في غزة
في أثناء الحرب على الجزائر وقف الفيلسوف الوجودي الكاتب الفرنسي ( جان بول سارتر ) مع الشعب الجزائري ضد استعمار بلاده له وفرنسته واعتبار الجزائر جزءا من فرنسا ، وكتب كتابه " عارنا في الجزائر " .
الكاتب العربي عبد الرحمن منيف في طبعة متأخرة لروايته " شرق المتوسط " كتب مقدمة لها عد السجن السياسي في العالم العربي أكبر عار عربي معاصر .
لم تخل روايات الكاتب الجزائري المعاصر الحبيب السايح من التوقف أمام عاري الاستعمار الفرنسي والسجن ، وإن لم تخني الذاكرة فقد وصف سجنا في عهدي الاستعمار والاستقلال ، كما في روايته " نزلاء الحراش " . لقد كتب عن السجن في عهد الاستقلال ما يعيب البلاد .
هل سيخرج من بين الكتاب الإسرائيليين كاتب يكتب على غرار ما كتبه ( سارتر ) . هل سنقرأ بأقلام إسرائيلية عن عار إسرائيل في غزة منذ ٧ أكتوبر وعارها في معاملة الأسرى ؟
وأيضا هل سنقرأ لكاتب عربي عن عار النظام العربي إزاء ما جرى ويجري لأهل قطاع غزة .
ولا أدري إن كان أيضا من بين كتابنا ، ممن صمتوا ، من سيكتب عن عارنا في صمتنا .
كان الشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح كتب قصيدة عن الصمت حيث عده عارا :
" الصمت عار
ونحن عشاق النهار
نبكي "
وبعد مجزرة ":تل الزعتر " في العام ١٩٧٦ تساءل الشاعر العراقي مظفر النواب :
" ما هذا الصمت يسمى في اللغة العربية ؟!"
ومرة كتبت عن العار في رواية خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " .
إن ما ترتكبه إسرائيل من مجازر إبادة يومية ضد الشعب الأعزل الذي وجد نفسه مشردا هائما نازحا جائعا بلا مشاف وعلاج وبيوت لهو عار البشرية كلها . هل سنقرأ للكاتب الإسرائيلي ( جدعون ليفي ) قريبا كتابا على غرار كتاب ( سارتر ) ؟
وقد يحضر إلى ذهن بعض قراء شعر محمود درويش تساؤله في إحدى قصائده التي كتبها في الحرب الأهلية اللبنانية :
" ما جدوى الكتابة :
ما جدوى الكتابة في الظهيرة والظلال ، والعمال مسحوقون في حربين ؟ "
حقا ما جدوى الكتابة وأهل غزة مسحوقون في حروب عديدة لا في حرب واحدة أو حتى في حربين !
مشاهد الدمار من قطاع غزة كله ، والمجازر التي ارتكبت في شماله في الأسبوعين الأخيرين تفوق الوصف .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٠
غزة 646 :
بيت حانون تسوى بالأرض و ( نيرون ) الجمعي الإسرائيلي يتفرج مسرورا :
أمس احتدمت المواجهات في خان يونس والشجاعية ، فواصلت مروحيات الإخلاء عملها . في صفحة مؤمن مقداد قرأنا الخبر الآتي مترجما عن الموقع العبري ( حدشوت لفني كولام ) :
" حدثان أمنيان في خان يونس والشجاعية / مروحيات الإخلاء وصلت حتى الآن إلى مستشفيات تل هشومير وبيليسون وسوروكا وايخليوف "
ولكن جنون جيش الاحتلال الإسرائيلي بدا في بيت حانون ، فحسب مراسل القناة 12 شن سلاح الجو على بيت حانون غارات عنيفة / أحزمة نارية وثقتها كاميرات في موشاف نتيف هعسراه .
اللافت هو الفرح البادي الذي أبداه المستوطنون وهم يشاهدون النيران المنصبة على بيت حانون . بدا مشهد بيت حانون كما لو أن إسرائيل استخدمت سلاحا نوويا محددا ، وهو ما قرأته في صفحة أبو أحمد سمور " الاحتلال الجبان يضرب بيت حانون بالنووي ، بعد أن عجز عن مواجهة رجالها " .
لم يقف المقاومون في غزة مكتوفي الأيادي ، فكما أوردت قناة كان العبرية ، تمكن مسلح فلسطيني من الخروج من بين انقاض مبنى وألقى عبوة ناسفة باتجاه دبابة ثم انسحب ، ووثق الإسرائيليون المشهد وبدا التوثيق لهم مقلقا ويشير إلى اتجاه جديد بدأ قبل أسبوعين : المسلحون أصبحوا أكثر جرأة ونشاطا ميدانيا . وفي " حدشوت بتخون " الإسرائيلية قرأنا الخبر الآتي :
مقاتلو حماس خرجوا من عدة أنفاق واشتبكوا وجها لوجه مع قوات الجيش . الحدث في خان يونس صعب ، وهناك صعوبة في عمليات إخلاء الجنود المصابين . ( عن صفحة باسم النادي Basem Alnadi ) .
ما سبق جعل أحد المتابعين الفلسطينيين يكتب :
المستحيلات أربعة : الغول والعنقاء والخل الوفي وهزيمة المقاومة .
في فجر هذا اليوم قرأت في صفحة الشاعر يوسف القدرة Yousef Elqedra الآتي :
[ وداعا أخي ...
شهيدا كما أردت ]
[ إنا لله وإنا إليه راجعون ]
وكان الشاعر غادر قبل شهرين تقريبا إلى فرنسا تاركا أهله في حفظ الرحمن .
وفي الدوحة تواصلت المفاوضات التي لم ترق إطالتها لجوعى القطاع ما دفع أحدهم يكتب :
عشاؤنا الليلة - إن توفر - دقة ، فما العشاء في الدوحة " .
وكتبت د. هيا فريج :
تخيل أن تكون أسمى أمانينا كاسة شاي .
شو عشاء الوفد المفاوض في الدوحة ؟
ونعتت الدكتورة نفسها وهي تشاهد فيديو يمنع فيه بضعة أولاد مستوطنين حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية واستجابة أهل الضفة لهم ، نعتت أهل الضفة ب " العرر " - من عرة ، علما بأننا كلنا " زلام " على بعض .
حالة تعبانة يا ليلى !
646 / 2 :
أهل الضفة الغربية وقطاع غزة
انشغلنا نحن أهل الضفة الغربية في الأيام الأخيرة بأزمة الحركة على الجسور . أكثر ما يكتبه بعض صحفيينا صار يتركز على " أزمة التنقل " كأن لا شيء يجري في غزة .
في أشهر الحرب الأولى ، قبل إغلاق معبر رفح ، انشغلنا أيضا ب أزمة معبر رفح والمبالغ التي يجب أن يدفعها المغادرون لأولاد الكلب تجار الحروب . أولاد الكلب هؤلاء صاروا يتحكمون بحركة المرور على الجسر .
يجب افتعال أزمات لكي يصرف الذهن عما يجري في غزة .
لقد ألمت بنا محنة السفر وزيارة سورية الجديدة ، كما ألمت بكثيرين من قبل في السفر إلى السعودية و تأدية العمرة للتجارة لا أكثر ، فقد وجدت من يسافر سنويا لقضاء إجازته السنوية هناك .
يا ناس !
من ليس له عمل ضروري جدا في السفر من الضفة فليبق فيها يشبع منها فقد يأتي يوم نجبر فيه على الرحيل .
رحم الله الشاعر المصري نجيب سرور صاحب " كسأمياتنا " .
أكيد سيحتج قسم على ورود ألفاظ بذيئة في المنشور ، وهي ، إذا ما قورنت بفعل الاستغلال البذيء الرخيص النذل المستغل الهارب مما يحيط به ، هي كلمات لا أثر سلبيا لها .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٥
معين بسيسو ، ابن غزة ، أدرك ما يجري الآن، ولكن :
أعتقد أن معين بسيسو الذي عمل بوصية غسان كنفاني ( اعرف عدوك ) عرف منذ 1968حقيقة العدو وما يفعله الآن في غزة.اقرأوا مسرحيته " شمشون ودليلة "في ضوء كتاب( ياعيل دايان ) مذكراتي الحربية ، واقرأوا ما كتبته أنا عن الموضوع في رسالة الدكتوراه "اليهود في الأدب الفلسطيني بين1913 - 1987 " عن المسرحية ، وستعرفون لماذا تقصف إسرائيل غزة بهذه الوحشية ، أو انتظروا مقالي غدا في الأيام الفلسطينية وعنوانه:
" أرض قديمة - جديدة...غزة قديمة -جديدة "
٢٠١٤
٢
في بيروت 1982 قال أبو عمار :
"بيروت ليست مدينة فلسطينية " .
غزة مدينة فلسطينية فهل ستكون ( ستالينغراد ) الفلسطينية ؟
وهل سينهد المعبد على شمشون ؟
لقد أمعن اﻷسرائيليون في قمعنا وسلب أراضينا وحصارنا وها هي النتيجة .
انتظروا فربما القادم أخطر .
من سيكون العابرون في فلسطين ؟
قبل أيام صرح ضابط اسرائيلي بأن الفلسطينيين أخطر على الدولة العبرية من قنبلة آيران النووية .
ثمة ظلم كبير حاق بنا منذ 1948 وهو يكبر ويتسع ويمتد ويشتد ، فهل كان على أهل غزة أن يمطروا أبناء العمومة بالورود وأغصان الزيتون ؟
في 1994 قدمنا لهم في الضفة أغصان الزيتون ، فهل قدروا هذا وهل حل السلام وقلت المستوطنات؟
" وغزة لا تبيع البرتقال ﻷنه دمها المعلب " . (م.د ) .
فكيف إذا لم يبق فيها برتقال ولم يبق لها سوى الحصار؟
هل أبناء العمومة أغبياء ؟
٢٠١٤
٣
في غزة لي إخوة أصدقاء :
لا أعرف من من أقاربي بقي في غزة حيا . عمتي رئيسة ماتت منذ زمن ، ومات أكبر أبنائها ممن ظلوا مقيمين في غزة .
بقية أبنائها الآن في جدة .
ابنة عمي فريال ما زالت هناك ، وقد تزوجت بعد 1967 واستقرت هناك .
غير أنه لي في غزة إخوة أصدقاء ؛ بعضهم انتقل إلى رحمته تعالى وآخرون ما زالوا أحياء ، غير أن السبل بيننا انقطعت .
زكي العيلة مات بالمرض ومحمد أبو النصر ، وهو قاص أيضا ، استشهد في الانتفاضة اﻷولى ، ولا أعرف أخبار ابراهيم الزنط - غريب عسقلاني - وأخبار محمد أيوب المقيم في خان يونس .
في 70 ق 20 كنت ألتقي بهؤلاء ، وكنا نحاول إيجاد حركة أدبية .كانوا شبابا مهمومين بالكتابة ، وثمة فراغ أدبي أخذنا على عاتقنا إشغاله .
أول أمس مات محمد كمال جبر وكان واحدا منا .
ما هي أخبار من تبقى من اﻷصدقاء على قيد الحياة ؟
هل أخطأتهم صواريخ الطائرات ؟
مقالي اليوم في اﻷيام الفلسطينية عن غزة في نصوص أدبية .
ولكن ماذا عن صورة غزة في قصص غريب عسقلاني وزكي العيلة ومحمد أبو النصر ومحمد أيوب و ..الخ الخ ..
ماذا بقي في غزة من غزة ؟
الليلة مباراة ألمانيا واﻷرجنتين وسأنحاز طبعا لشعبي في غزة ضد الطائرات الإسرائيلية .
من سأشجع ؟
الطائرات أم الصواريخ ؟
٢٠١٤
٤
في نشرة أخبار الثامنة صباحا من إذاعة " أجيال " / رام الله أتى المذيع على مباراة كرة القدم بين إيطاليا وإنجلترا وأنهى الخبر بالآتي :
" وفازت إنجلترا على إيطاليا بنتيجة ٣ - ٢ " .
طبعا إيطاليا هي من فاز ، وثمة خطأ غير مقصود عفوي هو المسؤول عن الخراب الكبير في هذا العالم ، مثل أكل التفاحة وإغواء حواء آدم أو العكس ( فراودته التي هو في بيتها ) .
هل غزا العراق الكويت في العام ١٩٧٣ وكان غزوه في ١٩٩٠ هو الغزو الثاني ؟
هذا ما قرأته في الترجمة العربية من كتاب ( بنيامين نتنياهو ) " مكان تحت الشمس " في فصل " حقيقة القضية الفلسطينية " ص ١٠٩ .
كله بروح مع الغسيل .
٢٠١٤
٥
في وداع الدكتور نهاد الموسى :
أمس غادر الدكتور نهاد الموسى هذه الفانية ، وفضله على أجيال تعلمت العربية كبير ، ولا أظن أن طالبا من طلابه لا يتذكره .
تتلمذت على يد الدكتور نهاد منذ كنت طالب بكالوريوس في الجامعة الأردنية بين ١٩٧٢ و١٩٧٦ ، فدرست معه مادتي الصرف والنحو ج . رسبت في الأولى وأعدتها لأحصل في المرة الثانية على أعلى علامة في الشعبة ، وعندما عدت إلى الجامعة نفسها لأدرس الماجستير درست معه موضوعا في النحو هو باب " الصفة " وفي أثناء دراستي الثانية تعرفت إليه عن قرب . كنا ستة طلاب درسنا المادة في مكتبة قسم اللغة العربية ، وكان يكرمنا ويطلب لنا القهوة والشاي ويعاملنا على أننا زملاء لاحقون له . في الأيام الماطرة كان يسألنا عن طريق عودتنا ويبدي استعداده ليقل من كان طريقه الطريق نفسه .
مرة وأنا أتحدث معه أمام مبنى قسم اللغات سألني عما أنوي فعله بعد الحصول على الماجستير ، فأجبته بأنني سأعود إلى نابلس أواصل حياتي فيها في السلك التعليمي ، فعقب مازحا :
- لو عاد بي العمر إلى مثل عمرك لسرت في طريق آخر .
كنت يومها جادا أرى أن البقاء في الوطن هو الفضيلة الأولى ، وكانت أبواب الثراء المفتوحة في دول الخليج على مصراعيها متاحة لمن هب ودب .
تقدير الدكتور نهاد لطلابه واحترامه لهم ومعاملتهم على أنهم زملاء لاحقون له ، وهو ما تحقق لبعضهم ، حكم سلوكي في تعاملي مع طلاب الماجستير في الجامعة إلا أقلهم .
عندما أخذت أشارك في المؤتمرات العلمية في الجامعة الأردنية صرت ألتقي باستمرار بالدكتور نهاد ، في مكتبه أيام عاد رئيس قسم وفي قاعات المحاضرات وفي قاعات الطعام وفي الرحلات الترفيهية بعد انتهاء المؤتمرات أيضا ، وهنا عرفت الكثير عن شخصيته المرحة التي تميل إلى الدعابة والفكاهة .
كان الدكتور علامة في تخصصه سعى باستمرار إلى تطوير نفسه علميا ، فسافر إلى جامعات عالمية ليقضي فيها سنوات تفرغه العلمية ، وأعطى جل وقته للاهتمام بالعربية ونحوها وصرفها .
عندما كنت ألتقي بطلابه الذين زاملوني في قسم اللغة العربية كنا نذكره بالخير وعندما يزوره هؤلاء في أثناء سفرهم للقائه كنت أطلب منهم أن يبلغوه تحياتي .
رحم الله الدكتور نهاد الموسى وأدخله فسيح جناته وإلى ذويه وإلى قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية تعازي الحارة .
الأستاذ الدكتور نهاد الموسى وداعا .
٢٠٢٣
٦
الشيخ راتب النابلسي :
غالبا ما أصغي إلى الشيخ راتب النابلسي وأنا في الحافلة .
الناس تحب الإصغاء إليه ﻷنه يبدو مقنعا وهادئا ، ففي منطقه وهدوئه ما يجعل المرء يرتاح إليه .
هذا الصباح كان يتحدث من إذاعة النجاح ، ككل صباح تقريبا منذ شهر ، وأنا أصغيت إليه وأنا نصف صاح .
الشيخ راتب أتى على الدول الاشتراكية - يبدو أن حديثه قديم نسبيا - وقال إن الله أذلها بسبب إلحادها وأنها الآن في ذيل شعوب العالم .
لا أدري إن كان الشيخ راتب على قيد الحياة . إن كان على قيد الحياة فإن سؤالي له :
- وأين نحن من دول العالم ؟
هل نحن في مقدمتها؟وما السبب ؟
نحن في رمضان وفيه يقتتل المسلمون بينهم لرفع كلمة الله .
ربما سيحرر السنة والشيعة والحوثيون والوهابيون ، بلحاهم ، العالم .
ربما أنا لا أرى . ربما أنا أعمى البصيرة ولهذا لا أرى . ربما ولعن الله السكري والتقدم في السن : إنه أرذل العمر ، وربما أوصلتنا إليه أيضا أوضاع العرب والمسلمين الذين هم في رأس الشعوب لا في ذيلها !
هل من قال :
-العرب والمسلمون الآن خارج التاريخ . الآن على اﻷقل .
اللهم نسألك سلامة العقل ورحم الله الشاعر عبد اللطيف عقل .
٢٠١٥
٧
سامح خضر:يعدو بساق واحدة (3) :
هل شذت رواية سامح خضر اﻷولى عن كثير من الروايات اﻷولى لكثير من الكتاب؟
غالبا ما تكون الرواية اﻷولى لكثير من الكتاب رواية سيرية - أي تتكيء على تجارب شخصية للكتاب ، وفي هذا الجانب فإن " يعدو بساق واحد " هي من هذا النوع من الروايات. إنها رواية سيرية تروي قصة حياة سامح خضر الذي يتماثل مع قاسم بطل الرواية ، فكلاهما عاد إلى فلسطين اﻷوسلووية إثر اتفاق أوسلو .
السؤال اﻷهم هنا هو : هل تشابهت هذه الرواية في أسلوبها مع كتابات العائدين ؟
ربما وجب على الدارس أن يستعرض روايات اﻷدباء العائدين كلهم ونصوصهم النثرية أيضا؟
أصدر زكريا محمد روايتين وغسان زقطان رواية ومثله زياد عبد الفتاح ،وكتبت مايا أبو الحيات ثلاث روايات اطلعت على اثنتين منها ، وأغلب هذه الروايات تقليدية الشكل . ربما شذت عنها رواية السيدة من تل أبيب لربعي المدهون فقد حاول أن يكتب رواية غير تقليدية الشكل .
ربما ما لفت اﻷنظار أكثر في أدبيات العائدين هو أسلوبها ، وأقصد بهذه اﻷدبيات أعمالا نثرية انتشرت أكثر من غيرها ولاقت صدى واستقبلت نقديا ومنها نصا مريد البرغوثي ونص فاروق وادي وكتاب محمود شقير " ظل آخر للمكان " . طبعا هؤلاء كتاب لهم باع طويل في الكتابة ، خلافا لسامح خضر فقد كانت " يعدو بساق واحدة " هي روايته اﻷولى .
ويمكن القول إن أسلوب كتابات البرغوثي ووادي وشقير - نسيت الإشارة إلى كتاب محمود درويش " في حضرة الغياب " - كان أسلوبا متميزا ، فقد نوعوا في السرد ووظفوا ضمائر عديدة في الكتابة وتنقلوا ما بينها .. ولما توزع أكثر هؤلاء على زمنين ؛ الماضي قبل67 والحاضر - بعد 93 فقد جرد أكثرهم من نفسه شخصا آخر وأخذ يخاطبه وهكذا نلحظ توظيف الضمير الثاني في الكتابة ، وهو ما كان محمود درويش وظفه في " يوميات الحزن العادي " 1973 و وليد أبو بكر في " الخيوط " 1980 - كما أخبرني - وكنت وظفته في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " 1993.
سامح خضر يكتب رواية تقليدية الشكل ، ويبدو أن هدفه اﻷساس هو التعبير عن التجربة ، وكأن الشكل الفني لم يؤرقه كثيرا.يسرد السارد الرواية مستخدما الضمير الثالث ويسرد أحداث روايته سردا تقليديا ، وهنا يمكن القول إن الرواية في بنائها وأسلوب سردها لم تضف جديدا إلى الرواية الفلسطينية.وعلينا ألا نقسو كثيرا على مؤلفها فهي روايته اﻷولى على أية حال .
٢٠١٥
٨
ياسر عبد ربه وأوسلو :
اليوم قرأت في اﻷيام الفلسطينية أن السيد ياسر عبد ربه يرى في اتفاقات أوسلو كارثة لحقت بالشعب الفلسطيني .
وضعت على الخبر دائرة وكتبت :
- بدري .
في 1993 كتبت هواجس عن اﻷدب الفلسطيني واتفاقية السلام ونشرتها على نفقتي الخاصة ثم أعدت نشرها في مجلة كنعان .
في صيف 1997 ساءلت نصوص اﻷدباء الآتية أسماؤهم:
- درويش والقاسم ودحبور ومريد البرغوثي وعلي الخليلي وآميل حبيبي وسحر خليفة ويحيى يخلف ،
وأنجزت كتابا طبعه الشاعر أحمد دحبور في وزارة الثقافة وسئل من مسؤول :
- كيف طبعت هذا الكتاب ؟
المهم أن نصوص اﻷدباء كانت تقول شيئا مختلفا عما كان الياسران ؛ عرفات وعبد ربه ، يقولانه .
كانت نصوص اﻷدباء تعبر عن خيبة عميقة ، وكانت نصوصا تحفل بالحزن ، ولكن من كان يصغي إلى صوت اﻷدب واﻷدباء ، حتى صوت المعتدلين والقادمين وفق اتفاقات أوسلو.
؟
بدري يا أستاذ ياسر . بدري والله .
عنوان كتابي :
أدب المقاومة من ...
٢٠١٥
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 45 :
( القدس عروس عروبتنا : أهلا أهلا ) :
في سبعينيات القرن العشرين استمعت إلى أشعار مظفر النواب لأول مرة .
كان الشهر شهر رمضان ، وكنت أقيم في وادي الحدادة ، في غرفة من غرفتين ، أنا والصديق الزميل فارس ، وهو طالب لغة عربية ، جاء من قرية النبي إلياس ، قرب قلقيلية ، وكان شابا مرحا يحب الدعابة ، ويميل ، أحيانا ، إلى ( الهيلمة ) .
كان ذلك الرمضان بداية تحول في حياتي ، فأنا الذي كان يصوم الشهر كاملا ، منذ الطفولة ، ما عدت أصوم ( لعله حزيران السبب ، فلو كنت في نابلس لصمت مع العائلة . لعله ! فحزيران شتتنا من جديد ) . وفي رمضان ذاك أصغيت إلى قريب فارس يقرأ مظفر النواب عن ظهر قلب .
كنت عائدا إلى غرفتي ، وهي غرفة من بيوت جحا لها بابان يفضيان إلى ساحة واسعة أفضل ما فيها ، وأردت أن أعد طعام الإفطار ، وهو ال ( بولبيف ) والبندورة والبيض ، وإذا بضيف كريم . تعرفت إليه وتعاورنا الحديث حول الدراسة والتخصص وأشياء من هذا القبيل .
عرفت أن الضيف أنهى دراسته ، في كلية العلوم في الجامعة الأردنية ، وأنه يدرس في إحدى محافظات الجنوب .
وأخذ الضيف يقرأ على مسامعي مقاطع طويلة من " وتريات ليلية " ، ولا أدري من أين حصل على القصيدة . لم تكن أشعار مظفر النواب ، في ذلك الوقت ، مطبوعة ، فقد كانت تتناقل عبر أشرطة ال ( كاسيت ) ، ولم يكن يتناقلها إلا قلة قليلة من السياسيين أو من بقايا الفدائيين والناقمين على النظام الأردني والأنظمة العربية ، وكان هؤلاء حذرين في قراءتها وفي تبادل أشرطة قصائد الشاعر ، وأغلب الظن أن الضيف كان تحريريا ، ولا أدري كيف وثق بي خلال مدة قصيرة ، فلم نكد نتعارف ، اللهم إلا إذا كان فارس قال له إنني لاجيء فلسطيني لا يحب النظام العربي ويرى فيه مسؤولا أيضا عن نكبة الشعب الفلسطيني .
منذ ذلك اللقاء سحرت بمظفر النواب وأخذت أتابع قصائده ، ولما زرت سورية سألت عن أشعاره ولم أجد له سوى ديوان " للريل وحمد" ، وهو ديوان باللهجة العراقية ، لم أفهم الكثير من أشعاره ، فلم أقتنه ، بعد أن تصفحته .
وفي العام 1975 تعرفت إلى شاب من الجبهة الشعبية ، ممن شاركوا في معارك أيلول ، من خلال إحدى الفتيات اللاتي كنت اعرفهن . وأخذ هذا الشاب يقرأ قصائد مظفر النواب عن ظهر قلب . كان الشاب يريد أن يخطب الفتاة ، واعترض أهلها ، لأنه من الجبهة الشعبية ، ولما كان مناضلا وأهل الفتاة برجوازيين ، ولما كان في أيلول يقاتل وكان والد الفتاة يبحث عن رزقه غير مهتم بالسياسة والحرب الأهلية و ...و ... ، فإن الشاب قال لي عبارة ما تزال ترن في أذني : عندما كنا نقاتل دفاعا عن الثورة كان والد الفتاة يبحث عن العقار ليصبح على ما أصبح عليه .
مرة ، في العام 1976 ، وأنا أهييء نفسي للعودة إلى الضفة الغربية ، قرأت في الرأي أو الدستور الأردنيتين ، مقالا عن مظفر النواب . كم فرحت يومها . كما لو أن هدية سقطت من السماء . وعندما عدت إلى نابلس أخذت أصغي إلى إذاعة ليبيا لأستمع إلى قصائد الشاعر بصوته ، ولما نشر الشاعر عبد اللطيف عقل مقالة طويلة في مجلة البيادر عنوانها " مظفر النواب ، هذا المتسلل البذيء تسلل إلى القدس " قرأتها بشغف .
ستطبع منشورات صلاح الدين في القدس ديوان " وتريات ليلية " للشاعر ، وسأقرؤه عشرات المرات ، ومثله ديوان " اربع قصائد " ، وحين ينشر المرحوم حسين البرغوثي ، في جريدة الطليعة الشيوعية ، حلقات ، جمعها لاحقا في كتاب " سقوط الجدار السابع " ، ستتفتح عيناي على الشاعر الذي أنجزت عنه في العامين 1978/ 1979 مقالين نشرتهما في جريدة الفجر .
كان المقالان ضربا من النقد التعاطفي الذي لم يكن يصدر عن وعي نقدي ، أو عن ناقد ملم بمصطلحات النقد . ناقد تأثري ، إن جاز التعبير ، أدواته النقدية فقيرة . ولكني سأعود إلى قصائد مظفر ، بعد عشرين عاما ، لأكتب عنها كتابة جديدة مختلفة كليا عن الكتابة السابقة ، مستفيدا من مقولات نظرية التلقي الألمانية ، عن استقبال النصوص الأدبية ، وعن قراءة الناقد لنص واحد في زمنين مختلفين ، وكيف تؤدي إلى قراءتين مختلفتين ، بل وسأكتب عن تلقي أدباء الأرض المحتلة أشعار مظفر النواب ، وعن تأثير أشعاره في شعر الأرض المحتلة .
كان مظفر النواب واحدا من أهم الأصوات الشعرية التي استجبت لها ، وأخذت ادرسه في الجامعة ، وأنجزت عنه دراسات عديدة ، لا لشاعريته التي هي موضع خلاف بين النقاد ، وإنما لجراته في نقد الأنظمة العربية من ناحية ، ولأنه شاعر لا يبيع نفسه ، حافظ على مواقفه واحترم كلمته . والجانب الأخير هو الذي ترك أثرأ كبيرا في ، وجعلني حذرا دائما ، و مختارا العزلة و البعد عن الجهات الرسمية ، حتى لا أقع فريسة الإغراء ، فتناقض كتاباتي مواقفي ، وحتى لا يقال إنني ناقد مع التيار يبيع نفسه للجهة التي تدفع .
لقد علمني مظفر النواب الحذر ، لا الشتائم .
القدس عروس عروبتنا : أهلا .. أهلا .
13/7/2016
١٠
( حزيران الذي لا ينتهي ) 46 :
( وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون :لا تهلك أسى وتجمل ) :
قبل العام 1972 كنت أعرف عمان حيا حيا ، وجبلا جبلا ، لا لأنني ديك فصيح من البيضة يصيح ، ولا لأن أبي كان فرحا بي وأنا طفل ، فكان يتجول بي في العام الذي أقمنا فيه في مخيم الحسين - يوم عمل هناك - ليعرفني على المدينة ، وإنما عرفتها من نشرات الأخبار في أثناء الحرب الأهلية بين الفدائيين والجيش الأردني .
في العام 1970 كنا نتابع أخبار الحرب ساعة ساعة ونشرة نشرة ، من خلال صوت العاصفة التي كنا منحازين لها كليا ، وكانت هي تبث تفاصيل ما يجري ، وهكذا سمعنا بجبال عمان ومخيماتها ؛جبل عمان وجبل الحسين وجبل التاج وجبل الأشرفية وجبل الجوفة ، ومخيم الوحدات ومخيم الحسين ومخيم البقعة ومخيم شنلر أيضا ، بل وعرفنا أحياء جبل الحسين حيا حيا ودوارا دوارا ؛ دوار الداخلية ، وإن لم تخني الذاكرة دوار مكسيم / فراس .
كنا نعرف عدد الدبابات التي دمرت وعدد الشهداء والجرحى ، ومقدار التقدم والتراجع و ...و ....
قبل أن أسكن في مخيم الحسين ، زرت جبل الحسين ، فقد اصطحبني خالي إلى بيت خالة أمي ، ليسلم عليها ، وليعرفني إليها . وهي امرأة فاضلة أمها تركية تقيم في نابلس ، وهي بيضاء بيضاء وطويلة القامة وذات وجه بشوش مرح وترحب بالزائرين وتحب أقاربها ، وكان زوجها يافاويا حنطي البشرة جادا في عمله ، مكبا عليه . ولم أعرف يومها أن البيت الذي تقيم فيه هو بيت الحكيم جورج حبش الذي غادر الأردن إلى لبنان بعد أحداث جرش في العام 1971. وكان البيت يقع مباشرة على دوار جرت بالقرب منه المعارك .
في أثناء الانتقال من مخيم الحسين إلى الجامعة الأردنية ، كان هناك امكانياتان ؛ الأولى أن استقل سيارة من المخيم إلى وسط البلد ، حيث ( باص )ات الجامعة ، والثانية أن أسير مشيا على الأقدام من نهاية المخيم إلى دوار الداخلية ، والثانية أوفر مالا ، ولكن أجواء المطر والبرد ، والأرض الموحلة لم تكن لتساعدنا في أيام البرد والشتاء ، وإن ساعدتنا في أيام الربيع والصيف .
في أيام الربيع المشمسة كنت ومحمود عطالله وشابا يدرس التاريخ من عائلة ابو زر ، وهو لداوي ، وشبابا من مخيم بلاطة سكنوا في حي النزهة الملاصق للمخيم ، كنا نقطع الأرض الخلاء الفاصلة بين مخيم الحسين وجبل الحسين ، وكنا نشاهد بقايا الاستحكامات التي اقامها الفدائيون في تلك المنطقة ، وقد ظلت هذه الاستحكامات لفترة طويلة ، ولم تزل إلا بعد أن بدأت المباني تزحف إليها ، وحين زرت عمان في العام 2000 والعام 2001 ، لأشارك في مؤتمرات علمية ، زرت تلك المنطقة ، ولم تبق فيها أطلال أقف عليها .
في العام 2001 نزلت في فندق ( طوليدو )في العبدلي ، بالقرب من جبل الحسين ، واستبد بي الشوق لزيارة مرابع الشباب ، وأخذت أتجول في تلك المناطق ، وبدا لي أنني لم أعرف منها شيئا .
كل صباح كنا نقطع فيه الطريق من المخيم إلى دوار الداخلية كنا نشاهد الاستحكامات ، فاذرف الدمع على أطلال المقاومة ، وربما لهذا ، وأنا في دمشق ، اشتريت ديوان فتى الثورة ، ودونت بعض مقاطع منه على كتاب . لقد كانت المقاومة الفلسطينية املنا وخلاصنا ، ولم نتوقع يوما أنها ستخيب أملنا ، وأنها ستغدو مثل الأنظمة التي حاربتها .
ستعيدني الاستحكامات ، لاحقا ، إلى أشعار الشاعر المرحوم توفيق زياد ، وإلى ديوانه " عمان في أيلول " ، وكان زياد انحاز لشعبه وللمقاومة ووقف ضد الملك حسين . وفي نهاية 90 ق 20 فكرت أن أكتب دراسة مطولة عن صورة المرحوم الملك حسين في الأدب الفلسطيني ، ثم توقفت ، لأنه كان علي أن أحصل على الأشعار التي كتبت في المنفى ، ولم تكن بحوزتي ، ومنها ديوان سعيد المزين " فتى الثورة " الذي تركته في دمشق ، وكنت انقطعت عن زيارة الأردن مدة 18عاما ، و قررت ألا أزورها .
لم أنجز الدراسة لأسباب عديدة ، ولما اتصلت بي ابنتاي ، بعد سنوات من الانقطاع وجدتني أشارك في مؤتمر في جامعة اليرموك ، واسافر إلى عمان ، وهناك عرفت من الدكتور تركي المغيض -وهو أستاذ كان يدرس في جامعة اليرموك وكان زارني في ( بامبرغ ) في المانيا - أنه كتب عن صورة الملك حسين في الشعر . ولما سألته عن الدواوين التي درسها وهل درس الأشعار كلها ، التي مدحت الملك والتي أبرزت له صورة سلبية ، عرفت ان دراسته تركز على الأشعار التي ابرزت الصورة الإيجابية للملك ، وأنه اغفل الأشعار التي تظهر الصورة المناقضة ، فأيقنت أن لا قيمة لدراسته ، لا لموقف من الملك ، وإنما لسبب أكاديمي صرف ، فقد غدوت ، مع مرور الأيام ، من فصيلة الكائنات ذات الدم البارد . غدوت دارسا أكاديميا صرفا ، وهذا ،بالطبع ، لن يروق للفلسطينيين ولن يروق للملك أيضا .
في 70 ق 20 سأقرأ أشعار توفيق زياد في أيلول " عمان في أيلول " ، ولاحقا سأقرأ أشعار أحمد دحبور ايضا ، وكلما اقترحت الموضوع على طالب ، ليكتب فيه رسالة ماجستير تردد وعزف ، فالموضوع شائك ، وقد يسبب لمن يريد الخوض فيه مشاكل هو في غنى عنها .
" يا حادي العيس سلم لي على عمان
وقبل الجرح ، واحضن أهلها الشجعان
وقبل المدفع الرشاش ، في يدها
وخندق المجد ، والساحات ، والجدران
واهتف بها : رأسك المرفوع معجزة
عاش الحليب الذي أرضعت يا عمان
فواصلي الدرب ، يا مصلوبة أنفت
أن تنحني ، لحظة ، للسيف والسلطان
وواصلي الدرب ... يا عماننا ، فغدا
ندق بيرقنا الدامي على "بسمان" " .
وما كان أحد يتوقع أننا سنذهب إلى بسمان زاحفين ، مشيدين بالحكم الرشيد ، وأن ما جرى كان غلطة طباعية .
يا لحزيران إلى أين قادنا
هل هو الشاعر أحمد دحبور الذي كتب :
ألا لا ( برأتهم ) من دمي عمان !
يا لحزيران إلام قادنا !
13/7/2016
١١
هوزعات كتابنا وأكاديميينا و" بوس اللحى " :
حذف وليد أبو بكر ما كتبه عن ترجمة أبو هشهش ويبدو أن الأمر حل ببوس اللحى .
أطرف ما في الأمر أن أحد أصدقاء المترجم كتب إلي :
- وليد أبو بكر يؤيد طاغية الشام فكيف تؤيده ؟
طبعا أنا كنت أجيب ببرود أعصاب ، وكتبت له:
- لا تخلط الأحد بالخميس . الأمر علمي بحت .
ما أورده وليد من أمثلة يدل على ركاكة العبارة . وما كتبه فتحي البس دفاعا عن الترجمة يدينها أصلا ويؤكد ما كتبه وليد .
ببساطة أكاديميونا وكتابنا يحلون الأمور بهوزعات وبوس لحى . ولهذا حذف وليد ما كتب . وكثيرون أدلوا بدلوهم من باب " اللي معانا الله معاه " وفلان من جماعتنا .
هكذا أيضا تتم الأمور في مناقشات رسائل الماجستير وفي الإشراف وفي المشاركات في الوفود المشاركة في النشاطات وفي الدعوات وما شابه .
13/7/2017
١٢
المتنبي وخير جليس :
أتخيل المتنبي يعيش في زماننا ويرى مباريات كرة القدم وبيده (آيفون ) أو جهاز ( جلاكسي) ، أتخيله معنا في أحد المقاهي يشاهد مباراة كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا .
من المؤكد أنه سيقول:
"أعز مكان في الدنا سرج سابح/
وخير جليس في الزمان كتاب"
ومن المؤكد أنه لن يجد من يصغي إليه.
مقالي الأحد في الأيام عن مآل الكتاب في زمننا.
13/7/2018
١٣
رئيسة كرواتيا على خطى عادل الأسطة :
غالبا ما يسخر الفلسطينيون من الكاتب عادل الأسطة ويتساءلون :
- لمن يخلف ملياراته في البنوك الفلسطينية والألمانية ؟
وربما شبههوه بأهل اللد :
"يعيش فقيرا ويموت غنيا " .
لا يملك عادل الأسطة سيارة ولا يملك سوى شقتين متواضعتين ، فلماذا لا يبني قصرا في نابلس الجديدة مثلا ؟ ولماذا لا يسافر كل إجازة إلى بلد أوروبي ؟
الشريط الذي أرسله إلي هذا اليوم غير شخص هو عن رئيسة كرواتيا .
المرأة هذه قررت بيع طائرتها الخاصة كرئيسة والسفر بالطائرة وقررت أن تحضر مباراة منتخب بلادها الوطني كمواطن عادي وذهبت إلى اللاعبين واحتفلت معهم في غرف تغيير الملابس و ...و ...و .. وهي قررت ألا تستدين من البنك الدولي إلا بما يعود بالفائدة على بلادها - أي لمشاريع ربحية و .. و ..
تعالوا شوفوا مواكب مسؤولينا الرسمية .
المهم آخر إحصائية عن مديونية أفراد شعبنا للبنوك 300 مليون دولار للسيارات فقط .
غالبا ما اسأل :
لماذا لا تملك سيارة تتنقل فيها ؟
في الأيام الأخيرة قلت :
- لو يتصرف أبناء شعبي مثل تصرفي لكان لهم رصيد في البنوك ولما كانوا مديونين ب 300 مليون دولار .
عادل الأسطة غاوي فقر .
شو أعمل .
تحية لرئيسة كرواتيا وإن شاء الله يفوز فريق بلادها بالكأس .
13 / 7 / 2018
١٤
سرديات رام الله :
" الرتنو " ل Ziad Abedelfattah
كثرت في العقود الثلاثة الأخيرة الكتابة عن رام الله كتابة مفرطة لم نعهدها قبل العام ١٩٩٦ في الأدبيات الفلسطينية بعامة والسرديات الفلسطينية بخاصة .
بدأت الكتابة عن المدينة منذ غدت عاصمة للسلطة الفلسطينية الناشئة إثر اتفاقيات أوسلو في العام ١٩٩٣ ، فقد حضرت المدينة ، في كتابات العائدين ، حضورا لافتا ، ثم أخذت تحضر في كتابات المقيمين .
رصد العائدون ممن كانت لهم صلة بالمدينة صورتها في الذاكرة أيام الحكم الأردني ( مريد البرغوثي وفاروق وادي ومحمود شقير ) وصور المقيمون ما كانت عليه وما صارت إليه ( أكرم هنية وعباد يحيى وأحمد رفيق عوض وآخرون ) .
آخر الروايات التي تصور رام الله في عهد السلطة الفلسطينية ، وتحديدا في عهد الرئيس أبو مازن ، هي رواية زياد عبد الفتاح " الرتنو " ٢٠١٨ .
و " الرتنو " فندق من فنادق المدينة غالبا ما يقيم فيه الكاتب حين يزور رام الله ، وزياراته لها سنوية تقريبا .
يلفت اسم الفندق انتباه الكاتب الضمني " أبو شهد سعد الديراوي " ويبدأ رحلة البحث عن الحضور المصري قبل خمسة آلاف سنة في فلسطين ، ويرصد في الوقت نفسه زوار الفندق وحيواتهم وأجواء الحياة في المدينة نفسها و ... و ... .
" لم أتوقف لأسأل لمن أهدي هذه الرواية .
خطر لي على الفور أن من يستحق هو مملكة الرتنو بموقعها العبقري والفريد فوق أرض فلسطين ، تلاحقت فيها أنفاس الكنعانيين وأحفادهم الفلسطينيين منذ أربعة آلاف عام .
ثم إلى فندق الرتنو الذي أعاد للاسم نكهته وللذاكرة هويتها
ثم .... "
لعل لي عودة إلى الرواية لكتابة مقال عنها في دفاتر الأيام في ٢١تموز ٢٠١٩ وكان يفترض أن أنجزه هذا الأسبوع .
١٣تموز ٢٠١٩ .
١٥
في الذكرى ال47 لاستشهاد غسان كنفاني :
كرمتني الحبهة الشعبية في الذكرى السابعة والأربعين لاستشهاد الأديب غسان كنفاني .
شكرت اللجنة المشرفة لإحياء الذكرى وقلت لأعضائها إن أفضل تكريم لي في ذكرى غسان هو أن أتحدث عنه . ذلك يدفعني إلى إعادة قراءة بعض أعماله وهذا إنجاز ما بعده إنجاز .
هذا العام أعدت قراءة قصة " موت سرير رقم 12 " لأتحدث عن غسان والهم القومي .
كم أذهلتني لغته المعبرة وعمق أسئلته .
تصوروا الآتي :
كان عمر غسان حين كتبها أربعة وعشرين عاما ، فمن منا في الرابعة والعشرين كتب قصة تثير أسئلة عميقة ؟
خطر ببالي السؤال الآتي :
لو بقي غسان على قيد الحياة فهل كان سيقبل جوائز أدبية من دول نفطية ؟
شخصيا فإن أفضل تكريم لي في ذكرى غسان هو أن أقرأه وأتحدث عنه وعن أدبه .
١٦
الست كورونا : النكتة الشعبية والواقع المغاير ( ٢٠ ) :
أحد الأصدقاء كتب إلي على ( الواتس آب ) نكتة على لسان الفايروس يبدي فيها رأيه في الشعب الفلسطيني .
نص النكتة التقريبي هو أن وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت أن الفايروس غادر فلسطين بعد أن خاطب شعبها قائلا له :
- أنتم شعب الله ما بضبكم من الشوارع : بااااااي .
والمفارقة تكمن في أن حالات الإصابة بالكورونا في فلسطين هي بازدياد ، ما أدى أمس إلى إعلان الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية ابراهيم ملحم إلى تمديد الإغلاق إلى أربعة أيام أخر ، علما بأن وسائل التواصل الاجتماعي نقلت أخبارا عن بعض المحافظين يعلنون أن محافظتهم استثناء ولن يشملها التمديد ، خلافا لما أعلنه الناطق الرسمي ، وفي فترة لاحقة نقلت الوسائل أن رئيس الحكومة الدكتور محمد اشتية عزز رأي الناطق الرسمي باسم حكومته - يعني تمديد الإغلاق .
النكتة التي تنوقلت على لسان الفايروس شببهة بالنكتة التي كان الرئيس ياسر عرفات يرددها عن أبناء شعبه ، فإن كان في بعض الدول رأس يحكم يساعده بعض الجنرالات فإن شعبه كله رؤوس وجنرالات ، وأنا لا أجيد نقل النكتة حرفيا وبلهجة عرفات المصرية التي اكتسبها من المصريين يوم درس الهندسة هناك .
ليس ثمة إغلاق شامل عموما ولكن هناك تحديد من حرية التنقل ، فلا هي بممنوعة ولا هي بمسموح بها كاملا .
شخصيا لم أغادر أمس شقتي في المساكن الشعبية الشرقية ، وانشغلت ببعض تنظيفات ، وفي أثناء الترميم اكتشفت ان عمال البناء وتوابعها والطراشة والتمديدات الكهربائية وتمديد مواسير المياه و .. وبعض المهن يواصلون عملهم وإن تضرروا فبسبب الشيكات المرتجعة .
الحياة في أطراف المدينة عادية وفي السوق بعض بيع وشراء وأكثر من تضرر هم سواقو الحافلات العامة وأصحابها وأصحاب الصالات والمقاهي وعمالها وعمال المياومة ، وأما نحن المتقاعدون فمتقاعدون حرمنا من الجلوس في المقاهي ومن السفر ولو إلى رام الله وعمان لشراء بعض الكتب .
شخصيا لم أتمكن من مواصلة إتمام كتابي " صورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين " للأسباب السابقة ، علما بأنه صدر لي في عمان عن منشورات خطوط كتاب " الست كورونا " ويضم مائة خربشة امتدت من بداية آذار إلى نهاية أيار .
في أيام الكورونا لا شهية للطعام عموما ويبدو أنها - أي الكورونا - تسد النفس ، وهكذا يتذكر المرء أيام السينما وبعض الباعة ينادون " خبز بيض جبنة فلافل " و " قهوة شاي عسيس بارد عسيس مثلج " وفطورنا غالبا حمص وفول وجبنة وبيض و ..
كما لو أننا في الحجر الصحي صرنا " سيزيفيين " نمارس رفع الصخرة إلى الأعلى ليدحرجها الفايروس ونرفعها من جديد : إغلاق ، تمديد إغلاق ، إغلاق جزئي ، إغلاق لأيام ، في رواتب ، ما في رواتب و ...
١٣ تموز ٢٠٢٠
١٧
يحيى السنوار ٨
الأم التي ولدت ... الأم التي ربت : عصامية إبراهيم / يحيى وقسوته
يستشهد والد إبراهيم في حرب ١٩٦٧ ويختفي عمه ، وبعد حوالي ٢٠ عاما نعرف أنه استشهد في مجازر أيلول في الأردن ، مخلفا ولدين هما ماجد وخالد ، يعودان إلى غزة بعد توقيع اتفاق أوسلو .
ويتربى إبراهيم وأخوه حسن في كنف جده لأبيه وترعاهما زوجة عمه كما ترعى أبناءها الكثر ، فقد تزوجت أمه حين أصر أهلها على زواجها .
