المستشار بهاء المري - امرأةٌ بحجم وطن(*)...

في العام 2010 بمدينة حُدودية، كمينٌ مُترسِّخٌ في الأرض، كأنه جزء منها. أعينٌ لا تنام، ‏وبنادقُ تلمَعُ في الشمس كأنها مَرايا للموت.‏
حواجز مرورية تَفرض على السائقين رَقصةً ثعبانية مُجبرة لا ‏خيار فيها إلا البطء والخضوع.‏
تقدَّمَت سيارة نصفُ نقلٍ مُترنِّحة بحمولتها الخضراء، يعلوها ‏البرسيم كغطاءٍ بريءٍ يُخفي ما تحته. وما أن اقتربت من الكمين، حتى ‏التهمها الحصار من الجهات الأربع: جنودٌ كأنهم انبثقوا من الأرض، ‏بأصواتٍ كالرعد وقفزاتٍ كالصواعق. في لحظة، صُوِّبت البنادق، ‏وفُتحت الأبواب عُنوة.‏
هبطَ سائقٌ قرويٌّ مذهولٌ كمَن خرج لتوِّه من شاشة سينما، ‏ومعه امرأة غزَّاوية، في الأربعين من عمرها، مكسوةٌ بالسواد لا ‏بالخوف، تقفُ بثباتٍ لا تملك له وصفًا، كأنها جذع زيتونة لا تهزُّه ‏الريح. ونزلً معها شابان من فوق البرسيم، قُيِّدوا جميعًا، سُحبوا ‏كحكايةٍ من فم الريح، وسُلِّموا.‏
لكن القصة لم تبدأ بعد...‏
جنودٌ آخرون، أكثر مرونة وخبرة، يصعدون فوق البرسيم، ‏يقذفونه أرضًا بحركاتٍ متسارعة، كأنهم يُمزقون سِتار مسرحٍ قبل ‏العَرض. تظهر "الطبلية"، تُنتزع كأنها قِشرة كذب، وإذا بخمس بنادق ‏آلية وصندوق ذخيرة، قُدِّر له أن يُدفَن حيًّا تحت عُشب أخضر لا ذنب ‏له.‏
في تحقيقات النيابة العامة. لم تبكِ. لم تُنكر. في المحكمة رفعَت رأسها كما رفعَت بندقيتها في قلبها من قبل. بصوتٍ أجَش، صلب، ‏خالٍ من الرعشة، قالت:‏
‏ "هي أسلحتي، والذخيرة ذخيرتي. خبأتُها بنفسي تحت البرسيم، ‏ولم يعلم أحد من مرافقِيَّ شيئًا. هؤلاء أبرياء، وخُدِعوا كما خُدِع العالم ‏يوم سكتَ عن المذبحة."‏
سردَت قصتها كمن يسرد تاريخه بالدموع المكتومة. تحدَّثت عن ‏بيتٍ اقتحمَه العدُو، عن ثلاث بناتٍ جُرِّدن من أثوابهن، عن ابنٍ ضُرب ‏حتى سالت طفولته على الأسفلت، عن أسبوعين من العار المعتَّق في ‏زنازين المحتل.‏
قدَّمت للنيابة مستندات، وصورًا من الصحف، وأدلة ‏موثقة، تُظهر واقعة اقتحام بيتها. ثبت ما قالته، وتأكَّد.‏
القاعةُ ترتجف. جدرانها تلتقط ‏أنفاسها بصعوبة. الصمتُ ثقيلٌ كالكلمات غير المنطوقة. داخل القفص، ‏لا متهمين، بل رايات بشَرية تُرفرف بعناد. المحكمة أمام مأزق لم يُدرَّس ‏في كليات الحقوق. ‏
واجههُم القاضي بالتهمة، فما أنكر أحد. حتى أولئك الذين ‏سعَت المرأة لتبرئتهم اعترفوا، ورفعوا رؤوسهم بفخر، قالوا: "بل ‏نحن من جَلب لها السلاح والذخيرة، وساعدناها، نحن رجال، لا أقل ‏منها غَيرة ولا شهامة".‏
حين جاء الدور على الدفاع ليتكلم، رفعَت المرأة يدها من ‏القفص، واستأذنت بالكلام، تقدمت، ووقفت بثبات، وقالت: ‏
‏ "إن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وقفت أمام أبي بكر ‏الصدِّيق في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تدافع عن حقها في ‏أرض فدك، ولم يمنعها أحد من أن تترافع عن نفسها، فدعوني أقول ‏قولي".‏
ساد الصمتُ أرجاء القاعة، واشرَأبَّت الأعناق إليها، ‏واسترسلت:‏
‏"دخل الغاصبون بَيتي كما داسُوا أرضي. ضربوا بناتي، ‏وجرَّدونا من ملابسنا، حتى صِرنا كما ولدتنا أمهاتنا. دهسُوا طعامنا، ‏وحطموا ما في الدار، وتركوا ذلك كله 'إنذارًا'.‏
خرجتُ من الأسر بعد أسبوعَين، لا أنسَى ما عِشته. غَلَت ‏الدماء في عروقي، شعرتُ بالمذلة والعار، فقررتُ أن أثأر لكرامتي، ‏لبَيتي، لأرضي، لعِرضي، لبناتي. اشتريتُ السلاح وخبأته وكنتُ عائدة ‏به إلى وطني.‏
أصبحَت المحكمة في مأزق لم تَعرف مثله. الاعتراف ‏ساطع. السلاح بين أيديهم. والنية مُعلنَة. فكيف تُبرِّئ من ثبتت عليه ‏الجريمة؟ لكن الضمير كان أثقل من الورق، والوجدان أبلغ من ‏القانون.‏
في المداولة، نظر القضاةُ بعضهم إلى بعض، بوجوهٍ يَسكنها ‏الصمتُ وتُفصِحُ عن صراعٍ داخلي عنيف. ‏
تكلمَ رئيس الجلسة، سأل زميله الأحدث رأيه، فصمَت. ‏فسأل الأقدم منه، فمالت رموشه نحو الأرض، كأنهم جميعا يُصلُّون في ‏صمت، لا يريدون قول ما يُثقِلُ أرواحهم.‏
لم يجد الرئيس بُدًا من أن يتكلم أولا، كمن قرَّر أن يطعن تقاليد ‏المداولة بخِنجر الرحمة. قال بلا تردد: "سنقضي ببراءتهم. لا لسببٍ ‏قانونيٍّ أستطيع صَوغه الآن، بل لسببٍ إنسانيٍّ تتلعثم أمامه القوانين."‏
نطقَ زميلاه في صوتٍ واحد: "ونحن معك." ثم عانقاه كما ‏يُعانَق المُنتصر بعد معركةٍ روحية مريرة. وانحدرت الدموع في صمت ‏من تحت الأجفان التي يظنُّها الناسُ من حَجَر.‏
أمسكَ القلم، الذي ارتعشت به أنامله لا من التردُّد، بل من ‏فرَحٍ مَهيب، وكتَب:‏
‏ "حكمَت المحكمة حضوريًا ببراءة المتهمين مما نُسِبَ ى‏إليهم، ومصادرة الأسلحة والذخائر المضبوطة."‏ فانفجر الحضور بصوتٍ زَلزلَ الجدران: ‏"الله أكبر!"‏
ثم كتب رئيس الجلسة في سِرِّه:‏ لقد نطقنا بكلمة الحق، وما كان ذلك إلا بتوفيق من الله، الذي ‏يُنطِقُ كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ‏
ثم كانت المفاجأة... النيابة العامة لم تطعن على الحكم!! ‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نساء في قفص الاتهام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى