محمد عيسى محمد - الرقص على حافة الجرح... قراءة في قصيدة (الحب في زمن الحرب) للشاعرة السودانية أريج محمد أحمد

الحُب في زمن الحرب..!!

هي دعوة للرقص..
على حافة الجرح..!
وسرقة القليل من نافذة
الوقت..
يوماً أو بعض يوم
لأقول: لك..
أحبك على طريقتي..
قبل أن يغفو النهار
في حضن القلق..
قبل أن يسيل الليل كحلاً من عين الخوف
أحبك بطول هذه البلاد..
سرب فراش يعرج إلى السماء
ويعود محملاً بالنور..
بعرض الحلم الذي
تنثره الوردات في طريق الريح
فتغني وأرقص أنا..
أرقص لك وحدك..
بقدمين لطالما قيدتا المسافة بالاقتراب
وجهي قمر يفج الأسود
يتساقط موجاً على الكتفين
وأرقص لك..
وأصهل شعراً
كل النجوم..
قصائد عشق..
تسافر مني إليك.


**************


1754595356220.png


القراءة :

نص قصيدة ..(الحب في زمن الحرب)الذي بين أيدينا ليس مجرد بوح عاطفي ولا هو حكاية عشق عابرة بل هو كتابة وجودية تحاول أن تنتصر للإنسان في لحظة انكساره وتبحث عن مخرج جمالي من جحيم الحرب إنه نص يقف على تخوم الأمل واليأس يرقص فوق الجراح لا ليخفي الألم بل ليمنحه شكلا قابلا للحياة فالشاعرة لا تنكر الحرب ولا تتجاهلها بل تقف وجها لوجه أمامها وتقرر أن تحب أن ترقص أن تكتب في قلب العاصفة لا في ظلها إنها لا تطلب مهلة من الموت بل تسرق زمنا من الخوف لتقول أحبك وكأن الحب هنا فعل مقاومة كأن الرقص بيان وجودي ضد الانهيار .

تستخدم الشاعرة صورا حسية كثيفة لكنها لا تنغلق على الجمال المجرد بل توظفه في سياق الألم والقلق والتوجس فالنهار يغفو في حضن القلق والليل يسيل كحلا من عين الخوف والمحبوبة لا تنتظر صفاء المشهد كي تعلن الحب بل تختار اللحظة الأكثر قتامة لتعلن التوهج فتقول أحبك بطول هذه البلاد وكأن الحب مساحة ممتدة على خارطة الوطن الموجوع أو ربما يصبح الوطن نفسه تجليا لهذا الحب المختنق الباحث عن نسمة حياة.

ثم نراها تقفز من الأرض إلى السماء مع سرب الفراش الذي يعرج ويعود محملا بالنور هذه الحركة الصاعدة ثم الهابطة تشبه دورة الأمل في زمن الحرب تصعد بنا الأحلام فنكاد نلمس النور ثم تهبط بنا الوقائع فنعود نحمل قليلا من الضوء إلى عالمنا المظلم وتستمر هذه الدورة طالما أن هناك من يرقص ويغني ويكتب ويحب.

الرقص في هذا النص ليس مجرد حركة جسد بل هو فعل حرية وكأن الجسد نفسه يتحول إلى نص مضاد للموت إلى بيان ضد الصمت فالشاعرة تقول أرقص لك وحدك وهذا التخصيص لا يلغي العالم بل يمنحه مركزا إنسانيا حميما يختزل فيه الكون في لحظة عشق وصدق وقدمان قيدتا المسافة بالاقتراب هذا تعبير عبقري يلخص التناقضات التي نعيشها نريد الاقتراب فنقيد أنفسنا نريد الحياة فنعيش على الحافة.

وجهها قمر يفج الأسود هذه استعارة تنسف السواد من الداخل تجعل الضوء يولد لا من شمس بعيدة بل من وجه أنثوي مؤمن بالحب والقصيدة تتصاعد نحو لحظة الكشف عندما تقول كل النجوم قصائد عشق تسافر مني إليك هنا تبلغ اللغة ذروتها وتصبح القصيدة نفسها جسرا من نور يمتد من قلب الشاعرة إلى المتلقي إلى الآخر إلى من تحب وربما إلى الوطن.

في النهاية نحن أمام نص لا يحتفل بالحب كترف بل يجعله ضرورة كالماء كالصلاة كالحلم في زمن الجفاف نص يقول إن الجمال ليس نقيضا للألم بل وليد له وأن الرقص على حافة الجرح ليس جنونا بل حكمة قديمة تعيد للإنسان توازنه وسط الجنون الأكبر الذي اسمه الحرب.


محمد عيسى محمد جيبوتي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى