حسين عبروس - أدب الطفل في موريتانيا..بين الغياب والحضور

مقدمة
- يُعَدّ أدب الطفل المرآة الأولى التّي تعكس وعي الأمّة بمدى وعي مستقبلها في إعداد الأجيال، فهو ليس ترفًا ثقافيًا، بل أساس في بناء الشّخصيّة وتنميّة الخيال وترسيخ القيّم. غير أنّ المشهد في موريتانيا يكشف عن ذلك الفراغ الرّهيب الذي يلفّ هذا الحقل الإبداعي، حيث ظلّ الطفل الموريتاني أسير المناهج التّقليديّة الجافة والقصص المستوردة، محرومًا من إنتاج أدبي محلّي يخاطب وجدانه وعقله معًا. إنّ هذا الغياب لا يعود إلى قلّة المواهب الإبداعية فحسب، بل يعود إلى تراكم نظرة مجتمعيّة وأكاديميّة تقلّل من شأن الكتابة للطفل في مجتمع قبليّ متنوّع، وجعلها في مرتبة ثانوية أمام الشّعرالفصيح والتّراث العربي القديم، وهو ما انعكس على ضعف التّجارب وغياب المشاريع المؤسسيّة. ومن هنا يفرض هذا السؤال نفسه على الكاتب والمتلقّي معا: لماذا تأخّر أدب الطفل في موريتانيا، وهل يمكن أن تنجح المحاولات الفرديّة في سدّ هذه الفجوة والنّهوض بثقافة متوازنة تساعد الأطفال واليافعين على مواكبة رحلة التطوّرالثقافي والمعرفي في هذا البلد العربي الإفريقي.
- أسباب الغياب والتأخّر
- ويمكن تلخيص تلك العوامل التي ساهمت في ضعف أدب الطفل الموريتاني في النّقاط الآتية:
1. تغليب النّظرة الدّونية لكتابة أدب الطفل: حيث ينصرف معظم الكتّاب إلى كتابة الشعر التّقليدي أو السّرد للكبار، ويُنظر إلى أدب الطفل بوصفه نصّا إبداعيّا هامشيًا أو ثانويًا.
2.غياب المناهج التّعليمية: إذ يطغى فيها الجانب العلمي المجرّد أو النّصوص التّراثيّة والشّعر القديم، مع غياب مواد تفتح خيال الطفل أو تعزّز ملكة القراءة الإبداعيّة.
3. طغيان الخطاب الوعظي: كثير ممّا يقدّم للأطفال يستند إلى كتب الكبار ذات الطابع الإرشادي المباشر، فيغيب عنها عنصر المتعة الفنّية و عنصر الخيال الذي يساهم في تنمية الذوق الجمالي لدى النّاشئة من الأطفال واليافعين من البنات والبنين.
4. ضعف البنية التّحتيّة الثّقافيّة : فندرة دور النّشر المتخصّصة، وغياب المجلات أو المكتبات الموجّهة للطفل، قد جعلت هذا الأدب يفتقر إلى فضاءات الحضور والتّداول،ورغم كلّ هذه
التّحدّيات، فقد برزت محاولات فردية تستحق الإشارة،وقد كتب القاص" محمد الأمين ولد
أحظانا" بعض النّصوص القصصيّة التي استلهمت من التّراث الشّعبي الموريتاني، محاولًا تبسيطها للناشئة،كما قدّم الكاتب "عبد الله ولد محمدي" نصوصًا قصصّية قصيرة للأطفال
في الصحافة المحليّة، غلب عليها البعد الوعظي التّربوي،أمّا"الدكتور محمد ولد عمارو" لم يكتفِ بالنّقد، بل دعا مرارًا إلى تأسيس مشروع ثقافيّ خاص بالطفل الموريتاني، عبر المناهج والكتاب معًا.
- بالإضافة إلى محاولات متفرّقة لعدد من الكاتبات مثل "أم كلثوم بنت أحمد"، اللّاتي كتبن قصصًا قصيرة ذات بعد تعليمي،ومن هنا يمكننا القول:
- إنّ السّعي نحو تحقيق مشروع ثقافي طموح في أدب الطفل يقتضي مايلي:
- إعادة صياغة المناهج بما يفسح مجالًا للقراءة الحرّة والخيال اللاّمحدودأمام الطفل.
- تشجيع الكتّاب والمبدعين على خوض تجربة الكتابة للطفل من خلال جوائز ومنصّات نشر تساهم في التعريف بتلك المواهب الإبداعية التي تسعى إلى تقديم الجيّد والجديد من الأعمال.
- تأسيس مكتبات ومجلّات للأطفال على غرار التجارب العربية الرائدة.
- دمج الفنون السّمعيّة والبصريّة (الرّسوم المتحرّكة، المسرح المدرسي) لتعزيز ارتباط الطفل بالنّصوص الإبداعية التي تمنح الطفل طاقة معرفية وثقافية متوازنة وجديدة.
- الخاتمة
- إنّ واقع أدب الطفل في موريتانيا يكشف عن فجوة واضحة بين طموحات بناء جيل قارئ ومبدع، وبين غياب مشروع ثقافي متكامل يمنح الطفل الموريتاني نصوصًا تليق بعالمه. فما زالت الجهود مبعثرة، والمبادرات فردية، فيما تبقى المؤسّسات التّربويّة والثّقافيّة عاجزة عن إدراك أنّ الاستثمار في أدب الطفل هو استثمار في المستقبل ذاته. ومع ذلك، فإنّ الوعي المتزايد بأهميّة هذا الحقل، إلى جانب تجارب بعض الكتّاب الذين كسروا حاجز الصمت، يشير إلى أنّ الطريق ما زال مفتوحًا لبناء مشروع وطني يعيد الاعتبار لأدب الطفل. فهل نشهد في قادم السنوات نهضة حقيقية تضع الطفل الموريتاني في قلب الاهتمام الإبداعي، وتحوّل الكتابة له من ترفٍ ثقافي إلى ركيزة حضارية قويّة.
Peut être une image de ‎1 personne, enfant et ‎texte qui dit ’‎براءة تخطط لكبور.!‎’‎‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى