المستشار بهاء المري - مَن يُربِّي الآباء؟!‏

في مجتمعاتنا العربية، نردد كثيرًا أن "البيت هو الحِصن"، وأن ‏‏"الأب هو السند"، وأن "الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع"، لكن، ‏ماذا لو انهار هذا الحصن من داخله؟ ماذا لو تحوَّل السند إلى سَوط؟ وماذا ‏لو خرج الذئب من قلب الدار، لا من أطراف الغابة؟
قصة "آية" ليست قصة فردية، بل صفعة لضمير أمة تُعاني من ‏تناقضات صادمة: مجتمعات تُجيد الحديث عن القيم، لكنها تعجز أحيانًا عن ‏حمايتها حيث يجب. قصة طفلة انتهكها والدها، ليست مجرد قضية أخلاقية أو ‏قانونية، بل زلزالٌ إنساني يهزّ أعماقنا، ويفرض علينا أن نعيد النظر في مفاهيم ‏التربية، الحماية، والسكوت القاتل‎.‎
أن يتحرش رجلٌ غريب بطفلة، فذلك جُرم؛ لكن أن يكون الفاعل ‏والدها، فالجريمة تتحول إلى خيانة كبرى‎.‎
في النصوص الشرعية، تُعلو الأبوة منزلة عظيمة، لأنها تقوم على ‏معنى "الرحمة والرعاية"، والنبي ﷺ يقول‎:‎‏ "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول ‏عن رعيته‎."‎‏ فماذا عن الذي يُحوّل الرعاية إلى افتراس؟ وماذا عن الذي يخلع ‏ثوبه الإنساني في خفاء الجدران، ويعيش بين أهله كمن لا يعرف الحرام من ‏الحلال؟
إن مثل هذه الأفعال لا تُهين فقط الضحية، بل تُمزّق نسيج المجتمع ‏كله، لأنها تهدم الفطرة، وتخلق جيلًا يحمل بداخله تشوهًا قد لا يُشفى ‏بالزمن، ولا يُرمَم بالقانون وحده‎.‎
نُكثر من الوعظ، ونملأ منابرنا بالخطب، ونُعلّق لافتات الأخلاق ‏في المدارس والطرق... لكننا حين تقع الكارثة، كثيرًا ما نصمت‎.‎‏.. صمت ‏الخوف، والعار، والحياء المَشُوب بالتواطؤ‎.‎
كأننا لا نريد أن نُواجه القبح، بل نُخفيه تحت السجاد، ظنًا أن ‏‏"السكوت ستر"، وأن "الفضيحة أكبر من الجريمة‎".‎
لكن ماذا عن الطفلة؟ من يُرمِّم وجدانها؟ مَن يُعيد لها الشعور ‏بالأمان؟ هل يُمكن أن تُشفى طفلة اغتُصِبت ثقتها في أقرب الناس إليها، بينما ‏الناس من حولها يتعاملون معها كوصمة، لا كضحية؟
السكوت، هنا، ليس حياءً... بل خيانة ثانية‎.‎‏ ليس والدها وحده من ‏يجب أن يُدان‎.‎‏ بل نحتاج أن نسأل‎:‎‏ أين كان المحيط القريب من هذه الطفلة؟ ‏لماذا خافت أن تتكلم؟ لماذا لم تُفتح لها نوافذ آمنة للكلام قبل أن تقع الواقعة ‏الثالثة؟ وأين دور الإعلام والمدرسة والخطاب الديني في توعية الأبناء ‏والبنات بحقوقهم الجسدية والإنسانية؟
جريمة كهذه لا تولد فجأة، بل تنمو في الظلال‎:‎‏ في ظل الثقافة التي ‏تربي البنات على الصمت، وفي ظل خطاب يُحرج الحديث عن أجساد ‏الأطفال، وفي ظل مجتمع يُعلي قيمة "الستر" فوق قيمة "العدل‎".‎
لا شك أن القوانين العقابية في مصر وغيرها تُدين هذا النوع من ‏الجرائم بقسوة – كما حدث حين أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالسجن ‏المشدد – لكن القانون لا يُغني عن بناء الإنسان‎.‎
نحتاج إلى ثورة وعي، تجعل من كل بيت مدرسة للقيم، لا مساحة ‏للقمع‎.‎‏ نحتاج إلى فهم ديني أصيل، يُعلّم أن الحياء لا يعني التستر على ‏الجريمة، بل مواجهتها بحزم‎.‎‏ نحتاج إلى مجتمع يزرع في أبنائه أن الجسد ‏أمانة، لا مِلكًا لأحد، ولا حتى للأب‎.‎
سؤال قد يبدو غريبًا، لكنه جوهري: من يُربّي الآباء؟ من يُذكّرهم ‏أن السلطة ليست حقًا، بل مسؤولية؟ وأن الرجولة لا تُقاس بالهيمنة، بل ‏بالحماية؟ وأن الأبوة لا تمنح تصريحًا، بل تفرض التزامًا؟
قصة آية ليست مجرد قضية، بل مرآة لنا جميعًا‎.‎‏ فإما أن نكسر هذه ‏المرآة ونكذب على أنفسنا، وإما أن نحدّق جيدًا، ونسأل بصدق‎:‎‏ هل ما زال ‏بيتنا آمنًا... أم أننا في حاجة إلى بناء البيت من جديد؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى