أمين كعابنة (ابن البادية) - في ليوان بيتنا... كبرت الحكاية (الحلقة الثانية) بعنوان "في ليوان بيتنا... رائحة الطفولة لا تزال تفوح."

استلمت رسالة جميلة من صديق اديب وكاتب واسمه "ابن البادية ابو محمد" ،، قرأها وكان هذا تعليقه اود ان أشاركه معكم ااصدقائي...

تحيااااتي.....

ريتا...

استوقفتني حكايتك، لا لأنني أتتبع الصفحات، ولا لأنني أفتش عن الحكايات في زحام المنشورات؛ فلابن البادية شأن آخر مع الحكاية. نحن لا نطاردها، ولكن إن مرت بنا حكاية تستحق، عرفناها من رائحتها، كما تعرف الإبل دروبها، وكما يعرف أهل البادية مهاجعهم.
ظهر لي نصك من خلال بعض التعليقات والردود التي جمعتنا في فضاء صفحة صديقي الروائي نافذ الرفاعي، فاستوقفني، وجلست معه قليلا. وما استوقفني فيه ليس الحنين وحده، وإنما ذلك العالم الذي أعدتِ بناءه من تفاصيل صغيرة، فإذا بها تصبح وطنا كاملا من الذاكرة.
وأنا ابن البادية، مسلم المعتقد، وجدتني أمام نصك أقرأ شيئا أعرفه جيدا، وإن اختلف المكان وتباعدت الجغرافيا. وجدت فيه قيمة البيت المفتوح، وقيمة الجيرة، ودفء الجماعة، وكرم المكان.
شدني كثيرا ذلك الباب العربي الكبير الذي لا يغلق إلا عند الليل بزند الباب، ولا يحتاج إلى مفتاح في النهار. وقد تبدو الصورة عادية لمن لم يعش ثقافة البيوت المفتوحة، أما أنا، ابن البادية، فقد توقفت عندها طويلا.
فالبيت عندنا لا تقاس سعته بعدد غرفه، وإنما بما يتسع له من قلوب. والباب المفتوح ليس خشبا ومفصلا وزندا؛ إنه دلالة على الكرم، وإشارة إلى أن القادم لا يحتاج إلى موعد، ولا إلى تعريف طويل، ولا إلى سؤال: من أنت؟ ومن أين أتيت؟
في البادية، بيوتنا للضيف قبل أن تكون لأهلها، ومجالسنا تعرف القادم قبل أن يعرفها. ودروب الإبل تدل على مهاجعها، كما يقال عند أهلنا، وكذلك بيوت الكرام؛ لها دروب تحفظها الأقدام، وتعرفها الوجوه، ويقصدها الضيف وهو مطمئن أن وراء الباب وجها بشوشا وقهوة ومجلسا يتسع له.
وتذكرت وأنا أقرأ وصفك قول الشاعر:
«يغشَون حتى ما تَهَرُّ كلابُهمُ
لا يسألون عن السوادِ المقبلِ»
صورة تختصر فلسفة كاملة في الكرم؛ فالبيت الذي ألف الضيوف لا تستوحش كلابه من القادم، ولا يحتاج أهله أن يسألوا عن السواد المقبل قبل أن يفتحوا له الباب. الضيف عند أهل الكرم لا يأتي غريبا، بل يأتي مستحقا للإكرام.
ومن هنا وجدت بين ليوان بيتكم في بيت لحم وبيوتنا في البادية خيطا لا تقطعه المسافات.
أنتِ تروين عن بيت كان بابه مفتوحا للجيران والأهل والأطفال، وأنا أتذكر بيوت البادية التي ظل بابها مفتوحا للطارق، سواء جاء في وضح النهار أو أقبل مع سواد الليل. تختلف البيئات، وتختلف التفاصيل، لكن القيم الكبيرة لا تتغير.
وأجمل ما في نصك أن المحبة عندكم لم تكن شعارا يرفع، بل سلوكا يمارس.
فحين كانت أمك تطلب منكم أن تتناولوا «العصرونة» داخل البيت في رمضان مراعاة لمشاعر جيرانكم الصائمين، كانت تقدم لكم درسا في أدب الجيرة أبلغ من عشرات الخطب. وحين كان المسلم والمسيحي يجتمعان في الحارة، ويكبر الأطفال معا، وتصبح ساحة البيت ملتقى للجميع، كانت الحياة تقول ما تعجز أحيانا عن قوله الكتب: إن الجيرة إذا صدقت، صارت أخوة في الحياة.
وأنا مسلم، وأنتِ كما يبدو من حكايتك مسيحية، لكنني لم أقرأ نصك بعين الاختلاف الديني، بل بعين الإنسان الذي يرى في ذاكرة الآخر شيئا من ذاكرته. فالأعياد مختلفة، نعم، والطقوس مختلفة، لكن الطفل الذي يركض فرحا لا يعرف كل هذه الحدود، والأم التي تطعم أطفال الحارة لا تسأل عن بطاقات هوياتهم، والجار الكريم لا يزن جاره بميزان الطائفة.
ولذلك استوقفتني حكاية «سانتا كلوز» في بيتكم، وكعكة التمر والجوز، ثم حكاية البيض الملون في عيد الفصح، وعبارة أمك: «دافئ... دافئ»، و«بارد... بارد».

هذه ليست تفاصيل عابرة يا ريتا.

هذه هي المادة الخام التي تصنع الذاكرة.
فالطفولة لا تحتاج إلى قصور حتى تكون غنية؛ يكفيها بيت مفتوح، وأم تعرف كيف تحول البيضة إلى عيد، وأب يزرع النعناع والريحان في التنك على الشبابيك، وأطفال يملؤون المكان ضحكا، وجيران يعرفون بعضهم بعضا كما تعرف الكف خطوطها.
وتوقفت أكثر عند «الفسحة السماوية»؛ عند الطرمبة التي كنتم تملؤون منها خزان الماء، ثم صارت في الذاكرة مسرحا للبحث عن البيوض الملونة. وحين صادف العيد يوما مثلجا، صار البيض الملون بين الثلوج لوحة لا يستطيع الزمن أن يمحوها.
هكذا تصنع الذاكرة أمجادها الصغيرة؛ لا بالوقائع العظيمة دائما، وإنما بتفصيل صغير يظل عالقا في الروح عشرات السنين.
وأنا ابن البادية أعرف قيمة التفاصيل الصغيرة؛ فقد تعلمنا من قسوة المكان أن الأشياء القليلة قد تكون كثيرة إذا حضرت معها المحبة. قد لا تكون المائدة واسعة، لكن اليد تمتد منها للجميع. وقد لا يكون البيت فخما، لكن بابه يعرف طريق الضيف. وقد لا يكون المكان مزينا بما تزين به المدن بيوتها، لكنه يحمل ما هو أثمن: الكرامة.
ولعل أجمل ما في حكايتك أن بيتكم لم يكن مجرد مكان تسكنه عائلة، بل كان فضاء تتسع فيه الطفولة للجميع. أبناء وبنات الخالات، أبناء الجيران، المسلمون والمسيحيون، الكبار والصغار... كلهم كانوا جزءا من مشهد واحد.
وهذا هو الفرق بين بيت تسكنه العائلة، وبيت تسكنه الحكاية.
أما قولك في نهاية النص إن الدموع انهمرت وأنت تستعيدين والديك وإخوتك وجدتك وأبناء خالاتك وجيرانك وأصدقاءك، فقد فهمته جيدا.
فالإنسان حين يكبر لا يشتاق إلى الجدران بقدر ما يشتاق إلى الذين كانوا يملؤونها حياة.
يشتاق إلى صوت الأم من المطبخ، وإلى خطوات الأب، وإلى ضحكة أخ، وإلى جار كان يدخل دون موعد، وإلى طفل كان بالأمس رفيق لعب، ثم صار اليوم اسما تسكنه المسافة.
وهنا أقول لك يا ريتا: لا تحزني كثيرا على أن تلك الأيام مضت؛ اكتبيها.
فالزمن الذي لا نستطيع استعادته نستطيع أن ننقذه من النسيان بالكلمة.
وأنا لا أتتبع الصفحات، ولا أبحث عن كل منشور، ولا ألهث خلف ما يكتب الناس؛ فلابن البادية شموخه، وله طريقه، ومجلسه، وذاكرته، ولا يلتفت إلا لما يستحق الالتفات.
لكن بعض النصوص تأتيك كما يأتي الضيف الكريم؛ لا يطرق الباب طويلا، ولا يحتاج إلى تعريف، بل تعرف من خطوته أن وراءه حكاية.
ونصك يا ريتا كان من هذا النوع.
دخل من باب الذاكرة، وجلس في مجلس ابن البادية، فوجدنا في ليوان بيتكم شيئا من ليوان بيوتنا، وفي حكايتكم شيئا من حكاياتنا، وفي طفولتنا...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى