قرار الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية؟؟ تحول استراتيجي في القضية الفلسطينية
المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
شكّل القرار الصادر عن الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) بتاريخ 31 آب/أغسطس 2025، حدثًا بالغ الأهمية في مسار القضية الفلسطينية. فالقرار أعلن بشكل لا لبس فيه أن سياسات إسرائيل وأفعالها في غزة تُشكّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقًا للتعريفات الواردة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
هذا القرار التاريخي لا يمثل مجرد إدانة جديدة لإسرائيل، بل هو تحول استراتيجي ينقل توصيف الجرائم من الخطاب السياسي إلى الإطار القانوني المُلزم، بما يفرض مسؤوليات مباشرة على المجتمع الدولي، ويضع إسرائيل في خانة الدول التي خرقت الاتفاقيات الدولية على غرار أنظمة الاستعمار والفصل العنصري.
أولاً: البعد القانوني للقرار
أبرز ما في القرار هو التأكيد على انطباق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تنص على أن الجريمة تتحقق متى ثبت ارتكاب أعمال تهدف إلى تدمير جماعة قومية أو دينية أو إثنية، كليًا أو جزئيًا.
وما جرى في غزة بحسب التقرير يحقق هذا التعريف عبر:
القتل العمد للمدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء؛
فرض ظروف معيشية قاتلة عبر التجويع، وقطع المياه والوقود، وتدمير البنية التحتية الصحية؛
التهجير القسري للسكان؛
العنف الجنسي والإنجابي كسلاح في النزاع؛
وهذه الأفعال لا تُصنف فقط كجرائم حرب، بل تدخل في صميم مفهوم الإبادة الجماعية الذي يجرّمه القانون الدولي بأشد العقوبات.
ثانياً: الأبعاد السياسية والدبلوماسية
إن دلالات هذا القرار تتجاوز البعد القانوني لتُحدث ارتدادًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسع النطاق:
أولًا، هو يُقوّض ادعاءات إسرائيل بأنها تمارس "الدفاع عن النفس"، ويُظهر أن حربها على غزة ليست نزاعًا عسكريًا، بل مخطط ممنهج للإبادة والتطهير العرقي.
ثانيًا، يضع الدول الغربية الداعمة لإسرائيل في موقف حرج، إذ يفضح تناقض خطابها حول حقوق الإنسان مع استمرارها في تزويد إسرائيل بالسلاح.
ثالثًا، يوفر القرار أرضية قانونية صلبة لحملات المقاطعة وفرض العقوبات (BDS)، ويُعزز التحركات الشعبية والدولية لمحاسبة إسرائيل.
رابعًا، يُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية حقوقية وإنسانية كبرى، لا مجرد نزاع سياسي أو تفاوضي.
ثالثاً: الاستحقاقات الدولية
بموجب هذا القرار، فإن المجتمع الدولي أمام مسؤوليات لا يمكن التنصل منها:
1. الامتثال لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الجرائم الإسرائيلية في غزة.
2. تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، بما يشمل تسليم كل من صدرت بحقهم مذكرات توقيف.
3. وقف تصدير السلاح لإسرائيل، انسجامًا مع الالتزامات الدولية في إطار معاهدة تجارة الأسلحة.
4. تفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية" (R2P) لحماية المدنيين في غزة من استمرار جرائم الإبادة.
رابعاً: البعد الاستراتيجي
من الناحية الاستراتيجية، يحمل القرار أبعادًا عميقة:
هو سابقة قانونية وأكاديمية من شأنها أن تعزز عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
يُقارن العديد من المراقبين هذا التطور بمسار جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتهايد، حيث بدأت الضغوط الدولية بقرارات مشابهة وانتهت بعقوبات شاملة وانهيار النظام العنصري.
يعيد القرار تشكيل ميزان الشرعية الدولية، إذ يضع إسرائيل في مصاف الدول التي مارست أبشع الجرائم الإنسانية، ما يُضعف قدرتها على تبرير سياساتها العدوانية أمام الرأي العام العالمي.
يفتح الباب أمام عدالة انتقالية مستقبلية في فلسطين، تقوم على الاعتراف بالحقوق الوطنية والإنسانية للفلسطينيين، وتوفير الضمانات لعدم تكرار الجرائم.
خامساً: نحو مرحلة جديدة في القضية الفلسطينية
إن قرار الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية لا يمكن فصله عن المسار المتصاعد للمساءلة الدولية، بدءًا من تحركات جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، مرورًا بتزايد الأصوات البرلمانية والشعبية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وصولًا إلى هذا التوصيف الأكاديمي الحاسم.
وعليه، يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد القضية الفلسطينية حبيسة المساومات السياسية، بل أصبحت قضية قانونية وإنسانية عالمية، يُنظر إليها على أنها واحدة من أخطر الأزمات الحقوقية في القرن الحادي والعشرين.
ووفق ما ذكر أعلاه يمثل قرار الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية نقطة تحول استراتيجية، فهو لم يترك مجالًا للجدل حول طبيعة ما يجري في غزة. إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني هو إبادة جماعية مكتملة الأركان، ومسؤولية المجتمع الدولي باتت اليوم أوضح من أي وقت مضى: إما التحرك لوقف الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، أو المشاركة في جريمة الصمت والتواطؤ.
إن هذا القرار يُعيد الاعتبار لميزان العدالة الدولية ومعاناة الضحايا، ويُعزز كفاح الشعب الفلسطيني نحو الحرية والكرامة، ويُشكّل خطوة متقدمة نحو بناء مسار عدالة دولية يُنصف فلسطين والفلسطينيين.
المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
شكّل القرار الصادر عن الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS) بتاريخ 31 آب/أغسطس 2025، حدثًا بالغ الأهمية في مسار القضية الفلسطينية. فالقرار أعلن بشكل لا لبس فيه أن سياسات إسرائيل وأفعالها في غزة تُشكّل إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقًا للتعريفات الواردة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
هذا القرار التاريخي لا يمثل مجرد إدانة جديدة لإسرائيل، بل هو تحول استراتيجي ينقل توصيف الجرائم من الخطاب السياسي إلى الإطار القانوني المُلزم، بما يفرض مسؤوليات مباشرة على المجتمع الدولي، ويضع إسرائيل في خانة الدول التي خرقت الاتفاقيات الدولية على غرار أنظمة الاستعمار والفصل العنصري.
أولاً: البعد القانوني للقرار
أبرز ما في القرار هو التأكيد على انطباق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تنص على أن الجريمة تتحقق متى ثبت ارتكاب أعمال تهدف إلى تدمير جماعة قومية أو دينية أو إثنية، كليًا أو جزئيًا.
وما جرى في غزة بحسب التقرير يحقق هذا التعريف عبر:
القتل العمد للمدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء؛
فرض ظروف معيشية قاتلة عبر التجويع، وقطع المياه والوقود، وتدمير البنية التحتية الصحية؛
التهجير القسري للسكان؛
العنف الجنسي والإنجابي كسلاح في النزاع؛
وهذه الأفعال لا تُصنف فقط كجرائم حرب، بل تدخل في صميم مفهوم الإبادة الجماعية الذي يجرّمه القانون الدولي بأشد العقوبات.
ثانياً: الأبعاد السياسية والدبلوماسية
إن دلالات هذا القرار تتجاوز البعد القانوني لتُحدث ارتدادًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسع النطاق:
أولًا، هو يُقوّض ادعاءات إسرائيل بأنها تمارس "الدفاع عن النفس"، ويُظهر أن حربها على غزة ليست نزاعًا عسكريًا، بل مخطط ممنهج للإبادة والتطهير العرقي.
ثانيًا، يضع الدول الغربية الداعمة لإسرائيل في موقف حرج، إذ يفضح تناقض خطابها حول حقوق الإنسان مع استمرارها في تزويد إسرائيل بالسلاح.
ثالثًا، يوفر القرار أرضية قانونية صلبة لحملات المقاطعة وفرض العقوبات (BDS)، ويُعزز التحركات الشعبية والدولية لمحاسبة إسرائيل.
رابعًا، يُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية حقوقية وإنسانية كبرى، لا مجرد نزاع سياسي أو تفاوضي.
ثالثاً: الاستحقاقات الدولية
بموجب هذا القرار، فإن المجتمع الدولي أمام مسؤوليات لا يمكن التنصل منها:
1. الامتثال لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الجرائم الإسرائيلية في غزة.
2. تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، بما يشمل تسليم كل من صدرت بحقهم مذكرات توقيف.
3. وقف تصدير السلاح لإسرائيل، انسجامًا مع الالتزامات الدولية في إطار معاهدة تجارة الأسلحة.
4. تفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية" (R2P) لحماية المدنيين في غزة من استمرار جرائم الإبادة.
رابعاً: البعد الاستراتيجي
من الناحية الاستراتيجية، يحمل القرار أبعادًا عميقة:
هو سابقة قانونية وأكاديمية من شأنها أن تعزز عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
يُقارن العديد من المراقبين هذا التطور بمسار جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتهايد، حيث بدأت الضغوط الدولية بقرارات مشابهة وانتهت بعقوبات شاملة وانهيار النظام العنصري.
يعيد القرار تشكيل ميزان الشرعية الدولية، إذ يضع إسرائيل في مصاف الدول التي مارست أبشع الجرائم الإنسانية، ما يُضعف قدرتها على تبرير سياساتها العدوانية أمام الرأي العام العالمي.
يفتح الباب أمام عدالة انتقالية مستقبلية في فلسطين، تقوم على الاعتراف بالحقوق الوطنية والإنسانية للفلسطينيين، وتوفير الضمانات لعدم تكرار الجرائم.
خامساً: نحو مرحلة جديدة في القضية الفلسطينية
إن قرار الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية لا يمكن فصله عن المسار المتصاعد للمساءلة الدولية، بدءًا من تحركات جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، مرورًا بتزايد الأصوات البرلمانية والشعبية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وصولًا إلى هذا التوصيف الأكاديمي الحاسم.
وعليه، يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد القضية الفلسطينية حبيسة المساومات السياسية، بل أصبحت قضية قانونية وإنسانية عالمية، يُنظر إليها على أنها واحدة من أخطر الأزمات الحقوقية في القرن الحادي والعشرين.
ووفق ما ذكر أعلاه يمثل قرار الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية نقطة تحول استراتيجية، فهو لم يترك مجالًا للجدل حول طبيعة ما يجري في غزة. إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني هو إبادة جماعية مكتملة الأركان، ومسؤولية المجتمع الدولي باتت اليوم أوضح من أي وقت مضى: إما التحرك لوقف الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، أو المشاركة في جريمة الصمت والتواطؤ.
إن هذا القرار يُعيد الاعتبار لميزان العدالة الدولية ومعاناة الضحايا، ويُعزز كفاح الشعب الفلسطيني نحو الحرية والكرامة، ويُشكّل خطوة متقدمة نحو بناء مسار عدالة دولية يُنصف فلسطين والفلسطينيين.