حتى لا ننسى وتنسى الأجيال الصاعدة كتابا ومبدعين مغاربة ساهموا في بناء صرح الأدب المغربي المعاصر ، وأغنوا المكتبة المغربية بكتاباتهم الجديدة ومنجزهم الإبداعي والفكري القيم ، وهم كثيرون العدد ، كل في مجاله التي اختاره وتفوق فيه ، وسنكتفي هنا بذكر ثلاثة أعلامهم : الأستاذ عبدالكريم غلاب ؛ الشاعر الباحث الروائي محمد الميموني ، الشاعر أحمد تسوكي ، على أن نتحدث في مقالات ودراسات أخرى عن كتاب ومبدعين آخرين من الجنسين. المقالة منشورة في جريدة " الشمال " التي أعتبرها - رغم عدم تيسر توزعها على المستوى الوطني - منبرا أدبيا وثقافيا له إشعاع ثقافي متميز في الساحة الأدبية والثقافية المغربية ، خاصة وأن لها موقعا وأرشيفا في الإنترنيت في محرك غوغول العالمي . وما يكتب في هذا المنبر العريق ، يعد إضافة متميزة عن الحركة الأدبية والقافية النشيطة في هذه المنطقةً بازدهارها منذ ماقبل الاستقلال ، تتكامل مع الحركة الأدبية والثقافية في الجنوب المغربي وشرقه وغربه. شكرا لهيئة التحرير النشيطةً وعلى رأسها الصديق الدكتور عبد اللطيف شهبون .
« مُبْدِعونَ رَحَلُوا عَنْ عَالَمِنَا »
1 ـ الأستاذ عبدالكريم غلاب :
الأستاذ عبدالكريم غلاب ( 1919 ـ 2017 ) الأديب القاص الروائي المناضل الصحافي المرموق . رائد الرواية الواقعية التي تمثلها روايتاه " دفنا الماضي " و " المعلم علي " وصاحب العمود الشهير اليومي " مع الشعب " الذي كان ينشره في جريدة ( العَلَم ) الذي كان يعالج فيه قضايا تتعلق بهموم الشعب وانشغالاته بكثير من الصدق والصراحة والشجاعة. وقد كنت أقرأه وأفيد منه ، وعندما علمت بوفاته يوم الاثنين 14 غشت 2017م. حزنتُ عليه حزني على قريب عزيز لي . ورغم أنني كنت أزور مقر جريدة " العَلم " ، بشارع علال بن عبد الله، كلما زرت الرباط، وأنني ذات يوم أدخلني الأستاذ عبد الجبار السحيمي ـ رحمه الله ـ إلى المكتب المهيب لأستاذنا غلاب ، لكي أبحث بنفسي في أعداد الشهر الماضي عن مادة نُشِرَتْ لي بالجريدة فاتني العدد الذي نشرتْ به، إلا أنني لم أحظَ بلقائه شخصياً ولو مُصادفةً. هذا فضلاً عن الخجل الذي كان يمنعنا في الغالب من اللقاء مع شخصياتٍ فذة وأساتذة أجلاء كنَّا نكنُّ لهم الحبَّ والتَّقدير . وأذكر أنه لم يخفف من شحنة الحزن والألم التي غمرتْ نفسي إثرَ موته إلا الكتابة، معبراً عما كنتُ أحس به نحو هذا الرجل الوطني الكاتب المتعدد المواهب ورائد الرواية المغربية في أصولها الفنية المعروفة. كتبتُ ما يلي بكل صدق وعفوية :
" مات قرير العين" حقاً ، بعد أن دافع عن " أرضه الحبيبة " وزج به من أجل ذلك الحب في غيابات السجن خلف " سبعة أبواب"، فخرج لـ"يَدفن الماضي" مع رفاقه ، وإن لم يتمكنوا من دفن كامل جثمانه، ثم تعلم وإياهم على يد " المعلم علي " فن النضال والدفاع عن الحقوق المهضومة ، وخاض غمار " الحركة الوطنية وتاريخها " ، وأنصت إلى " القاهرة وهي تبوح بأسرارها " وقرأ " سفر التكوين " ، وعانق هموم الناس في مجتمعه وناضل من أجلهم بالكلمة الجريئة الجاهرة بالحق من منبر " مع الشعب ". لقد ظل يعمل جاهداً لكي لا يزحف الليل على الوطن مُزيحاً نورَ الصباح " صباح .. ويزحف الليل " ، وحريصاً كلَّ الحرص على ألا تحدث " شروخ في مراياه " . لقد ظل هذا الرجل الفذ المثقف الملتزم المؤمن بانتصار قيم الخير والحق والجمال، مجاهداً مناضلاً من أجل تحقيقها متحدياً " الشيخوخة الظالمة ". فنم قرير العين، فستظل في وجدان الناس وذاكرة التاريخ، متبوئاً مكانك المستحق مع الخالدين.
2 ـ الشاعر محمد الميموني :
أصر الشاعر الكبير الإنسان النبيل محمد الميموني ـ رحمهُ الله ـ طيلةَ تجربتِه الغَنية في الإبداع والحياة ، على التشبث بالتفاؤل و الحلم بغد أجمل وأفضل للوطن والإنسان ، فحلم بآخر أعوام العقم ، ومر بطريق النهر الواهب للأرض الخير والنماء ، وظل يحلم بزوال زمن الوهم تحت شجر مثمر بالخير رغم ظله الخفي ، وأتانا بالجديد من خلال سرده الممتع الشيق في كتاب " كأنها مصادفات "المفعم بالصدق والأمانة مع النفس ومع الغير ، وفي روايته المميزة " عودة المعلم الزين " وعرَّف الأجيال الجديدة بكوكبة من الشعراء المعاصرين في كتابه القيم " في الشعر المغربي المعاصر / سبع خطوات رائدة " . كان الشاعر محمد الميموني حقاً ، دائم التجدد في عطائه ، دائم الحلم بالأجمل والأفضل في عالم الإبداع وعالم الإنسان. رحم الله شاعرنا الكبير رحمة واسعة ، وعزاؤنا جميعاً ، أنه من زمرة الباقين الخالدين لما قدمه في حياته من جهود مخلصة في مجالات متعددة من أجل مجتمع مغربي متقدم ، ولما خلفه من إبداع أدبي إنساني رفيع شعراً ونثراً ، سيظل راسخاً رسوخ جبال بلدته شفشاون ، وشامخا شموخ قممها الباسقة ، متحدياً مثلها الزوال والفناء. لذلك لا أقول لك ياسيدي محمد : وداعاً لأنك باق بين ظهراني الزمان والمكان. ستلقاك الأجيال وأنت تتجول بين جبلي غرغيز ودرسة ، وسيصادفونك وأنت ترتقي درجات "باب العين " ، متجها إلى حومة "باب السوق" ، حيث سيتعرف عليك أطفال ٌ يلعبون بحذاء بيتكم القديم.
3 ـ الشاعر المغربي الراحل أحمد تِسوكي
الشاعر وأشعار الصبا :
من يذكر هذا الشاعر الجميل ابن مدينة شفشاون أحمد تسوكي ؟ » . وجدت ذاتَ مساء مصادفةً ، بعضَ قصائده بين أوراقي القديمة في قصاصات اقتطعتها من جريدة "العَلَم " ، نَشَرها الشاعرُ بها في أواسط الستينيات من القرن الماضي في صفحة «أصوات » ، وبعضُ هذه القصائد نشرتْها له مجلتان عريقتان هما مجلةُ « الأديب » ومجلةُ « الآداب » البيروتيتان . وقد تعرَّفْتُ على الشاعر في زمنِ صِبانا بمدينة تطوان. كان يعمل في مكتبة قريبِه السيد العافيَّة شقيق الأستاذ الباحث عبد القادر العافية ـ رحمهما الله ـ وذلك بـحومة " الساقية الفوقية " حيثُ كانت توجد أهم المكتبات بتطوان . وكان شغوفا بالقراءة، يلتهم ما كان يفد من الشرق من دواوين رواد الشعر المعاصر ومن كبريات المجلات العربية. كان رجلاً عصامياً وكانت موهبته الشعرية تعد بالكثير. وانقطعت عني أخباره بسبب الانتقال إلى الدراسة بمدينة فاس، وقد علمت فيما بعد عن طريق صديقنا المشترك عبد القادر الإدريسي أنه انتقل إلى الرباط سنة 1967 م. للعمل بالصحافة في جريدة « الأنباء »، ولم ألتقِ به إلا مرة واحدة في الرباط مصادفة بعد سنوات طويلة. وبعد ذلك غابت عني أخباره . ولم أعرف ما إذا كان قد استمر في الكتابة الشعرية أم انقطع عنها ؟ وقد يكون العمل الصحافي بإكراهاته ومصاعبه المعروفة ، قد حال بينه وبين كتابة الشعر. ومن يقرأ ما نشره في جريدة "العَلَم " بصفحة " أصوات " من قصائد، يدرك أنها كانت تعد بميلاد شاعر متميز يضاف إلى كوكبة شعرائنا المغاربة المعاصرين. وهذه القصائد هي : " شاطىء الأحباب " ، و"بحثاً عن فارس " وقد مهرهما باسم مستعار هو « أحمد ياسين » ، والقصيدة الأولى نشرها في مجلة الآداب بعنوان " الْمَرْسَى " باسمه الحقيقي ، و" طائر الشتاء " و " السقطة والعابرون " و " زمان اليأس " ، وهذه القصائد الأخيرة موقعة باسمه الحقيقي مصحوبة بصورته. وسنختار هنا بعض المقاطع من قصيدتيه " شاطئ الأحباب " و" زمان اليأس ". ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ القصيدة الأولى نُشرت في مجلة الآداب لسهيل إدريس بعنوان " الْمَرْسى ".
أ ـ « شاطئ الأحباب »:
مِنْ غَيرِ مَا دَمْعٍ ـ تودِّعُنَا وَلَيْسَ سِوَى تَحِيَّهْ
تُلْقِي بِهَا ثَلْجِيّهْ
مِنْ غَيْرِ دَمْعٍ أوْ وَدَاعْ
مِنْ أيْنَ تفْلتُ من ضَيَاعْ ؟
أَوَ مَا عَلِمْتَ بِأنَّكَ الْمَصْلُوبُ لِلْبلدِ الْقَصِيَّهْ ؟
..............................................
مَاذَا تُؤَمِّلُ يا غَريبُ، ومرفأ الأَحْبَابِ غَابْ
لِلْقاعِ، رِيحُ الْمِلْحِ أَلْقَتْهُ لِبَحْرٍ لا قَرارْ
..................................................
مِنْ أَيْنَ تَعْبُرُ يا غَريبُ كُهولَةَ الأَمْواجِ، أَيْن؟
تُلْقي مَراسيكَ الْكَسيرةَ، مرفأ الأَحْبَابِ راحْ
للقاعِ ، أَلْقَتْهُ رِيَاحُ الِمِلحِ ، غَيَّبَهُ الْمَسَاءْ
في غَابَةِ الظَّلْمَاءِ ، يُهزمُ بالعَوَاصِفِ مرَّتَيْنْ
تَذْوي وتَنْشِجُ في الْبُكَاءِ هُنَاكَ مَنْبوذاً غَرِيبْ
في غابَةِ الظَّلْمَاءِ تُجْهِشُ بِالْبُكَاءِ وَبِالنَّحِيبْ
ب ـ زمانُ الْيَأْس:
مِنْ أيِّمَا زَمَنٍ أَتَيْتَ
لأيِّمَا زَمَنٍ تَرُوحْ ؟
تُخْفِي عَنِ الأَنْظارِ وَجْهَكَ
ثُمَّ تَتْرُكُها تنوحْ
قُلْ لي: لِماذا تَحْمِلُ الْوَجْهَ الرَّمادِيَّ الْهَزيلْ
في اللَّيْلَةِ الْعَمْيَاءِ.. أَسْمَعُ صَوْتَكَ الْفَظَّ الثَّقيلْ
في اللَّيْلَةِ الْعَمْيَاءِ تَتْرُكُنِي وَحِيدْ
في اللَّيْلةِ الْعَمْيَاءِ تَتْرُكُنِي أَنُوحْ
في نَهْرِكَ الْخاوي أَتيهْ
يتبدى من خلال المقطعين سيادة نغمةِ الاتجاه الوجودي الذي كانت تتسربل به العديد من الكتابات والترجمات في مجلة الآداب، وإحساس الشاعر بالضياع والعبث واليأس في هذا الوجود الذي لا قرار له. إِنَّ المرفأ الذي كانت نفس الشاعر القلقة تأملُ أن ترسو فيه ضاع وغاب في الأعماق السحيقة. إنني آسف أيَّما أسف لضياع هذه الموهبة الشِّعرية التي كانت تعد بشاعر مغربي كبير. ومن الجدير بالإشارة أن للشاعر قصائد أخرى منشورة، لكنني لا أتوفر إلا على هذه النماذج التي احتفظت بها عقوداً من الزمن ـ وما زلتُ ـ إعجاباً بها، وإن كان الشاعر في آخر حياته نشرها في ديوانه " أزهار الرميم " باسم ( أشعار الصبا ) . وفي ظني أن الشاعرَ أحمد تسوكي لو اقتصر على نشر هذه القصائد العشر التي قالها في صباه في ديوان صغير لشفى غليلنا من الشعر الجميل المعاصر وترك القصائد العمودية ( أزهار الرميم ) لنشرها في ديوان آخر باعتبارها تقوم على شكل شعري آخر عاد فيه الشاعر في بعضها إلى تقاليد القصيدة العمودية مثل المقدمة الطللية كما في "ثلاثية المبتدأ والمنتهى: " أنا وحيد " ـ "وغريب" ـ "..وقتيل.. " ( ص : 181 وما بعدها )، كما أنها تعالج قضايا أخرى ذات نفحات صوفية في بعضها بعيدة كل البعد عن القضايا الذاتية والوجودية والسوداوية التي نجدها في « أشعار الصبا ». والمتصفح لديوان " أزهار الرميم "، يجد أنه جدير بالدراسة والتحليل في بحث معمَّق خاص. لقد كنا ـ أصدقاءَه ومعارفَه المتأدبين من أقرانه ـ ننبهرُ حينما نرى بعض قصائده منشورة في المجلات التي كان لا ينشر بها إلا كبار الشعراء. ولم يكن آنذاك قد حصل على شهادة البكالوريا ، بل كان في تلك الفترة - إن لم تخني الذاكرة - منقطعا عن الدراسة .. ثم غادر شاعرُنا أحمد تسوكي مدينة تطوان للعمل في جريدة "الأنباء" بالرباط كما سبق الذكر. انقطعتْ أخباره عني وعن أصدقائه حتى من كانوا يقطنون في نفس المدينة. كنتُ أُعزه وأقدره باعتباره شاعراً مبدعاً وإنسانا حيياً متواضعا دمثَ الخلق. وقد عُرفَ عنهُ ابتعادُه عن الأضواء، وزهدُه في اللقاءات والمنتديات الأدبية. لقد كان من أقرب أصدقائه أيام تطوان الأصدقاء: محمد بوخزار - المرحوم محمد أنقار – عبد القادر الإدرسي. ويجب أن أشهد هنا شهادة حق في هذا الشاعر الموهوب المثقف هي أنني عرفته قارئا نهما ، لم أجده في مكتبة قريبه السيد العافيَّة ، إلا وهو منكبٌّ على قراءة كتاب أو مجلة من المجلات التي تصل إلى المغرب من المشرق العربي: الآداب - الأديب - المعرفة ( السورية ) – "المجلة" المصرية - المسرح - الهلال .. إلا أنه كان يمتحُ اتِّجاهَه الشِّعري من مجلة الآداب التي كانت تتجه اتجاها قومياً ووجوديا، وربما لَمَسْنَا في بعضِ قصائده المشار إليها أعلاه الملمح الوجودي خاصةً. وقد تلقى أصدقاؤه ومجايلوه بحبور خَبَرَ صدور ديوانه إلموسوم بــ : " أزهار الرميم " عن مطبعة الخليج العربي بتطوان سنة 2017 م. ومن بين «أشعار الصبا» التي نشرها في ديوانه من ص: 345 إلى ص : 374 قصيدته " رسالة إلى صديق " ، وقد أهداها الشاعر إلى صديقه القاص الروائي محمد أنقار الذي رحل إلى فاس لإتمام دراسته. نقتطف منها المقاطع التالية :
من حيثُما سارتْ خُطاي إليكَ، يقذفُني الزِّحــامْ
من ها هٌنا وهُناك، تلفظني وجُوهٌ فــي الزِّحــامْ
من حيثما سارتْ وسرتُ إليكَ، يزْحَمُني الزٍحامْ
........................................................
ماذا تَبَقَّى لي سوى أن أَسْتَريبَ وأنْ ألـــُوبْ
حوْل المتاهَةِ .. والمتاهةُ غابةٌ وسهـــــــــوبُ
مُلْقًى لِهَبِّ الرِّيح فيها.. شَمْأَلاً وجَنـــــــــوبْ
.......................................................
الأرضُ أضْيَقُ ما تكُونً ، إذا نَأَتْ عنها سمــاكْ
والدَّربً أوحَش ما يكونُ، إذا خَلَتْ منه خُطــاكْ
ماذا تَبَقَّى يا صديــقُ ، سـوى اللقاء وأن أراكْ
يبقى أن نقول في الأخير إِنّ علينا أن نذكر هؤلاء الكتاب المبدعين، ونسعى إلى قراءة ودراسة منجزهم الإبداعي شعراً ونثراً، وبذلك نساهم في تعريف الأجيال بهم ، ونرسخ أسماءهم في ذاكرة الأدب المغربي المعاصر .
« مُبْدِعونَ رَحَلُوا عَنْ عَالَمِنَا »
1 ـ الأستاذ عبدالكريم غلاب :
الأستاذ عبدالكريم غلاب ( 1919 ـ 2017 ) الأديب القاص الروائي المناضل الصحافي المرموق . رائد الرواية الواقعية التي تمثلها روايتاه " دفنا الماضي " و " المعلم علي " وصاحب العمود الشهير اليومي " مع الشعب " الذي كان ينشره في جريدة ( العَلَم ) الذي كان يعالج فيه قضايا تتعلق بهموم الشعب وانشغالاته بكثير من الصدق والصراحة والشجاعة. وقد كنت أقرأه وأفيد منه ، وعندما علمت بوفاته يوم الاثنين 14 غشت 2017م. حزنتُ عليه حزني على قريب عزيز لي . ورغم أنني كنت أزور مقر جريدة " العَلم " ، بشارع علال بن عبد الله، كلما زرت الرباط، وأنني ذات يوم أدخلني الأستاذ عبد الجبار السحيمي ـ رحمه الله ـ إلى المكتب المهيب لأستاذنا غلاب ، لكي أبحث بنفسي في أعداد الشهر الماضي عن مادة نُشِرَتْ لي بالجريدة فاتني العدد الذي نشرتْ به، إلا أنني لم أحظَ بلقائه شخصياً ولو مُصادفةً. هذا فضلاً عن الخجل الذي كان يمنعنا في الغالب من اللقاء مع شخصياتٍ فذة وأساتذة أجلاء كنَّا نكنُّ لهم الحبَّ والتَّقدير . وأذكر أنه لم يخفف من شحنة الحزن والألم التي غمرتْ نفسي إثرَ موته إلا الكتابة، معبراً عما كنتُ أحس به نحو هذا الرجل الوطني الكاتب المتعدد المواهب ورائد الرواية المغربية في أصولها الفنية المعروفة. كتبتُ ما يلي بكل صدق وعفوية :
" مات قرير العين" حقاً ، بعد أن دافع عن " أرضه الحبيبة " وزج به من أجل ذلك الحب في غيابات السجن خلف " سبعة أبواب"، فخرج لـ"يَدفن الماضي" مع رفاقه ، وإن لم يتمكنوا من دفن كامل جثمانه، ثم تعلم وإياهم على يد " المعلم علي " فن النضال والدفاع عن الحقوق المهضومة ، وخاض غمار " الحركة الوطنية وتاريخها " ، وأنصت إلى " القاهرة وهي تبوح بأسرارها " وقرأ " سفر التكوين " ، وعانق هموم الناس في مجتمعه وناضل من أجلهم بالكلمة الجريئة الجاهرة بالحق من منبر " مع الشعب ". لقد ظل يعمل جاهداً لكي لا يزحف الليل على الوطن مُزيحاً نورَ الصباح " صباح .. ويزحف الليل " ، وحريصاً كلَّ الحرص على ألا تحدث " شروخ في مراياه " . لقد ظل هذا الرجل الفذ المثقف الملتزم المؤمن بانتصار قيم الخير والحق والجمال، مجاهداً مناضلاً من أجل تحقيقها متحدياً " الشيخوخة الظالمة ". فنم قرير العين، فستظل في وجدان الناس وذاكرة التاريخ، متبوئاً مكانك المستحق مع الخالدين.
2 ـ الشاعر محمد الميموني :
أصر الشاعر الكبير الإنسان النبيل محمد الميموني ـ رحمهُ الله ـ طيلةَ تجربتِه الغَنية في الإبداع والحياة ، على التشبث بالتفاؤل و الحلم بغد أجمل وأفضل للوطن والإنسان ، فحلم بآخر أعوام العقم ، ومر بطريق النهر الواهب للأرض الخير والنماء ، وظل يحلم بزوال زمن الوهم تحت شجر مثمر بالخير رغم ظله الخفي ، وأتانا بالجديد من خلال سرده الممتع الشيق في كتاب " كأنها مصادفات "المفعم بالصدق والأمانة مع النفس ومع الغير ، وفي روايته المميزة " عودة المعلم الزين " وعرَّف الأجيال الجديدة بكوكبة من الشعراء المعاصرين في كتابه القيم " في الشعر المغربي المعاصر / سبع خطوات رائدة " . كان الشاعر محمد الميموني حقاً ، دائم التجدد في عطائه ، دائم الحلم بالأجمل والأفضل في عالم الإبداع وعالم الإنسان. رحم الله شاعرنا الكبير رحمة واسعة ، وعزاؤنا جميعاً ، أنه من زمرة الباقين الخالدين لما قدمه في حياته من جهود مخلصة في مجالات متعددة من أجل مجتمع مغربي متقدم ، ولما خلفه من إبداع أدبي إنساني رفيع شعراً ونثراً ، سيظل راسخاً رسوخ جبال بلدته شفشاون ، وشامخا شموخ قممها الباسقة ، متحدياً مثلها الزوال والفناء. لذلك لا أقول لك ياسيدي محمد : وداعاً لأنك باق بين ظهراني الزمان والمكان. ستلقاك الأجيال وأنت تتجول بين جبلي غرغيز ودرسة ، وسيصادفونك وأنت ترتقي درجات "باب العين " ، متجها إلى حومة "باب السوق" ، حيث سيتعرف عليك أطفال ٌ يلعبون بحذاء بيتكم القديم.
3 ـ الشاعر المغربي الراحل أحمد تِسوكي
الشاعر وأشعار الصبا :
من يذكر هذا الشاعر الجميل ابن مدينة شفشاون أحمد تسوكي ؟ » . وجدت ذاتَ مساء مصادفةً ، بعضَ قصائده بين أوراقي القديمة في قصاصات اقتطعتها من جريدة "العَلَم " ، نَشَرها الشاعرُ بها في أواسط الستينيات من القرن الماضي في صفحة «أصوات » ، وبعضُ هذه القصائد نشرتْها له مجلتان عريقتان هما مجلةُ « الأديب » ومجلةُ « الآداب » البيروتيتان . وقد تعرَّفْتُ على الشاعر في زمنِ صِبانا بمدينة تطوان. كان يعمل في مكتبة قريبِه السيد العافيَّة شقيق الأستاذ الباحث عبد القادر العافية ـ رحمهما الله ـ وذلك بـحومة " الساقية الفوقية " حيثُ كانت توجد أهم المكتبات بتطوان . وكان شغوفا بالقراءة، يلتهم ما كان يفد من الشرق من دواوين رواد الشعر المعاصر ومن كبريات المجلات العربية. كان رجلاً عصامياً وكانت موهبته الشعرية تعد بالكثير. وانقطعت عني أخباره بسبب الانتقال إلى الدراسة بمدينة فاس، وقد علمت فيما بعد عن طريق صديقنا المشترك عبد القادر الإدريسي أنه انتقل إلى الرباط سنة 1967 م. للعمل بالصحافة في جريدة « الأنباء »، ولم ألتقِ به إلا مرة واحدة في الرباط مصادفة بعد سنوات طويلة. وبعد ذلك غابت عني أخباره . ولم أعرف ما إذا كان قد استمر في الكتابة الشعرية أم انقطع عنها ؟ وقد يكون العمل الصحافي بإكراهاته ومصاعبه المعروفة ، قد حال بينه وبين كتابة الشعر. ومن يقرأ ما نشره في جريدة "العَلَم " بصفحة " أصوات " من قصائد، يدرك أنها كانت تعد بميلاد شاعر متميز يضاف إلى كوكبة شعرائنا المغاربة المعاصرين. وهذه القصائد هي : " شاطىء الأحباب " ، و"بحثاً عن فارس " وقد مهرهما باسم مستعار هو « أحمد ياسين » ، والقصيدة الأولى نشرها في مجلة الآداب بعنوان " الْمَرْسَى " باسمه الحقيقي ، و" طائر الشتاء " و " السقطة والعابرون " و " زمان اليأس " ، وهذه القصائد الأخيرة موقعة باسمه الحقيقي مصحوبة بصورته. وسنختار هنا بعض المقاطع من قصيدتيه " شاطئ الأحباب " و" زمان اليأس ". ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ القصيدة الأولى نُشرت في مجلة الآداب لسهيل إدريس بعنوان " الْمَرْسى ".
أ ـ « شاطئ الأحباب »:
مِنْ غَيرِ مَا دَمْعٍ ـ تودِّعُنَا وَلَيْسَ سِوَى تَحِيَّهْ
تُلْقِي بِهَا ثَلْجِيّهْ
مِنْ غَيْرِ دَمْعٍ أوْ وَدَاعْ
مِنْ أيْنَ تفْلتُ من ضَيَاعْ ؟
أَوَ مَا عَلِمْتَ بِأنَّكَ الْمَصْلُوبُ لِلْبلدِ الْقَصِيَّهْ ؟
..............................................
مَاذَا تُؤَمِّلُ يا غَريبُ، ومرفأ الأَحْبَابِ غَابْ
لِلْقاعِ، رِيحُ الْمِلْحِ أَلْقَتْهُ لِبَحْرٍ لا قَرارْ
..................................................
مِنْ أَيْنَ تَعْبُرُ يا غَريبُ كُهولَةَ الأَمْواجِ، أَيْن؟
تُلْقي مَراسيكَ الْكَسيرةَ، مرفأ الأَحْبَابِ راحْ
للقاعِ ، أَلْقَتْهُ رِيَاحُ الِمِلحِ ، غَيَّبَهُ الْمَسَاءْ
في غَابَةِ الظَّلْمَاءِ ، يُهزمُ بالعَوَاصِفِ مرَّتَيْنْ
تَذْوي وتَنْشِجُ في الْبُكَاءِ هُنَاكَ مَنْبوذاً غَرِيبْ
في غابَةِ الظَّلْمَاءِ تُجْهِشُ بِالْبُكَاءِ وَبِالنَّحِيبْ
ب ـ زمانُ الْيَأْس:
مِنْ أيِّمَا زَمَنٍ أَتَيْتَ
لأيِّمَا زَمَنٍ تَرُوحْ ؟
تُخْفِي عَنِ الأَنْظارِ وَجْهَكَ
ثُمَّ تَتْرُكُها تنوحْ
قُلْ لي: لِماذا تَحْمِلُ الْوَجْهَ الرَّمادِيَّ الْهَزيلْ
في اللَّيْلَةِ الْعَمْيَاءِ.. أَسْمَعُ صَوْتَكَ الْفَظَّ الثَّقيلْ
في اللَّيْلَةِ الْعَمْيَاءِ تَتْرُكُنِي وَحِيدْ
في اللَّيْلةِ الْعَمْيَاءِ تَتْرُكُنِي أَنُوحْ
في نَهْرِكَ الْخاوي أَتيهْ
يتبدى من خلال المقطعين سيادة نغمةِ الاتجاه الوجودي الذي كانت تتسربل به العديد من الكتابات والترجمات في مجلة الآداب، وإحساس الشاعر بالضياع والعبث واليأس في هذا الوجود الذي لا قرار له. إِنَّ المرفأ الذي كانت نفس الشاعر القلقة تأملُ أن ترسو فيه ضاع وغاب في الأعماق السحيقة. إنني آسف أيَّما أسف لضياع هذه الموهبة الشِّعرية التي كانت تعد بشاعر مغربي كبير. ومن الجدير بالإشارة أن للشاعر قصائد أخرى منشورة، لكنني لا أتوفر إلا على هذه النماذج التي احتفظت بها عقوداً من الزمن ـ وما زلتُ ـ إعجاباً بها، وإن كان الشاعر في آخر حياته نشرها في ديوانه " أزهار الرميم " باسم ( أشعار الصبا ) . وفي ظني أن الشاعرَ أحمد تسوكي لو اقتصر على نشر هذه القصائد العشر التي قالها في صباه في ديوان صغير لشفى غليلنا من الشعر الجميل المعاصر وترك القصائد العمودية ( أزهار الرميم ) لنشرها في ديوان آخر باعتبارها تقوم على شكل شعري آخر عاد فيه الشاعر في بعضها إلى تقاليد القصيدة العمودية مثل المقدمة الطللية كما في "ثلاثية المبتدأ والمنتهى: " أنا وحيد " ـ "وغريب" ـ "..وقتيل.. " ( ص : 181 وما بعدها )، كما أنها تعالج قضايا أخرى ذات نفحات صوفية في بعضها بعيدة كل البعد عن القضايا الذاتية والوجودية والسوداوية التي نجدها في « أشعار الصبا ». والمتصفح لديوان " أزهار الرميم "، يجد أنه جدير بالدراسة والتحليل في بحث معمَّق خاص. لقد كنا ـ أصدقاءَه ومعارفَه المتأدبين من أقرانه ـ ننبهرُ حينما نرى بعض قصائده منشورة في المجلات التي كان لا ينشر بها إلا كبار الشعراء. ولم يكن آنذاك قد حصل على شهادة البكالوريا ، بل كان في تلك الفترة - إن لم تخني الذاكرة - منقطعا عن الدراسة .. ثم غادر شاعرُنا أحمد تسوكي مدينة تطوان للعمل في جريدة "الأنباء" بالرباط كما سبق الذكر. انقطعتْ أخباره عني وعن أصدقائه حتى من كانوا يقطنون في نفس المدينة. كنتُ أُعزه وأقدره باعتباره شاعراً مبدعاً وإنسانا حيياً متواضعا دمثَ الخلق. وقد عُرفَ عنهُ ابتعادُه عن الأضواء، وزهدُه في اللقاءات والمنتديات الأدبية. لقد كان من أقرب أصدقائه أيام تطوان الأصدقاء: محمد بوخزار - المرحوم محمد أنقار – عبد القادر الإدرسي. ويجب أن أشهد هنا شهادة حق في هذا الشاعر الموهوب المثقف هي أنني عرفته قارئا نهما ، لم أجده في مكتبة قريبه السيد العافيَّة ، إلا وهو منكبٌّ على قراءة كتاب أو مجلة من المجلات التي تصل إلى المغرب من المشرق العربي: الآداب - الأديب - المعرفة ( السورية ) – "المجلة" المصرية - المسرح - الهلال .. إلا أنه كان يمتحُ اتِّجاهَه الشِّعري من مجلة الآداب التي كانت تتجه اتجاها قومياً ووجوديا، وربما لَمَسْنَا في بعضِ قصائده المشار إليها أعلاه الملمح الوجودي خاصةً. وقد تلقى أصدقاؤه ومجايلوه بحبور خَبَرَ صدور ديوانه إلموسوم بــ : " أزهار الرميم " عن مطبعة الخليج العربي بتطوان سنة 2017 م. ومن بين «أشعار الصبا» التي نشرها في ديوانه من ص: 345 إلى ص : 374 قصيدته " رسالة إلى صديق " ، وقد أهداها الشاعر إلى صديقه القاص الروائي محمد أنقار الذي رحل إلى فاس لإتمام دراسته. نقتطف منها المقاطع التالية :
من حيثُما سارتْ خُطاي إليكَ، يقذفُني الزِّحــامْ
من ها هٌنا وهُناك، تلفظني وجُوهٌ فــي الزِّحــامْ
من حيثما سارتْ وسرتُ إليكَ، يزْحَمُني الزٍحامْ
........................................................
ماذا تَبَقَّى لي سوى أن أَسْتَريبَ وأنْ ألـــُوبْ
حوْل المتاهَةِ .. والمتاهةُ غابةٌ وسهـــــــــوبُ
مُلْقًى لِهَبِّ الرِّيح فيها.. شَمْأَلاً وجَنـــــــــوبْ
.......................................................
الأرضُ أضْيَقُ ما تكُونً ، إذا نَأَتْ عنها سمــاكْ
والدَّربً أوحَش ما يكونُ، إذا خَلَتْ منه خُطــاكْ
ماذا تَبَقَّى يا صديــقُ ، سـوى اللقاء وأن أراكْ
يبقى أن نقول في الأخير إِنّ علينا أن نذكر هؤلاء الكتاب المبدعين، ونسعى إلى قراءة ودراسة منجزهم الإبداعي شعراً ونثراً، وبذلك نساهم في تعريف الأجيال بهم ، ونرسخ أسماءهم في ذاكرة الأدب المغربي المعاصر .