لا تقول الرواية لنا أي شيء عن والدة إبراهيم بعد زواجها ، فلا نقرأ أي خبر عن لقائها بابنيها إبراهيم وحسن . لا هي زارتهما ولا هما زاراها ، ولا نعرف إن كانت أنجبت من زوجها الثاني أبناء صاروا أشقاء لإبراهيم وأخيه .
هكذا نشأ إبراهيم يتيما ، فقد استشهد أبوه وتزوجت أمه وانفصل عنه أخوه حسن ليعود جاسوسا يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية ، وهكذا كان على إبراهيم أن يعاني من فقدان الوالدين وعار الأخ . وكان عليه أن يواجه ، مثل أبناء عمه الذين فقدوا الأب ، قسوة الحياة ، وكانت معاناته مضاعفة مرتين ، فهم فقدوا الأب وعاشوا على أمل أن يعود ، ولكنهم لم يخسروا الأم ولم يلحق بهم عار واحد منهم . تعلم محمود ومحمد وحسن والسارد أحمد وتزوجت الأخت من ابن عمها إبراهيم وانجبت . هذا كله ترك أثرا في تكوين إبراهيم وشخصيته ، عدا النشأة في المخيم والعيش على ما تجود به وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين من طعام وملابس ( بقج ) .
كانت زوجة عم إبراهيم بمثابة أمه ، فالأم البيولوجية تخلت عنه مضغوطا عليها من أهلها لتتزوج ، وزوجة العم حلت محلها . وهنا نتذكر مسرحية ( برتولد بريخت ) " دائرة الطباشير القوقازية " ورواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " وأعمالا أدبية أخرى .
لا أعرف الكثير عن حياة يحيى السنوار الشخصية ، ولا أعرف شيئا عن أسرته ، لأرى مقدار التطابق والاختلاف بينه وبين شخصية إبراهيم ، ولكني فيما قرأته من مقالات عن دوره في تأسيس جهاز ملاحقة العملاء " مجد " أكاد أجزم بأنه عانى مما قاموا به وارتكبوه بحق قيادات من حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى مثل فتح والجبهة الشعبية ، وهو ما يأتي عليه السارد في نهاية الرواية ، إذ يأتي على ذكر جمال منصور وجمال سليم وأبو علي مصطفى وآخرين غيرهم .
مما ورد في مقالات وتقارير عن يحيى السنوار أنه تخلص شخصيا من بعض الجواسيس وأنه لم يكن يرحمهم ، بل إن ثمة كتابات عن دوره في التخلص من شخصيات حمساوية عملت معه شك فيها وارتاب من بعض تصرفاتها ، مثل القائد محمود اشتيوي . إن ما ورد في الرواية عن فايز صديق إبراهيم ليس بعيدا عما قرأته عن قصة محمود اشتيوي ، والأمر يبقى بحاجة إلى التأكد عموما .
راقب إبراهيم صديقه فايز ولاحظ لقاءه بضابط المخابرات أبو وديع ، وفي إحدى مظاهرات الانتفاضة قتل فايز . لم يصرح السارد بأن إبراهيم قتله ،ولكن القاريء يلمح ذلك ، ومن قتل أخاه لأنه عميل فلن يتردد في قتل صديق صار جاسوسا ، بل وفي تصفية إخوة ارتاب في بعض سلوكهم ، ولن يتردد في مقاومة الأعداء مقاومة شرسة ، فهؤلاء هم العلة والسبب في فقدان الوطن وحياة اللجوء وتشرد الأخ وعمالته وتساقط الصديق وخيانته .
الطريف أن يحيى السنوار هو ابن مخيم وأن محمد دحلان هو ابن مخيم وفايز هو ابن مخيم وحسن شقيق إبراهيم هو ابن مخيم ، وفي أبناء المخيمات كتب غسان كنفاني روايته " أم سعد " فكتب عن ابن المخيم الفدائي الذي قال فيه الشاعر أحمد دحبور :
" اسمع - أبيت اللعن - راوية المخيم
افتح له عينيك وافهم :
هذي الصفائح والخرائب والبيوت
فيها كبرت ، بها كبرت
وفوضتني عن جهنم " .
وكم أنجب المخيم من أبطال فدائيين وعلماء وأطباء وجواسيس وحشاشين ، وتلك هي الحقيقة .
ماذا تخبيء الحياة ليحيى السنوار ؟
وماذا يخبيء هو لنا من مفاجآت ؟
هل ينطبق عليه ما قاله إبراهيم طوقان في قصيدته :
هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدأي يا عواصف
خجلا من جراءته
صامت لو تكلما
لفظ النار والدما
قل لمن عاب صمته
خلق الحزم ابكما
وبلادا أحبها
ركنها قد تهدما ... إلخ
١٣ تموز ٢٠٢١
١٨
فتاة نابلس ٢٢ :
عالم البنوك وغسيل الأموال والمال القذر والإنجليز :
لم أقرأ بالعربية روايات عن عالم البنوك ، علما بأن للروائي الفلسطيني المرحوم جمال ناجي رواية عنوانها " مخلفات الزوابع الأخيرة " قرأت أنه كتبها عن البنوك بعد تجربته فيها ، ولم أقرأ روايات عن غسيل الأموال والتلاعب بأموال الزبائن / العملاء إلا القليل مما ورد في بعض روايات ليلى الأطرش .
ربما كانت مقالات الكاتب Khoury Elias عن البنوك في لبنان ، في الفترة الأخيرة ، ونقل أصحابها أموالها إلى الخارج أوضح ما قرأت في هذا الجانب .
وعندما رفعت نسبة الفوائد على الدولار في أميركا ولم ترفع في بنوك الضفة الغربية ظننت أن موظفيها يتلاعبون بأموالنا ويرفعون نسبة الفائدة عليها لصالحهم . الصحيح أنني أكون أحيانا سيء النية والطوية وشكاكا . حقا لماذا لم يرفع البنك العربي الفائدة على أموالنا المودعة بالدولار ؟ وقد نصحني صديق مؤخرا بأن أنقل أموالي إلى بنك آخر ، وهو ما كان نصحني به أبو عمار ، وأبو عمار هذا ليس بالتأكيد ياسر عرفات .
صفحات كثيرة جدا من رواية ( DEAN DILLEY ) " Nablus Girl " تكتب عن البنوك وما يجري فيها وكيف تدار ، ولم أستغرب هذا ، فكاتبها الأمريكي عمل في الخليج مستشارا وقد يكون قسم كبير مما كتبه عن البنوك يتكيء على تجربته محاميا ، ثم إنه يكتب عن طالب فلسطيني يبحث عن فرصة عمل في بنك أميركي وفي وول ستريت ، ويكتب عن جنرالات إيرانيين وجاسوسية وغسيل أموال ومال قذر .
الفلسطيني أمير الذي كذب على أمه وأخته والفتاة التي يحبها اكتشف أن كذبته لا تذكر أمام عالم النصب والاحتيال والتلاعب بالأموال في البنوك .
في دبي حيث أصبح موظفا في البنك يتعرف على رشيد اللبناني ولبنانيين آخرين وينادى بينهم ب " بنكنا " ، وعندما يقدم لهم مساعدات ويكون طيبا يطمعون فيه أكثر ، ويقترحون عليه أن يساعدهم في عملية نقل أموال وتلاعب فيها مقابل أن يحصل على نسبة ٢ بالمائة من الأرباح .
يفكر أمير في الموضوع ويحسب حساباته ويخاف فيقرر مفاتحة كاترينا - المسؤولة عنه في البنك - بالموضوع ليمنع العملية ، ولكنها تفاجئه . تقترح عليه أن يمشي فيها ويلعب مع لاعبيها Let it play " t " وترتب له لقاء مع Fiona التي دربته وأتينا على ذكرها ، إذ تظهر من جديد ، وتطلب منه هذه أن يوافق على عرض رشيد وأصدقائه اللبنانيين .
هل سيلعب الشاب النابلسي اللعبة ؟
كنت خربشت أمس عن تصور الكاتب الأميركي لتصور الفلسطينيين الإنجليز ، و Fiona إنجليزية ، ويعرف أمير منها ما لا يخطر على بال ، وهو ما يستحق كتابة منفصلة .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٣ .
١٩
غزة ( ٢٨١ ) :
عار العالم في غزة
في أثناء الحرب على الجزائر وقف الفيلسوف الوجودي الكاتب الفرنسي ( جان بول سارتر ) مع الشعب الجزائري ضد استعمار بلاده له وفرنسته واعتبار الجزائر جزءا من فرنسا ، وكتب كتابه " عارنا في الجزائر " .
الكاتب العربي عبد الرحمن منيف في طبعة متأخرة لروايته " شرق المتوسط " كتب مقدمة لها عد السجن السياسي في العالم العربي أكبر عار عربي معاصر .
لم تخل روايات الكاتب الجزائري المعاصر الحبيب السايح من التوقف أمام عاري الاستعمار الفرنسي والسجن ، وإن لم تخني الذاكرة فقد وصف سجنا في عهدي الاستعمار والاستقلال ، كما في روايته " نزلاء الحراش " . لقد كتب عن السجن في عهد الاستقلال ما يعيب البلاد .
هل سيخرج من بين الكتاب الإسرائيليين كاتب يكتب على غرار ما كتبه ( سارتر ) . هل سنقرأ بأقلام إسرائيلية عن عار إسرائيل في غزة منذ ٧ أكتوبر وعارها في معاملة الأسرى ؟
وأيضا هل سنقرأ لكاتب عربي عن عار النظام العربي إزاء ما جرى ويجري لأهل قطاع غزة .
ولا أدري إن كان أيضا من بين كتابنا ، ممن صمتوا ، من سيكتب عن عارنا في صمتنا .
كان الشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح كتب قصيدة عن الصمت حيث عده عارا :
" الصمت عار
ونحن عشاق النهار
نبكي "
وبعد مجزرة ":تل الزعتر " في العام ١٩٧٦ تساءل الشاعر العراقي مظفر النواب :
" ما هذا الصمت يسمى في اللغة العربية ؟!"
ومرة كتبت عن العار في رواية خالد خليفة " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " .
إن ما ترتكبه إسرائيل من مجازر إبادة يومية ضد الشعب الأعزل الذي وجد نفسه مشردا هائما نازحا جائعا بلا مشاف وعلاج وبيوت لهو عار البشرية كلها . هل سنقرأ للكاتب الإسرائيلي ( جدعون ليفي ) قريبا كتابا على غرار كتاب ( سارتر ) ؟
وقد يحضر إلى ذهن بعض قراء شعر محمود درويش تساؤله في إحدى قصائده التي كتبها في الحرب الأهلية اللبنانية :
" ما جدوى الكتابة :
ما جدوى الكتابة في الظهيرة والظلال ، والعمال مسحوقون في حربين ؟ "
حقا ما جدوى الكتابة وأهل غزة مسحوقون في حروب عديدة لا في حرب واحدة أو حتى في حربين !
مشاهد الدمار من قطاع غزة كله ، والمجازر التي ارتكبت في شماله في الأسبوعين الأخيرين تفوق الوصف .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٠
غزة 646 :
بيت حانون تسوى بالأرض و ( نيرون ) الجمعي الإسرائيلي يتفرج مسرورا :
أمس احتدمت المواجهات في خان يونس والشجاعية ، فواصلت مروحيات الإخلاء عملها . في صفحة مؤمن مقداد قرأنا الخبر الآتي مترجما عن الموقع العبري ( حدشوت لفني كولام ) :
" حدثان أمنيان في خان يونس والشجاعية / مروحيات الإخلاء وصلت حتى الآن إلى مستشفيات تل هشومير وبيليسون وسوروكا وايخليوف "
ولكن جنون جيش الاحتلال الإسرائيلي بدا في بيت حانون ، فحسب مراسل القناة 12 شن سلاح الجو على بيت حانون غارات عنيفة / أحزمة نارية وثقتها كاميرات في موشاف نتيف هعسراه .
اللافت هو الفرح البادي الذي أبداه المستوطنون وهم يشاهدون النيران المنصبة على بيت حانون . بدا مشهد بيت حانون كما لو أن إسرائيل استخدمت سلاحا نوويا محددا ، وهو ما قرأته في صفحة أبو أحمد سمور " الاحتلال الجبان يضرب بيت حانون بالنووي ، بعد أن عجز عن مواجهة رجالها " .
لم يقف المقاومون في غزة مكتوفي الأيادي ، فكما أوردت قناة كان العبرية ، تمكن مسلح فلسطيني من الخروج من بين انقاض مبنى وألقى عبوة ناسفة باتجاه دبابة ثم انسحب ، ووثق الإسرائيليون المشهد وبدا التوثيق لهم مقلقا ويشير إلى اتجاه جديد بدأ قبل أسبوعين : المسلحون أصبحوا أكثر جرأة ونشاطا ميدانيا . وفي " حدشوت بتخون " الإسرائيلية قرأنا الخبر الآتي :
مقاتلو حماس خرجوا من عدة أنفاق واشتبكوا وجها لوجه مع قوات الجيش . الحدث في خان يونس صعب ، وهناك صعوبة في عمليات إخلاء الجنود المصابين . ( عن صفحة باسم النادي Basem Alnadi ) .
ما سبق جعل أحد المتابعين الفلسطينيين يكتب :
المستحيلات أربعة : الغول والعنقاء والخل الوفي وهزيمة المقاومة .
في فجر هذا اليوم قرأت في صفحة الشاعر يوسف القدرة Yousef Elqedra الآتي :
[ وداعا أخي ...
شهيدا كما أردت ]
[ إنا لله وإنا إليه راجعون ]
وكان الشاعر غادر قبل شهرين تقريبا إلى فرنسا تاركا أهله في حفظ الرحمن .
وفي الدوحة تواصلت المفاوضات التي لم ترق إطالتها لجوعى القطاع ما دفع أحدهم يكتب :
عشاؤنا الليلة - إن توفر - دقة ، فما العشاء في الدوحة " .
وكتبت د. هيا فريج :
تخيل أن تكون أسمى أمانينا كاسة شاي .
شو عشاء الوفد المفاوض في الدوحة ؟
ونعتت الدكتورة نفسها وهي تشاهد فيديو يمنع فيه بضعة أولاد مستوطنين حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية واستجابة أهل الضفة لهم ، نعتت أهل الضفة ب " العرر " - من عرة ، علما بأننا كلنا " زلام " على بعض .
حالة تعبانة يا ليلى !
646 / 2 :
أهل الضفة الغربية وقطاع غزة
انشغلنا نحن أهل الضفة الغربية في الأيام الأخيرة بأزمة الحركة على الجسور . أكثر ما يكتبه بعض صحفيينا صار يتركز على " أزمة التنقل " كأن لا شيء يجري في غزة .
في أشهر الحرب الأولى ، قبل إغلاق معبر رفح ، انشغلنا أيضا ب أزمة معبر رفح والمبالغ التي يجب أن يدفعها المغادرون لأولاد الكلب تجار الحروب . أولاد الكلب هؤلاء صاروا يتحكمون بحركة المرور على الجسر .
يجب افتعال أزمات لكي يصرف الذهن عما يجري في غزة .
لقد ألمت بنا محنة السفر وزيارة سورية الجديدة ، كما ألمت بكثيرين من قبل في السفر إلى السعودية و تأدية العمرة للتجارة لا أكثر ، فقد وجدت من يسافر سنويا لقضاء إجازته السنوية هناك .
يا ناس !
من ليس له عمل ضروري جدا في السفر من الضفة فليبق فيها يشبع منها فقد يأتي يوم نجبر فيه على الرحيل .
رحم الله الشاعر المصري نجيب سرور صاحب " كسأمياتنا " .
أكيد سيحتج قسم على ورود ألفاظ بذيئة في المنشور ، وهي ، إذا ما قورنت بفعل الاستغلال البذيء الرخيص النذل المستغل الهارب مما يحيط به ، هي كلمات لا أثر سلبيا لها .
١٣ / ٧ / ٢٠٢٥