حسين عبروس - الضفادع.. والمصطلحات النّقدية..!

****
- في زمن العولمة الرقمية، حيث صارت فيه التكنولوجيا عابرة للقارات، لم تعد الفضاءات الحقيقية أو المجازية محصورة على نخبة من الكتّاب والمفكرين، بل انفتحت أمام كل من هبّ ودبّ، فامتلأت الساحة بأدعياء الكتابة، كلٌّ واحد منهم يحمل مصطلحًا "طازجًا" يلوّح به كما تلوّح الضفدع بجلدها الرطب في الأنهاروالمستنقعات. هكذا صار النّقد الأدبي ـ بل حتى السياسي والاجتماعي ـ مرتعًا لمفاهيم مصطنعة، لا تمتلك عمقًا فكريّا ولامنهجا تاريخًيا.
و من هذه "البدع" ما ظهر مع فجر الألفية الجديدة تحت مسمّى "الشعر الحكي"، وكأنّ الشعر كلّه لم يكن في يوم ما محكيًّا...! والواقع أنّ هذا اللّون من الكتابة قديم قِدم التّجربة الإنسانية، ولم يتفق العرب يومًا على تسمية موحّدة له؛ فهو في المشرق "شعر عامي"، وفي المغرب العربي "شعبي" أو "ملحون"، وفي الخليج "نبطي". لكل قطر شاعرُه الشعبي الذي عبر عن هموم الناس بلغتهم البسيطة، من بيرم التونسي والأبنودي وأحمد فؤاد نجم في مصر، إلى أصوات عامية في كلّ وطن عربي.
غير أنّ ما يثير السّخرية أن يخرج علينا من يصف الشاعر العامي اللّيبي محمد علي الدنقلي بـ"الحداثي جدًا"! من أين تأتي هذه "الحداثة جدًا جدًا" ؟إذا كان النّص مكتوبًا بالعامية اليومية التي يعرفها الجميع؟ أليس الحداثي من يفتح أفقًا جديدًا للغة والرؤيا، لا من يكرّر ما قيل في الأغنية الشعبية أو المحكية؟
قصيدة الدنقلي "طاح جلالها" ـ على سبيل المثال ـ لا تخفي استعارتها المباشرة من قصيدة غنائية شهيرة للفنان اللّبناني **أمير يزبك**، التي يقول فيها:
- والهوى طيرلك شالك
- شال الشال وما شالك
- شال الشال وقلبى انشال
- وروحى انشالت معا شالك
ليقابلها عند الدنقلي:
- طاح اجْلالها .. وانْحَلْ في طَغْوَةْ الرَّيح اخْلالها ..
- وطاشَتْ جدايل شَعْرها .. وعين الغريب قْبالها ..
- وتصرخ صوتها مبحوح .. مسفوح دَمْ عْيالها ...
إنّ التشابه هنا ليس مجرد توارد خواطر، بل انعكاس لطبيعة هذا اللون من الكتابة الذي يتغذى على المألوف والمستهلَك، لا على الرؤيا الشعرية المتجددة.
لكن مشكلتنا ليست مع الدنقلي وحده، بل مع غياب النّقد الجاد، ومع "نقاد الضفادع" الذين يفقّسون المصطلحات ويبيضونها في برك راكدة، ثم يقدّمونها للناس بوصفها إنجازًا. لو كان في المشهد العربي عشرة نقاد حقيقيين فقط، لما تجرأ هؤلاء على تمرير هذه "الحداثات المضروبة"، ولا على خلط المفاهيم حتى تلتبس على القارئ غير المتخصص.
إنّ المعركة الحقيقية اليوم ليست بين "الشعبي" و"الفصيح"، ولا بين "المحكي" و"الحداثي جدًا"، بل بين النقد الرصين الذي يضع المفاهيم في مواضعها، وبين ضجيج الضفادع التي لا همّ لها إلا تلويث اللغة والمصطلح.
-إنّني هنا لست أركّز على الشاعر اللّيبي محمد علي الدنقلي بقدر ما أركّز على غياب النّقد وغياب النّقاد الذين يواجهون مثل هذه السّذاجات النّقدية ويحولون أصحابها الى مبدعين كبارا ولو كنّا نملك في هذا الزمن عشرة أسماء من كبار النقاد في الوطن العربي ما تجرّأت الضفادع على أن تخلط علينا المصطلحات وتبيض لنا مصطلحات جديدة مضروبة.
Peut être une image de 1 personne, télévision, salle de presse et texte

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى