حسين عبروس - الكتابة... فروسيّة الكلمة وامتحان الموهبة...!

ليست الكتابة مهارةً عابرة ولا هوايةً تُمارس في أوقات الفراغ، بل هي فروسية نادرة لا يتقنها إلا من ملك الموهبة وامتطى صهوة اللّغة بعقلٍ نيّر وذوقٍ رفيع وقلبٍ مفعم بالمسؤولية الجمالية. فكما لا يقدر على ترويض الفرس الأصيلة إلا فارسها الأوحد، لا يقدر على ترويض النصّ إلا المبدع الذي يعرف نبض اللغة وصرير الحروف وأنفاس المعنى.
- الخيول الأصيلة تعرف من يمتطيها.
تتحسّس فارسها من يده وهي تمسك اللّجام والعنان، ومن قدميه وهي تدرج في الرِّكَابِ، ومن صوته وهوالإيقاع الأول الذي يعلن الانطلاق. فهي لا تنقاد لكلّ طارقٍ، بل تصغي فقط لمن تماهى معها في الإيقاع والأنفاس.
كذلك اللغة... لا تُفتح أبوابها لكلّ من يطرقها. فهي كائن نبيل، تسمع من الكاتب الموهوب نغمة البدء، وتأنس له إذا أحسن الإصغاء لجوهرها. أمّا من يقتحمها بلا عُدّة ولا تأهّب، فإنها ترفضه وتلفظه، لأنه لم يتعلّم بعد أن الكتابة ليست ركوبًا بل تحامُلٌ شريف على الصعب الجميل.
الفارس الحقّ لا يمتطي جواده بغير إعداد: ينتقي السرج، ويهيّئ الخوذة، ويضبط اللباس والحذاء، ثم يمدّ يده إلى اللجام بطمأنينة العارف.
وهكذا الكاتب الأصيل، لا يشرع في الكتابة إلا بعد أن يُهيّئ أدواته الروحية والفكرية واللغوية. فالنصّ بالنسبة إليه معركة شريفة بين المعنى والمبنى، بين الفكرة والمجاز، لا يخوضها إلا من تدرّب طويلًا على الصبر والدقّة وحسّ التناسق.
أمّا أشباه الفرسان من الكتبة والمتشاعرين، فهم أولئك الذين يظنون أنّ الكتابة مجرّد ركوبٍ سريع على ظهر الكلمات. يهمزون النصّ همزًا، يضربونه بالسوط، يظنون أنّ القسوة إبداع، وأن الضجيج موسيقى. لكنّ الفرس اللغوي لا ينقاد للمُدّعين، بل يلفظهم عند أول خطوة، لأنهم يفتقرون إلى الفروسية الداخلية،فروسيّة الذوق، والوعي، والتأمل. إنهم لا يسمعون أنين الحروف ولا يُحسنون لمس نغمتها، فيسقطون في "الكتابة الخشنة" التي لا حياة فيها ولا دهشة.
الفارس الحقيقي حين يكتب، يُنصت إلى النصّ كما يُنصت إلى أنفاس جواده. يعرف متى يُطلقه ومتى يُمسك بلجامه، ومتى يُرخي الإيقاع
ومتى يشدّه.،وهولا يستعرض قوّته، بل يُظهر حكمته، ولا يجلد اللغة بالسوط، بل يُحادثها كما يُحادث رفيقةَ دربه. لأن الكتابة ليست تمرينًا على السيطرة، بل فنّ القيادة الرؤوم، القيادة التي تصدر عن الحبّ والذكاء والجمال في آنٍ واحد.
إنّ الكتابة بهذا المعنى ليست حرفة، بل امتحان للموهبة وامتحان للإنسان أيضًا. فهي تكشف معدن الكاتب كما تكشف المعركة معدن الفارس. في لحظة الصراع بين الفكرة والتعبير، بين الجمال والصدق، يُعرف الكاتب الحقّ من المتشاعر الزائف. الكاتب الأصيل يتقدّم إلى النصّ كما يتقدّم الفارس إلى المضمار: واثقًا، متواضعًا، محمّلًا بشرف المعنى وبأخلاق الجمال.
الخاتمة
الخاتمة
إنّ الكتابة الحقيقيّة كالفروسيّة الحقيقيّة قيمة أخلاقيّة وجماليّة معًا. فهي ليست مجرّد إبداع فنّي، بل ميثاق داخلي بين الكاتب ولغته. من لم يحترم اللّغة لا يملكها، ومن لم يتأدّب بأخلاقها لا يُبدع بها.
فالكاتب الموهوب هو الذي يوازن بين التّحكّم والحرّية، بين انضباط البنية وجموح الخيال، فيُمسك بلجام النّص دون أن يخنق روحه.
أمّا أولئك الذين يقتحمون الكتابة بلا تدريبٍ ولا وعيٍ، فمصيرهم كمصير الفرسان المزيّفين ،نّهم يسقطون في أول منعطف، لأنّهم لم يتعلّموا فنّ ركوب الجمال الإبداعي والفكري.
- لك أيّها الكاتب قبل أن تمتطي صهوة الكلمة، هيّئ لها سروجها اللّغوية، وخوذتك المعرفيّة، ولباسك الجمالي، ثم ادخل الميدان بلا سوطٍ ولا ضجيج، فالنصّ الأصيل لا يُروّض بفجاجة القول ،ولا بلجاجة العنف، بل يُقَاد بالحبّ والذكاء والفنّ.
هكذا وحدهم الفرسان الحقيقيون للكتابة يصنعون الخلود، لأنّهم لا يكتبون ليُقال إنّهم كتبوا، بل ليُضيئوا بما كتبوا أدغال النّفوس المظلمة التي يسكنها الجفاء.
Peut être une image de une personne ou plus et texte

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى