القراءة النقدية للنّص الشّعري " من تحليل المعنى إلى اكتشاف الوجدان"

......
- المقدمة"
- لم تعد القراءة النّقدية للنّص الشّعري في الفكر الأدبي الحديث مجرد عملية تفسير لغوي أو تأويل نظري، بل غدت رحلة في عمق التجربة الجمالية والإنسانية للنص. فبينما تميل القراءات التقليدية إلى التعامل مع القصيدة كمنظومة لغوية يمكن تحليلها بنيويًا أو تفكيكيًا، تتجه القراءة النّقدية الحقيقية إلى التماس حرارة النص من داخله، والإنصات إلى نبضه الخفيّ الذي لا
تلتقطه المناهج بل تكشفه المحبة والتأمل والذوق.إنّها قراءة لا تُقام على جفاف المفهوم، بل على نار الوجدان ووهج الجمال، حيث يصبح النص مجالاً للتفاعل الحيّ بين ذات القارئ وروح الشاعر، فيتحول الفهم إلى تجربة وجودية، ويغدو النقد فعل مشاركة في الخلق لا في الشرح.
- حدود القراءة التّقليدية وانفتاح الرّؤية الجمالية
- على امتداد القرن العشرين، سادت قراءات نقدية قائمة على مدارس ومناهج صارمة: البنيوية، السيميائية، التفكيكية، والأسلوبية. وقد منحت هذه الاتجاهات للنقد دقة تحليلية ومنهجية، لكنها في المقابل جففت ينابيع الذوق والشعور، فكما يقول "رولان بارت: “النص ليس ما يُفسَّر بل ما يُستَمتَع به”.وهذاما يُعيد الاعتبار للقارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرّد متلقٍّ سلبي.
أمّا "غاستون باشلار" ،فقد فتح بابًا جديدًا أمام النقد الشعري حين جعل الخيال المادي مدخلًا إلى فهم الصورة، ورأى أن قراءة الشعر هي نوع من الحلم الواعي، حيث يلتقي القارئ بالجوهر الحيّ للصور لا بمجرّد دلالاتها. وهكذا تحولت القراءة من تحليلٍ منطقي إلى **تجربة وجدانية تشاركية، ومن منهج إلى حالة روحية تمزج بين التأمل والمعرفة.
-أولًا: نحو مفهوم جديد للقراءة النّقدية الشّعرية
- إنّ القراءة النّقدية التي نقترحها هنا تقوم على المحبة كشرط للمعرفة. فالنّص الشّعري لا يُفتح بالقواعد، بل بالقلوب التي تُحسن الإصغاء. القراءة ليست بحثًا عن “ما أراد الشاعر قوله”، بل اكتشافًا لما قاله النص بصمته، ولما أشار إليه عبر تناقضاته، وانكساراته، وصوره،
وإيقاعاته.إنّها قراءة تنفذ إلى عمق البنية النّفسية للنّص، ترى فيه مرايا الذات المبدعة أكثر مما ترى البناء اللغوي.لذلك فهي قراءة تتجاوزالنظرية دون أن تنكرها، وتستثمرأدوات التّحليل دون
أن تُخضع النّص لها ،وفي هذا الإطار، يصبح النّاقد شاعرًا آخر، يخلق بالنظر ما خُلِق بالكلمة،
ويعيد بناء التجربة الشعرية على أرضه الداخلية،وكما قال أدونيس: “النّقدالذي لاينبع من الشّعرلايفهم الشعر. هذه الرؤية تضع القارئ في موقع الشريك الإبداعي، لا المفسّر الخارجي، وتجعل من القراءة فعل عشقٍ واعٍ يفتح النّص على احتمالاته المتعددة.
- ثانيًا: القارئ الموهوب بين الذوق والتجربة والتّأمل
القارئ النقدي الموهوب هو الذي يمتلك ثلاث قدرات متكاملة:
- الذّوق الجمالي الذي يلتقط الموسيقى الخفية في النّصوص، ويميّز النغمة من الصدى.
- التجربة الإنسانية التي تمكّنه من ملامسة الوجدان الشّعري بعمق الوعي، فيحسّ بالألم والفرح والرؤيا كما أحسّ بها الشاعر.
- التأمل الفلسفي الذي يحوّل الصّورة الشّعرية إلى لحظة معرفة، ويجعل من اللغة وسيلة
لاكتشاف الوجود لا لوصفه فقط.،وعندما تجتمع هذه العناصر، تتحول القراءة إلى فعل كشف نفسي وجمالي، يكشف فيه القارئ أسرار النص الداخلية، فيعيد توازنه البنيوي والنفسي والروحي. فالنص الشعري، في النهاية، لا يُحلَّل بقدر ما يُستَشعَر ويُستَضاء به.
- الخاتمة
- إنّ القراءة النّقدية للنّص الشّعري، كما نراها، ليست وقوفًا عند حدود الدّرس الأدبي، بل عبور نحو قلب الجمال ذاته. إنها قراءة تتأسّس على المحبة، وتغتذي من الذوق، وتستنير بالتأمل. ليست منهجًا بل رؤيا، وليست أداة بل حالة وعيٍ وجدانيّ تجعل النّاقد يعايش النّص
ولا يشرحه.إنّها قراءة لا تشرح القصيدة بل تشاركها أنفاسها، ولا تفسّر الصّور بل تعيشها، لتكتشف أن الشعر هو في جوهره تجربة وجودية بين الذات والعالم، وأنّ النقد حين يتحرر من سلطة المناهج يصبح ضربًا من المعرفة عبر الجمال، أو كما قال باشلار: “الحلم طريق آخر
نحو الحقيقة”،وهكذا، يتبدّى أن أصدّق قراءة نقدية للنّص الشّعري هي تلك التي تُعيد إلى الكلمة دفئها الإنساني، وتستخرج من صمتها ما لا يُقال على لسان الشاعر، لأنّ النّقد في جوهره نوع من الحبّ المضيء الذي يحوّل الفهم إلى إبداع جديد.
-المراجع
1. غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، دار الشروق، عمّان.
2. رولان بارت، لذة النص، ترجمة فريد الزاهي، منشورات الاختلاف، الجزائر.
3. أدونيس،زمن الشعر، دار العودة، بيروت.
4. صلاح عبد الصبور، قراءة جديدة للشعر العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
5. عبد العزيز حمودة، المرايا المحدّبة، عالم المعرفة،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى