سعيد ناشيد - إضاءة حول كتاب "فيلوثيرابيا... الفلسفة إكسير الحياة" للكاتبة الفلسفية الجوائرية ليلى تباني

هذا الكتاب الذي ألّفته الكاتبة الجزائرية ليلى تباني، بلغة أنيقة ورشيقة تجمع بين الأسلوب الكلاسيكي والتعبير الحديث، يقدم فلسفة للحياة اليومية قريبة من القارئ العام، ويمكن تلخيص مشروعه في أربع أفكار مركزية:
1-تقديم الفلسفة كعلاج روحي وسلوك حياتي قادر على ترميم الذات وإحياء المعنى (روح الفيلوثيرابيا، أو عندما يوضع سرّ إكسير الحياة في نمط التفكير). وهذا أراه بمثابة مساهمة في تأسيس فلسفة شعبية قادرة على تنمية الذكاء العمومي.
2-القدرة على التوليف بين الاستدلال الفلسفي العقلاني من جهة، والاستشهاد بمعطيات الحكمة في الخطاب القرآني من جهة ثانية. وهذا أراه بمثابة مساهمة في تحديث الخطاب الديني.

7.jpg

3-مهارة الربط بين الفكر التربوي والفكر الفلسفي (خاصة في فصل "التربية والتعليم الممتع" و"الامتحان كرهان وجودي شديد القسوة"). وهذا أراه بمثابة مساهمة في ترسيخ مفهوم الرحمة داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
4-ممكنات التفلسف مع الأطفال. وهو مجال غير مطروق كثيرا في مجتمعاتنا.
ومن الجوانب اللافتة:
التأثر بـمدرسة الفلسفة التطبيقية عند ميشيل فوكو وسعيد ناشيد وآلان دو بوتون (وهذا شرف لي بالطبع).
العناية الخاصة بـالفكر التربوي الفلسفي (ليبمان، ميريو، الخويلدي، اليونسكو).
الاستحضار المكثف للرموز الثقافية العربية (جبران، مالك بن نبي، ابن رشد).
كما أن الكتاب يعكس حسًّا نسويًا هادئًا، يعيد للمرأة المثقفة العربية مكانتها كفاعلة في الفكر والتربية لا مجرد موضوع تأمل.
لكن هناك بعض الملاحظات النقدية:
الأطروحة قوية بالفعل، والأسلوب أنيق ورشيق بكل المقاييس، لكن هناك حاجة إلى مزيد من التر ابط المنطقي بين بعض الفصول، حيث يتم الانتقال أحيانا بصورة فجائية.
فصل "ديستوبيا ما بعد الحدث" ينتمي أكثر إلى علم الاجتماع السياسي منه إلى الفلسفة التطبيقية.
الفصل السادس والثامن من أجمل أجزاء الكتاب وأكثرها جدة وإبداعا لا سيما العلاقة بين التعليم الممتع، الفرد السوي، والمجتمع السعيد. وبالإمكان إغناؤه بورشات عملية تطبيقية من المدرسة الجزائرية أو العربية.
الكتاب يحقق هدفًا نادرًا: جعل الفلسفة قريبة من الإنسان العادي في بعض تفاصيل حياته اليومية، وقد نجح إلى حد بعيد في ربط الحكمة بالحياة اليومية، بالحب، بالتربية، وبالمجتمع عموما. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى هذا النوع من الكتابات.
أتمنى للكتابة الجزائرية ليلي تباني مزيدا من التألق والمساهمة في نشر قيم الحكمة والمحبة والرحمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى