ناعم زينب جيهان - ڨرباز نفيسة قلم من نور ودمع.. صفحات من وجدان جزائري نابض بالصدق

في زمنٍ تتناسل فيه الكلمات وتبهت فيه المعاني، تخرج الكاتبة الجزائرية ڨرباز نفيسة من عمق التجربة الإنسانية لتعيد للكتابة معناها النبيل، ولتذكّرنا بأن الأدب لا يُكتب فقط بالحبر، بل يُكتب بالعاطفة والذاكرة والموقف. كتابها الجديد "قلم من نور ودمع" ليس مجرد عمل أدبي، بل شهادة وجدانية تعبّر عن مسيرة امرأة آمنت بأن الكلمة قادرة على أن تشفي، وتواسي، وتنهض بالروح من رمادها.
يأتي هذا العمل كحصيلة تأمل طويل في معنى الفقد، والوفاء، والهوية، والوطن، والحياة بكل تناقضاتها. فـ"قلم من نور ودمع" لا يقدّم نصوصاً جامدة أو أدباً تقريرياً، بل يغوص في أعماق الذات ليخرج منها بخيوط من نور ودمع فعلاً — نور الفكر، ودمع الإحساس. بأسلوبها الهادئ الرصين، تكتب ڨرباز نفيسة بلغةٍ لا تلهث وراء الزخرفة اللفظية، بل تسعى إلى أن تكون صادقة، شفافة، ومحمّلة بروحٍ إنسانية نادرة.

7.jpg

تتناول الكاتبة في صفحاتها قضايا تمسّ الإنسان في جوهره:
فهي تكتب عن الفقد لا كجرحٍ ساكن بل كقوةٍ تُعيد تعريف الإنسان، وعن الأب لا كشخصٍ غائب بل كرمزٍ للحياة والذاكرة والانتماء. وتستحضر الوطن لا كجغرافيا محدودة، بل كوجدانٍ يسكن النص ويمنحه الدفء والهوية. وتطرح أسئلةً حول الوفاء، والكرامة، والحرية، وتربط بين التجربة الشخصية والهمّ الجمعي، فينتقل القارئ بين الخاص والعام بسلاسةٍ تذكّره بأن الأدب الصادق لا ينفصل عن واقعه.
من بين سطور الكتاب، يشعر القارئ أنه أمام كاتبة تكتب لتتوازن، لا لتُبهر. تكتب لتفهم، لا لتستعرض. فالقلم في رؤيتها ليس أداة تجميل للواقع، بل وسيلة لمواجهته بشجاعة، وهو أيضاً رفيق الروح في رحلتها بين الألم والرجاء. تتقاطع في نصوصها الأصالة مع الحداثة، ويظهر أثر الثقافة الجزائرية والعربية في رؤيتها المتجذّرة بالهوية والانفتاح في آنٍ واحد.
يتميّز كتاب "قلم من نور ودمع" ببنائه الأدبي المتنوع، حيث تتداخل النصوص السردية بالتأملات الفلسفية والخواطر الشعرية، مما يجعله أقرب إلى دفتر حياة مفتوح، تُعبّر فيه الكاتبة عن لحظات ضعفها وقوتها، عن فقدها وحنينها، عن وطنٍ يسكنها أكثر مما تسكنه. كل صفحة من الكتاب تنبض بعاطفة صادقة، وكأن الكاتبة تكتب لتترك أثراً لا يُمحى، لا على الورق فقط، بل في قلب كل قارئ يمرّ بتجربتها أو يشبهها في وجعه الإنساني العميق.
تسعى ڨرباز نفيسة من خلال هذا العمل إلى إعادة الاعتبار للكتابة كقيمة إنسانية، لا كمجرد وسيلة للتعبير الفني. فهي ترى أن الكتابة مسؤولية، وأن الكاتب الحقيقي هو من يحفظ الذاكرة الجماعية في زمن النسيان، ويصون القيم حين تتهاوى. تقول من خلال أعمالها إن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون وطنًا بديلاً، وإن كل حرفٍ يُكتب بإخلاصٍ هو مقاومةٌ في وجه الزيف والخذلان.
عن الكاتبة:
الكاتبة ڨرباز نفيسة، من الجزائر، تنتمي إلى جيل من المبدعين الذين جعلوا من الأدب رسالة إنسانية قبل أن يكون مجداً شخصياً. ترى في الكتابة فعلاً وجودياً يمنحها توازناً بين العقل والوجدان، وتعتبر القلم رفيق دربٍ لا يفارقها. تكتب بأسلوب يجمع بين الرقة والعمق، بين الصدق الفني والالتزام الأخلاقي، وبين الحنين إلى الماضي والرغبة في التغيير.
في مؤلفها "قلم من نور ودمع"، تجسّد الكاتبة رؤيتها للأدب كجسر بين الإنسان والإنسان، وكفضاءٍ يتسع للبوح والحكمة والحلم. وقد استطاعت أن تضع بصمتها المميزة في الساحة الأدبية الجزائرية، بصوتٍ هادئ لكنه عميق، وبحضورٍ يعبّر عن جيلٍ يكتب كي يضيء لا ليظهر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى