١
أستاذ الجامعة حين لا يكتب أبحاثا :
أستاذ الجامعة حين لا يكتب أبحاثا مثل رجل له رصيد في البتك يسحب منه وبعد سنوات يغدو رصيده صفرا .
ما معنى أن يمر على دكتور عشر سنوات أو 15سنة ولا يكتب أبحاثا ؟
بعض الجامعات تكافيء هؤلاء ﻷنهم موالون وتعاقب من يكتب ﻷنه يمارس النقد الذاتي .
مرة كتب توفيق الحكيم مسرحية ساخرة عنوانها " لكل مجتهد نصيب ".
٢
على اﻷرجح أنني سأكتب مقال اﻷحد عن شعر المقاومة وعن التوازي ما بين حركة الواقع وحركة الشعر : سميح القاسم من تعاويذ مضادة للطائرات 1967 إلى العودة إلى تعاليم القبيلة والسلفية 2009 .
هل كان سميح القاسم البداية لداعش ؟
هل كانت تحولاته تنبيء بأننا سنصير إلى ما صرنا إليه ؟
ما دلالة المسبحة في سنواته اﻷخيرة؟
وما دلالة كتابته كتاب اﻷدراك؟
وهل نحن صائرون أبدا على الطريق نفسه؟
هل سأغدو داعشيا ذات يوم؟
من يدري !
أجواء المساء منعشة وقبل قليل بدأت أصوات ألعاب نارية تمهيدا لليلة الجمعة . جبهة غزة هادئة ولكن هناك جبهات أخرى ستشتعل ...الخ .
القبائل :
" خيام خيام
تضيء الثريات فيها اﻷثاث الوثير
ويمرح فيها ذباب الكلام
وأبوابها من نحاس تجر عليه السلاسل
قبائلنا تسترد مفاتنها
في زمان انقراض القبائل "
مريد البرغوثي
وأغلب الظن أنني سأكتب مقال اﻷحد عن شعراء المقاومة وانقلاب المفاهيم .
هل ظل هؤلاء ذوي فكر تقدمي أم أنهم استردوا مفاتنهم
٣
أدب العائدين:سامح خضر"يعدو بساق واحدة " 20
يعد سامح خضر مثل مايا أبو الحيات ،فهو أيضا ولد بالمنفى ،ولم يعرف فلسطين إلا من خلال اﻷب أو المدرسة أو كونه ابنا ﻷب فلسطيني يعمل في مؤسسات منظمة التحرير.وإذا كانت يارا بطلة رواية مايا "لا أحد يعرف زمرة دمه "2013 ولدت ﻷب فلسطيني وأم لبنانية ،فإن قاسم بطل رواية سامح خضر ولد ﻷب فلسطيني وأم مصرية ، مع اختلاف طبعا في الحياة اﻷسرية لكل من يارا وقاسم ،ففي حين عانت يارا من تفكك اﻷسرة وانفصال الوالدين ،فإن قاسم عاش في أسرة متماسكة ومنسجمة ، وفي حين ظلت والدة يارا في بيروت ، فإن والدة قاسم عادت إلى غزة لتقيم مع زوجها الفلسطيني قانعة بما ستؤول إليه حياتها ، رغم الفارق الكبير بين الحياة في القاهرة وحياة المخيم في غزة.
وستكون حياة قاسم في غزة اولا وفي رام الله ثانيا ، قبل انتفاضة اﻷقصى وفي أثنائها ، سلسلة من التجارب المرة التي تذكر قاريء رواية عزيز نيسين "الطريق" ببطل الرواية، وهي لا شك أقل قسوة من حياة كنديد بطل رواية (فولتير ) "كنديد ".
بقية المقال في اﻷيام الفلسطينية /اﻷحد 13/9/ 2015.
آملا بعدها أن أبدأ سلسلة مقالات عن
فدوى طوقان و
سحر خليفة
٤
السياب وحفار القبور :
لبدر شاكر السياب قصيدة عنوانها "حفار القبور" وفيها تمر أيام على الحفار ولا يموت اي إنسان ويظل الحفار ينتظر ، وفي هذه الأثناء يتمنى لو تنشأ حرب ويكثر الطلب على القبور فيثرى .
لماذا عزرائيل في أوروبا وليس في العراق ؟
الحفار سيتبرع - إن أثرى - وسيطعم الفقراء وسيبلط الساحات و ..و ...
ويظل الحفار بعيدا ينتظر عل جنازة تلوح فيقبض ويغادر إلى بيته وزوجته التي تنتظر . وتكون الجنازة القادمة جنازة زوجته .
بعد ٦٠ عاما استجاب الله للحفار الذي شبع موتا .
كلما شاهدت ما يجري في سورية والعراق تذكرت السياب وقصيدته " حفار القبور " .
مساء أمس شاهدت الأخبار والدمار فتذكرت السياب وحفار القبور . لقد استجاب الله له.
الله المستعان به .
١١/٩/٢٠١٦
٥
ظاهرة الشتم :
هل ظاهرة د.سكلانص ظاهرة جديدة ؟
غالبا ما يقترح علي بعض معارفي أن أتابع د.سكلانص .
لظاهرة د.سكلانص بذور في شعر النقائض وفي شعر ابراهيم طوقان فنجيب سرور فمظفر النواب ففوزي البكري .
لم تكن ثمة تكنولوجيا متطورة كما هي في أيامنا .
اقتصر شعر النقائض على قرائها وقصائد طوقان على بعض سكان نابلس أو من عرفهم ، وانتشرت قصائد النواب فسرور فالبكري على مستمعي الأشرطة من المهتمين ، ثم جاء د.سكلانص في زماننا حيث الفيس بوك واليوتيوب وما شابه .
مرة كتبت قصيدة على غرار قصيدة نجيب سرور " ك...أمياتكم " ولم أذعها وأظن أن من كان يدخل ، في غيابي ، إلى شقتي ، هو من عرف بها .
كانت القصيدة تشبه قصائد الواردة أسماؤهم ، ولم أحتفظ بها فقد مزقتها .
منذ 1936- يوم كتب أبو سلمى قصيدته : " انشر على لهب القصيد " ونحن نهجو ونشتم وندعو على وندعو ل أيضا ، ومع ذلك نخسر دائما .
أليس بيننا واحد صالح - أو واحدة صالحة فيستجيب الله له/ ا؟
سبحانك ربي
11/ 9 /2017
٦
جرذان لما اجتمعا حسنا
والجرذ يظهر حسنه الجرذ :
عن النظافة حدث ولا حرج .
في الأسبوع الماضي رأيت جرذين ميتين ؛ فعصا وقتلا . فعصا في الشارع على مقربة من مطعم مأكولات شعبية ، وقتلا على مقربة من بائع عصير .
نادرا ما أشتري من مطعم المأكولات الشعبية ، وغالبا ما أشرب عصير الرمان لأنه يوسع الشرايين .
عدت بذاكرتي إلى ألمانيا. هل شاهدت جرذان مقتولة ومفعوصة بالقرب من المطاعم وبائعي العصائر ؟
مرة قرأت عن بيع شاورما في ميونيخ لحمتها منتهية الصلاحية من أعوام ، لأن صاحب الثلاجة يضع اللحمة الجديدة فوق القديمة ولم ينتبه إلى التواريخ ؟
هل امتنعت عن تناول عصير الرمان بسبب ترك البائع الجرذ قريبا من محله وعدم تنظيف الجوار ؟
الجسم حتى يكتسب مناعة بحاجة إلى سم يقاوم به السم. لا بد من طعومات حتى نقوى .
أظن أن صاحب المحل و بائع العصائر أخذا بالرأي السابق، ثم إن أجسامنا اعتادت على التعايش مع الجرذان والاحتلال والأنظمة الفاسدة .
سأواصل شرب العصير وإن سافرت إلى ألمانيا سأبحث عن مطاعم شعبية قربها جرذان ميتة أو لحم شاورما منتهية الصلاحية .
هيك شايف .
11 أيلول في 2018
٧
الست كورونا : مزيدا من العزلة لخدمة الوطن في الزمن " الترللي " ( 71 )
ماذا أفعل وأنا رهين الست كورونا ؟
هل يمكن أن أقدم خدمة للوطن في وقت يتهمني فيه كثيرون أنني أحب أبناء العمومة وأشتري ال" شيمينت " والقهوة الإسرائيلية وأزور يافا وعكا وحيفا كلما سنحت لي الفرصه ، لإنجاز كتاب " مدن في الذاكرة " ، وخلال زيارتي اتحسر على الوطن الذي فقدناه " بحادث سير " كما كتب محمود درويش في رثائه الشهيد ماجد أبو شرار ؟
في الأسبوعين الأخيرين قرأت مخطوط رواية الأسير كميل ابو حنيش " جهة سابعة " ورواية توفيق فياض " مجموعة عكا ٧٧٨ " وأجريت قلمي فيهما .
حسنا فعلت الست كورونا إذ منعتنا من السفر فخصصنا المزيد من الوقت للقراءة ولتقديم خدمة لأدب المقاومة في زمن لم يبق فيه من المقاومة إلا أقل قليلها .
وأنا أقرأ الروايتين عشت في زمن آخر لم يخرجني منه إلا مشاكل يومية مع المعارف والأصدقاء والأقارب سببها أشياء فانية . يقتلوننا ثم يبكون ويتجسسون علينا ويطلبون مساعدتنا و ..
هل قدمت ثمة خدمة للوطن وأنا أقرأ الروايتين ؟
استغربت وأنا أقرأ رواية توفيق فياض كيف صدرت بعض طبعاتها ، وهي حافلة بالأخطاء النحوية والطباعية ، ولمت وزارة الثقافة الفلسطينية على طبعتها . أيعقل أن تصدر عنها طبعات كتب تحفل بالأخطاء ؟
ومن قبل استأت كثيرا من طبعة رواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز " .
قسم منا يرى العطاء في إعطاء المال ، أما أن تقدم خدمة في مجال الثقافة فهذا هراء .
أيضا للست كورونا فوائدها ، فقد ألزمتني في البيت لأقرأ مخطوط رواية أسير ومسودة طبعة جديدة لرواية قديمة وفي كلتيهما عشت في زمن آخر يقول لنا إن مهاترات سهى عرفات وجماعتها وخصومها ليست هي ما يعرفه الفلسطينيون فقط .
١١ أيلول ٢٠٢٠
٨
الفلسطينيون في الرواية العربية
الفلسطينيون ملح الأرض : ست روايات عربية 1
غدا الفلسطينيون ملح الأرض بعد أن كان اليهود كذلك ، وثمة تبادل عوالم ومواقع بين الشعبين بدأت الإشارة إليه في رواية اسحق الحسيني " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) ، فالدجاجة الفلسطينية الحكيمة تقترح على الزعيم وأتباعه أن ينتشروا في الأرض لينشروا الفضيلة ، مخلين المأوى للدجاج الغريب الطاريء .
بطريقة مواربة عبر كنفاني عن شتات الفلسطينيين بعد ١٩٤٨ في " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣ ) ، وتطرق في " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ ) إلى فكرة الضحية التي تحولت إلى جلاد وأقامت في بيوت الفلسطينيين الذين شردتهم العصابات الصهيونية في ١٩٤٨ ، وهي الفكرة التي لخصها محمود درويش في سطر واحد في قصيدته " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) :
" ضحية قتلت ضحيتها وصارت لي هويتها " .
لا يخلو الأدب العالمي من الكتابة عن الشخصيات اليهودية ، ولكنه إلى عقود قريبة خلا من حضور شخصيات فلسطينية . وإذا ما عدنا إلى كتب متخصصة في موضوعات الأدب العالمي وأفكاره ومواده / " التيمات والموتيفات " مثل كتب الألمانية ( Elisabeth Frenzel ) أو الثنائي ( Horst S. Und Ingrid Daemmrich ) فإننا نقرأ عن اليهود وعن شخصيات يهودية ، ولكننا لا نقرأ عن فلسطينيين أو شخصيات فلسطينية .
وأنا أعد رسالة الدكتوراه قرأت دراسات عن اليهود في الأدب الروسي والإنجليزي والفرنسي والألماني ... إلخ ( صدر كتاب بالألمانية في ١٩٨٥ ضم بعض هذه الدراسات عن دار نشر dtv ) ، ولم أقرأ دراسات عن فلسطينيين أو شخصيات فلسطينية في تلك الآداب . والسبب يكمن في وجود اليهود في بلدان تلك الآداب وعدم وجود الفلسطينيين .
منذ ١٩٤٨ تبادلنا واليهود الأماكن " ثمة تبديل عوالم " ، فالدولة العبرية سمحت ليهود العالم بالعودة إليها والإقامة فيها وشنعت على يهود المنفى لبقائهم فيه ، وفي الوقت نفسه طردت الفلسطينيين من أرضهم وشددت الحصار على من بقي منهم ليرحل ، ومنذ ١٩٨٢ اتسعت رقعة منفى هؤلاء . هاجروا بسبب حرب ١٩٨٢ من بيروت إلى أوروبا ، وبسبب غزو الكويت في١٩٩٠ منها إلى أماكن جديدة ، ثم جاء احتلال بغداد ليجد الفلسطينيون أنفسهم غير مرغوب فيهم في بلد أكرمهم ووصل قسم منهم فيه إلى أعلى المناصب ، ومنذ الربيع العربى في سوريا ألم بالفلسطينيين فيها ما ألم بفلسطينيي العراق ، وهاجر كثيرون منهم في العقد الأخير إلى أوروبا والدول الاسكندنافية ، ولعلنا بعد عقد أو عقدين نقرأ أعمالا أدبية أوروبية يشكل فيها الفلسطينيون شخصيات روائية فيحلون محل الشخصيات اليهودية . هل سيتضاءل حضور الشخصيات اليهودية في الرواية العالمية في القرن الحالي لتحل الشخصيات الفلسطينية محلها ؟ وهل يقرأ القراء في نهاية القرن الحالي دراسات عن الفلسطينيين والشخصيات الفلسطينية في الرواية الروسية والانجليزية والفرنسية والألمانية والسويدية والدنمركية والأميركية ؟
كنت كتبت سلسلة مقالات عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرنين العشرين والحادي والعشرين ، وهذه الصورة كانت قليلة نسبيا حتى ستينيات ق ٢٠ ، ثم كثرت بوتيرة سريعة ، ومع بدايات ق ٢١ ازداد حضورها .
منذ فترة وأنا أتابع الموضوع وأمامي الآن ست روايات عربية يحضر فيها الفلسطيني في ال ١٢ سنة الأخيرة ، عدا روايات الياس خوري وغيره ، ومع اكتمال الكتابة عنها يكون كتابي في الموضوع اكتمل تقريبا .
الروايات الستة تقول صراحة إن الفلسطينيين الآن هم ملح الأرض ، لا ملح الأرض العربية فقط كما كانوا منذ ١٩٤٨ حتى مجازر صبرا وشاتيلا .
والروايات هي " نخلة الواشنطونيا " 2009 للعراقي عواد علي و" سوناتا لأشباح القدس " 2009 للجزائري واسيني الأعرج و " طابق ٩٩ " 2014 للسورية جنى فواز الحسن و" الطنطورية " 2010 للمصرية رضوى عاشور و " عواطف وزوارها " 2013 للتونسي الحبيب السالمي و " من يتذكر تاي " 2011 للسوري ياسين رفاعية .
يقيم الفلسطينيون في الروايات في بيئات عربية وعالمية هي بغداد ونيويورك وبيروت وباريس والاسكندرية ودمشق وفي مناطق أخرى حضورها أقل ، منها مناطق فلسطينية مثل غزة والقدس ويافا وعكا وهي المدن التي عاشت فيها الشخصيات طفولتها ، وهذه الشخصيات قسم منها شخصيات حقيقية ، مثل غسان كنفاني ومعين بسيسو ، وقسم آخر شخصيات روائية لها شبيه في الواقع ، ومن المؤكد أيضا أنها شخصيات تتأثر بالبيئة التي تقيم فيها ، ولكن الأهم هو تأثر الكاتب وهو يكتب بمعطيات البيئة التي يعيش فيها في أثناء الزمن الكتابي ، وهذا ما نلحظه بوضوح حين نتوقف أمام بعض الروايات السابقة ، فلأول مرة نقرأ عن فلسطيني مثلي يعيش في وسط يتقبله ويمارس حياته بأريحية غير عابيء بما نشأ عليه في مجتمع يعد سلوكه محرما وعيبا وينزل اللعنات عليه ، ولأول مرة نقرأ ، في رواية ، عن غسان كنفاني شخصا محبا عاشقا يدمن شرب الخمر ، ومثله الشاعر معين بسيسو . إن الصورة التي يقدمها ياسين رفاعية للكاتبين ، عن حياتهما في بيروت ، تختلف عما كتب عنهما ، وتحديدا كنفاني ، في روايات فلسطينية وعربية ( مقالي في " الأيام " الفلسطينية في ٣ تموز ٢٠١٦ ) ، فغالبا ما تم التناص مع أعمال الكاتب ونادرا جدا ما كتب عن عشقه وعلاقته بالروائية غادة السمان .
الفلسطينيون صاروا ملح الأرض وعلى الأرجح أنهم سيحلون محل الشخصيات اليهودية في الرواية العالمية !!؟؟
الجمعة والسبت
١١ و ١٢ أيلول ٢٠٢٠
٩
مشاعر غامضة يملؤها الحزن :
إلقاء القبض أمس على الأسيرين محمود العارضة ويعقوب قادري اللذين حررا نفسيهما ، برفقة أربعة آخرين من سجناء سجن جلبوع ، لمدة بضعة أيام ، إلقاء القبض عليهما يلقي بظلال حزينة على الفلسطينيين إلا الصالحين منهم الذين كتب عنهم ( هلل كوهين ) كتابه " عرب صالحون " وخدموا الدولة وشخصهم إميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) ، وإن صحت الأخبار ، بأن مواطنا فلسطينيا من الناصرة أبلغ عن الأسيرين ، فإن إسرائيل لم تتمكن من الانتصار علينا إلا بمساعدتنا لها في ذلك ، وهذا طبعا ليس بالاكتشاف العظيم .
العبارة الأكثر تعقيبا على الحدث ، كما تابعت التعليقات على الخبر الذي أذاعته فضائية الجزيرة ، كانت " حسبي الله ونعم الوكيل " تليها عبارات تجلد الذات الفلسطينية وتنعت قسما منا بالخون والجواسيس وما شابه من كوننا " عربا صالحين " .
عموما فإن إمكانية إلقاء القبض على الفارين كانت واردة وكانت أحد احتمالات ثلاثة :
- النجاح بالفرار خارج فلسطين
- الاستشهاد
- إلقاء القبض عليهم ،
وأعتقد أنه ما كان علينا أن نفاجأ حتى من احتمال أن يبلغ عنهم " العرب الصالحون " منا .
هل فوجيء الأسيران باعتقالهما ؟
لا أظن ذلك ولذلك لم تفارق الابتسامة محيا كل منهما ، وربما كانت الابتسامة ابتسامة المنتصر ، فقد شغلت قصة نجاحهما في الهروب المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي بأسره . ( أرسل إلي صديق صورة غير الصور التي عممت مبتسمين فيها ؛ صورة يبدوان فيها منهكين شاحبي الوجه كاظمي الغيظ )
من الأسر أخرجوا أنفسهم وإلى الأسر عادوا وكلنا أسرى وسجناء ، وكما قالت أم سعد في رواية كنفاني " أم سعد " :
السجن حبس والبيت حبس والراديو حبس والجريدة حبس ومزهريات بيوتنا قضبان حبس ، وجاءت الكورونا لتحول العالم كله إلى سجن ولتسجن أيضا دولة السجون ، الدولة الديموقراطية الواحة في الصحراء العربية .
ليس ثمة سوى مشاعر غامضة يملؤها الحزن و " كله بروح مع الغسيل " .
اذكروا لي اسم دولة واحدة في التاريخ نشأت وقويت وسادت ثم لم تزل . إسرائيل مصيرها أيضا مصير دولة الرومان ودولة فارس والامبرطورية العثمانية والامبرطورية التي لم تغب عنها الشمس ومصير الاتحاد السوفيتي ، وفي ما يقوله لنا التاريخ عزاء ومواساة .
لا أعرف كم يبلغ عدد السجون في دولة أبناء العمومة المسيجة بالجدران والأسلاك الشائكة ؛ الدولة التي ليست إلا سجنا كبيرا سجنتنا فيه وسجنت أيضا مواطنيها فيه .
والآن ثمة إطلاق نار كثيف في المنطقة التي أسكن فيها .
١١ أيلول ٢٠٢١
١٠
صباحات حيفا : في شارع " أبو نواس "
الخميس ٨ أيلول ٢٠٢٢ زرت حيفا ، بدعوة من نادي حيفا الثقافي ، لأشهر كتابي " الفلسطيني في الرواية العربية " . أنفقت ليلة الجمعة في نزل حداد في شارع " أبو نواس " الذي غدا اسمه بعد قيام الدولة العبرية " جادة بن جوريون " .
عندما صحوت فجرا في السادسة فضلت أن أغادر الغرفة وأجلس على شرفة النزل التي هي مدخل رئيس له وأخذت أتأمل شارع " أبو نواس " المؤدي إلى حديقة البهائيين فجبل الكرمل . كان الشارع في السادسة صباحا هادئا ، فحركة السير ضعيفة جدا والشارع الذي كان في الحادية عشرة ليلا صاخبا ضاجا بأصوات الموسيقى وحركة الشباب والشابات في المقاهي والمطاعم والحانات ، صار في الصباح خلوا إلا من بعض مارة يعدون على أصابع كف يد وبعض حافلات .
نظرت إلى الكرمل وتذكرت سؤال محمود درويش في كتابه " في حضرة الغياب "( ٢٠٠٧) :
- لماذا نزلت عن الكرمل ؟
ونسيت معاناة السفر عبر معبر طولكرم حيث المعاطات تمعطنا ، والجلوس في انتظار فؤاد نقارة ليقلني إلى حيفا .
وأنا جالس كنت أشاهد عشرات العمال يعبرون في الاتجاهين ؛ مغادرين الضفة الغربية وعائدين إليها في رحلة عذاب يومي لها بداية ولا أحد يعرف متى ستنتهي ، ومنذ فترة وأنا أفكر في الكتابة عن عذابات الشباب الفلسطيني في الحصول على فرص عمل في مدنهم وقراهم ليجدوا أنفسهم عمالا في سوق العمل الإسرائيلي يصحون في الرابعة فجرا ويعودون إلى مساكنهم في السادسة مساء .
معاناة العمال في عبور الصراط المستقيم شعرت بها ومررت بها مرورا عابرا ، وسرعان ما نسيتها وأنا أجلس على شط حيفا وشرفة نزل حداد وأتجول في حيفا القديمة وحيفا العتيقة - وحيفا القديمة غير حيفا العتيقة - وفي وادي الصليب وأفطر الفول في مطعم " أبو مارون " وأقف ليلتقط لي الأستاذ فؤاد الصور أمام عمود فيصل وعلى درج جامع الشيخ عز الدين القسام الذي صار يعرف منذ ١٩٤٨ بجامع الاستقلال .
زرت حيفا من قبل مرات عديدة ولكني لم أتجول في أحيائها وشوارعها تجولي فيها في هذه الزيارة يصطحبني الأستاذ فؤاد ابن شقيق حنا نقارة محامي الأرض والشعب منذ ١٩٤٨ إلى وفاته .
في حيفا لا يمكن ألا تتذكر أبرز أدبائها : إميل حبيبي وحنا أبو حنا وسميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق فياض وسلمان ناطور ، ولا يمكن أن تنسى راشد حسين وأحمد دحبور .
قبل أن أدخل إلى وسط المدينة زرت قبري حبيبي وأبو حنا اللذين كانا رفيقي حزب ثم اختلفا وذهب كل في مسار وصارا رفيقين عدوين لا يجتمعان معا . في المقبرة عقب الأستاذ فؤاد قائلا :
- وها أنت ترى قبريهما . صارا جارين .
عندما بدأت مداخلتي عن كتابي قرأت سطري راشد :
" أتيت الطب في نيويورك أطلب منه مستشفى
فقالوا : أنت مجنون ولن يشفى
أمامك جنة الدنيا ولست ترى سوى حيفا "
فصفق الجمهور تصفيقا حارا مرحبا بي ومترحما على راشد ومكررا قوله ، فأهل حيفا فخورون بمدينتهم وبرموزها الأدبية التي حققت للمدينة شهرة واسعة في العالم العربي .
بعد الانتهاء من المحاضرة ذهبت وفؤاد والكاتبة فوز فرنسيس إلى مطعم فتوش نتناول السلطة ونحتسي العصير والبيرة كل حسب رغبته ، ولاحظت خليطا من الزبائن ؛ عربا ويهودا يجلسون جنبا إلى جنب وتسير الحياة كما لو أنك في مدينة أوروبية لا أحد يلتفت إلى أحد أو يسأل عن الهوية الدينية لهذا المواطن أو ذاك ، وهذه ميزة حيفا كما عرفت من فؤاد ؛ ميزة خاصة بها في الشمال الفلسطيني .
عندما ذهبت إلى النزل قبعت في غرفتي مستلقيا على السرير ، فلم أجازف في الحادية عشرة ليلا في الجلوس وحيدا في أحد المقاهي القريبة أرصد الحياة في الشارع . ثمة خوف يلازمني لم أتمكن من التغلب عليه ، فماذا لو حدثت مشكلة ما ؟
وأنا جالس صباحا على شرفة النزل أستمتع بأشعة الشمس وهدوء شارع " أبو نواس " تساءلت :
- لعله الضجر من الروتين اليومي هو ما دفع محمود درويش إلى مغادرة هذا الجمال الذي عبر لاحقا عن ندمه للمغادرة فصرخ صرخة ناظم حكمت :
"- أدخلوني إلى الجنة الضائعة
سأصرخ صرخة ناظم حكمت :
- يا وطني " .
وقلت :
- لا بد من إعادة قراءة أشعاره قبل الخروج لملاحظة مدى شعوره بالسأم والضجر ، فالجمال أيضا قد يصبح مألوفا ويشعر المرء بالضجر فيبحث عن مكان آخر وحياة أخرى .
ونحن نتجول في حيفا اقترح علي فؤاد أن نزور الكاتب فتحي فوراني صاحب كتابي " بين مدينتين ، وحكاية عشق " ، وفتحي صديق لدرويش وتوفيق فياض والشاعر عصام العباسي ، وقد سمى فتحي الدرج المؤدي إلى بيته ، يوم كان في بلدية حيفا ، باسم عصام . إنه يقع في شارع المتنبي .
ونحن في الشرفة لفت فتحي نظري إلى نافذة مغلقة وقال لي :
- هنا كان يقيم محمود درويش قبل هجرته وهنا كتب قصيدته الشهيرة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " .
لفتحي مع درويش وزملائه حكايات كثيرة وهو الأجدر بتوثيقها ووثق قسما منها في " حكاية عشق " ، وحكايات حيفا كثيرة وكثيرة جدا وثمة ملاحظة أخيرة أود إيرادها وهي أن حيفا القديمة اليوم هي مدينة يقطنها مواطنون عرب بنسبة مرتفعة جدا . لقد عادت مدينة عربية وستجد نفسك وأنت تصغي إلى هذا وتلاحظه تردد مع أحمد دحبور :
" يا طيورا طائره
يا وحوشا سائره
بلغي دمعة أمي
أن حيفا لم تزل حيفا
وأني اسأل العابر عنها في ربوع الناصرة "
الأحد ١١ أيلول ٢٠٢٢
١١
إميل حبيبي بين الأدب والسياسة :
القراءة وإساءة القراءة
في العام ١٩٩٥ أعدت قراءة رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) لأكتب عن صورة اليهودي فيها ، إذ لم أدرسها في رسالة الدكتوراه التي أنجزتها في العام ١٩٩١ ، وهو ما لاحظه ، مستغربا ، مقيم الرسالة الثاني الأستاذ الألماني ( Stefan Wild ) .
نشرت الدراسة أولا ، على حلقات ، في ١٩٩٥ في جريدة " نابلس " ثم أرسلتها إلى حبيبي لينشرها في العدد ٧ من " مشارف " التي كان يصدرها ( آذار ١٩٩٦ ) ، ففعل ولم يتردد ، علما بأنني كتبت فيها أن بطلها " سعيد " يبدو لي أنه إميل حبيبي نفسه ، وأتيت بأدلة من حياة حبيبي تتقاطع وما ورد عن سعيد .
لم تمر ثلاثة أشهر على نشر الدراسة حتى أجرى أحمد رفيق عوض ومنذر عامر وليانة بدر وزكريا محمد مقابلة مع إميل سألوه فيها إن كان هناك أصل واقعي لسعيد ، فأجاب :
" كنت أكذب وأقول في الماضي إن شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي ، ولكنني الآن في عمر لم أعد فيه بحاجة إلى الكذب . لقد كنت أتحدث في " المتشائل " ، إلى حد كبير ، عن نفسي ، وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حد ما .... " .
في قراءتي للرواية في ١٩٩٥ لم أنتبه إلى فقرة مهمة كتبها إميل في تقديمه لكتاب " الرسائل : محمود درويش و سميح القاسم " ( ١٩٨٩ / ١٩٩٠ ) حل فيها إشكالية صاحب الرسائل في " المتشائل " ، ففي الرسالة يكون هناك مرسل ومرسل إليه ، وفي نهاية المتشائل أبلغنا مستقبلها أنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا . " ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطيء البحر " .
بين كتابة المتشائل وكتابة التقديم ١٥ عاما لم يكتشف الدارسون خلالها حقيقة مرسل الرسائل - على الأقل في ضوء ما قرأته من مقالات ودراسات - إلى أن اعترف إميل بالآتي :
" لم يأتني ، في زحمه " الرسائل " التي كنت أبعثها إلى ذاتي محاولا التمييز بين القواعد والقعود ، بين الحدود والقيود ، وبين " فكر النفي " و" نفي الفكر " ، أنني لست وحيدا - بل متأخرا وعلى شفا الرسوب - في حمل لواء الانتفاضة الفكرية الشاملة التي تقض ، منذ سنوات ، مضاجع الفكر التقدمي الثوري حتى لم تبق لنا من " إمام " سوى " إمام " المعري .. " - أي العقل .
وعندما انتبهت إلى السطر الأول من الفقرة المقتبسة تساءلت : كيف لم ننتبه إلى أخطر سطر كتبه إميل عن المتشائل " السطر الذي يحل إشكالية صاحبها ، ويجعلنا نوحد بين مرسل الرسالة ومستقبلها ، بين بطلها وكاتبها .
في ٢ / ٩ / ٢٠٢٣ صورت الصفحة ١٦١ من دراسة وسام رفيدي " المرأة الفلسطينية والرواية بين زمنين ، المقاومة وأوسلو : دراسة في سوسيولوجيا الرواية " ( دار الفارابي ، ٢٠١٧ ) وسألت القراء عن رأيهم فيما كتبه عن إميل " الذي اتخذ على الدوام موقفا ، لا نقديا فحسب ، بل وصل إلى حدود العداء لحركة المقاومة " . وأشرت إلى خطأ وقع فيه وسام يتعلق بزمن صدور الرواية ( صدرت في ١٩٧٤ لا في ١٩٩٢ ) .
أثار سؤالي جدلا أسهم فيه وسام ذاهبا إلى أن ملاحظاتي شكلية ، وأما أنا فذهبت إلى أن الخلاف هو خلاف في منهج التناول ، فوسام حاكم إميل بناء على مواقفه السياسية ودرس الرواية بناء عليها ، ولم يلتفت إلى معطيات أخرى مهمة لطالما أبدى إميل وجهة نظر فيها وهي الفرق بين كتابته المقال السياسي والنص الأدبي ، وهو ما التفت إليه في ٣١ / ١٢ / ١٩٨٦ حين كتبت في جريدة " الشعب " المقدسية مقالا عنوانه " ملاحظات لدراسة أدب إميل حبيبي " . لقد
قال بصراحة إنه حين يكتب في السياسة يلتزم بموقف حزبه ، ولكنه حين يريد أن يكتب بصدق يلجأ إلى كتابة الأدب . السياسي يسايس ويناور والأدب لكي يكون جيدا يتطلب الصدق .
ما قاله إميل في المقابلات وما ذهبت إليه هو ما أثاره نقاد الأدب الماركسيون حين درسوا الروائيين ( بلزاك ) و ( فرانز كافكا ) . كان الأول يكتب المقال السياسي ويدافع فيه عن طبقته البرجوازية ، ولكن رواياته كما قرأها الماركسيون كانت تعبر عن مضمون تقدمي يفضح الطبقة البرجوازية ومن داخلها . ولم يكن كافكا ماركسيا ولكن رواياته تفضح المجتمع الرأسمالي وتبين انسحاق الفرد فيه واغترابه عن عالمه . إنها فكرة الرجعي - التقدمي التي لم ترق للنقاد الغربيين البرجوازيين الذين رأوا في تفسير الماركسيين تجنيا على الأدب واغتيالا له .
لا تقتصر إساءة القراءة للمتشائل على اخضاعها لمنهج محدد ، فقد كان أسلوبها ولغتها ومزج الجد بالهزل فيها وشخصية بطلها الذي يميل إلى التباسط والتغابي سببا آخر .
لقد قرأ صالح كناعنة لفظة " الغريبة " " الغربية " ، وشتان بين اللفظتين ، وجعل بشير أبو منة من دال " محصية " - يلفظها اليهود " مخصية " - شخصية روائية لا وجود لها في الرواية ، وترجم الألمان عبارة " كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " تفسيرين أحدهما لا يوافق قواعد اللغة العربية - أحمر بمعنى شيوعي ، وأحمر من حمار ، أي أكبر من حمار ، وهذا لا يجوز .
هل اقتصرت إساءة القراءة على نصوص كنفاني وحبيبي أم أن لدرويش نصيبا أيضا ؟
لعله لا بد من كتابة حتى يتضح المغزى من العنوان .
الاثنين والأربعاء ١١ و١٣ / ٩ / ٢٠٢٣
( ينظر مقالي في الأيام الفلسطينية عن كتاب بشير أبو منة في جريدة الأيام الفلسطينية ٢٩ / ٨ / ٢٠٢١ وقد توسعت فيه على صفحة الفيس بوك واشرت إلى مواقع سوء القراءة وأعيد نشره في موقع الانطولوجيا ).
١٢
شوفو سحر ماذا تكتب وصوبوني ( ٢ ) تخبيصات :
" بعد اتفاقية أوسلو ودخول السلطة ، أقيمت الحواجز حولنا ، وما عاد بإمكاننا الوصول إلى غزة ، ولا حيفا ويافا والجليل ، وأيضا القدس ، إلا بتصاريح ، وعبر بوابات حديدية وأسيجة يحرسها جنود برساشات وبنادق . قبل أوسلو ودخول السلطة ، كنا نزور أهلنا في غزة والجليل وأي وقت نشاء ، ونسبح في شواطئنا ... لكن مع دخول السلطة ... بتنا محاصرين ، وأيضا مخترقين بأجهزة مشبوهة أسمتها السلطة " مكتب الارتباط " " .
ما مدى دقة هذا الكلام ؟
في العام ١٩٩٢ عدت أحرر صفحة الثقافة في جريدة " الشعب " المقدسية ، وكنت أتسلل إلى القدس خائفا من السجن ومن غرامة أدفعها نقدا ، وفي تلك الأثناء حضرت مؤتمرا في القدس عن الحروب الصليبية دون تصريح فسألني أستاذ ألماني ألا تخاف .
منذ اندلاع الانتفاضة تقريبا ، وليس منذ مجيء السلطة ، صار أهل الضفة الغربية يمنعون من دخول القدس إلا بتصاريح .
إن كنت مخطئا أو بلا ذاكرة فصوبوني .
سحر خليفة من عمان تصب جام غضبها على السلطة .
شخصيا أنا ضد الحل منذ وقع ويومها كتبت ٣٠ قصة قصيرة جدا أسميتها قصص الخيبة ، وفي ١٩٩٧ كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان " أدب السلم .. أدب الخيبة " ، وتوقفت أمام نهاية رواية سحر " الميراث " التي تكتب عنها في كتابها ما كتبته عنها قبل ٢٦ عاما
( ٣ ) :
من الكتب التي اشتريتها من معرض الكتاب في رام الله كتاب سحر خليفة " روايتي لروايتي : الجزء الثاني " .
اليوم قرأت فيه حوالي ٥٠ صفحة . اقرأوا ماذا كتبت في الصفحتين ٤٧ و٤٨ ولم ينتبه فيصل دراج الذي قدم للكتاب للخطأ الذي وقعت فيه الكاتبة :
" أما الآن ، في السنة الثانية من الانتفاضة ، أواخر الثمانينيات ، فشتان بين غزة آنذاك - أي اواسط السبعينيات - وبين هذه ... "
في تلك الزيارة التقت سحر بالمرحوم حيدر عبد الشافي " فأحاطني علما بالمتغيرات الاجتماعية ذات الصبغة السياسية التي حدثت في القطاع خلال الانتفاضة ، وشجعنا على إقامة مركز للنساء في غزة ، لكنه حذرنا من التبعات وقال إن علينا أن نكون حذرات ، وكذلك قال إن على القيادة الفلسطينية أن تكون حذرة ، فلا تنجر لأخذ موقف مساند لأي طرف في حرب الكويت - العراق 1990 ، حتى لا يحل بالفلسطينيين ما حل بنا في الأردن عام 1970 وفي لبنان عام 1982 " .
بالله عليكم كيف حدث أن قال حيدر عبد الشافي في عام ١٩٨٨ أن على القيادة الفلسطينية أن تكون حذرة من اتخاذ موقف من غزو العراق الكويت الذي حدث في ١٩٩٠.
جل من لا يسهو . ربما تنظر سحر وفيصل في ملاحظتي .
ربما حدثت حرب الخليج في العام ١٩٩٠ قبل الميلاد !!
ربما أنا مخطيء
١١ / ٩ / ٢٠٢٣
١٣
يوميات غزة ( ٣٤١ ) :
كل شيء يسم البدن
أخبار غزة وبعض مدن الضفة الغربية ومخيماتها تسم البدن . فلا رغبة في القراءة ولا شهية .
أمس صحونا فجرا على مجزرة في المواصي في خان يونس وأنفقنا نهارنا نتابع الأفعال البطولية المشرفة لجيش شعب الله المختار تجرف الشوارع وتهدم المباني في طولكرم ومخيميها واليوم نصحو ، بعد أن تابعنا أخبار اقتحام نابلس في الساعات المبكرة من فجر هذا اليوم ، اليوم نصحو على ارتقاء خمسة شباب في مدينة طوباس.
تتراوح أعمار الشباب الخمسة الذين ارتقوا بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين . إنه شلال الدم الفلسطيني .
أردت أن أتم إنجاز مقالي الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية " تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غرفة للخلوة ... غرفة للعزلة " فلم أشعر برغبة في الكتابة ، وأسهم في ذلك ما كتبه الدكتور خضر محجز حول ما حكته ناشطة غزاوية طبيبة في الموضوع . كتابة الدكتور كتابة نارية حادة جدا ، وبعض كتاب غزة يبدون الآن ناريين في كتاباتهم ومواقفهم من محللين سياسيين وكتاب أعمدة ممن يقيمون خارج قطاع غزة ويكتبون وهم مسترخون في أجواء برجوازية بعيدة عن ساحات المعارك واللجوء والنزوح ورائحة البارود ودوي الانفجارات وقصف الطائرات وجرف الأراضي والبنى التحتية .
عندما أبديت رأيا في يومياتي واقترحت على من يريد أن ينشرها أن يصدرها بأسطر لمحمود درويش هي :
" كان يمكن أن لا أكون
وأن تقع القافلة
في كمين ، وأن تنقص العائلة
ولدا
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة
حرفا فحرفا ونزفا فنزفا
على هذه الكنبة
بدم أسود اللون ، لا هو حبر الغراب
ولا صوته ،
بل هو الليل معتصرا كله
قطرة قطرة ، بيد الحظ والموهبة "
عايرني كاتب أردني صديق بعبارة " يكتب .. على الكنبة " نازعا إياها من سياقها - أي أنني أكتب وأنا مسترخ على كنبة .
كنت كتبت تعليقا على منشور فلم يرق التعليق للصديق ، فتساءلت ماذا لو تابع يوميات أبناء غزة وآراءهم في فلسطينيي ١٩٤٨ والضفة الغربية والقدس أيضا ؟! هل كان سيلتفت إلى تعليقي ؟
ما علينا !
كل شيء في فلسطين يسم البدن ويجعلك غاضبا ناقما ، وحين تشعر بالعجز وتتوجس شرا من مستقبل غامض تكرر سطر الشاعر المرحوم راشد حسين :
" تشتهي الثورة لحظات غضب " .
من غاب من الكتاب الفلسطينيين عن الكتابة في أحداث غزة أغلب الظن أنه سيغيب إلى الأبد. !
" لا جمالي خارج حريتي "
هذا ما علمه الشهيد لمحمود درويش .
١١ / ٩ / ٢٠٢٤
١٤
هل كتب الروائيون الفلسطينيون في رواياتهم بعد النكبة عن فلسطينيين شوهتهم الحرب جسديا ؟
غسان كنفاني " رجال في الشمس "
غسان كنفاني " ورقة من غزة " .
وماذا عمن دفع ثمنها بسبب العنوسة ؟ " ما تبقى لكم " .
أثر نكبة ١٩٤٨ على العائلة الفلسطينية .
١٥
غزة 706 :
أخبار محزنة مألوفة وكتابات تحفل بتفاؤل غاب منذ أشهر
منذ بدء توزيع المساعدات في مراكز توزيعها التي أقيمت منذ سبعة أشهر تقريبا صرنا نقرأ في صفحات الناشطين عن أعداد شهداء لقمة العيش ، وغالبا ما أخذنا نقرأ في صفحات أصدقائنا الفيسبوكيين نعي إخوتهم أو أبناء أقاربهم وصرنا نكتب العبارة المألوفة " رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون " .
أمس قرأت في صفحة الكاتب ناهض زقوت الآتي :
" أخي عبدالله خميس زقوت ( أبو إسلام ) شهيد لقمة العيش اليوم في منطقة المغراقة ، كان يبحث عن لقمة عيش يسد بها رمق أطفاله الثلاثة الذين لم يتجاوزوا الحلم وزوجته . انا لله وانا اليه راجعون .
وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن أوصلنا لنبحث عن لقمة العيش في جمع الحطب
النصيرات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥ " .
أدرج ناهض صورة لأخيه يبدو فيها شابا بضا .
وفي صفحة الناشط محمد الذهبي نقرأ تعليقا على صورة أدرجها لغزة في التاسعة والنصف من مساء أمس تبدو فيها قنابل الإنارة تضيء ليل المدينة والتعليق هو : " الله يستر " .
ومنذ طوفان الأقصى صارت أخبار الموتى تغلب على الصفحات ولا تكاد تخلو منها ، وغدت الأخبار حزينة ونادرا ما تظهر روح تفاؤل . أحيانا نقرأ بعض كتابات لا تخلو منها ، فتكثر حولها تعقيبات تفرط في التشاؤم . أمس قرأت هذا اللون من الكتابة في صفحة الكاتب يسري الغول الذي ما زال مقيما في مكان سكنه ولم يغادره ، وهو من الكتاب الباقين الداعين إلى الصمود . كتب يسري :
" مخطيء من يظن أن الحال سيدوم ، فدوام الحال من المحال ، وما يجري في غزة يتجاوز قدرة العقل على التخيل . بيوت تهدم ، أرواح تفنى ، وأشجار تقتلع كأن الأرض تمحى من جذورها ، غير أن حرب الإبادة لن تطول ، وسيأتي يوم تكون فيه إسرائيل في أضعف لحظاتها ؛ وحيدة بلا نصير ، فتدفع ثمن كل هذا الخراب " .
ما زالت ردود الأفعال حول محاولة إسرائيل اغتيال قيادة حركة حماس في الدوحة متفاوتة بين متعاطف وشامت ، حتى في داخل قطاع غزة نفسه . وأمس تم اغتيال صحفي ونائب أمريكي ( تشارلي كيرك ) في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو من أشد المدافعين عن إسرائيل وينكر الإبادة الجماعية في غزة ، علما بأنه يرفع شعار " أمريكا أولا " . نعم اغتيال في أمريكا .
ما زال رئيس الوزراء الإسرائيلي يهدد وما زال صوت وزير دفاعه يعلو بأن ذراع قواته ستطال كل من يشكل خطرا على دولته .
لا غالب إلا الله وهو المستعان
١١ / ٩ / ٢٠٢٥
أستاذ الجامعة حين لا يكتب أبحاثا :
أستاذ الجامعة حين لا يكتب أبحاثا مثل رجل له رصيد في البتك يسحب منه وبعد سنوات يغدو رصيده صفرا .
ما معنى أن يمر على دكتور عشر سنوات أو 15سنة ولا يكتب أبحاثا ؟
بعض الجامعات تكافيء هؤلاء ﻷنهم موالون وتعاقب من يكتب ﻷنه يمارس النقد الذاتي .
مرة كتب توفيق الحكيم مسرحية ساخرة عنوانها " لكل مجتهد نصيب ".
٢
على اﻷرجح أنني سأكتب مقال اﻷحد عن شعر المقاومة وعن التوازي ما بين حركة الواقع وحركة الشعر : سميح القاسم من تعاويذ مضادة للطائرات 1967 إلى العودة إلى تعاليم القبيلة والسلفية 2009 .
هل كان سميح القاسم البداية لداعش ؟
هل كانت تحولاته تنبيء بأننا سنصير إلى ما صرنا إليه ؟
ما دلالة المسبحة في سنواته اﻷخيرة؟
وما دلالة كتابته كتاب اﻷدراك؟
وهل نحن صائرون أبدا على الطريق نفسه؟
هل سأغدو داعشيا ذات يوم؟
من يدري !
أجواء المساء منعشة وقبل قليل بدأت أصوات ألعاب نارية تمهيدا لليلة الجمعة . جبهة غزة هادئة ولكن هناك جبهات أخرى ستشتعل ...الخ .
القبائل :
" خيام خيام
تضيء الثريات فيها اﻷثاث الوثير
ويمرح فيها ذباب الكلام
وأبوابها من نحاس تجر عليه السلاسل
قبائلنا تسترد مفاتنها
في زمان انقراض القبائل "
مريد البرغوثي
وأغلب الظن أنني سأكتب مقال اﻷحد عن شعراء المقاومة وانقلاب المفاهيم .
هل ظل هؤلاء ذوي فكر تقدمي أم أنهم استردوا مفاتنهم
٣
أدب العائدين:سامح خضر"يعدو بساق واحدة " 20
يعد سامح خضر مثل مايا أبو الحيات ،فهو أيضا ولد بالمنفى ،ولم يعرف فلسطين إلا من خلال اﻷب أو المدرسة أو كونه ابنا ﻷب فلسطيني يعمل في مؤسسات منظمة التحرير.وإذا كانت يارا بطلة رواية مايا "لا أحد يعرف زمرة دمه "2013 ولدت ﻷب فلسطيني وأم لبنانية ،فإن قاسم بطل رواية سامح خضر ولد ﻷب فلسطيني وأم مصرية ، مع اختلاف طبعا في الحياة اﻷسرية لكل من يارا وقاسم ،ففي حين عانت يارا من تفكك اﻷسرة وانفصال الوالدين ،فإن قاسم عاش في أسرة متماسكة ومنسجمة ، وفي حين ظلت والدة يارا في بيروت ، فإن والدة قاسم عادت إلى غزة لتقيم مع زوجها الفلسطيني قانعة بما ستؤول إليه حياتها ، رغم الفارق الكبير بين الحياة في القاهرة وحياة المخيم في غزة.
وستكون حياة قاسم في غزة اولا وفي رام الله ثانيا ، قبل انتفاضة اﻷقصى وفي أثنائها ، سلسلة من التجارب المرة التي تذكر قاريء رواية عزيز نيسين "الطريق" ببطل الرواية، وهي لا شك أقل قسوة من حياة كنديد بطل رواية (فولتير ) "كنديد ".
بقية المقال في اﻷيام الفلسطينية /اﻷحد 13/9/ 2015.
آملا بعدها أن أبدأ سلسلة مقالات عن
فدوى طوقان و
سحر خليفة
٤
السياب وحفار القبور :
لبدر شاكر السياب قصيدة عنوانها "حفار القبور" وفيها تمر أيام على الحفار ولا يموت اي إنسان ويظل الحفار ينتظر ، وفي هذه الأثناء يتمنى لو تنشأ حرب ويكثر الطلب على القبور فيثرى .
لماذا عزرائيل في أوروبا وليس في العراق ؟
الحفار سيتبرع - إن أثرى - وسيطعم الفقراء وسيبلط الساحات و ..و ...
ويظل الحفار بعيدا ينتظر عل جنازة تلوح فيقبض ويغادر إلى بيته وزوجته التي تنتظر . وتكون الجنازة القادمة جنازة زوجته .
بعد ٦٠ عاما استجاب الله للحفار الذي شبع موتا .
كلما شاهدت ما يجري في سورية والعراق تذكرت السياب وقصيدته " حفار القبور " .
مساء أمس شاهدت الأخبار والدمار فتذكرت السياب وحفار القبور . لقد استجاب الله له.
الله المستعان به .
١١/٩/٢٠١٦
٥
ظاهرة الشتم :
هل ظاهرة د.سكلانص ظاهرة جديدة ؟
غالبا ما يقترح علي بعض معارفي أن أتابع د.سكلانص .
لظاهرة د.سكلانص بذور في شعر النقائض وفي شعر ابراهيم طوقان فنجيب سرور فمظفر النواب ففوزي البكري .
لم تكن ثمة تكنولوجيا متطورة كما هي في أيامنا .
اقتصر شعر النقائض على قرائها وقصائد طوقان على بعض سكان نابلس أو من عرفهم ، وانتشرت قصائد النواب فسرور فالبكري على مستمعي الأشرطة من المهتمين ، ثم جاء د.سكلانص في زماننا حيث الفيس بوك واليوتيوب وما شابه .
مرة كتبت قصيدة على غرار قصيدة نجيب سرور " ك...أمياتكم " ولم أذعها وأظن أن من كان يدخل ، في غيابي ، إلى شقتي ، هو من عرف بها .
كانت القصيدة تشبه قصائد الواردة أسماؤهم ، ولم أحتفظ بها فقد مزقتها .
منذ 1936- يوم كتب أبو سلمى قصيدته : " انشر على لهب القصيد " ونحن نهجو ونشتم وندعو على وندعو ل أيضا ، ومع ذلك نخسر دائما .
أليس بيننا واحد صالح - أو واحدة صالحة فيستجيب الله له/ ا؟
سبحانك ربي
11/ 9 /2017
٦
جرذان لما اجتمعا حسنا
والجرذ يظهر حسنه الجرذ :
عن النظافة حدث ولا حرج .
في الأسبوع الماضي رأيت جرذين ميتين ؛ فعصا وقتلا . فعصا في الشارع على مقربة من مطعم مأكولات شعبية ، وقتلا على مقربة من بائع عصير .
نادرا ما أشتري من مطعم المأكولات الشعبية ، وغالبا ما أشرب عصير الرمان لأنه يوسع الشرايين .
عدت بذاكرتي إلى ألمانيا. هل شاهدت جرذان مقتولة ومفعوصة بالقرب من المطاعم وبائعي العصائر ؟
مرة قرأت عن بيع شاورما في ميونيخ لحمتها منتهية الصلاحية من أعوام ، لأن صاحب الثلاجة يضع اللحمة الجديدة فوق القديمة ولم ينتبه إلى التواريخ ؟
هل امتنعت عن تناول عصير الرمان بسبب ترك البائع الجرذ قريبا من محله وعدم تنظيف الجوار ؟
الجسم حتى يكتسب مناعة بحاجة إلى سم يقاوم به السم. لا بد من طعومات حتى نقوى .
أظن أن صاحب المحل و بائع العصائر أخذا بالرأي السابق، ثم إن أجسامنا اعتادت على التعايش مع الجرذان والاحتلال والأنظمة الفاسدة .
سأواصل شرب العصير وإن سافرت إلى ألمانيا سأبحث عن مطاعم شعبية قربها جرذان ميتة أو لحم شاورما منتهية الصلاحية .
هيك شايف .
11 أيلول في 2018
٧
الست كورونا : مزيدا من العزلة لخدمة الوطن في الزمن " الترللي " ( 71 )
ماذا أفعل وأنا رهين الست كورونا ؟
هل يمكن أن أقدم خدمة للوطن في وقت يتهمني فيه كثيرون أنني أحب أبناء العمومة وأشتري ال" شيمينت " والقهوة الإسرائيلية وأزور يافا وعكا وحيفا كلما سنحت لي الفرصه ، لإنجاز كتاب " مدن في الذاكرة " ، وخلال زيارتي اتحسر على الوطن الذي فقدناه " بحادث سير " كما كتب محمود درويش في رثائه الشهيد ماجد أبو شرار ؟
في الأسبوعين الأخيرين قرأت مخطوط رواية الأسير كميل ابو حنيش " جهة سابعة " ورواية توفيق فياض " مجموعة عكا ٧٧٨ " وأجريت قلمي فيهما .
حسنا فعلت الست كورونا إذ منعتنا من السفر فخصصنا المزيد من الوقت للقراءة ولتقديم خدمة لأدب المقاومة في زمن لم يبق فيه من المقاومة إلا أقل قليلها .
وأنا أقرأ الروايتين عشت في زمن آخر لم يخرجني منه إلا مشاكل يومية مع المعارف والأصدقاء والأقارب سببها أشياء فانية . يقتلوننا ثم يبكون ويتجسسون علينا ويطلبون مساعدتنا و ..
هل قدمت ثمة خدمة للوطن وأنا أقرأ الروايتين ؟
استغربت وأنا أقرأ رواية توفيق فياض كيف صدرت بعض طبعاتها ، وهي حافلة بالأخطاء النحوية والطباعية ، ولمت وزارة الثقافة الفلسطينية على طبعتها . أيعقل أن تصدر عنها طبعات كتب تحفل بالأخطاء ؟
ومن قبل استأت كثيرا من طبعة رواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز " .
قسم منا يرى العطاء في إعطاء المال ، أما أن تقدم خدمة في مجال الثقافة فهذا هراء .
أيضا للست كورونا فوائدها ، فقد ألزمتني في البيت لأقرأ مخطوط رواية أسير ومسودة طبعة جديدة لرواية قديمة وفي كلتيهما عشت في زمن آخر يقول لنا إن مهاترات سهى عرفات وجماعتها وخصومها ليست هي ما يعرفه الفلسطينيون فقط .
١١ أيلول ٢٠٢٠
٨
الفلسطينيون في الرواية العربية
الفلسطينيون ملح الأرض : ست روايات عربية 1
غدا الفلسطينيون ملح الأرض بعد أن كان اليهود كذلك ، وثمة تبادل عوالم ومواقع بين الشعبين بدأت الإشارة إليه في رواية اسحق الحسيني " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) ، فالدجاجة الفلسطينية الحكيمة تقترح على الزعيم وأتباعه أن ينتشروا في الأرض لينشروا الفضيلة ، مخلين المأوى للدجاج الغريب الطاريء .
بطريقة مواربة عبر كنفاني عن شتات الفلسطينيين بعد ١٩٤٨ في " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣ ) ، وتطرق في " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ ) إلى فكرة الضحية التي تحولت إلى جلاد وأقامت في بيوت الفلسطينيين الذين شردتهم العصابات الصهيونية في ١٩٤٨ ، وهي الفكرة التي لخصها محمود درويش في سطر واحد في قصيدته " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) :
" ضحية قتلت ضحيتها وصارت لي هويتها " .
لا يخلو الأدب العالمي من الكتابة عن الشخصيات اليهودية ، ولكنه إلى عقود قريبة خلا من حضور شخصيات فلسطينية . وإذا ما عدنا إلى كتب متخصصة في موضوعات الأدب العالمي وأفكاره ومواده / " التيمات والموتيفات " مثل كتب الألمانية ( Elisabeth Frenzel ) أو الثنائي ( Horst S. Und Ingrid Daemmrich ) فإننا نقرأ عن اليهود وعن شخصيات يهودية ، ولكننا لا نقرأ عن فلسطينيين أو شخصيات فلسطينية .
وأنا أعد رسالة الدكتوراه قرأت دراسات عن اليهود في الأدب الروسي والإنجليزي والفرنسي والألماني ... إلخ ( صدر كتاب بالألمانية في ١٩٨٥ ضم بعض هذه الدراسات عن دار نشر dtv ) ، ولم أقرأ دراسات عن فلسطينيين أو شخصيات فلسطينية في تلك الآداب . والسبب يكمن في وجود اليهود في بلدان تلك الآداب وعدم وجود الفلسطينيين .
منذ ١٩٤٨ تبادلنا واليهود الأماكن " ثمة تبديل عوالم " ، فالدولة العبرية سمحت ليهود العالم بالعودة إليها والإقامة فيها وشنعت على يهود المنفى لبقائهم فيه ، وفي الوقت نفسه طردت الفلسطينيين من أرضهم وشددت الحصار على من بقي منهم ليرحل ، ومنذ ١٩٨٢ اتسعت رقعة منفى هؤلاء . هاجروا بسبب حرب ١٩٨٢ من بيروت إلى أوروبا ، وبسبب غزو الكويت في١٩٩٠ منها إلى أماكن جديدة ، ثم جاء احتلال بغداد ليجد الفلسطينيون أنفسهم غير مرغوب فيهم في بلد أكرمهم ووصل قسم منهم فيه إلى أعلى المناصب ، ومنذ الربيع العربى في سوريا ألم بالفلسطينيين فيها ما ألم بفلسطينيي العراق ، وهاجر كثيرون منهم في العقد الأخير إلى أوروبا والدول الاسكندنافية ، ولعلنا بعد عقد أو عقدين نقرأ أعمالا أدبية أوروبية يشكل فيها الفلسطينيون شخصيات روائية فيحلون محل الشخصيات اليهودية . هل سيتضاءل حضور الشخصيات اليهودية في الرواية العالمية في القرن الحالي لتحل الشخصيات الفلسطينية محلها ؟ وهل يقرأ القراء في نهاية القرن الحالي دراسات عن الفلسطينيين والشخصيات الفلسطينية في الرواية الروسية والانجليزية والفرنسية والألمانية والسويدية والدنمركية والأميركية ؟
كنت كتبت سلسلة مقالات عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرنين العشرين والحادي والعشرين ، وهذه الصورة كانت قليلة نسبيا حتى ستينيات ق ٢٠ ، ثم كثرت بوتيرة سريعة ، ومع بدايات ق ٢١ ازداد حضورها .
منذ فترة وأنا أتابع الموضوع وأمامي الآن ست روايات عربية يحضر فيها الفلسطيني في ال ١٢ سنة الأخيرة ، عدا روايات الياس خوري وغيره ، ومع اكتمال الكتابة عنها يكون كتابي في الموضوع اكتمل تقريبا .
الروايات الستة تقول صراحة إن الفلسطينيين الآن هم ملح الأرض ، لا ملح الأرض العربية فقط كما كانوا منذ ١٩٤٨ حتى مجازر صبرا وشاتيلا .
والروايات هي " نخلة الواشنطونيا " 2009 للعراقي عواد علي و" سوناتا لأشباح القدس " 2009 للجزائري واسيني الأعرج و " طابق ٩٩ " 2014 للسورية جنى فواز الحسن و" الطنطورية " 2010 للمصرية رضوى عاشور و " عواطف وزوارها " 2013 للتونسي الحبيب السالمي و " من يتذكر تاي " 2011 للسوري ياسين رفاعية .
يقيم الفلسطينيون في الروايات في بيئات عربية وعالمية هي بغداد ونيويورك وبيروت وباريس والاسكندرية ودمشق وفي مناطق أخرى حضورها أقل ، منها مناطق فلسطينية مثل غزة والقدس ويافا وعكا وهي المدن التي عاشت فيها الشخصيات طفولتها ، وهذه الشخصيات قسم منها شخصيات حقيقية ، مثل غسان كنفاني ومعين بسيسو ، وقسم آخر شخصيات روائية لها شبيه في الواقع ، ومن المؤكد أيضا أنها شخصيات تتأثر بالبيئة التي تقيم فيها ، ولكن الأهم هو تأثر الكاتب وهو يكتب بمعطيات البيئة التي يعيش فيها في أثناء الزمن الكتابي ، وهذا ما نلحظه بوضوح حين نتوقف أمام بعض الروايات السابقة ، فلأول مرة نقرأ عن فلسطيني مثلي يعيش في وسط يتقبله ويمارس حياته بأريحية غير عابيء بما نشأ عليه في مجتمع يعد سلوكه محرما وعيبا وينزل اللعنات عليه ، ولأول مرة نقرأ ، في رواية ، عن غسان كنفاني شخصا محبا عاشقا يدمن شرب الخمر ، ومثله الشاعر معين بسيسو . إن الصورة التي يقدمها ياسين رفاعية للكاتبين ، عن حياتهما في بيروت ، تختلف عما كتب عنهما ، وتحديدا كنفاني ، في روايات فلسطينية وعربية ( مقالي في " الأيام " الفلسطينية في ٣ تموز ٢٠١٦ ) ، فغالبا ما تم التناص مع أعمال الكاتب ونادرا جدا ما كتب عن عشقه وعلاقته بالروائية غادة السمان .
الفلسطينيون صاروا ملح الأرض وعلى الأرجح أنهم سيحلون محل الشخصيات اليهودية في الرواية العالمية !!؟؟
الجمعة والسبت
١١ و ١٢ أيلول ٢٠٢٠
٩
مشاعر غامضة يملؤها الحزن :
إلقاء القبض أمس على الأسيرين محمود العارضة ويعقوب قادري اللذين حررا نفسيهما ، برفقة أربعة آخرين من سجناء سجن جلبوع ، لمدة بضعة أيام ، إلقاء القبض عليهما يلقي بظلال حزينة على الفلسطينيين إلا الصالحين منهم الذين كتب عنهم ( هلل كوهين ) كتابه " عرب صالحون " وخدموا الدولة وشخصهم إميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) ، وإن صحت الأخبار ، بأن مواطنا فلسطينيا من الناصرة أبلغ عن الأسيرين ، فإن إسرائيل لم تتمكن من الانتصار علينا إلا بمساعدتنا لها في ذلك ، وهذا طبعا ليس بالاكتشاف العظيم .
العبارة الأكثر تعقيبا على الحدث ، كما تابعت التعليقات على الخبر الذي أذاعته فضائية الجزيرة ، كانت " حسبي الله ونعم الوكيل " تليها عبارات تجلد الذات الفلسطينية وتنعت قسما منا بالخون والجواسيس وما شابه من كوننا " عربا صالحين " .
عموما فإن إمكانية إلقاء القبض على الفارين كانت واردة وكانت أحد احتمالات ثلاثة :
- النجاح بالفرار خارج فلسطين
- الاستشهاد
- إلقاء القبض عليهم ،
وأعتقد أنه ما كان علينا أن نفاجأ حتى من احتمال أن يبلغ عنهم " العرب الصالحون " منا .
هل فوجيء الأسيران باعتقالهما ؟
لا أظن ذلك ولذلك لم تفارق الابتسامة محيا كل منهما ، وربما كانت الابتسامة ابتسامة المنتصر ، فقد شغلت قصة نجاحهما في الهروب المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي بأسره . ( أرسل إلي صديق صورة غير الصور التي عممت مبتسمين فيها ؛ صورة يبدوان فيها منهكين شاحبي الوجه كاظمي الغيظ )
من الأسر أخرجوا أنفسهم وإلى الأسر عادوا وكلنا أسرى وسجناء ، وكما قالت أم سعد في رواية كنفاني " أم سعد " :
السجن حبس والبيت حبس والراديو حبس والجريدة حبس ومزهريات بيوتنا قضبان حبس ، وجاءت الكورونا لتحول العالم كله إلى سجن ولتسجن أيضا دولة السجون ، الدولة الديموقراطية الواحة في الصحراء العربية .
ليس ثمة سوى مشاعر غامضة يملؤها الحزن و " كله بروح مع الغسيل " .
اذكروا لي اسم دولة واحدة في التاريخ نشأت وقويت وسادت ثم لم تزل . إسرائيل مصيرها أيضا مصير دولة الرومان ودولة فارس والامبرطورية العثمانية والامبرطورية التي لم تغب عنها الشمس ومصير الاتحاد السوفيتي ، وفي ما يقوله لنا التاريخ عزاء ومواساة .
لا أعرف كم يبلغ عدد السجون في دولة أبناء العمومة المسيجة بالجدران والأسلاك الشائكة ؛ الدولة التي ليست إلا سجنا كبيرا سجنتنا فيه وسجنت أيضا مواطنيها فيه .
والآن ثمة إطلاق نار كثيف في المنطقة التي أسكن فيها .
١١ أيلول ٢٠٢١
١٠
صباحات حيفا : في شارع " أبو نواس "
الخميس ٨ أيلول ٢٠٢٢ زرت حيفا ، بدعوة من نادي حيفا الثقافي ، لأشهر كتابي " الفلسطيني في الرواية العربية " . أنفقت ليلة الجمعة في نزل حداد في شارع " أبو نواس " الذي غدا اسمه بعد قيام الدولة العبرية " جادة بن جوريون " .
عندما صحوت فجرا في السادسة فضلت أن أغادر الغرفة وأجلس على شرفة النزل التي هي مدخل رئيس له وأخذت أتأمل شارع " أبو نواس " المؤدي إلى حديقة البهائيين فجبل الكرمل . كان الشارع في السادسة صباحا هادئا ، فحركة السير ضعيفة جدا والشارع الذي كان في الحادية عشرة ليلا صاخبا ضاجا بأصوات الموسيقى وحركة الشباب والشابات في المقاهي والمطاعم والحانات ، صار في الصباح خلوا إلا من بعض مارة يعدون على أصابع كف يد وبعض حافلات .
نظرت إلى الكرمل وتذكرت سؤال محمود درويش في كتابه " في حضرة الغياب "( ٢٠٠٧) :
- لماذا نزلت عن الكرمل ؟
ونسيت معاناة السفر عبر معبر طولكرم حيث المعاطات تمعطنا ، والجلوس في انتظار فؤاد نقارة ليقلني إلى حيفا .
وأنا جالس كنت أشاهد عشرات العمال يعبرون في الاتجاهين ؛ مغادرين الضفة الغربية وعائدين إليها في رحلة عذاب يومي لها بداية ولا أحد يعرف متى ستنتهي ، ومنذ فترة وأنا أفكر في الكتابة عن عذابات الشباب الفلسطيني في الحصول على فرص عمل في مدنهم وقراهم ليجدوا أنفسهم عمالا في سوق العمل الإسرائيلي يصحون في الرابعة فجرا ويعودون إلى مساكنهم في السادسة مساء .
معاناة العمال في عبور الصراط المستقيم شعرت بها ومررت بها مرورا عابرا ، وسرعان ما نسيتها وأنا أجلس على شط حيفا وشرفة نزل حداد وأتجول في حيفا القديمة وحيفا العتيقة - وحيفا القديمة غير حيفا العتيقة - وفي وادي الصليب وأفطر الفول في مطعم " أبو مارون " وأقف ليلتقط لي الأستاذ فؤاد الصور أمام عمود فيصل وعلى درج جامع الشيخ عز الدين القسام الذي صار يعرف منذ ١٩٤٨ بجامع الاستقلال .
زرت حيفا من قبل مرات عديدة ولكني لم أتجول في أحيائها وشوارعها تجولي فيها في هذه الزيارة يصطحبني الأستاذ فؤاد ابن شقيق حنا نقارة محامي الأرض والشعب منذ ١٩٤٨ إلى وفاته .
في حيفا لا يمكن ألا تتذكر أبرز أدبائها : إميل حبيبي وحنا أبو حنا وسميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق فياض وسلمان ناطور ، ولا يمكن أن تنسى راشد حسين وأحمد دحبور .
قبل أن أدخل إلى وسط المدينة زرت قبري حبيبي وأبو حنا اللذين كانا رفيقي حزب ثم اختلفا وذهب كل في مسار وصارا رفيقين عدوين لا يجتمعان معا . في المقبرة عقب الأستاذ فؤاد قائلا :
- وها أنت ترى قبريهما . صارا جارين .
عندما بدأت مداخلتي عن كتابي قرأت سطري راشد :
" أتيت الطب في نيويورك أطلب منه مستشفى
فقالوا : أنت مجنون ولن يشفى
أمامك جنة الدنيا ولست ترى سوى حيفا "
فصفق الجمهور تصفيقا حارا مرحبا بي ومترحما على راشد ومكررا قوله ، فأهل حيفا فخورون بمدينتهم وبرموزها الأدبية التي حققت للمدينة شهرة واسعة في العالم العربي .
بعد الانتهاء من المحاضرة ذهبت وفؤاد والكاتبة فوز فرنسيس إلى مطعم فتوش نتناول السلطة ونحتسي العصير والبيرة كل حسب رغبته ، ولاحظت خليطا من الزبائن ؛ عربا ويهودا يجلسون جنبا إلى جنب وتسير الحياة كما لو أنك في مدينة أوروبية لا أحد يلتفت إلى أحد أو يسأل عن الهوية الدينية لهذا المواطن أو ذاك ، وهذه ميزة حيفا كما عرفت من فؤاد ؛ ميزة خاصة بها في الشمال الفلسطيني .
عندما ذهبت إلى النزل قبعت في غرفتي مستلقيا على السرير ، فلم أجازف في الحادية عشرة ليلا في الجلوس وحيدا في أحد المقاهي القريبة أرصد الحياة في الشارع . ثمة خوف يلازمني لم أتمكن من التغلب عليه ، فماذا لو حدثت مشكلة ما ؟
وأنا جالس صباحا على شرفة النزل أستمتع بأشعة الشمس وهدوء شارع " أبو نواس " تساءلت :
- لعله الضجر من الروتين اليومي هو ما دفع محمود درويش إلى مغادرة هذا الجمال الذي عبر لاحقا عن ندمه للمغادرة فصرخ صرخة ناظم حكمت :
"- أدخلوني إلى الجنة الضائعة
سأصرخ صرخة ناظم حكمت :
- يا وطني " .
وقلت :
- لا بد من إعادة قراءة أشعاره قبل الخروج لملاحظة مدى شعوره بالسأم والضجر ، فالجمال أيضا قد يصبح مألوفا ويشعر المرء بالضجر فيبحث عن مكان آخر وحياة أخرى .
ونحن نتجول في حيفا اقترح علي فؤاد أن نزور الكاتب فتحي فوراني صاحب كتابي " بين مدينتين ، وحكاية عشق " ، وفتحي صديق لدرويش وتوفيق فياض والشاعر عصام العباسي ، وقد سمى فتحي الدرج المؤدي إلى بيته ، يوم كان في بلدية حيفا ، باسم عصام . إنه يقع في شارع المتنبي .
ونحن في الشرفة لفت فتحي نظري إلى نافذة مغلقة وقال لي :
- هنا كان يقيم محمود درويش قبل هجرته وهنا كتب قصيدته الشهيرة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " .
لفتحي مع درويش وزملائه حكايات كثيرة وهو الأجدر بتوثيقها ووثق قسما منها في " حكاية عشق " ، وحكايات حيفا كثيرة وكثيرة جدا وثمة ملاحظة أخيرة أود إيرادها وهي أن حيفا القديمة اليوم هي مدينة يقطنها مواطنون عرب بنسبة مرتفعة جدا . لقد عادت مدينة عربية وستجد نفسك وأنت تصغي إلى هذا وتلاحظه تردد مع أحمد دحبور :
" يا طيورا طائره
يا وحوشا سائره
بلغي دمعة أمي
أن حيفا لم تزل حيفا
وأني اسأل العابر عنها في ربوع الناصرة "
الأحد ١١ أيلول ٢٠٢٢
١١
إميل حبيبي بين الأدب والسياسة :
القراءة وإساءة القراءة
في العام ١٩٩٥ أعدت قراءة رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ( ١٩٧٤ ) لأكتب عن صورة اليهودي فيها ، إذ لم أدرسها في رسالة الدكتوراه التي أنجزتها في العام ١٩٩١ ، وهو ما لاحظه ، مستغربا ، مقيم الرسالة الثاني الأستاذ الألماني ( Stefan Wild ) .
نشرت الدراسة أولا ، على حلقات ، في ١٩٩٥ في جريدة " نابلس " ثم أرسلتها إلى حبيبي لينشرها في العدد ٧ من " مشارف " التي كان يصدرها ( آذار ١٩٩٦ ) ، ففعل ولم يتردد ، علما بأنني كتبت فيها أن بطلها " سعيد " يبدو لي أنه إميل حبيبي نفسه ، وأتيت بأدلة من حياة حبيبي تتقاطع وما ورد عن سعيد .
لم تمر ثلاثة أشهر على نشر الدراسة حتى أجرى أحمد رفيق عوض ومنذر عامر وليانة بدر وزكريا محمد مقابلة مع إميل سألوه فيها إن كان هناك أصل واقعي لسعيد ، فأجاب :
" كنت أكذب وأقول في الماضي إن شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي ، ولكنني الآن في عمر لم أعد فيه بحاجة إلى الكذب . لقد كنت أتحدث في " المتشائل " ، إلى حد كبير ، عن نفسي ، وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حد ما .... " .
في قراءتي للرواية في ١٩٩٥ لم أنتبه إلى فقرة مهمة كتبها إميل في تقديمه لكتاب " الرسائل : محمود درويش و سميح القاسم " ( ١٩٨٩ / ١٩٩٠ ) حل فيها إشكالية صاحب الرسائل في " المتشائل " ، ففي الرسالة يكون هناك مرسل ومرسل إليه ، وفي نهاية المتشائل أبلغنا مستقبلها أنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا . " ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطيء البحر " .
بين كتابة المتشائل وكتابة التقديم ١٥ عاما لم يكتشف الدارسون خلالها حقيقة مرسل الرسائل - على الأقل في ضوء ما قرأته من مقالات ودراسات - إلى أن اعترف إميل بالآتي :
" لم يأتني ، في زحمه " الرسائل " التي كنت أبعثها إلى ذاتي محاولا التمييز بين القواعد والقعود ، بين الحدود والقيود ، وبين " فكر النفي " و" نفي الفكر " ، أنني لست وحيدا - بل متأخرا وعلى شفا الرسوب - في حمل لواء الانتفاضة الفكرية الشاملة التي تقض ، منذ سنوات ، مضاجع الفكر التقدمي الثوري حتى لم تبق لنا من " إمام " سوى " إمام " المعري .. " - أي العقل .
وعندما انتبهت إلى السطر الأول من الفقرة المقتبسة تساءلت : كيف لم ننتبه إلى أخطر سطر كتبه إميل عن المتشائل " السطر الذي يحل إشكالية صاحبها ، ويجعلنا نوحد بين مرسل الرسالة ومستقبلها ، بين بطلها وكاتبها .
في ٢ / ٩ / ٢٠٢٣ صورت الصفحة ١٦١ من دراسة وسام رفيدي " المرأة الفلسطينية والرواية بين زمنين ، المقاومة وأوسلو : دراسة في سوسيولوجيا الرواية " ( دار الفارابي ، ٢٠١٧ ) وسألت القراء عن رأيهم فيما كتبه عن إميل " الذي اتخذ على الدوام موقفا ، لا نقديا فحسب ، بل وصل إلى حدود العداء لحركة المقاومة " . وأشرت إلى خطأ وقع فيه وسام يتعلق بزمن صدور الرواية ( صدرت في ١٩٧٤ لا في ١٩٩٢ ) .
أثار سؤالي جدلا أسهم فيه وسام ذاهبا إلى أن ملاحظاتي شكلية ، وأما أنا فذهبت إلى أن الخلاف هو خلاف في منهج التناول ، فوسام حاكم إميل بناء على مواقفه السياسية ودرس الرواية بناء عليها ، ولم يلتفت إلى معطيات أخرى مهمة لطالما أبدى إميل وجهة نظر فيها وهي الفرق بين كتابته المقال السياسي والنص الأدبي ، وهو ما التفت إليه في ٣١ / ١٢ / ١٩٨٦ حين كتبت في جريدة " الشعب " المقدسية مقالا عنوانه " ملاحظات لدراسة أدب إميل حبيبي " . لقد
قال بصراحة إنه حين يكتب في السياسة يلتزم بموقف حزبه ، ولكنه حين يريد أن يكتب بصدق يلجأ إلى كتابة الأدب . السياسي يسايس ويناور والأدب لكي يكون جيدا يتطلب الصدق .
ما قاله إميل في المقابلات وما ذهبت إليه هو ما أثاره نقاد الأدب الماركسيون حين درسوا الروائيين ( بلزاك ) و ( فرانز كافكا ) . كان الأول يكتب المقال السياسي ويدافع فيه عن طبقته البرجوازية ، ولكن رواياته كما قرأها الماركسيون كانت تعبر عن مضمون تقدمي يفضح الطبقة البرجوازية ومن داخلها . ولم يكن كافكا ماركسيا ولكن رواياته تفضح المجتمع الرأسمالي وتبين انسحاق الفرد فيه واغترابه عن عالمه . إنها فكرة الرجعي - التقدمي التي لم ترق للنقاد الغربيين البرجوازيين الذين رأوا في تفسير الماركسيين تجنيا على الأدب واغتيالا له .
لا تقتصر إساءة القراءة للمتشائل على اخضاعها لمنهج محدد ، فقد كان أسلوبها ولغتها ومزج الجد بالهزل فيها وشخصية بطلها الذي يميل إلى التباسط والتغابي سببا آخر .
لقد قرأ صالح كناعنة لفظة " الغريبة " " الغربية " ، وشتان بين اللفظتين ، وجعل بشير أبو منة من دال " محصية " - يلفظها اليهود " مخصية " - شخصية روائية لا وجود لها في الرواية ، وترجم الألمان عبارة " كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " تفسيرين أحدهما لا يوافق قواعد اللغة العربية - أحمر بمعنى شيوعي ، وأحمر من حمار ، أي أكبر من حمار ، وهذا لا يجوز .
هل اقتصرت إساءة القراءة على نصوص كنفاني وحبيبي أم أن لدرويش نصيبا أيضا ؟
لعله لا بد من كتابة حتى يتضح المغزى من العنوان .
الاثنين والأربعاء ١١ و١٣ / ٩ / ٢٠٢٣
( ينظر مقالي في الأيام الفلسطينية عن كتاب بشير أبو منة في جريدة الأيام الفلسطينية ٢٩ / ٨ / ٢٠٢١ وقد توسعت فيه على صفحة الفيس بوك واشرت إلى مواقع سوء القراءة وأعيد نشره في موقع الانطولوجيا ).
١٢
شوفو سحر ماذا تكتب وصوبوني ( ٢ ) تخبيصات :
" بعد اتفاقية أوسلو ودخول السلطة ، أقيمت الحواجز حولنا ، وما عاد بإمكاننا الوصول إلى غزة ، ولا حيفا ويافا والجليل ، وأيضا القدس ، إلا بتصاريح ، وعبر بوابات حديدية وأسيجة يحرسها جنود برساشات وبنادق . قبل أوسلو ودخول السلطة ، كنا نزور أهلنا في غزة والجليل وأي وقت نشاء ، ونسبح في شواطئنا ... لكن مع دخول السلطة ... بتنا محاصرين ، وأيضا مخترقين بأجهزة مشبوهة أسمتها السلطة " مكتب الارتباط " " .
ما مدى دقة هذا الكلام ؟
في العام ١٩٩٢ عدت أحرر صفحة الثقافة في جريدة " الشعب " المقدسية ، وكنت أتسلل إلى القدس خائفا من السجن ومن غرامة أدفعها نقدا ، وفي تلك الأثناء حضرت مؤتمرا في القدس عن الحروب الصليبية دون تصريح فسألني أستاذ ألماني ألا تخاف .
منذ اندلاع الانتفاضة تقريبا ، وليس منذ مجيء السلطة ، صار أهل الضفة الغربية يمنعون من دخول القدس إلا بتصاريح .
إن كنت مخطئا أو بلا ذاكرة فصوبوني .
سحر خليفة من عمان تصب جام غضبها على السلطة .
شخصيا أنا ضد الحل منذ وقع ويومها كتبت ٣٠ قصة قصيرة جدا أسميتها قصص الخيبة ، وفي ١٩٩٧ كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان " أدب السلم .. أدب الخيبة " ، وتوقفت أمام نهاية رواية سحر " الميراث " التي تكتب عنها في كتابها ما كتبته عنها قبل ٢٦ عاما
( ٣ ) :
من الكتب التي اشتريتها من معرض الكتاب في رام الله كتاب سحر خليفة " روايتي لروايتي : الجزء الثاني " .
اليوم قرأت فيه حوالي ٥٠ صفحة . اقرأوا ماذا كتبت في الصفحتين ٤٧ و٤٨ ولم ينتبه فيصل دراج الذي قدم للكتاب للخطأ الذي وقعت فيه الكاتبة :
" أما الآن ، في السنة الثانية من الانتفاضة ، أواخر الثمانينيات ، فشتان بين غزة آنذاك - أي اواسط السبعينيات - وبين هذه ... "
في تلك الزيارة التقت سحر بالمرحوم حيدر عبد الشافي " فأحاطني علما بالمتغيرات الاجتماعية ذات الصبغة السياسية التي حدثت في القطاع خلال الانتفاضة ، وشجعنا على إقامة مركز للنساء في غزة ، لكنه حذرنا من التبعات وقال إن علينا أن نكون حذرات ، وكذلك قال إن على القيادة الفلسطينية أن تكون حذرة ، فلا تنجر لأخذ موقف مساند لأي طرف في حرب الكويت - العراق 1990 ، حتى لا يحل بالفلسطينيين ما حل بنا في الأردن عام 1970 وفي لبنان عام 1982 " .
بالله عليكم كيف حدث أن قال حيدر عبد الشافي في عام ١٩٨٨ أن على القيادة الفلسطينية أن تكون حذرة من اتخاذ موقف من غزو العراق الكويت الذي حدث في ١٩٩٠.
جل من لا يسهو . ربما تنظر سحر وفيصل في ملاحظتي .
ربما حدثت حرب الخليج في العام ١٩٩٠ قبل الميلاد !!
ربما أنا مخطيء
١١ / ٩ / ٢٠٢٣
١٣
يوميات غزة ( ٣٤١ ) :
كل شيء يسم البدن
أخبار غزة وبعض مدن الضفة الغربية ومخيماتها تسم البدن . فلا رغبة في القراءة ولا شهية .
أمس صحونا فجرا على مجزرة في المواصي في خان يونس وأنفقنا نهارنا نتابع الأفعال البطولية المشرفة لجيش شعب الله المختار تجرف الشوارع وتهدم المباني في طولكرم ومخيميها واليوم نصحو ، بعد أن تابعنا أخبار اقتحام نابلس في الساعات المبكرة من فجر هذا اليوم ، اليوم نصحو على ارتقاء خمسة شباب في مدينة طوباس.
تتراوح أعمار الشباب الخمسة الذين ارتقوا بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين . إنه شلال الدم الفلسطيني .
أردت أن أتم إنجاز مقالي الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية " تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غرفة للخلوة ... غرفة للعزلة " فلم أشعر برغبة في الكتابة ، وأسهم في ذلك ما كتبه الدكتور خضر محجز حول ما حكته ناشطة غزاوية طبيبة في الموضوع . كتابة الدكتور كتابة نارية حادة جدا ، وبعض كتاب غزة يبدون الآن ناريين في كتاباتهم ومواقفهم من محللين سياسيين وكتاب أعمدة ممن يقيمون خارج قطاع غزة ويكتبون وهم مسترخون في أجواء برجوازية بعيدة عن ساحات المعارك واللجوء والنزوح ورائحة البارود ودوي الانفجارات وقصف الطائرات وجرف الأراضي والبنى التحتية .
عندما أبديت رأيا في يومياتي واقترحت على من يريد أن ينشرها أن يصدرها بأسطر لمحمود درويش هي :
" كان يمكن أن لا أكون
وأن تقع القافلة
في كمين ، وأن تنقص العائلة
ولدا
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة
حرفا فحرفا ونزفا فنزفا
على هذه الكنبة
بدم أسود اللون ، لا هو حبر الغراب
ولا صوته ،
بل هو الليل معتصرا كله
قطرة قطرة ، بيد الحظ والموهبة "
عايرني كاتب أردني صديق بعبارة " يكتب .. على الكنبة " نازعا إياها من سياقها - أي أنني أكتب وأنا مسترخ على كنبة .
كنت كتبت تعليقا على منشور فلم يرق التعليق للصديق ، فتساءلت ماذا لو تابع يوميات أبناء غزة وآراءهم في فلسطينيي ١٩٤٨ والضفة الغربية والقدس أيضا ؟! هل كان سيلتفت إلى تعليقي ؟
ما علينا !
كل شيء في فلسطين يسم البدن ويجعلك غاضبا ناقما ، وحين تشعر بالعجز وتتوجس شرا من مستقبل غامض تكرر سطر الشاعر المرحوم راشد حسين :
" تشتهي الثورة لحظات غضب " .
من غاب من الكتاب الفلسطينيين عن الكتابة في أحداث غزة أغلب الظن أنه سيغيب إلى الأبد. !
" لا جمالي خارج حريتي "
هذا ما علمه الشهيد لمحمود درويش .
١١ / ٩ / ٢٠٢٤
١٤
هل كتب الروائيون الفلسطينيون في رواياتهم بعد النكبة عن فلسطينيين شوهتهم الحرب جسديا ؟
غسان كنفاني " رجال في الشمس "
غسان كنفاني " ورقة من غزة " .
وماذا عمن دفع ثمنها بسبب العنوسة ؟ " ما تبقى لكم " .
أثر نكبة ١٩٤٨ على العائلة الفلسطينية .
١٥
غزة 706 :
أخبار محزنة مألوفة وكتابات تحفل بتفاؤل غاب منذ أشهر
منذ بدء توزيع المساعدات في مراكز توزيعها التي أقيمت منذ سبعة أشهر تقريبا صرنا نقرأ في صفحات الناشطين عن أعداد شهداء لقمة العيش ، وغالبا ما أخذنا نقرأ في صفحات أصدقائنا الفيسبوكيين نعي إخوتهم أو أبناء أقاربهم وصرنا نكتب العبارة المألوفة " رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون " .
أمس قرأت في صفحة الكاتب ناهض زقوت الآتي :
" أخي عبدالله خميس زقوت ( أبو إسلام ) شهيد لقمة العيش اليوم في منطقة المغراقة ، كان يبحث عن لقمة عيش يسد بها رمق أطفاله الثلاثة الذين لم يتجاوزوا الحلم وزوجته . انا لله وانا اليه راجعون .
وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن أوصلنا لنبحث عن لقمة العيش في جمع الحطب
النصيرات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥ " .
أدرج ناهض صورة لأخيه يبدو فيها شابا بضا .
وفي صفحة الناشط محمد الذهبي نقرأ تعليقا على صورة أدرجها لغزة في التاسعة والنصف من مساء أمس تبدو فيها قنابل الإنارة تضيء ليل المدينة والتعليق هو : " الله يستر " .
ومنذ طوفان الأقصى صارت أخبار الموتى تغلب على الصفحات ولا تكاد تخلو منها ، وغدت الأخبار حزينة ونادرا ما تظهر روح تفاؤل . أحيانا نقرأ بعض كتابات لا تخلو منها ، فتكثر حولها تعقيبات تفرط في التشاؤم . أمس قرأت هذا اللون من الكتابة في صفحة الكاتب يسري الغول الذي ما زال مقيما في مكان سكنه ولم يغادره ، وهو من الكتاب الباقين الداعين إلى الصمود . كتب يسري :
" مخطيء من يظن أن الحال سيدوم ، فدوام الحال من المحال ، وما يجري في غزة يتجاوز قدرة العقل على التخيل . بيوت تهدم ، أرواح تفنى ، وأشجار تقتلع كأن الأرض تمحى من جذورها ، غير أن حرب الإبادة لن تطول ، وسيأتي يوم تكون فيه إسرائيل في أضعف لحظاتها ؛ وحيدة بلا نصير ، فتدفع ثمن كل هذا الخراب " .
ما زالت ردود الأفعال حول محاولة إسرائيل اغتيال قيادة حركة حماس في الدوحة متفاوتة بين متعاطف وشامت ، حتى في داخل قطاع غزة نفسه . وأمس تم اغتيال صحفي ونائب أمريكي ( تشارلي كيرك ) في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو من أشد المدافعين عن إسرائيل وينكر الإبادة الجماعية في غزة ، علما بأنه يرفع شعار " أمريكا أولا " . نعم اغتيال في أمريكا .
ما زال رئيس الوزراء الإسرائيلي يهدد وما زال صوت وزير دفاعه يعلو بأن ذراع قواته ستطال كل من يشكل خطرا على دولته .
لا غالب إلا الله وهو المستعان
١١ / ٩ / ٢٠٢٥