في منزلٍ بلا نوافذ، جلسَت يارا تُقسِّم قطعة الخبز اليابس على إخوتها الثلاثة، وتُخفي نظراتها من ذاك الكائن الذي يُدعَى (أبًا)، لكنها لم تعرف له اسمًا سوى "الصاروخ"، اسمٌ سمِعَته من رجال الشرطة حين قبضوا عليه ذات مساء.
اعتاد الصاروخ ضرب أمهم وإهانتها، لكنها كانت تتحمَّل فداءً للأطفال، وحين تجاوزت حدَّ الاحتمال رحلت تاركة فِلذات كبدها، فأصبح الأطفال فريسةً سهلة، يُسخِّرهم في أعمالٍ لا تناسب أعمارهم، ويُمعِن في ضربهم إن رأى فيهم تقصيرًا أو تخيَّله.
وفي صباحٍ بارد، سمعَت يارا صرير باب غرفته، أدركت أن يومًا جديدًا من الجحيم قد بدأ: "لماذا تأكلون؟! أليس لديكم أعمال؟".
تجمَّد الأطفال في أماكنهم، ارتجفت سُهيلة، شهقَت بسَنت، وضمَّ سفيان يده إلى بطنه الجائع. كان الصاروخ يحمل خُرطومًا كهربائيًا وسكينًا، ويُزمجر كوحشٍ جائع: "لو صرخ أحدكم... لذبَحتُه!"
أمسك برأس بسنت ورطمها في الدولاب، خارت قواها وسقطت أرضًا. طلبت شَربة ماء… وليتها ما طلبت.
ساقها إلى الحمَّام ثم أدخل خرطومًا في فمها وفتح الماء بالقوة. مرَّتان حاولت بلعه، وفي الثالثة لفظته، فأعاد إدخاله بعنف وكتم أنفاسها، ثم رطم رأسها في الجدار وأرض الحمام مرارًا.
يارا فقدت الشعور بذراعها، بوجهها، بعينيها. لكنها رأت كل شيء، فتحت فمها لتعترض، لكن الصوت مات في حلقها حين رأت بسنت قد سكنت إلى الأبد، وفي المستشفى، استيقظت لتروي القصة.
********
قرأتُ القضيةَ سطورًا، لكني رأيتُها مشاهد، كأنها شريط سينمائي لا يحمل سوى الضرب والذل والدم.
نظرتُ في عينَي يارا، لا تُشبه طفلة في الثالثة عشرة، بل عجوزًا خرجت من معركةٍ دامية بلا سلاح، لم تتكلم كثيرًا… لكن وجهها كان يصرخ بما لا يُقال.
كنتُ أظنُني رأيتُ كل شيء، رأيتُ القتَلة، والسفاحين والخوَنة. لكنني اليوم… وقفتُ وجهًا لوجه مع هاويةٍ لا قاع لها، رأيتُ أبًا وهو يتحوَّل إلى آلة كسر… إلى موتٍ بملامح العائلة.
بسنت… يا طفلةَ الماء، يا زهرةَ الحكاية المذبوحة، كيف رحَلتِ بهذا الشكل؟ أيُّ براءةٍ تلك التي تُخنَق بخرطوم ماء؟ أي جحيمٍٍ هذا الذي يتوارى الشيطان منه خجلًا؟
حكمتُ في القضية، نعم... لكن قلبي لم يهدأ، ليس لأنني أشكُ في عدالة الحكم، بل لأنني أعلمُ يقينًا أنَّ العدالةَ في بعض المرات تأتي متأخرة، أو تأتي ناقصة، أو تأتي بعد أن يَغرَق الورد في الماء
.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مَن قال إن القُضاةَ لا يبكون.
اعتاد الصاروخ ضرب أمهم وإهانتها، لكنها كانت تتحمَّل فداءً للأطفال، وحين تجاوزت حدَّ الاحتمال رحلت تاركة فِلذات كبدها، فأصبح الأطفال فريسةً سهلة، يُسخِّرهم في أعمالٍ لا تناسب أعمارهم، ويُمعِن في ضربهم إن رأى فيهم تقصيرًا أو تخيَّله.
وفي صباحٍ بارد، سمعَت يارا صرير باب غرفته، أدركت أن يومًا جديدًا من الجحيم قد بدأ: "لماذا تأكلون؟! أليس لديكم أعمال؟".
تجمَّد الأطفال في أماكنهم، ارتجفت سُهيلة، شهقَت بسَنت، وضمَّ سفيان يده إلى بطنه الجائع. كان الصاروخ يحمل خُرطومًا كهربائيًا وسكينًا، ويُزمجر كوحشٍ جائع: "لو صرخ أحدكم... لذبَحتُه!"
أمسك برأس بسنت ورطمها في الدولاب، خارت قواها وسقطت أرضًا. طلبت شَربة ماء… وليتها ما طلبت.
ساقها إلى الحمَّام ثم أدخل خرطومًا في فمها وفتح الماء بالقوة. مرَّتان حاولت بلعه، وفي الثالثة لفظته، فأعاد إدخاله بعنف وكتم أنفاسها، ثم رطم رأسها في الجدار وأرض الحمام مرارًا.
يارا فقدت الشعور بذراعها، بوجهها، بعينيها. لكنها رأت كل شيء، فتحت فمها لتعترض، لكن الصوت مات في حلقها حين رأت بسنت قد سكنت إلى الأبد، وفي المستشفى، استيقظت لتروي القصة.
********
قرأتُ القضيةَ سطورًا، لكني رأيتُها مشاهد، كأنها شريط سينمائي لا يحمل سوى الضرب والذل والدم.
نظرتُ في عينَي يارا، لا تُشبه طفلة في الثالثة عشرة، بل عجوزًا خرجت من معركةٍ دامية بلا سلاح، لم تتكلم كثيرًا… لكن وجهها كان يصرخ بما لا يُقال.
كنتُ أظنُني رأيتُ كل شيء، رأيتُ القتَلة، والسفاحين والخوَنة. لكنني اليوم… وقفتُ وجهًا لوجه مع هاويةٍ لا قاع لها، رأيتُ أبًا وهو يتحوَّل إلى آلة كسر… إلى موتٍ بملامح العائلة.
بسنت… يا طفلةَ الماء، يا زهرةَ الحكاية المذبوحة، كيف رحَلتِ بهذا الشكل؟ أيُّ براءةٍ تلك التي تُخنَق بخرطوم ماء؟ أي جحيمٍٍ هذا الذي يتوارى الشيطان منه خجلًا؟
حكمتُ في القضية، نعم... لكن قلبي لم يهدأ، ليس لأنني أشكُ في عدالة الحكم، بل لأنني أعلمُ يقينًا أنَّ العدالةَ في بعض المرات تأتي متأخرة، أو تأتي ناقصة، أو تأتي بعد أن يَغرَق الورد في الماء
.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مَن قال إن القُضاةَ لا يبكون.