المستشار بهاء المري - ازدواج. (بجريدة عقيدتي).

ليست كل الجرائم مجرد أفعال مادية تُقاس بالنتائج المباشرة. بعض الجرائم تكشف ما هو أعمق. تُعرِّي خللًا أخلاقيًا متجذرًا في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى "الآخر"، خاصة إذا كان مختلفًا.
شاب يطلب من آخر التعرف عليه من خلال موقع تواصل، يلتقيان، يتضح الهدف وهو سرقة متعلقات الآخر بالإكراه. واقعة اجتمعت كل العناصر الجنائية: التخطيط، الإكراه، والسرقة، لكن القراءة المتأنية لما جرى تخرج بالقضية من ساحة القانون إلى ميدان الضمير.
حين يستغل شخص ما رغبة الآخر في اللقاء، فإن الجريمة لا تقتصر على ما أُخذ منه، بل تمتد إلى ما أُهدر داخله: كرامته، إنسانيته، حقه في أن يعيش دون خوف. الخيانة هنا ليست فقط جنائية، بل إنسانية.
في كل جريمة هناك طرف خفي غالبًا ما لا يُحاسب: المجتمع الصامت، ذلك الذي يشاهد، ويُبرر، أو يتجاهل ما لا يروق له، خاصة إذا تعلّق الأمر بضحية لا تنتمي إلى "التيار العام" أو تثير خلافًا في الهوية أو التوجه. حين يتحول الاختلاف إلى مبرر للتشهير أو التنكيل، فنحن أمام بيئة تنتج الظلم لا تحاربه.
الشريعة الإسلامية، كسائر الشرائع السماوية، لا تقوم على العقوبات فقط، بل على منظومة أخلاقية متكاملة. من يُدين السرقة، هو نفسه من يأمر بالستر، وينهى عن الغدر، ويدعو إلى الرحمة حتى مع من يختلفون معنا في القناعات والسلوك. العدالة الحقيقية تنبع من قلب يخشى الله، لا من لسان يُنادي بالشريعة بينما يخرق جوهرها.
تُرعبنا بعض الجرائم لأنها تكشف هشاشتنا، لا فقط في القانون، بل في التربية والوعي. عندما يُصبح الإنسان سلعة تُستغل، أو توجهه مبررًا للانتقام، فإننا أمام خلل جمعي يستحق الوقوف لا التبرير.
واحدة من أخطر الانهيارات في هذه القضية لم تكن فقط في فعل الجاني، بل في ردّ فعل المجتمع. حين يُعتدى على شخص مختلف في ميوله أو هويته، يتردد السؤال البائس: "لماذا وضع نفسه في هذا الموقف؟" وكأننا نبحث دائمًا عن سبب لاتهام الضحية بدلًا من حماية حقها.
هذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ. تواطؤ مغلّف بثوب الفضيلة. فالمجتمع الذي يغضّ الطرف عن الظلم إذا طال المختلف، إنما يشارك في صناعته بصمت خائف أو ازدراء مبرمج.
المسؤولية لا تتوقف عند الفاعل وحده، بل تمتد إلى بيئة كاملة سمحت، وسكتت، وربما باركت ضمنيًا هذا الانحدار القيمي. السؤال الذي لا بد من طرحه اليوم هو: هل نُربي أبناءنا على احترام المختلف، أم على الشك فيه؟ هل نغرس فيهم الرحمة، أم الخوف من الآخر؟ هل نعلّمهم أن الخطأ يُقوَّم، لا أن يُعاقب بالإذلال أو التشهير أو الإقصاء؟
ما يجري في الواقع من إقصاءٍ وتمييز ضد من لا يشبهون "الأنموذج النمطي"، هو شكل آخر من العنف المقنن ثقافيًا. إنه عنف لا يحمل سكينًا، لكنه يُمزّق الروح، ويُغذي الكراهية، ويُربّي أجيالًا على الخوف لا على الفهم.
العدالة الحقيقية لا تُبنى فقط في قاعات المحاكم، بل في النفوس التي تنبض بالرحمة، في القلوب التي ترفض أن ترى إنسانًا يُهان لأنه اختار شيئًا لا يروق لنا. حين يفقد الإنسان ضميره، يصبح كل ما تبقى من قوانين مجرد أوراق باردة لا تداوي الجراح ولا تصنع مجتمعًا.
من يسرق هاتفًا، ربما سرق قبله ضميره. ومن يغدر باسم الأخلاق، لا يملك منها إلا قشرتها. والتديّن الحق لا يسكت عن الظلم، بل يصرخ في وجهه، ولو خالف هواه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى