غانية ملحيس - الثقل الذي انتقل… والقضية التي بقيت من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد

ملخص تنفيذي

ينطلق هذا المقال من الحوار الذي تتابعت حلقاته حول السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، والذي تحرك تدريجيا من محاولة فهم ما كان يراه الفاعلون قبل «الزلزال»، إلى توسيع الكادر نحو السياق الإقليمي، ثم الانتقال من الحدث إلى البنية، وصولا إلى السؤال الفلسطيني الذي طرحه يحيى بركات في مقاله الأخير: «من صاحب الطاولة الفلسطينية الغائبة؟». غير أن هذا السؤال يفتح، في تقديري، سؤالا أسبق: كيف استطاعت القضية الفلسطينية أن تبقى، رغم أن ثقل الفعل الوطني لم يكن ثابتا في ساحة واحدة، ورغم تعدد الجغرافيات والتجارب والشروط السياسية والاجتماعية والقانونية التي يعيشها الفلسطينيون؟
يُظهر استعراض محطات من التاريخ الفلسطيني الحديث أن ثقل الفعل الوطني انتقل، في مراحل مختلفة، بين ساحات متعددة: من الشتات، وفي مراحله المختلفة في الأردن ولبنان، إلى الداخل الفلسطيني، ومن مناطق 1948 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مع بقاء أكثر من ساحة فاعلة في بعض المراحل في الوقت نفسه. ولم يكن انتقال الثقل يعني انتقال القضية معه؛ بل ربما كان هذا الانتقال أحد أسباب قدرة القضية على البقاء والاستمرار.
لكن المقال يميز بين انتقال الثقل وتراكم الثقل. فالمشكلة ليست في تعدد الساحات أو تغير مركز الفعل، وإنما في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على حفظ ما تنتجه كل ساحة من خبرة وذاكرة وشرعية وتمثيل ومؤسسات وعلاقات وقدرة على صنع القرار، وتحويل ذلك إلى تراكم وطني تستطيع الساحات اللاحقة البناء عليه، بدل أن تضطر كل مرحلة جديدة إلى إعادة إنتاج أدواتها من البداية.
ومن هنا ينتقل المقال من التاريخ إلى سؤال المعمار السياسي. فالفلسطينيون اليوم ليسوا مجتمعا سياسيا متجانسا بالمعنى المؤسسي؛ لكل تجمع شروطه وأولوياته وتجربته، لكن هذا الاختلاف لا يلغي وحدة التاريخ والحقوق والذاكرة والمشروع الوطني. لذلك لا تتمثل الحاجة في إزالة الاختلاف، ولا في إعادة فرض مركز واحد يحتكر القرار والفعل، بل في بناء نظام سياسي يستطيع إدارة التعدد داخل إطار وطني واحد.
وعليه، فإن اللامركزية هنا ليست نقيض الوحدة، بل يمكن أن تكون شرطا لها، ووحدة الهدف لا تستلزم وحدة الأدوات. والمركز المطلوب ليس مركزا يصنع الثقل أو يحتكر الفعل، بل مرجعية وطنية تحفظ التراكم المشترك وتنسق بين مراكز الفعل المتعددة. فالتحدي ليس أن نعرف أين سينتقل الثقل الفلسطيني مستقبلًا، بل أن نبني ما يجعل انتقاله انتقالا داخل القضية، لا انتقالا للقضية نفسها.

المقال الكامل: الثقل الذي انتقل… والقضية التي بقيت
من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد

توالت المقالات حول حدث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بعد أن تناولت الصحافة الإسرائيلية والأجنبية تقارير حول امتلاك رئيس الوزراء وأجهزة المخابرات الإسرائيلية معلومات عن الهجوم الوشيك، وما رافق ذلك من حديث عن اتصالات ووساطات إقليمية، في سياق سياسي إسرائيلي وإقليمي شديد التعقيد، احتدم فيه التنافس الانتخابي الإسرائيلي، ودخلت أطراف دولية على خط التأثير في مآلاته، بما يرتبط بأزمة إسرائيل الاستراتيجية، ومسار التطبيع العربي والإسلامي، ومحاولات تجاوز القضية الفلسطينية.

والتقط يحيى بركات هذا المشهد ليطرح في مقاله «قبل أن يقع الزلزال … ماذا كان يرى السنوار، وماذا كان ينتظر نتنياهو؟»، سؤالا مختلفا: ماذا كان يرى كل من السنوار ونتنياهو، وماذا كان ينتظر كل منهما، قبل أن يقع الزلزال؟
وقد كان ذلك المقال هو نقطة البداية لهذا الحوار. ثم جاءت التعليقات عليه، وما أثارته من قراءات حاول بعضها التشكيك بالمقاومة عبر الخلط بين الفعل والفاعل، وتوظيف ذلك في سياق سياسي وانتخابي.
وللمفارقة، باتت الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والأمريكية ميدانا موازيا للميدان العسكري والاستخباراتي في أهميته للتأثير السياسي وتجديد شرعية البنى السياسية القائمة المسؤولة عن الحاضر المأزوم، عبر اقتصار التغيير على الأشخاص.
وقد حفزتني هذه التعليقات على كتابة مقالي «السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليس مشهدًا منفصلًا … قراءة نقدية في مقال يحيى بركات»، محاولة أن أوسع الكادر من «الغرفة» إلى «الخريطة»، وأن أنقل السؤال من اللحظة التي سبقت الزلزال إلى ما كان يجري حولها: إلى المسار الإقليمي، وإلى إعادة ترتيب المنطقة من حول إسرائيل، وإلى تراكم عوامل سياسية واستراتيجية لم تكن، في تقديري، مجرد خلفية بعيدة عن الحدث.
ثم جاء مقال خالد عطية «ما بين الزلزال والبنية: حين لا يكفي من رأى الانفجار»، لينقل الكاميرا مرة أخرى من الحدث إلى «البنية»، ومن لحظة الانفجار إلى الزمن الذي سبقها، وليضيف إلى النقاش سؤال الفاعل الفلسطيني وموقعه داخل هذه البنية.
وتتابعت بعد ذلك ردود يحيى بركات على القراءتين، إلى أن جاء مقاله الأخير «حين كان لكل طرف طاولته … أين كانت طاولة فلسطين؟»، فانتقل الحوار من سؤال فهم الزلزال، وما أحاط به من سياقات وبنى، إلى سؤال الوضع الفلسطيني نفسه: إذا كان لكل طرف طاولته، فأين كانت الطاولة التي تجمع الفلسطينيين؟ ومن يملك حق اتخاذ القرار الذي يترتب على الجميع؟
وهكذا تحركت الكاميرا، في هذا الحوار، من «الغرفة» إلى «الخريطة»، ومن «الخريطة» إلى «البنية»، ومن «البنية» إلى «الطاولة».
لكنني أعتقد أن هذا المسار لا ينتهي عند سؤال: «من صاحب الطاولة؟»، بل يفتح سؤالا آخر، أسبق منه من جهة التاريخ الفلسطيني، وأبعد منه من جهة المستقبل:
كيف استطاعت القضية الفلسطينية أن تبقى، رغم أن ثقل الفعل الوطني لم يكن ثابتا في ساحة واحدة، ورغم أن الفلسطينيين عاشوا، وما زالوا يعيشون، موزعين بين جغرافيات وتجارب وشروط سياسية واجتماعية وقانونية مختلفة؟
فسؤال «من صاحب الطاولة؟» لا يقود بالضرورة إلى افتراض أن المشكلة الفلسطينية بدأت مع غياب هذه الطاولة. ولا إلى البحث عن مركز واحد للقرار. فالتاريخ الفلسطيني يقول شيئا أكثر تعقيدا: إن القضية الفلسطينية استطاعت أن تستمر رغم أن الفلسطينيين أنفسهم توزعوا بين جغرافيات وتجارب سياسية واجتماعية مختلفة. ورغم أن ساحات الفعل الوطني تغيّرت، ولذلك ربما يكون السؤال الأهم ليس: أين كان مركز القضية؟
بل: كيف استطاعت القضية أن تبقى حين كان مركز ثقل الفعل يتغير من ساحة إلى أخرى؟ وما الذي جعل هذا الانتقال، في بعض المراحل، مصدر قوة واستمرار، ثم تحوّل في مراحل أخرى إلى مشكلة حين لم يعد الانتقال مصحوبا بما يكفي من التراكم الوطني؟
ففي تاريخ القضية الفلسطينية، لم يكن ثقل الفعل الوطني ثابتا في مكان واحد.
انتقل، في مراحل مختلفة، بين الأردن ولبنان، ثم إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وظلت القدس ومناطق 1948 حاضرتين بأشكال مختلفة، كما ظل اللاجئون والشتات جزءا من المشهد الوطني، وإن اختلف موقع كل تجمع ودوره من مرحلة إلى أخرى. كان الثقل ينتقل، لكن القضية الفلسطينية لم تكن تنتقل معه.
ولعلنا نستطيع أن نرى هذا الانتقال في بعض اللقطات المكثفة من التاريخ الفلسطيني الحديث.
بعد النكبة، حمل اللاجئون الفلسطينيون في الشتات عبء الحفاظ على الوجود الفلسطيني وعلى استمرارية القضية في ظروف الاقتلاع والتوزع. ثم جاءت معركة الكرامة عام 1968، لتصبح الساحة الأردنية واحدة من أكثر ساحات الفعل الوطني الفلسطيني ثقلا، واستمر ذلك حتى أحداث أيلول 1970.
وبعدها انتقل جزء كبير من هذا الثقل إلى لبنان، الذي أصبح بين عامي 1971 و1982 ساحة مركزية للعمل الوطني الفلسطيني، إلى أن جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فدخلت القضية مرحلة جديدة من إعادة توزيع مراكز الفعل. لكن الثقل لم يكن يتحرك خارج فلسطين وحدها.
في مناطق 1948، جاءت هبة يوم الأرض عام 1976 لتؤكد أن الفلسطينيين هناك، رغم اختلاف ظروفهم القانونية والسياسية والاجتماعية، لم يكونوا خارج المجال الوطني الفلسطيني، وأنهم قادرون على إنتاج فعل جماعي يعيد حضورهم إلى قلب المشهد.
ثم جاءت الانتفاضة الأولى عام 1987، فنقلت مركز المشهد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت القدس جزءا أساسيا من هذا الحضور، وأعادت الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 إلى قلب المشهد السياسي العالمي. وفي عام 1996 أعادت انتفاضة النفق القدس إلى واجهة الفعل الشعبي والسياسي، مؤكدة أن القدس لا يمكن اختزالها في ملف تفاوضي منفصل عن القضية الوطنية الأوسع.
ثم جاءت الانتفاضة الثانية عام 2000، فأعادت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس إلى قلب المشهد الفلسطيني، في لحظة مختلفة من تاريخ الصراع، وبأدوات وظروف مختلفة عن الانتفاضة الأولى. وفي هبة القدس عام 2021 ظهر مشهد آخر أكثر تركيبا؛ إذ بدا أن القدس قادرة مرة أخرى على استدعاء تفاعل فلسطيني يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية التي فرضها الاحتلال والانقسام، وأن لحظة في القدس يمكن أن تعيد وصل ساحات فلسطينية بدت، في مراحل سابقة، وكأنها تعيش في مسارات منفصلة.
هذه ليست مجرد محطات متتابعة في تاريخ المقاومة أو الانتفاضات أو العمل الوطني الفلسطيني. إنها تكشف حركة أعمق:
انتقال ثقل الفعل الوطني الفلسطيني بين ساحات متعددة، داخل فلسطين وخارجها، بحسب الظروف والقدرة على الفعل في كل مرحلة، لم يكن يعني انتقال القضية معه.
الثقل كان ينتقل، لكن القضية بقيت. وهذه، في تقديري، واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن نضيفها إلى الحوار الذي بدأ من «الغرفة»، واتسع إلى «الخريطة»، ثم ذهب إلى «البنية»، وانتهى إلى السؤال عن «الطاولة».
فانتقال مركز الثقل لم يكن بالضرورة علامة على فشل القضية، بل كان، في جانب منه، أحد أسباب بقائها.
حين تضيق مساحة الفعل في ساحة، تظهر المبادرة في ساحة أخرى. وحين تتراجع قدرة تجمع فلسطيني على التأثير، قد تتقدم قدرة تجمع آخر. وحين يصبح المجال السياسي مغلقا في مكان، يمكن أن ينتقل الفعل إلى مكان آخر.
بهذا المعنى، لم تكن القضية الفلسطينية ساكنة في جغرافيا واحدة. كانت تتحرك داخل شعب موزع. لكن هنا تبدأ المشكلة الأكثر تعقيدًا.

انتقال الثقل شيء، وتراكم الثقل شيء آخر
لقد استطاعت الساحات الفلسطينية المختلفة، في مراحل متعددة، أن تضيف إلى بقاء القضية وحضورها. لكن السؤال هو: هل امتلك الفلسطينيون دائما المؤسسات القادرة على حفظ ما أنتجته كل ساحة، وتحويله إلى رصيد وطني ينتقل معها إلى الساحة التالية؟
ليس دائما. وهذا هو الفرق بين بقاء القضية حية، وتحول هذه الحيوية إلى قوة سياسية متراكمة. فقد يستطيع شعب أن يحافظ على قضيته عبر أجيال متعاقبة، لكنه يظل مضطرا، في كل مرحلة، إلى إعادة بناء أدواته السياسية من جديد.
وقد تنتقل المبادرة من ساحة إلى أخرى، لكن ما تراكم في الساحة السابقة لا يتحول بالضرورة إلى مؤسسات أو قواعد أو شرعية مشتركة تستطيع الساحة الجديدة أن تبني عليها.
كأن كل مرحلة ترث القضية، لكنها لا ترث بالقدر نفسه البنية السياسية التي راكمتها المراحل السابقة. وهنا ربما يكون أحد جذور المأزق الفلسطيني المعاصر: ليس في تعدد الفلسطينيين، ولا في تعدد أماكن وجودهم، ولا في اختلاف ظروفهم. بل في أننا لم ننجح، بصورة مستدامة، في بناء نظام سياسي يستطيع أن يجعل هذا التعدد مصدرا للتراكم بدل أن يتحول إلى مصدر للتفكك.
أي «مجتمع فلسطيني» نتحدث عنه؟
حين يقول يحيى في نهاية مقاله إن الكرسي الفارغ يحمل اسم «المجتمع الفلسطيني»، فإن السؤال الذي يستحق أن نضيفه هو: من هو هذا المجتمع؟
فالفلسطينيون اليوم ليسوا مجتمعا سياسيا واحدا بالمعنى المؤسسي.
هناك الفلسطيني في القدس، والفلسطيني في الضفة الغربية، والفلسطيني في قطاع غزة، والفلسطيني في مناطق 1948، واللاجئ الفلسطيني في الدول العربية، والفلسطيني في الشتات الأوسع.
لكل تجمع شروطه القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وله أولوياته اليومية، وله خبرته الخاصة مع المكان والسلطة والاحتلال واللجوء والحقوق.
وقد تختلف، تبعا لذلك، نظرته إلى الأولويات والأدوات والتوقيتات. لكن الاختلاف لا يلغي وجود المشترك.
فثمة تاريخ واحد من الاقتلاع واللجوء والاحتلال، وحقوق وطنية مشتركة، وذاكرة فلسطينية متداخلة، وسياسات إسرائيلية وأمريكية وغربية متقاطعة أثرت، بدرجات مختلفة، في تفكيك المجال السياسي الفلسطيني وإعادة ترتيب المنطقة من حوله. لذلك فإن الخطأ هو أن نضع أمامنا خيارين فقط:
إما أن نعتبر الفلسطينيين شعبا متجانسا، وهو ما يناقض الواقع،
أو أن نعتبرهم مجموعات منفصلة لا يجمعها إلا الاسم، وهو ما يناقض التاريخ أيضا.
المطلوب هو شيء ثالث: بناء نظام سياسي يستطيع أن يحتوي الاختلاف من دون أن يحوله إلى قطيعة.
وهنا أعود إلى فكرة سبق أن تناولتها في مقالات وأوراق منشورة على موقعي الإلكتروني « ghaniamalhees.com » حول المعمار السياسي الفلسطيني واللامركزية في إطار وحدة الرؤية والهدف. ولا أريد أن أعيد هنا طرح ذلك التصور أو تفصيل هياكله؛ فما يهمني في هذا السياق هو أن أضيف إليه سؤالا خرج من هذا الحوار: ما الذي يقوله لنا التاريخ الفلسطيني نفسه عن الحاجة إلى مثل هذا المعمار؟
فالمسألة لا تبدأ، في تقديري، من البحث عن صيغة مؤسسية مثالية، وإنما من ملاحظة تاريخية: أن ثقل الفعل الوطني الفلسطيني لم يكن ثابتا في ساحة واحدة، وأن انتقاله من ساحة إلى أخرى لم يؤدِّ إلى انتقال القضية معها.
القضية بقيت، بينما كان الثقل يتحرك. ومن هنا يصبح السؤال مختلفا:
كيف نحول انتقال الثقل بين الساحات إلى تراكم وطني، بحيث لا تضطر كل ساحة جديدة إلى أن تبدأ من حيث بدأت ساحة سابقة، وكأن التاريخ الفلسطيني ينقطع كلما تغير مركز الفعل؟
فالوحدة الوطنية لا تعني أن يصبح الفلسطينيون نسخة واحدة من بعضهم.
بل أن يصبح اختلافهم داخل إطار سياسي واحد. وهنا تظهر، في رأيي، النقطة التي تربط التاريخ بالمعمار السياسي: إذا كان ثقل الفعل الوطني قابلا للانتقال بين الساحات، فإن النظام السياسي الفلسطيني لا ينبغي أن يكون مصمما على افتراض أن ساحة واحدة ستظل دائما مركز الفعل. المطلوب ليس تثبيت المركز، بل حفظ التراكم عندما ينتقل المركز.
بمعنى آخر: قد تتغير الساحة التي تقود الفعل، وقد تختلف الأدوات والظروف والأولويات، لكن لا ينبغي أن يضطر المشروع الوطني في كل مرة إلى أن يبدأ من الصفر. وهذا هو المعنى الذي أراه وراء فكرة اللامركزية: ليست توزيعا للضعف، ولا بديلا عن الوحدة، وإنما طريقة لحماية التعدد الجغرافي والسياسي والاجتماعي من أن يتحول إلى انقطاع في التراكم الوطني.

من وحدة القضية إلى وحدة الفعل
ربما كان هذا أحد المعاني التاريخية المهمة التي يمكن استخلاصها من تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها. ففي مراحل مختلفة، حاول الفلسطينيون تجاوز مشكلة الجغرافيا من خلال بناء أطر سياسية تتحدث باسم الفلسطينيين أينما وجدوا.
وكانت منظمة التحرير الفلسطينية، في مرحلة تأسيسها وتطورها، محاولة تاريخية لتحويل شعب موزع جغرافيا إلى كيان سياسي يستطيع أن يتحدث بصوت واحد. لم تكن التجربة كاملة، ولم تكن خالية من التناقضات، ولا يمكن ببساطة استدعاؤها باعتبارها وصفة جاهزة للحاضر. لكن دلالتها الأهم تبقى قائمة: التشتت الجغرافي لا يجعل الوحدة السياسية مستحيلة.
ما يجعلها ممكنة هو وجود مؤسسات تستطيع أن تمثل التعدد، وأن تمنح مكوناته مكانا داخل القرار الوطني. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كيف نعيد إنتاج مؤسسة قديمة؟ بل: ما المعمار السياسي الذي يحتاجه الفلسطينيون الآن؟
فالمشكلة لم تعد مجرد الحاجة إلى «مصالحات داخل حركة فتح» أو بين حركتي فتح وحماس، أو توافق بين أربعة عشر فصيلا فلسطينيا كثير منهم هامشي، أو اجتماع جديد حول طاولة. المطلوب أوسع من ذلك.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشعب، والساحات، والمؤسسات، والقرار السياسي.

من الطاولة إلى المعمار
ربما نحتاج إلى تخيل الأمر على مستويين:
الأول: طاولة فلسطينية تمثيلية واسعة، تجلس إليها التجمعات الفلسطينية المختلفة باعتبارها مكونات متساوية في القضية، لا باعتبار أن بعضها هو «الأصل» وبعضها فروعا تابعة له.
والثاني: طاولة مركزية، ليست وظيفتها أن تحكم الساحات، أو تختار بدلا منها أين يكون الفعل، وإنما أن تنسق بينها، وتحفظ ما تنتجه، وتحول التعدد إلى موقف سياسي مشترك، وتمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج وفق تفويض وطني واضح. وهي هنا ليست مركزا يحتكر القرار أو الفعل، وإنما مرجعية وطنية تنسق بين مراكز الفعل المتعددة، وتحفظ التراكم المشترك، وتضمن بقاء العلاقة بينها داخل إطار المشروع الوطني الواحد.
لكن حتى هاتين الطاولتين لن تكفيا. فالطاولة تحتاج إلى مؤسسات حولها.
مؤسسات للتمثيل، وأخرى لصنع القرار، وأخرى للمساءلة، وأخرى لحفظ الذاكرة والمعلومات والخبرة، وأخرى لإدارة العلاقة مع العالم الخارجي.
أي أننا لا نتحدث عن اجتماع جديد، بل عن شبكة مؤسسات حول مركز سياسي شرعي. وهنا يصبح المبدأ الحاكم مختلفًا: المركز لا يصنع الثقل، بل يحفظ التراكم. ليس مطلوبًا من المركز أن يقرر أين سيكون مركز الفعل الفلسطيني في المستقبل. فقد ينتقل الثقل مرة أخرى.
وقد تأتي لحظة تكون فيها القدس هي مركز المشهد، أو غزة، أو الضفة، أو مناطق 1948، أو مناطق اللجوء والشتات، أو أكثر من ساحة في الوقت نفسه. المهم ألا يعني انتقال الثقل أن تبدأ القضية من جديد. أن تحمل الساحة الجديدة معها ما راكمته الساحات السابقة.
أن تصبح خبرة غزة جزءا من الذاكرة السياسية المشتركة، وأن تكون خبرة الضفة جزءا من القرار الوطني، وألا تتحول تجربة القدس إلى ملف منفصل، وألا يبقى الفلسطيني في مناطق 1948 خارج تعريف الفاعل الوطني، وألا يصبح اللاجئ والشتات مجرد ذاكرة أو وظيفة تمثيلية موسمية.
بهذا المعنى، لا نحتاج إلى مركز يبتلع الأطراف. نحتاج إلى مركز يحفظ العلاقة بين الأطراف.

الثقل يتحرك… فهل يتراكم؟
ربما تكون هذه هي الإضافة التي يمكن أن يقدمها هذا المقال إلى الحوار السابق كله. لقد سأل يحيى: ماذا كان يرى الفاعلون؟ وسألت بعده: ماذا كان يحدث حولهم؟ ثم سأل خالد: ما البنية التي جعلت ذلك ممكنًا؟ ثم عاد السؤال إلى الداخل الفلسطيني: أين الطاولة؟ ومن يملك قرارها؟
لكن ثمة سؤالا خامسًا يخرج من هذه الأسئلة كلها:
كيف نحول تاريخا طويلًا من تعدد الساحات وانتقال الثقل إلى تراكم سياسي وطني؟
لأن بقاء القضية وحده لم يعد كافيا. أن تبقى القضية حاضرة في الذاكرة الدولية، أو أن تعود إلى مركز الاهتمام بعد حدث هائل، لا يعني بالضرورة أن الفلسطينيين أصبحوا أكثر قدرة على صناعة مستقبلهم.
والعودة إلى المركز لا تعني امتلاك المركز، وكسر مسار سياسي إقليمي لا يعني بالضرورة امتلاك المسار البديل.
كما أن امتلاك القدرة على تعطيل طاولة الآخرين لا يعني تلقائيا القدرة على بناء طاولة فلسطينية. وهنا تكمن المسافة بين الفاعل والفاعل السياسي. قد يكون الفلسطيني حاضرا في التاريخ، وفي المقاومة، وفي الاحتجاج، وفي الصمود، وفي إنتاج اللحظة.
لكن الفاعل السياسي هو الذي يستطيع أن يحول هذه الطاقة إلى قرار، والقرار إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تراكم، والتراكم إلى استراتيجية.

ربما لا نحتاج إلى إنهاء الاختلاف
قد يكون هذا هو الوهم الذي ينبغي أن نتخلص منه قبل أن نبدأ.
لسنا بحاجة أولا إلى أن نتفق على كل شيء كي نبني إطارا سياسيا.
ولسنا بحاجة إلى إزالة الاختلافات بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق 1948 واللاجئين والشتات.
ولا إلى إنتاج رواية فلسطينية واحدة تلغي الروايات المختلفة. بل نحتاج إلى: قواعد تجعل الاختلاف قابلا للإدارة السياسية.
ونظام يعرف أن الفلسطينيين لن يتطابقوا،
وأن ساحاتهم لن تتشابه،
وأن مصالحهم اليومية لن تكون متطابقة،
وأن تجاربهم التاريخية لن تكون واحدة.
لكن يعرف أيضا أن هذا كله يمكن أن يعيش داخل مشروع وطني مشترك. فالقوة ليست في أن نجعل المجتمع الفلسطيني متجانسا. القوة في أن نبني مؤسسات تجعل التنوع الفلسطيني قابلا للتراكم.
وهنا، ربما، يتغير معنى السؤال الذي تركه يحيى: ليس فقط: من صاحب الطاولة؟ بل:
كيف يصبح الفلسطينيون، بكل تعددهم، أصحابا مشتركين لطاولة واحدة؟
وكيف نضمن ألا تكون هذه الطاولة مجرد مكان للاجتماع، بل جزءا من معمار سياسي يستطيع أن يستقبل انتقال الثقل من ساحة إلى أخرى، وأن يحفظ ما راكمته كل ساحة، وأن يمنع ضياع القضية كلما تغيرت الجغرافيا أو تبدلت الظروف؟
لقد انتقل الثقل الفلسطيني كثيرًا عبر التاريخ. وربما سينتقل مرة أخرى.
لكن التحدي هذه المرة ليس أن نعرف أين سيذهب. التحدي أن نبني ما يجعل القضية لا تبدأ من جديد كلما انتقل.
فإذا كانت الغرفة قد كشفت لنا الفاعل، والخريطة المسار، والبنية شروط الانفجار، والطاولة أزمة القرار، فإن السؤال التالي ربما يكون أبسط وأصعب:
كيف نبني البيت السياسي الذي يستطيع شعب موزع أن يسكنه دون أن يطلب منه أولا أن يتخلى عن تعدده؟
ربما هنا يبدأ الانتقال الحقيقي: من إدارة التشتت إلى تنظيمه، ومن انتقال الثقل إلى تراكمه، ومن بقاء القضية إلى امتلاك القدرة على تقرير مستقبلها.
وربما لهذا لا أرى أن السؤال النهائي الذي يتركه لنا هذا الحوار هو فقط: «من صاحب الطاولة الفلسطينية؟»
فالسؤال الأعمق هو: كيف نبني طاولة لا تختفي عندما يتغير مكان الجلوس إليها؟
طاولة لا تفترض أن الفلسطينيين يعيشون الظروف نفسها، ولا تطلب من القدس أن تكون مثل غزة، أو من الضفة أن تكون مثل مخيمات الشتات، أو من فلسطينيي 1948 أن يتخلوا عن خصوصية موقعهم. وفي الوقت نفسه، لا تقبل أن تتحول هذه الاختلافات إلى جزر سياسية منفصلة، لكل منها ذاكرته وأولوياته ومساره.
المطلوب ليس أن نعيد الفلسطينيين إلى مركز واحد، بل أن نبني إطارا وطنيا يستطيع أن يحتوي تعدد المراكز، وأن يحول انتقال الثقل من خسارة للتراكم إلى مصدر له.
فـوحدة القضية لا تعني وحدة الساحة، ووحدة الهدف لا تستلزم وحدة الأدوات، واللامركزية ليست نقيض الوحدة؛ قد تكون، في الحالة الفلسطينية، أحد شروط بقائها.
وإذا كان السابع من تشرين الأول قد أعاد إلى الواجهة أسئلة القوة والمبادرة والقدرة على تغيير المسار، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انحسار لحظة الصدمة هو سؤال أكثر صعوبة: ماذا نفعل بالثقل عندما ينتقل؟ وكيف نحوله، هذه المرة، إلى تراكم وطني لا يبدأ من جديد مع كل ساحة جديدة؟
ربما هنا تحديدا تبدأ «الطاولة الفلسطينية» التي نفتقدها: لا من البحث عن صاحب واحد لها، بل من بناء نظام يستطيع أن يجعل تعدد الفلسطينيين قوة داخل مشروع واحد، وأن يجعل انتقال الثقل انتقالا داخل القضية، لا انتقالا للقضية نفسها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى