قصيدة «السوق» نصّ غنيّ بالّصّور والرّموز، يجمع بين الذاكرة الشخصية والتّأمل الاجتماعي والفلسفي. قصيدة ترحل بالقارئ إلى ذلك الزمن البعيد الذي ماترال بعض أنفاسه المتقطعة في أيامنا هذه على حوافي المناطق الرّيفيّة في الجزائر وفي كل البلاد العربية،وتظل الأسواق الشعبية خزّان للأسرار والمفااجآت في كل زمان،ومن خلال هذه القصيدة للشاعر الجزائري محمد توامي . نحاول دخول السّوق من كلّ أبوابها ومنافذه لنقدّم قراءة مركّزة تغطّي الفكرة الكبرى، اللّغة والصّياغة، البنية والصرخات النّفسية، مقارنة بين زمن الطفولة البسيط وزمن التكنولوجيا والجريمة العابرة للمجتمعات .
1 - الفكرة والمحور المركزي
- السوق هنا ليس مجرد فضاء مادي لتبادل البضاعة، بل رمز كوني للحياة الاجتماعية: خيال الحياة اليومية، صراع الرغبات والاحتياجات، معرض للقوّة والضعف، ومسرح لتقاطع الأزمنة. تتحول السوق إلى مرآة للمجتمع: من حركة القوافل القديمة وقِدمٍ راسخ إلى سوق معاصر يعجّ بالمظاهر الزائفة والاعتداءات الخفيّة تجاريًّا وأخلاقيًّا. ثمة نبرة حنين تخرّج من القصيدة لكنّها ليست نوستالجيا طفولية رقيقة فقط، بل استحضار لحياة «أولية» كانت للناس فيها مكان ووقت ووجوه أكثر إنسانية، مقابل زمنٍ تفتّق بالسطحية والاغتصاب الرمزي للذات.
2 - اللغة والأسلوب والصياغة
- اللّغة: فصحى منسجمة لكنّها مشبعة بعناصر المحكيّ الشّعبي (تقطّعات، تكرار، فجوات نَفَسيّة)، مما يمنح النص صوتاً قريباً من الناس والمكان.
- الصّور: ثرية ومتحرِّكة السّوق «باب» و«قوافل» و«صنْمٌ» و«خمر الرب» و«سحالي» و«خطاطيف»... كلها صور تعمل كمجسّات رمزية. الصورة أقوى عندما تزاوج بين الحسي والميتافيزيقي (مثلاً: السوق كمكان يمنح متعتين: النظر والاقتناء، ثم يتحوّل ليكون محراباً للرغبات والغرائز).
- التكرار والتوازي: تكرار «وللسوقِ بابٌ…» و«وللسوقِ..» يخلق إيقاعاً طقسيّاً، كإثبات لوجود دوران الزمن في السوق يفتح ويغلق، يعتق ويطمر.
- المفردات: انتقاؤها مدوّن بدقّة: «المرهقَة بالإتاوات»، «دولة الصراصير»، «مصيدة العنكبوت» كلمات تحمل أحشاء المدينة وتفضح آليات الاستغلال والفساد.
- الانزلاق الصوتي والبناء الجُملي: كثير من الجُمل طويلة منفلتة، فيها فواصل وانهيارات تعكس ارتعاش الراوي وعدم استقراره النفسي أمام مشاهد السوق.
-3. البناء الدرامي والزمني
القصيدة تسير بين الذاكرة واللحظة الحاضرة والخيال الليلي:
- البداية: السوق كباب مفتوح «منذ قديم الزمان» تأسيس تاريخي وزمني.
- الذكرُ التفصيلي لمظاهر السوق: حركته، بضاعته، مُترفّهاته وبؤسه.
- التحوّل الليلي: السوق يتغيّر، يغلق، الليل يفعل فعلته ،و هنا تتحول النّصيصة إلى رعبٍ خفيّ، حيث يسطع «فارس الليل»، و«حارس الليل»، و«أبواب مُقفِلات».
* المقاربة النهائية: الراوي يعود إلى الذات الصغيرة - لا بيع ولا شراء، ولا ظلّ، فقط كلمات حبالى - وفي سؤالٍ أخير: «هل الأرض أرضي؟ وهل حقق الشعراء ما يبقى؟» نهاية إنسانية متشكّكة.
هذا البناء يعطي القصيدة إيقاعًا شِعريًّا بين الحكي والسرد والشعر التأملي.
4 الحالة النّفسيّة والوجودية
القصيدة مسرح للشعور بالغربة والحنين:
* القلق والاختناق: «تضيقُ بساكِنها -فتعرصهم بالقنوط وبالموتِ» السوق تُخنق الناس، ليست فقط مادية بل وجودية.
* الاغتراب والتساؤل: الراوي لا يجد له مكاناً في السوق الحديث؛ يحمل دلاءً متعبة ويراقب الناس كأنهم «حجارة» أو «أجنحة طليقة».
- السكر الرّوحي مقابل السكر الاجتماعي: ظهور «نشوان من خمرة الرّب» و«سكرى وليسوا سكارى» تحوّل مذهل بين الإغماء الروحي والإدمان الاجتماعي/الاقتصادي. الناس مشوّهون، وهم يركضون «سكارى في كل وجهٍ» هذه صورة لفقدان الطمأنينة وهدر الإنسان في السوق.
5 - رموز دالّة وتحليلها
- الباب: بداية ونهاية، فتوح وإغلاق، استقبال وطرد -السوق كمصير شعبي.
- القوافل-الطرق: تاريخ وحركة، ارتباط بأزمنة ماضية.
-البضاعة المُزجاة-التاجرون: تبادل القيم والواجهات، وتراكم الاستغلال.
- الصنَم والمساحيق: تزييف القيم وتحويل الإنسان إلى سلعة-واجهة.
-الليل -حارس الليل: قوى خفيّة تحكم السوق، تعبّر عن سلطة الأوهام والقبضة الأمنية الاقتصادية.
- السحالي -خطاطيف: عناصر مفزعة تعبّر عن انفلات أخلاقي وعيش في هامش المجتمع.
- «الدُلاء» و«الكلمات الحبالى»: ثقل المعيشة وسبيل الشاعر الوحيد الكلمات التي تنجب معنى وتمدّ حياة.
6 - التاريخي والاجتماعي: زمن البساطة مقابل زمن التكنولوجيا والجريمة العابرة
- زمن الطفولة-البدائي: في النص يظهر كفترة أمن وهدوء ومألوف: رصيف، دكاكين، رفيف مثقل بالثمار والجوع هناك حياة اجتماعية متماسكة، لوجوه واضحة واحتكاك إنساني مباشر.
- زمن العاصفة (التكنولوجيا - العولمة): القصيدة تشير إلى تحوّل السوق إلى فضاء مُهرّب للمظاهر والاستغلال: بضاعة مُزجاة… تُراكِمُها التاجرون، دولة الصراصير ومصيدة العنكبوت -صور تسّد شبكات فساد، تهريب للقيم، وتحوّل الناس إلى وحدات استهلاك مستهدَفة من قِبل قوى لا وطنية.
- الجرائم العابرة للمجتمعات: النّص لا يذكر تكنولوجيا بلفظها، لكنّه يصوّر نتاجها: الانعزال، الاستغلال الممنهج، تجارة الجسد والرّمز، وسوقٍ هلامي يخطف العقول - كل هذا يتقاطع مع مفهوم الجريمة العابرة للحدود: شبكات استغلال، اقتصاديات الظل، وجوه زائفة.
- التوتر بين الذاكرة والتحديث: الشاعر يرفض الانقياد لهذا العصر لكنه يعترف بأنّ السّوق مفتوحة للجميع، بما في ذلك الخاسئون والمغفّلون.
7 - صوت الشاعر والموقف الأخلاقي
الشاعر هنا شاهِد مُهمَش، صوته مزيج من الحزن والمرارة والحنين. ليس هناك خطاب ثوري صريح، بل شهادة شعرية ومساءلة أخلاقية: للسوق سلطان على الأرواح، وعلى الوجوه، وعلى الذكريات. النهاية تسحب القارئ إلى سؤال وجودي: هل الأرض أرضي؟ وهل الشعر قادر على الاحتفاظ بالباقي؟
8 -مقترحات تأملية لاستخدام النص (تدريسي-نقدي)
1. درس صفّي: قسّم النص إلى ليل -نهار- ناقش كيف يتبدّل الخطاب والصور.
2. ورشة كتابة: اطلب من المتدرّبين أن يعيدوا كتابة مشهد سوق معاصر (مول-متجر إلكتروني) مستخدمين نفس الرّموز.
3. دراسة مقارنة: قارن هذا النّص بنصوص عن «السوق» عند شعراء آخرين (مثلاً: نصوص تُعالج السوق بوصفها فضاء اجتماعي أو أخلاقي).
4. زاوية تحليل اجتماعي: استخدم القصيدة كنقطة انطلاق لبحثٍ عن تحوّلات الأسواق المحلية تحت تأثير العولمة والتكنولوجيا. - قصيدة «السوق» لمحمد توّامي عمل يعيد السوق إلى مقام «سجلّ بشري» أكثر من كونه مكان تجارة. هي مرثية للواقعية الشعبية، وشكوى من اغتراب العصر، واستنطاق للأشياء والكائنات. الشاعر، بصوته الحزين المتسائل، يدعونا لنرى ما خلف الواجهة لنسأل: ماذا بقي من الأرض لنا؟ وهل سيحقق الشّعر ما يبقى من إنسانية؟ النّص يحتفظ بقدرته على الإيحاء والتذكير والاتهام الهادئ، ويعد قطعة قوية لقراءٍ يهتمّون باللّقاءات بين الشّعر والذاكرة والتاريخ الاجتماعي. قصيدة الســــــوق
"""""""""""""""
للسوقِ بابٌ .. يُفتحُ للعابرين منذ قديمِ الزمان
تأتي القوافلُ إثْرَ القوافلِ مُتربةً
وعلى كلِّ ضامرٍ تنسلُّ
من كلّ فَجٍّ عميقٍ و غيرِ عميقْ
والبضاعةُ مُزْجاةٌ ها هنا أوْ هنا يُراكِمُها التاجرون
تتبرّج ناهدةً بكلِّ فتنتها وتعتَرِضُ الناس
بكلِّ وجهٍ صفيقْ
وفي. السوقِ .. في كلِّ مقهى مُعتَّقةٌ
يشتهي سرّها السابلون
فتخذلهم خِفَّةٌ الجيوبْ
ويُمَنِّهُمُ عَبَقٌ في الطريقْ
وللسوقِ ، منذ قديم الزمانِ ، في ظلِّهِ
مُتْعتانْ
مُتعةُ النظر المُستباح .. ومتعةُ الإقتناءْ
أشياءُ يُزيِّنُها الإستهاءْ
ويرفعُها صنماً تُجلِّلُ خلقَتَهُ المساحيقْ
حوانيتُ مُرْهقَةً بالإتاواتِ وأخرى مُقفلةٌ
على دولةِ الصراصيرِ
ومَصيَدَة العنكبوتْ
تبحثُ عن تاجرٍ أو رفيقْ
يُؤهِّلُها للغوايةِ ثانيّةً ويستُرُ عورتَها
بِوَرْقة توتْ
وللسوقِ بابٌ يُقفَلُ حين يأمُر فارسُ
الليل
وحين تَعْنو البيوتْ
لآلهةِ الصمتِ ثم تضيقُ بساكِنها
فتعصرُهم بالقنوط وبالموْتِ
لتبْعَثَهم حمْأةً في أوّلِ الخَلْقِ
قبلَ الشَّهيقْ
كأَنْ لم يكونوا !
لِتَعتِقهم. في الصباحِ دُفْعةً أو فُرادى
وللسوقِ سطْوتُها فيهِمُ وبريقْ
كأنّها النارُ .. فوقَها يستقيمُ الصِّراطُ
والناسُ ، إمّا حجارٌ تسيل إلى القاعِ
وإمّا جناحٌ طليقْ
يحطُّ إلى خُضرة الصمتِ ،
نشوانُ من خمرة الرَّبِّ ليس يَفيقْ
وللسوقِ سوقٌ يعبُرُها السالكون
ليلاً
شفَّتْ نُفوسُهمُ فلم يأْبَهوا لغواياتها
ومضوْا طائرين بأجنحةٍ من ضباب
بين حدائقها الذّليلاتْ
ولكنّهم شُوهِدوا يركضون سكارى
في كلِّ وجْهٍ
فللسُّوقِ ابوابُها المُقفلاتْ
والنهارُ بعيدٌ
إلى أنْ يأْذَنَ حارسُ الليل
وللسوقِ سوقٌ هُلاميّةٌ تخطِفُ رُوَّادَها
في العقولِ
ثمّ تزرعُهم في السُّباتْ
سكارى وليسوا سكارى !
سحالي .. ينْسرِبون نحو الجِهاتْ
أو
خطاطيفَ يبنونَ أعشاشَهم في الكُوى
المُهْمَلاتْ
لِيُدْمِنوا - في ليلِهم والنهارِ - تماهيهِمُ
بالحياةْ
حين أذْبَلَ اللّغْوُ صوتي - أعني في البَدْءِ-
رأيْتُ الوجوهَ مُعبّأَةً بالأماني
والخُطى تتوزَّعُ الطُّرُقاتْ
كانتِ الرّغَباتْ
تُسابِقُ الوقتَ ، والوقتُ لم يكُنْ سيفاً كان عُكّازاً !
يتبعُهُ الناسُ إلى حتْفِهم في الدّكاكين
فيا أيتها السوقُ..
حين. هبطْتُ إلى ظلِّكِ يوما
كان الرّفيفُ مُثْقلاً بالثمارِ وبالجوعِ
وكان الرصيفُ غريباً ، والدّكاكينُ ..
والورِقُ المُتهالكُ بالسنواتِ كان غريبا
بين يدَيَّ والناسِ
والآن لا سوقَ .. لا بيعَ لي أو شِراءُ
ولا ظلّ لشمْسهم وارفاً كيْ أَميلَ إليهِ
وقدْ أرْهقَتْني الدِّلاءُ
هذه السوقُ مفتوحةٌ منذ قديم الزمان
للخائضين في نهرها وللنّهرِ مُتّسَعٌ
للجميع
من حيْرةِ الدّمِ الأزليّةِ إلى آخرِ اليَحْمورِ
حيثُ يهبُّ النداءُ
ولا وقتَ لي
لا مكانُ
غير الرّصيفِ العَلِيِّ حيثُ رائحةُ الأنبياءِ
ولا حِرْفة لي
سوى هذه الكلماتِ الحبالى
أقْتفي سِرّها حافيّاً وأُغَنِّيً :
هلِ الأرضُ أرضي ؟
وما يبقى هل حقّقَهُ الشعراءُ!؟
————————-
- شعر : محمد تُوّامي . النّص منشور على صفحة الشاعر.
- المدية : جوان/2021م
من ديواني المخطوط:(مرايا لوجه كافور
1 - الفكرة والمحور المركزي
- السوق هنا ليس مجرد فضاء مادي لتبادل البضاعة، بل رمز كوني للحياة الاجتماعية: خيال الحياة اليومية، صراع الرغبات والاحتياجات، معرض للقوّة والضعف، ومسرح لتقاطع الأزمنة. تتحول السوق إلى مرآة للمجتمع: من حركة القوافل القديمة وقِدمٍ راسخ إلى سوق معاصر يعجّ بالمظاهر الزائفة والاعتداءات الخفيّة تجاريًّا وأخلاقيًّا. ثمة نبرة حنين تخرّج من القصيدة لكنّها ليست نوستالجيا طفولية رقيقة فقط، بل استحضار لحياة «أولية» كانت للناس فيها مكان ووقت ووجوه أكثر إنسانية، مقابل زمنٍ تفتّق بالسطحية والاغتصاب الرمزي للذات.
2 - اللغة والأسلوب والصياغة
- اللّغة: فصحى منسجمة لكنّها مشبعة بعناصر المحكيّ الشّعبي (تقطّعات، تكرار، فجوات نَفَسيّة)، مما يمنح النص صوتاً قريباً من الناس والمكان.
- الصّور: ثرية ومتحرِّكة السّوق «باب» و«قوافل» و«صنْمٌ» و«خمر الرب» و«سحالي» و«خطاطيف»... كلها صور تعمل كمجسّات رمزية. الصورة أقوى عندما تزاوج بين الحسي والميتافيزيقي (مثلاً: السوق كمكان يمنح متعتين: النظر والاقتناء، ثم يتحوّل ليكون محراباً للرغبات والغرائز).
- التكرار والتوازي: تكرار «وللسوقِ بابٌ…» و«وللسوقِ..» يخلق إيقاعاً طقسيّاً، كإثبات لوجود دوران الزمن في السوق يفتح ويغلق، يعتق ويطمر.
- المفردات: انتقاؤها مدوّن بدقّة: «المرهقَة بالإتاوات»، «دولة الصراصير»، «مصيدة العنكبوت» كلمات تحمل أحشاء المدينة وتفضح آليات الاستغلال والفساد.
- الانزلاق الصوتي والبناء الجُملي: كثير من الجُمل طويلة منفلتة، فيها فواصل وانهيارات تعكس ارتعاش الراوي وعدم استقراره النفسي أمام مشاهد السوق.
-3. البناء الدرامي والزمني
القصيدة تسير بين الذاكرة واللحظة الحاضرة والخيال الليلي:
- البداية: السوق كباب مفتوح «منذ قديم الزمان» تأسيس تاريخي وزمني.
- الذكرُ التفصيلي لمظاهر السوق: حركته، بضاعته، مُترفّهاته وبؤسه.
- التحوّل الليلي: السوق يتغيّر، يغلق، الليل يفعل فعلته ،و هنا تتحول النّصيصة إلى رعبٍ خفيّ، حيث يسطع «فارس الليل»، و«حارس الليل»، و«أبواب مُقفِلات».
* المقاربة النهائية: الراوي يعود إلى الذات الصغيرة - لا بيع ولا شراء، ولا ظلّ، فقط كلمات حبالى - وفي سؤالٍ أخير: «هل الأرض أرضي؟ وهل حقق الشعراء ما يبقى؟» نهاية إنسانية متشكّكة.
هذا البناء يعطي القصيدة إيقاعًا شِعريًّا بين الحكي والسرد والشعر التأملي.
4 الحالة النّفسيّة والوجودية
القصيدة مسرح للشعور بالغربة والحنين:
* القلق والاختناق: «تضيقُ بساكِنها -فتعرصهم بالقنوط وبالموتِ» السوق تُخنق الناس، ليست فقط مادية بل وجودية.
* الاغتراب والتساؤل: الراوي لا يجد له مكاناً في السوق الحديث؛ يحمل دلاءً متعبة ويراقب الناس كأنهم «حجارة» أو «أجنحة طليقة».
- السكر الرّوحي مقابل السكر الاجتماعي: ظهور «نشوان من خمرة الرّب» و«سكرى وليسوا سكارى» تحوّل مذهل بين الإغماء الروحي والإدمان الاجتماعي/الاقتصادي. الناس مشوّهون، وهم يركضون «سكارى في كل وجهٍ» هذه صورة لفقدان الطمأنينة وهدر الإنسان في السوق.
5 - رموز دالّة وتحليلها
- الباب: بداية ونهاية، فتوح وإغلاق، استقبال وطرد -السوق كمصير شعبي.
- القوافل-الطرق: تاريخ وحركة، ارتباط بأزمنة ماضية.
-البضاعة المُزجاة-التاجرون: تبادل القيم والواجهات، وتراكم الاستغلال.
- الصنَم والمساحيق: تزييف القيم وتحويل الإنسان إلى سلعة-واجهة.
-الليل -حارس الليل: قوى خفيّة تحكم السوق، تعبّر عن سلطة الأوهام والقبضة الأمنية الاقتصادية.
- السحالي -خطاطيف: عناصر مفزعة تعبّر عن انفلات أخلاقي وعيش في هامش المجتمع.
- «الدُلاء» و«الكلمات الحبالى»: ثقل المعيشة وسبيل الشاعر الوحيد الكلمات التي تنجب معنى وتمدّ حياة.
6 - التاريخي والاجتماعي: زمن البساطة مقابل زمن التكنولوجيا والجريمة العابرة
- زمن الطفولة-البدائي: في النص يظهر كفترة أمن وهدوء ومألوف: رصيف، دكاكين، رفيف مثقل بالثمار والجوع هناك حياة اجتماعية متماسكة، لوجوه واضحة واحتكاك إنساني مباشر.
- زمن العاصفة (التكنولوجيا - العولمة): القصيدة تشير إلى تحوّل السوق إلى فضاء مُهرّب للمظاهر والاستغلال: بضاعة مُزجاة… تُراكِمُها التاجرون، دولة الصراصير ومصيدة العنكبوت -صور تسّد شبكات فساد، تهريب للقيم، وتحوّل الناس إلى وحدات استهلاك مستهدَفة من قِبل قوى لا وطنية.
- الجرائم العابرة للمجتمعات: النّص لا يذكر تكنولوجيا بلفظها، لكنّه يصوّر نتاجها: الانعزال، الاستغلال الممنهج، تجارة الجسد والرّمز، وسوقٍ هلامي يخطف العقول - كل هذا يتقاطع مع مفهوم الجريمة العابرة للحدود: شبكات استغلال، اقتصاديات الظل، وجوه زائفة.
- التوتر بين الذاكرة والتحديث: الشاعر يرفض الانقياد لهذا العصر لكنه يعترف بأنّ السّوق مفتوحة للجميع، بما في ذلك الخاسئون والمغفّلون.
7 - صوت الشاعر والموقف الأخلاقي
الشاعر هنا شاهِد مُهمَش، صوته مزيج من الحزن والمرارة والحنين. ليس هناك خطاب ثوري صريح، بل شهادة شعرية ومساءلة أخلاقية: للسوق سلطان على الأرواح، وعلى الوجوه، وعلى الذكريات. النهاية تسحب القارئ إلى سؤال وجودي: هل الأرض أرضي؟ وهل الشعر قادر على الاحتفاظ بالباقي؟
8 -مقترحات تأملية لاستخدام النص (تدريسي-نقدي)
1. درس صفّي: قسّم النص إلى ليل -نهار- ناقش كيف يتبدّل الخطاب والصور.
2. ورشة كتابة: اطلب من المتدرّبين أن يعيدوا كتابة مشهد سوق معاصر (مول-متجر إلكتروني) مستخدمين نفس الرّموز.
3. دراسة مقارنة: قارن هذا النّص بنصوص عن «السوق» عند شعراء آخرين (مثلاً: نصوص تُعالج السوق بوصفها فضاء اجتماعي أو أخلاقي).
4. زاوية تحليل اجتماعي: استخدم القصيدة كنقطة انطلاق لبحثٍ عن تحوّلات الأسواق المحلية تحت تأثير العولمة والتكنولوجيا. - قصيدة «السوق» لمحمد توّامي عمل يعيد السوق إلى مقام «سجلّ بشري» أكثر من كونه مكان تجارة. هي مرثية للواقعية الشعبية، وشكوى من اغتراب العصر، واستنطاق للأشياء والكائنات. الشاعر، بصوته الحزين المتسائل، يدعونا لنرى ما خلف الواجهة لنسأل: ماذا بقي من الأرض لنا؟ وهل سيحقق الشّعر ما يبقى من إنسانية؟ النّص يحتفظ بقدرته على الإيحاء والتذكير والاتهام الهادئ، ويعد قطعة قوية لقراءٍ يهتمّون باللّقاءات بين الشّعر والذاكرة والتاريخ الاجتماعي. قصيدة الســــــوق
"""""""""""""""
للسوقِ بابٌ .. يُفتحُ للعابرين منذ قديمِ الزمان
تأتي القوافلُ إثْرَ القوافلِ مُتربةً
وعلى كلِّ ضامرٍ تنسلُّ
من كلّ فَجٍّ عميقٍ و غيرِ عميقْ
والبضاعةُ مُزْجاةٌ ها هنا أوْ هنا يُراكِمُها التاجرون
تتبرّج ناهدةً بكلِّ فتنتها وتعتَرِضُ الناس
بكلِّ وجهٍ صفيقْ
وفي. السوقِ .. في كلِّ مقهى مُعتَّقةٌ
يشتهي سرّها السابلون
فتخذلهم خِفَّةٌ الجيوبْ
ويُمَنِّهُمُ عَبَقٌ في الطريقْ
وللسوقِ ، منذ قديم الزمانِ ، في ظلِّهِ
مُتْعتانْ
مُتعةُ النظر المُستباح .. ومتعةُ الإقتناءْ
أشياءُ يُزيِّنُها الإستهاءْ
ويرفعُها صنماً تُجلِّلُ خلقَتَهُ المساحيقْ
حوانيتُ مُرْهقَةً بالإتاواتِ وأخرى مُقفلةٌ
على دولةِ الصراصيرِ
ومَصيَدَة العنكبوتْ
تبحثُ عن تاجرٍ أو رفيقْ
يُؤهِّلُها للغوايةِ ثانيّةً ويستُرُ عورتَها
بِوَرْقة توتْ
وللسوقِ بابٌ يُقفَلُ حين يأمُر فارسُ
الليل
وحين تَعْنو البيوتْ
لآلهةِ الصمتِ ثم تضيقُ بساكِنها
فتعصرُهم بالقنوط وبالموْتِ
لتبْعَثَهم حمْأةً في أوّلِ الخَلْقِ
قبلَ الشَّهيقْ
كأَنْ لم يكونوا !
لِتَعتِقهم. في الصباحِ دُفْعةً أو فُرادى
وللسوقِ سطْوتُها فيهِمُ وبريقْ
كأنّها النارُ .. فوقَها يستقيمُ الصِّراطُ
والناسُ ، إمّا حجارٌ تسيل إلى القاعِ
وإمّا جناحٌ طليقْ
يحطُّ إلى خُضرة الصمتِ ،
نشوانُ من خمرة الرَّبِّ ليس يَفيقْ
وللسوقِ سوقٌ يعبُرُها السالكون
ليلاً
شفَّتْ نُفوسُهمُ فلم يأْبَهوا لغواياتها
ومضوْا طائرين بأجنحةٍ من ضباب
بين حدائقها الذّليلاتْ
ولكنّهم شُوهِدوا يركضون سكارى
في كلِّ وجْهٍ
فللسُّوقِ ابوابُها المُقفلاتْ
والنهارُ بعيدٌ
إلى أنْ يأْذَنَ حارسُ الليل
وللسوقِ سوقٌ هُلاميّةٌ تخطِفُ رُوَّادَها
في العقولِ
ثمّ تزرعُهم في السُّباتْ
سكارى وليسوا سكارى !
سحالي .. ينْسرِبون نحو الجِهاتْ
أو
خطاطيفَ يبنونَ أعشاشَهم في الكُوى
المُهْمَلاتْ
لِيُدْمِنوا - في ليلِهم والنهارِ - تماهيهِمُ
بالحياةْ
حين أذْبَلَ اللّغْوُ صوتي - أعني في البَدْءِ-
رأيْتُ الوجوهَ مُعبّأَةً بالأماني
والخُطى تتوزَّعُ الطُّرُقاتْ
كانتِ الرّغَباتْ
تُسابِقُ الوقتَ ، والوقتُ لم يكُنْ سيفاً كان عُكّازاً !
يتبعُهُ الناسُ إلى حتْفِهم في الدّكاكين
فيا أيتها السوقُ..
حين. هبطْتُ إلى ظلِّكِ يوما
كان الرّفيفُ مُثْقلاً بالثمارِ وبالجوعِ
وكان الرصيفُ غريباً ، والدّكاكينُ ..
والورِقُ المُتهالكُ بالسنواتِ كان غريبا
بين يدَيَّ والناسِ
والآن لا سوقَ .. لا بيعَ لي أو شِراءُ
ولا ظلّ لشمْسهم وارفاً كيْ أَميلَ إليهِ
وقدْ أرْهقَتْني الدِّلاءُ
هذه السوقُ مفتوحةٌ منذ قديم الزمان
للخائضين في نهرها وللنّهرِ مُتّسَعٌ
للجميع
من حيْرةِ الدّمِ الأزليّةِ إلى آخرِ اليَحْمورِ
حيثُ يهبُّ النداءُ
ولا وقتَ لي
لا مكانُ
غير الرّصيفِ العَلِيِّ حيثُ رائحةُ الأنبياءِ
ولا حِرْفة لي
سوى هذه الكلماتِ الحبالى
أقْتفي سِرّها حافيّاً وأُغَنِّيً :
هلِ الأرضُ أرضي ؟
وما يبقى هل حقّقَهُ الشعراءُ!؟
————————-
- شعر : محمد تُوّامي . النّص منشور على صفحة الشاعر.
- المدية : جوان/2021م
من ديواني المخطوط:(مرايا لوجه كافور