عبدالجليل حاكم - صولة يراع... مرافعة في محكمة المكّ

كان المساء من تلك الأمسيات التي تشبه القصائد القديمة؛ حين يهبّ النسيم على ساحة الديوان محمّلًا برائحة البنّ المحمّص واللبن الطازج، ويشتعل الضوء في الفانوس كما لو أنه عين الزمان نفسه تراقب ما يجري.
مجلس المكّ عامرٌ برجاله، عامرٌ بالهيبة التي تسبق الكلمات.
على يمين المكّ جلس العمد والأرابيب، وقد خفّت أصواتهم حين دخل أحد الضيوف الغرباء، رجل بسيط الملامح، عليه سمات من لا يعرف كثيرًا من طقوس الملوك ولا أسرار المجالس.
في منتصف الساحة فُرشت المائدة الكبرى — قدح الطعام الخشبي الكبيرة المعتقة بالسمن وزيت السمسم التي تعكس لهب المصابيح — فوقها لحومٌ مطهية برائحة البهار، وعصيدة بيضاء تتلألأ كالقمر في صحنها.
الأنامل تمتدّ في أدب، والألسنة تلهج بالحمد، والضحكات خافتة لا ترتفع فوق مقام المكّ.
كلّ شيء كان يسير على نسق العرف، فالمائدة في مجلس المكّ ليست طعامًا فحسب، بل طقسًا من طقوس المهابة، ودرسًا في الأدب والاحترام.
فيها يُقاس مقدار معرفة الرجال، لا بكم يأكلون، بل بمتى يضعون اللقمة ومتى يقومون عن المقام.
لكن العرف — مثل الخيط الرفيع — قد ينقطع حين يجهله أحد.
ففي تلك اللحظة، حين شبع الضيف الغريب وارتشف آخر جرعة من الشراب، نهض بكل طيب نية، مسح يديه، ثم همّ بالانصراف قبل المكّ.
لم ينتبه إلى صمت المجلس الذي جمد في مكانه، ولا إلى النظرات التي تبادلها الرجال، ولا إلى الهواء الذي صار أثقل من الكلمات.
لقد كُسر الطقس، وتاهت الهيبة.
المكّ أطرق رأسه قليلًا، لم يتكلم، لكن إشارته كانت كافية.
تحرك العمدة و ورفع صوته في مهابة:
“المجلس محكمة، والقضية عرف، والحكم للمكّ.”
اجتمع الرجال حول المائدة وقد تحولت من موضع كرمٍ إلى ساحة قضاء.
ووقف الضيف حائرًا، لا يدري ما جناه.
كان وجهه مزيجًا من الخوف والدهشة، وملامحه تقول بلسانٍ خافت: لم أكن أعلم…
حينها نهضتُ أنا لأتكلم.
كنت أعرف أن الكلمة في حضرة المكّ لا تُقال عبثًا، وأن المرافعة هنا ليست عن رجل، بل عن فكرة، عن معنى العرف وحدوده.
فأشرت بيدي إلى الجمع، وبدأت الحديث:
> “يا مانجل ، ويا وجوه القوم،
ما حدث الليلة ليس خطيئة، بل درس.
إنّ من جهل الطقس لم يُنكر المقام، ومن سبق المكّ في القيام لم يقصد التقليل، إنما جهل أن في المجلس سُنّةً غير مكتوبة، تُتوارث في الصدور لا في السطور.”
نظرتُ نحو الضيف، فرأيت في عينيه حيرةً تشبه دمعة طفلٍ أدرك خطأه بعد فوات الأوان.
تابعتُ المرافعة، وصوتي ينساب بين الحضور كما ينساب النيل في مواسم الفيضان:
> “يا مانجل،
إنّ المائدة في عرف الفونج مرآة لهيبة الملوك، لكنّها أيضًا عنوان للكرم.
والكرم لا يكون إن لم يُرفق بالحلم.
إنّ الضيف حين جلس إلى مائدتكم دخل إلى حقلٍ من الطقوس لا يعرفه، ومشى في أرضٍ من العرف لم تطأها قدماه من قبل، فهل يُعاقَب من ضلّ الطريق قبل أن يُعلَّمها؟
يا مانجل،
إنّ في العرف روحًا، وإن لم نفهم تلك الروح صرنا نعبد الشكل وننسى المعنى.”
تململ بعض العمد، وقال أحدهم بصوتٍ خافت:
“لكنّه أهان المجلس يا أبو جواد.”
فأجبته وأنا أوجّه الكلام للمكّ:
> “يا مانجل،
إنّ المجلس لا تُهينه الأفعال الصغيرة، بل الأقوال الجائرة.
وهيبة العرف لا تُحفظ بالخوف، بل بالحكمة.
إنّ ضيفكم هذا لم يكن متمرّدًا، بل غريبًا لم يتعلّم بعدُ كيف يُقيم في حضرة الملوك.
وما بين الجهل والعمد فرقٌ واسع كالمسافة بين ضفّتي النيل.”
سكتُّ قليلًا، وتركت الصمت يتكلم عني، ثم أردفتُ بنبرةٍ أقرب إلى الدعاء منها إلى الدفاع:
> “يا مانجل،
إنّ العرف تاج، لكنّ العفو إكليل فوقه.
وإنّك إن عفوتَ، بقي العرف مهيبًا، وإن شددتَ، خاف الناس المجلس وهربوا من هيبته.
العرفُ يا مانجل ليس سياجًا يُقيّد الناس، بل ظلٌّ يُظلّلهم من حرّ الفوضى.
والضيفُ الذي جهل المقام اليوم، سيصبح غدًا من روّاد هذا المقام، يحدث الناس عن حلم المكّ وعدله، لا عن شدّته.”
عمّ المجلس سكونٌ مهيب، كأن كل نفس تنتظر الكلمة التي تخرج من فم المكّ.
فرفع المكّ رأسه، وقال بصوته الوقور، العميق كجذر الشجرة القديمة:
> “لقد سمعتُ ما قلتَ يا ابوجواد ،
والحق أن العرف يُقيم المهابة، لكنّ الحلم يُقيم الإنسان.
إنّا لا نحكم على الجاهل بعرفنا، بل نعلّمه عرفنا،
ولا نكسر من دخل بيتنا، بل نكرمه حتى يتعلّم طريق البيت.”
ثم التفت إلى الضيف وقال بابتسامةٍ تذيب المهابة في الرحمة:
> “يا رجل،
ما قمتَ إلا لأنك شبعت، لكن في مجلسنا الشبع لا يُعلن بالقيام، بل بالشكر.
فاجلس، وشاركنا الشكر، فالعفو أول الطعام.”
فضحك الجمع، وعاد الدفء إلى المجلس، وعادت المائدة إلى كونها مائدة، لا ساحة حكم.
وخرج الضيف من المجلس ذلك اليوم وهو أكثر معرفة، وأكثر امتنانًا، ووراءه ظلّ الكلمة التي قيلت دفاعًا عنه، تهمس في أذنه كلما تذكّر الواقعة:
> “العرفُ يُعلَّم بالحلم، لا يُؤدَّب بالعقوبة.”
أما المكّ، فقد قال وهو ينهض من مجلسه:
> “احفظوا هذه الليلة يا قوم،
فليس كل من كسر العرف مذنبًا،
فقد يكسره الله ليذكّرنا أن العرف بلا رحمة يصبح سجناً،
وأن المهابة بلا حكمة تفقد معناها.”
وغادر المجلس كما يليق بملوك الفونج ، وترك وراءه أثرًا من نورٍ وابتسامةٍ من زمنٍ بعيد.
وفي قلبي أنا، ترسخت تلك اللحظة درسًا خالدًا:
أنّ الكلمة في حضرة العرف قد ترفع رأس رجلٍ بسيط، كما ترفع الأمة إلى مقام الإنسانية.
ولليراع صولات أخر.

٨أكتوبر٢٠٢٥م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى