العقيد بن دحو - على المثقف أن يكون متفهما

نتساءل في صمت و سمت عن الحرب الإعلامية عبر مختلف المحطات و الوسائل التماثلية الرقمية ، وقودها اطلاق سراح السجين السياسي الادبي الإعلامي ، المزدوج الجنسية ، الجزائري الفرنسي (بوعلام صلصال).
الى غاية هنا الخبر مقدسا ، أما التعليق الواجب ، و لما لا...!؟
ولماذا لا يطلق سراح هذا السجين أو غيره ، مادامت السياسة فن الممكن ، و مادام الأدب عموما الإتصال او / الحوار بين ما يمكن ادراكه و ما لا يمكن ادراكه !
علينا أن نكون متفهمين أكثر من أي وقت مضى ، في عصر أثقله منطقه ، و في عالم و محيط متقلب بين لحظة و لحظة اخرى ، أحادي القطبية ، معولم ، مكوكب مادي لا يرحم ، يبحث عن أقل الأسباب و الذرائع ليعلنها تدخلا مباشرا دون اللجوء الى أي حادثة مروحة أخرى !
عالم شعاره : "لأن الأوضاع كما هي فلن تبقى كما هي".
بمعنى ان لم تتغير تُغيّر. الصراع لم يعد صراعا سياسيا انما صراع فكري ثقافي حضاري ، من يملك الفكرة قبل الكلمة و قبا المعلومة و ثمة تكمن مشكلتنا كجزائريين !
الذي يتكلم لا يعرف و الذي يعرف لا يتكلم !
علينا كمثقفين أن نكون متفهمين لقرارات الدولة في أي مكان و في أي زمان و لا شيء في قاموس السياسة يسمى (متأخرا) لغة و اصطلاحا و فيلولوجيا.
ان الدولة العاقلة اليوم هي التي لا "تركب رأسها" كما يورد في المثل الشعبي الجزائري.
الدولة الراشدة !
الدولة المتفهمة هي التي تعيش عصرها بكل تقلباته و تحولاته !
الدولة العاقلة اليوم هي التي تعلم ان السياسة و الدبلوماسية العالمية تراجعت و صار الرهان عن الفكر و الثقافة لإعادة ترتيب البيت بصفة عامة.
جميل اطلاق سراح الرجل في هذا الوقت المناسب ، و غلق أبواب كانت مفتوحة عن الجزائر او تلك التي كانت ستفتح.
الباب التي نجيئك منه الريح سده و استريح !
السياسة الحكيمة اليوم أن تنقذ الوطن بأي طريقة كانت ، و لا تدفع الى التمرد أو الغطرسة أو العنجهية أو ذاك الكبرياء الزائف الذي عشناه فترة السبعينيات و الثمانينيات بأن كنا أقوى سياسيا و دبلوماسيا مما نحن عليه اليوم،
أو في تلك المرحلة التاريخية ما قبل سنة 1827 يوم كنا سادة حوض البحر الأبيض المتوسط ، قبل أن يتحطم الأسطول الجزائري في موقعة (ناڤرين).
ليست مرحلة الرئيس الراحل هواري بومدين الممتدة من الى(1965-1978) بفترة (الرجولة) و الشهامة و الكبرياء و الأنفة ، الند للند و المعاملة بالمثل مع الدول الغربية الكبرى ، صاحبة الحق "الڤيتوي" بالأمم المتحدة أو تلك المنظمة الى (النادي النووي) أو تلك التي تزعم بأن لا تزال ترى لها حقوقا تاريخية و مجالات حيوية ؛ يمكن استرجاعها في أي وقت من الاوقات. ممكن او تندرج تحت مسمى (النوستالجيا الإستعمارية السادية).
صحيح لا يمكن نكران على الرجل أشياءه في معالجة عدة قضايا عالقة نبيلة ، مثل تأميم المحروقات 24/02/1971 و بموجبه قررت الجزائر أن تأخذ حصتها من الكعكة الهيدروكربونية شركات الفرنسية لا تقل عن 51%.
كما أن بفضل هذا الرجل صار لمنظمة التحرير الفلسطينية صوتا أمميا 1974.
أيضا استطاع الرجل أن يمنح لسانا عربيا على منبر الأمم المتحدة لأول مرة في التاريخ 10/04/1974. و عدة قضايا اخرى محلية وطنية جهوية اقليمية عالمية.
لكن بالمقابل علينا أن نتفهم الظروف الإقليمية و العالمية التي كانت تحكم العالم ، معسكر اشتراكي بقيادة الإتحاد السوڤيتي سابقا ، و معسكر غربي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة الإمريكية .
حين يعوزني اللون الأزرق أستخدم اللون الاحمر (بيكاسو).
معنى هذا كاتت الخيارات لدى دول العالم الثالث ممكنة !
و الرئيس الراحل هواري بومدين كان غالبا ما يمارس مع المعسكر الغربي سياسة السلوك الشرطي الباڤلوفي ، يعمد الى الإستفزاز و في نفس الوقت اذا ما علم تحرك حاملة الطائرات الامريكية من جبل طارق و اقترابها من حدود المياه الإقليمية ، يبعث (رشيد كازا) و غيره من رجالات الدولة ؛ المقرب و الصديق للبيت الأبيض الأمريكي على تهدئة الوضع و اعادة الحاملات ادراجها حيثة أبحرت أول مرة !
و هذا ما فشلت فيه العراق مع صدام حسين ، و ما فشلت فيه الجماهيربة الليبية مع ملك ملوك افريقيا الزعيم معمر القدافي.
لابد من تغذية (الهولة) أو (السفانكس) أو (المونيتور) أو (السنتور) هذا الكائن الخرافي الجديد ، (القضاء و القدر) المعولم بالحيل السياسية و الدبلوماسية و حنكة التأني و الصبر ، من صار يقرر مصير الدول ، في انتظار (أوديب) آخر أو (ثيسيوس) آخر يفك و يخلص العالم من ذل سؤال العولمة او الكوكبة أو الامركة !.
خير ما فعلت الجزائر ان اطلقت (السبب) أو (السؤال) من تلافيف متاهات جزيرة (كريت) الجديدة و جعل الكرة في مربع مرمى الخصم الصدبق ، و أمسكت و تثبت بخيط (أريانا) أو / (أريادني) ليوصل البلد و العباد بر الأمان.
قضية الكاتب بوعلام صلصال لم تعد بالتراكم و الإضافات قضية شخصية و انما أصبحت تدريجيا تعالج في مخابر وورشات استشرافية نعرف جبدا مآلات مخرجاتها و أثرها الرجعي.
جميل أن تستدرك الجزائر متفدمة الأمر و لأي سبب كانت ، تفوت الفرصة الكيدية على ااداء ز الأصدقاء و الأعداء التي كانت تطبخ على نار هادئة ضد الجزائر.
على المرء في هذا العالم الذي قذفنا اليه قذفا كما يقول المطرقة (نتشه) أن يكون (متفهما) ؛ أن لا يكون معاديا لأية فكرة حضارية .
ان جنح العالم لصلح و السلام في حدود انتشار ثقافة التسامح فلا يُضيع الفرصة التاريخية. كما لا يعطي الفرصة لتلك المصابة بداء متلازمة (برادر ويلي) Prader Willi Syndrome
الشخص النهم الذي لا يشبع أبدا.
Binge eating Disorder.
ذاك الذي يتحذ من الحروب تغذية لمصانع اسلحته ، و كذا للنهب و السيطرة سواء عن قرب أو عن بعد
قضية بوعلام صلصال كذاك الذي يرعى و يتعاهد كائنا خرافيا صغيرا ، حتى اذا ما أشتد ساعده ، نسي مربيه و مروضه و أصبح يشكل عليه و على بلده خطورة.
جميل الجزائر أن تعود من جديد الى ندريب و نكوين الدبلوماسيين ثقافيا و فنيا أكثر من أي مراس آخر ، و العمل على نقل و تحويل المعركة عند فضاء الطرف الآخر ما وراء البحار ،مقارعة الحجة بالحجة ، و كل معركة ما يلائمها من سلاج
الأدب بالأدب ،الفن ، الفكر بالفكر ، الثقافة بالثقافة.
قضية الكاتب بوعلام سجينا او بوعلام صلصال طليقا على وزن الأسطورة الاغريقية بروميثوس مقيدا أو بروميثوس طليقا ، فرصة لإعادة وجهة النظر في شأننا الثقافي ، على اعتبار الثقافة ذات سيادة و ليس مكملا علاجيا مسكنا مؤقتا. اعتبار رجالات الثقافة و الفكر رجالات دولة يمكن التعويل عليهم بعد أن تبث عالميا فشل الدبلوماسية و السياسة.
قصية بوعلام صلصال فرصة لنعطي معان اخرى لما يدور حوله.
- السجن يقابله (ديدالوس)
- بوعلام صلصال : يقابله (بروميثوس)
- المؤامرة يقابلها (المونيتور)
- (اللغز) يقابله الحل (الإنسان) !
اذا لم تكن عند رجالاتنا مثل هذه المقارنات و المقاربات كما هي عند رجالات الطرف الآخر بكيفية أو باخرى سيكون من الصعب تخطي عقبة عودة دورة حرية التاريخ الكأداء ، حين يعود مرتين ، مرة في شكل مأساة و مرة أخرى في شكل مسخرة. سوف تكون نهاية هذه الحرية حيال قوى الخير و الشر نهاية التاريخ.
فرصة أن يعود الجميع الى مفاعد الدراسة في مدرسة الثقافة ، نتعلم من جديد : أم الثقافة ما يجب ان نتعلمه بعد أم نتعلم كل شيء.
ان كانت حرب الكاتب مع الدولة ثقافية ، دخل من الثغرة التي طالما حذرنا منها
صحيح الحطأ اصيل بالذات البشرية يمكن التقليل منه لكن لا يمكن القضاء عليه. لكن عندما يكون الموكلين عن الدفاع عن البلاد و العباد مثففين ، يتم سد هذه الثغرة التي حارب من خلالها المثقف المرتد بلده.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى