فنون بصرية د. بلقيس بابو - الفن التشكيلي المغربي بين النشأة و التجليات

عُرفَ المغرب بفنون العمارة و النقش على الخشب و النحاس، الزليج و الفسيفساء و الأزياء ثم الحلي، و كل الحرف التقليدية التي حملت بين طياتها إرثا إبداعيا زاخرا و متميزا لكن محملا في النفس الوقت بالمعتقد الحضاري و الديني، فعوض المسلمون نقصهم اللافت للانتباه في مجال اللوحة التشكيلية بالتصوير التشكيلي القائم على الخط بمختلف أنواعه، و تففنوا المسلمون فيه، و هكذا كتبوا بالخط الكوفي، والخط الديواني، والخط الفارسي، وخط الرقعة، وخط النسخ و ما إلى ذلك.
إذ لم يعرف المغرب اللوحة التشكيلية إلا في بداية القرن العشرين، وبالضبط سنة 1920م، متأثرا في ذلك باللوحة الغربية المسندة التي ظهرت إبان المرحلة التشكيلية الكلاسيكية، وقد تحقق هذا التأسيس بواسطة الاحتكاك بالغرب، خلال الفترة الاستعمارية.
ففي ظلّ الوجود الاستعماري الإسباني والفرنسي، وما فرضه من حركة تثاقف وتبادل خبرات، ظهرت الطلائع الأولى لتشكيليين مغاربة كانوا يتعاطون الرسم والتصوير في صمت، بمن فيهم محمد بن علي الرباطي، سيدي المفضل أفيلال، عبد السلام الفاسي بن العربي، الجيلالي بن سلام، عبد الكريم الوزاني وطلال الشعيبية التي عُدّت ظاهرة التشكيل في المغرب.
إن الجدل حول تأسيس الفنّ التشكيليّ في المغرب يعتريه بعضُ الغموض لكونه جدلًا محكومًا بإكراهاتٍ إيديولوجيّة، فأوّل الذين اهتمّوا بهذا الفنّ وبلوروه بطريقة متميّزة هم الفنّانون الأجانب الذين استوطنوا المغربَ وانبهروا بطبيعته وعمرانه وأنماطِ حياته وعكسوها في أعمالهم. لذلك فإنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا هو: هل نستند في تأريخنا للفنّ التشكيليّ المغربيّ إلى قوانينَ خارج العمل الفنيّ، وتتحكّم فيه نوازعُ إيديولوجيّة، أمْ أن هناك اشتراطات موضوعيّة شكّلت الإطار المرجعيّ للعمل التشكيليّ لدى هؤلاء الفنّانين "المستشرقين" الملتحمين بالمغرب وثقافته؟
كانت هذه الحركة التشكيلية تحتضنها مدنٌ عريقة عُرفت بطابعها الحضاري والمعماري وميل ساكنتها الفطري إلى الفن، مثل تطوان التي أنشأ بها ماريانو برتوتشي M. Bertuchi مدرسة الفنون الجميلة (1945) وأصيلة، مراكش؛ ثم الدار البيضاء التي تأسست فيها مدرسة الفنون الجميلة (1952) تحت إشراف الرسام الفرنسي جاك ماجوريل J. Majorelle، التي اعتمدت في منهاجها التعليمي التجريد وحرية الانتشار الخطي واللوني داخل مساحة السند وفضائه.

1761819406241.png

نشأ في المغرب الجيل الأول من الفنانين وكانت أعمالهم تصنّف من الفن الفطري لعدم دراستهم الفنون في الأكاديميات الفنية الحديثة، ومن بينهم الفنان محمد بن علي الرباطي، مواليد العام 1861، والفنانة الشعيبية طلال، مواليد العام 1929 وغيرهما من هذا الجيل الذي أسّس فكرة قيام حركة تشكيلية مغربية.
بعد ذلك جاء جيل جديد كان قد درس في المدارس والمعاهد الفنية، وهو الجيل الثاني للفن التشكيلي المغربي، والذي كان له الدور الأكبر في ترسيخ فكرة الفن التشكيلي الحديث من خلال تجارب شابة تعلّمت أغلبها في الغرب.
ومن هنا، بدأ الفن التشكيلي المغربي برسم لوحات تشكيلية فطرية، وواقعية، وتشخيصية. وبعد ذلك، تأسست مدارس التشكيل بالمغرب كمدرسة الشمال، ومدرسة الجنوب، ومدرسة الدار البيضاء لتأطير الفن التشكيلي المغربي داخل إطار أكاديمي.
ومن أبرز هذه التجارب تحضر تجربة الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية ومحمد المليحي، والتي كان لها الأثر البالغ في تشكيل مفاهيم جديدة خصوصا للفن التجريدي العربي الحديث.
يؤكّد المؤرخون أن الجيلالي الغرباوي (1930-1971) هو أوّل من رسم اللوحة التجريدية، وكان ذلك في بداية خمسينات القرن الماضي، وتبعه أحمد الشرقاوي (1934-1967) بعد فترة قصيرة، أي قبل تجارب الفنانين العراقيين والمشارقة بشكل عام، لأن جماعة البعد الواحد في بغداد كانت قد تأسّست في بداية السبعينات من القرن الماضي من قبل الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد.
اقترب الفنان الغرباوي كثيرا من الموروث الشعبي المغربي وابتعد إلى من التوجيهات الأكاديمية، فأصبحت له خصوصية في خطابه التشكيلي التي جعلته متفرّدا حتى بين زملائه التشكيليين الغربيين في فرنسا.
وكما فعل الغرباوي، استبعد أحمد الشرقاوي الأكاديمية من مشروعه الفني، وكلاهما حفر في عمق الذاكرة التشكيلية المغربية والعربية بحداثة فنية غير مسبوقة في المنطقة كلها، حيث كانت لهما الريادة في الدخول إلى مناطق لم تطأها قدم فنان من المغرب قبلهم بل من البلدان المجاورة أيضا.
أما فريد بلكاهية (1934-2014) فتميّز الخطاب التشكيلي عنده بامتداد مساحاته الملونة ومفرداته المبتكرة، خاصة تلك التي استخدمت تيمة الشجرة حسب رؤية معاصرة ومتكئة على الموروث المغربي الغني بالألوان والأشكال، انطلاقا من الزخارف المعمارية، مرورا بتشكيلات الحنة والوشم والكتابة وصولا إلى الفسيفساء.
إن عودة الفنان التشكيلي المغربي إلى تراثه الجغرافي والفكري و الإبداعي، كانت غايته البحث عن أساليب جديدة للتعبير والتقرب إلى الهوية التي ينتمي إليها، كما محاولة التخلص من التبعية الغربية التي كانت تهيمن عليه.
لقد استطاع الفنان المغربي بعودته إلى التراث أن يبني لنفسه أساسات يعتمدها لبناء حداثة خاصة به تواكب و تساير و ليست منصهرة بالكامل.
كان البيت المغربي ورشة مفتوحة لتعاطي الفن في جذوره الثقافية المتنوعة (السجاد، الزربية، الخزف، الحلي، الحناء، الزليج، الفسيفساء والنقوش)، غير أن هذه التجربة التشكيلية بمفهومها الحديث، وإن كانت تستلهم ما سبقها وتنفتح عليه بحثا وتجريبا، لم تظهر إلا في بدايات القرن العشرين. وقد بدأت «خاما» مع مجموعة من الفنانين العصاميين، وفي طليعتهم بنعلي الرباطي (1861- 1939) و الشعبية طلال قبل أن تتمثل القيم الجمالية الحديثة و تندمح في كل لحظة، مع خلفياتها المرجعية والفلسفية المسكونة بهاجس التحديث والتجريب و سلك سبل المغامرة. و ما زالت التجربة التشكيلية المغربية إلى اليوم نشيطة وحية ومتعددة الروافد، ومحطّ اهتمام نقدي من طرف مجموعة من الأكاديميين والباحثين.

بقلم : بلقيس بابو


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(اللوحة من إبداع الفنان الراحل نورالدين الفضالي)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى