عصام الدين أحمد صالح - ندوة الأحد في الإسكندرية .. أيقونة ثقافية وقصة عشق لا تنتهي

في ركنٍ هادئ من قصر ثقافة الشاطبي، وتحت سقفٍ اعتاد احتضان المبدعين، انطلقت قبل سنوات "ندوة الأحد" التي لم تكن مجرد موعدٍ أسبوعي، بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً حمل بصمة رجلٍ واحد، وآمن به جمعٌ من الأدباء والمفكرين، فصار علامة فارقة في المشهد الثقافي بالإسكندرية.

تعود الحكاية إلى عام 2015، حين قدّم القاص والناقد محمد عبد الوارث استقالته من رئاسة نادي أدب الأنفوشي، تاركاً منصباً كان فيه فارساً، لكنه لم يغادر الميدان. وفي مطلع 2016، وبين جدران قصر ثقافة الشاطبي، كان اللقاء بالقامة الثقافية الأستاذة أميرة مجاهد، تلك السيدة التي وصفها عبد الوارث بأنها "على نسق أساتذة الثقافة الجماهيرية"، إلى جانب أسماء لامعة في الذاكرة السكندرية مثل وسام مرزوق، ومحمد غنيم، وليلى مهدي، وحنان شلبي، رحم الله من رحل منهم، وبارك في عمر من بقي.

1789033978618.png

استوقفته أميرة مجاهد بعد إحدى الندوات، وطلبت منه أن يبثَّ الحياة في نشاط أدبي بالقصر، فوافق دون تردد، لأن التقدير الذي يحمله لتلك القامة كان يعلو على كل اعتبار.

بدأت البداية في 2016، بلقاء جمع الأصدقاء محمد الفخراني وشريف محيي الدين، ثم توالت اللقاءات. وفي العام التالي، تولت الأستاذة جميلة نيازي رئاسة القصر، خلفاً لأميرة مجاهد التي انتقلت للعمل بأوبرا الإسكندرية، لكن الندوة ظلت شامخة، تواصل مسيرتها بإصرار من راعيها الأول.

ولم تكن "ندوة الأحد" مجرد أمسيات شعرية عابرة، بل تحولت إلى منصة ثقافية جامعة، تنوعت فعالياتها بين مناقشات القصة والرواية، وندوات عن الشعر والمسرح، ومحاضرات عن فن السينما والموسيقى شارك فيها أساتذة من معهد السينما وفنانون سكندريون. ولم تقف عند حدود الأدب، بل تجاوزته إلى ندوات تناولت الفنون المختلفة، وأخرى عن الأعياد والمناسبات الدينية، والاحتفال بالشخصيات الوطنية والأدبية، لتؤكد أنها ندوة لكل الفضول المعرفي.

كما امتدت جغرافيتها خارج ضواحي الإسكندرية، لتستضيف أدباء من كل ربوع مصر، من أسوان جنوباً إلى مطروح شمالاً، ومن ليبيا والسودان والمغرب شرقاً وغرباً، في مشهد يعكس انفتاح المدينة الساحلية على العالم العربي، وإيماناً من راعيها بأن الأدب لا يعترف بالحدود.

وشهدت الندوة على مدار سنواتها حضور نخبةٍ من الأسماء التي صنعت المشهد الثقافي في الإسكندرية، بينهم (على سبيل المثال لا الحصر) : د. حسام عقل، د. بهاء حسب الله، د. أبو الحسن سلام، د. جيهان الدمرداش، د. أحمد فرح، د. نجلا سعيد، د. سحر الشريف، د. ندى يسري، د. هالة الهواري، د. فتحية الفرارجي، د. وداد معروف، د. إيهاب بديوي، د. أحمد سماحة، د. نور عابدين، عصام الدين صالح، هناء سليمان، أميرة عبد الشافي، د. أحمد الباسوسي، د. شريف عابدين، د. إسحاق بنداري، د. منال رضوان، د. أماني شكم، سيد جمعة، فاطمة عبدالله، ناهد تاج، نجلاء أحمد حسن، نرمين دميس، وغيرهم من الأقلام التي أضفت على الندوة ثراءً وجمالاً.

1789034042026.png

وهنا لا بد من التوقف أمام مسيرة الرجل الذي ظلّ حاضناً لهذا النشاط، رغم انقضاء مدة رئاسته. فمحمد عبد الوارث ليس مجرد مُنظم، بل هو قامة أدبية لها حضورها وتاريخها؛ فهو القاص والناقد الذي أثبت نفسه في المشهد الثقافي، وعضو اتحاد كتاب مصر، ونائب رئيس الاتحاد سابقاً بفرع الإسكندرية، ورئيس لجنة القصة بالفرع، ونائب رئيس تحرير مجلة "نادي القصة" السكندرية، وعضو لجنة النشر باتحاد كتاب مصر، وهو ما أكسبه خبرة إدارية وتحريرية جعلته مؤهلاً للإشراف على إخراج العديد من المطبوعات القصصية والروائية للغير.

وقد توجت مسيرته بجوائز أدبية مرموقة، أبرزها جائزة نادي القصة بالقاهرة، وجائزة الأديب الكبير إحسان عبدالقدوس، لتظل "ندوة الأحد" امتداداً طبيعياً لهذه المسيرة، وصدى لعشق لا ينضب للكلمة وللمبدعين.

اليوم، ورغم تغير الأماكن، ورغم انتهاء التكليف الرسمي، ورغم أن الزمن يتغير، يظل محمد عبد الوارث ممسكاً بخيط الندوة... ينقلها بين أروقة الإسكندرية، حاملاً راية الأحد في كل مكان، ليؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تموت بموت المناصب، وأن العطاء الأدبي حين يكون نابعاً من القلب، يستطيع أن يصنع زمانه ومكانه، وأن يظل يضيء دروب المبدعين، مهما تقلبت الأحوال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى