أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٠ أيار من كل عام

١
معين بسيسو ومسرحيته " محاكمة كتاب كليلة ودمنة " :

وأنا أتابع مأساة تعيين عضو هيأة تدريس ، في أحد الأقسام في جامعة ما ، تذكرت معين بسيسو ومسرحيته " محاكمة كتاب كليلة ودمنة " وقضية الحكم الصادر سلفا ، فما أهمية إجراء المحاكمة واستدعاء الشهود ؟
بعض الشهود غابوا لأنهم يعرفون أن المسرحية جاهزة سلفا - الحكم صادر سلفا - ولذلك امتنعوا عن الحضور .
القسم ليس بحاجة لأستاذ في تخصص مقدم الطلب ، وهناك أدلة فشعب المادة أغلقت في الفصول الأخيرة لعدم وجود طلبة ، والقسم بحاجة لتخصصات أخرى لم يستدع مقدمو طلباتها . وصاحب الطلب ليس متميزا .
لماذا لا ننتصر؟
٢٠١٣

٢

حمدي كنعان :

هذه الأيام أتذكر حمدي كنعان . لم أكن أعرف الرجل ، وأعتقد أنني كنت ضد موقفه من اللاجئين ، فلم يرق لي ما سمعته على لسانه ان كان قاله . لقد دونت هذا في إحدى قصصي المبكرة .
الآن أتذكر حمدي كنعان، لا كي غير موقفي مما قاله إن كان قال ما قال , ولكني أتذكره لأن نابلس بحاجة إلى رئيس بلدية يمتلك جراة حمدي كنعان , فقد كان الرجل جريئا.
امس كنت في جنازة المرحوم الزميل د.صبحي الطيراوي , فتذكرت المرحوم حمدي كنعان .
حين رأيت الدير تذكرته وقلت لزميلي د.عبد الخالق ود. رائد :
- نابلس بحاجة إلى رئيس بلدية يمتلك جرأة حمدي كنعان . لماذا؟
هذا الصباح في الحافلة كنت أصغي إلى معاذ شريدة وتيسير نصرالله وآخرين يتحاورون حول مجمع السيارات وما يثيره من مشاكل . ما الحل لهذه المصيبة\المجمع ؟
يخطر في ذهني وانا اسير في شارع فيصل ان تجرف البلدية كل ما في وسطه من محلات ومستوصفات وجامع و..و..و.. وان يغدو شارع فيصل بحرا للسيارات ، مطارا لها ، فتحل أزمة نابلس لمئات الأعوام . ولكن من يمتلك الجرأة لهذا ؟
إنه فقط المرحوم حمدي كنعان الذي هدم سور الدير ولم يأبه لرشاش الخوري . فعل ذلك ليحل مشكلة الشارع .
ليس شارع فيصل ما يحتاج إلى هدم . ايضا بيوت كثيرة من مخيم عسكر القديم بحاجة إلى هدم لتوسيع الشارع العام فقد بنيت خطأ .
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم و..و..وصباح الخير يا نابلس.صباح الخير يا وطن .
٢٠١٢
.
٣
( دروغبا ) يثار للسود من ( هتلر )ثانية :

لم أشاهد مساء أمس مباراة ( بايرن ميونخ ) و ( شيلسي ) . أنا لا أشتري بطاقة الجزيرة ، لأنني أخشى من أن أتحول إلى مشاهد مباريات محترف ، فلا أقرأ ولا أكتب .
الساحرة المستديرة تأسرني ، والرياضة أنظف لعب في هذا العالم ، بعد لعب المحبين ، وأعترف بضعفي أمام هذين النوعين من اللعب .
حقا لم أشاهد المباراة ، ولكني عرفت نتيجتها ، من راديو أجيال ، فتذكرت زيارتي ل(برلين)1988و 1990 ، وتحديدا زيارتي الستاد الدولي .
تذكرت ( هتلر )وبرلين أكثر مما تذكرت ملعب ( ميونيخ ) ، على الرغم من أنني زرته ووقفت على أطلاله وأطلال عملية ( ميوينخ ) التي قام بها الفدائيون في 70 ق 20 ،
حين سدد اللاعب ( شتاينشفايغر )الذي أرى فيه " نمسا ألمانيا " ، تذكرت( هتلر ) ، وحين سدد ( دروغبا ) تذكرت هتلر أيضا .
لماذا ؟
- هل أنا معجب ب( هتلر ) ؟
حين اصطحبنا الألمان إلى المكان الذي جرت فيه الألعاب الأولمبية في برلين في زمن ( هتلر ) أخبرونا قصة ( هتلر ) حين فاز أحد العدائين السود .
كان ( هتلر )على يقين من نظريته العرقية التي تقول بتفوق الجنس الآري على الأجناس الأخرى ، وكان أن فاز عداء أسود \ زنجي ، فأبطل ، بفوزه ، ما كان ( هتلر ) يعتقد بصحته وسلامته ، وهكذا جن جنون ( الفوهرر هتلر ) وغادر الستاد الرياضي .
أمس ليلا تذكرت ( هتلر ) . لقد ثأر ( دروغبا ) منه \ من ( هتلر ) ومن نظريته بعد 78 عاما أو يزيد .
هل تتناسخ الأرواح ؟

٤
حماس والترقيات الآن :

الأخبار تقول إن حركة حماس تعمل الآن على ترقية موظفيها ، حتى إذا ما تشكلت حكومة وحدة وطنية ، بدأ المقاومون يتحولون إلى أثرياء لا صلة لهم بالمقاومة ، وحماس بذلك تلجأ إلى ما لجأ إليه المسؤول الأمريكي في الضفة (دايتون ) يوم طالب بإحالة كل المقاومين القدامى إلى التقاعد المبكر ، حيث دفعت لهم رواتب أعلى مما يستحقون ، ولم يعودوا يتحدثون إلا عن الراتب .
هل تختلف حماس عن فتح وعن اليسار أيضا ، يسار المكاتب ؟
لقد تقاعدت الثورة والمقاومة ، وحماس الآن ستتقاعد ، بعد أن أخذت حصتها من غنائم أوسلو ، ولهط قادتها ما لهطوا ، وابصقوا على شواربي المحلوقة إن كانت حماس تختلف قليلا عن الفصائل الأخرى ، واسألوا عن وزرائها السابقين وعن رواتبهم ، فلقد عادوا إلى وظائفهم ، وكسبوا راتب الوزير المتقاعد ، ومثلهم ايضا سيكون رئيس الوزراء ووزراؤه . سيعودون إلى أماكن عملهم ويأخذون راتب التقاعد ، ولن يقوم أي واحد بخطوة جريئة محترمة ويقول :
- أنا عدت إلى وظيفتي ، وبالتالي ساتنازل عن راتب التقاعد ، فأنا لم أخدم في الوزارة ثلاثين عاما كي أستحق راتب تقاعد . ان فعلها د.رئيس الوزراء او احد الوزراء سأربي شواربي وأدعوه ليبصق عليها . معلش سأتحمل البصقة لصالح خزينة الدولة ، وساحلق شواربي بعدها .
٢٠١٤

٥
حزيران....واتساع رقعة المنفى . محمود درويش في " نزل على بحر " :

بدأ الفلسطينيون يكتبون عن المنفى قبل أن يتشكل ، وربما كانت أشعار ابراهيم طوقان تتنبأ به ، وهو ما يبدو في قوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو ، أم محونا والإزالة "
وربما رأى طوقان أن مستقبل الفلسطينيين يتعدى طردهم من بلادهم ، ليصل حد المحو والإزالة . كأنه كان يتنبأ ب ( هولوكست ) فلسطيني تجسد جزئيا في صبرا وشاتيلا ، ومن قبل في دير ياسين وكفر قاسم .
كان طوقان الذي توفي في العام 1941 يرى أن بلاده في طريقها إلى الضياع .
لم يشهد الشاعر النكبة وما نجم عنها.....( تقرأون البقية في الأيام الفلسطينية ، حين ينشر المقال كاملا...)

٦
لجان الرسائل العلمية والمثل الشعبي :

هناك مثل شعبي يقول " أعط خبزك لخبازه لو حرق نصفه " .
تذكرت هذا المثل مؤخرا غير مرة ، فكلما كنت أحكم بحثا أو أطلع على رسائل علمية ناقشها غير متخصصين في الموضوع رددت المثل " أعط خبزك لخبازه لو أحرق نصفه " .
كيف يناقش أستاذ جامعي رسالة في فن الرواية وهو لم يقرأ رواية ولا يلم بمصطلحات فن الرواية؟واﻷدهى هو كيف يشرف على رسالة في فن القصة القصيرة وهو لم يكتب دراسة واحدة عن هذا الفن؟
مؤخرا حكمت غير بحث عن محمود درويش واكتشفت قراءات خاطئة كان يمكن أن تمر على غير قاريء ممن لم يلموا بأشعار الشاعر ، ولفت نظر أصحابها .
قسم اتسم بصفة العالم فشكرني وأقر بسوء قراءته وقسم راح يروج لنقده بأنه نقد لم يأت به أحد .
في رسائل كتبت عن محمود درويش هناك أخطاء شنيعة ، والسبب يكمن في أن المشرف لم يقرأ درويش جيدا ، أو أنه قرأه قراءة عابرة سطحية ، ويكمن السبب أيضا في اختيار مناقش لم يقرأ الشاعر جيدا ، لخوف المشرف من إحضار مناقش متخصص قد يكشف ضعف الرسالة والمشرف معا .
حقا كيف يناقش أستاذ رسالة في فن الرواية وهو لم يقرأ الروايات وليست له دراسة واحدة في فن الرواية؟
كثير من اﻷبحاث التي تكتب والرسائل التي تناقش تكون ضعيفة لما ذكر .
ومرة أراد أحد طلابي إهدائي رسالة الدكتوراة الخاصة به فلما قرأت فقرة مما كتب ولاحظت تفسيرا خاطئا مر على المشرف ولجنة المناقشة تراجع .

٧
وزير ثقافة :

هل يستحق أن يكون وزير ثقافة من يطرد من جنته الذين يختلفون معه؟
هل يستحق أن يكون مسؤولا ثقافيا وعن جوائز دولة من يشطب من صفحته كل من انتقده ، بل وكل من يضع إعجابا لكتابة تختلف مع المسؤول ( أحد زملائي في الجامعة أقر لي بأنه معجب بما أكتب ولكنه غالبا ما لا يظهر هذا لأنه يخشى من الإدارة )
هل يستحق أن يكون وزير ثقافة من لا يقبل التعدد والاختلاف ؟
هل يحق لشخص أن يقرر من هو الفلسطيني ومن هو ليس فلسطينيا ؟
الصحيح أنني فجعت بلغة خطاب وزير ثقافة ما .
حين أخبرني أحد الكتاب أن ذلك الوزير هو واحد من ثلاثة يقررون السياسة الثقافية في رام الله ابتسمت وقلت له :
- لا أريد السفر ولا جائزة ما ولا أريد أن تطبع كتبي . ليقرر من يقرر ولست بحاجة لأحد .
لست بحاجة لوظيفة .
لست بحاجة إلى مساعدة من أحد
لست بحاجة إلى من يقف إلى جانبي .
إنني أكتب كما كان إميل حبيبي يكتب في الأدب ، لا كما كان يكتب في السياسة .
كان اميل حبيبي يقول :
- حين أكتب في السياسة احاور واناور وحين أريد قول الحقيقة ألجأ إلى الأدب .
20/5/2016

٨
إلياس خوري و( يورام كانيوك ) :
" تناسل النصوص وتناص التناص "

بقلم :عادل الاسطة

يكتب آدم ، وهو كما ذهبت ، المؤلف الضمني لرواية " أولاد الغيتو " أنه قرر أن يكتب حكاية المكان الذي ولد فيه ، وهو اللد ، وحكايته وهي حقيقية مائة بالمئة ، وهي تستند إلى ما روته أمه له ، مرارا وتكرارا ، لدرجة أنه ، لكثرة رواية أمه لتلك الحكايات التي حدثت عام ولادته - أي عام 1948 - أخذ يشعر بانه لم يستمع إلى تلك الحكايات بأذنه ، بل يشعر بأنه عاشها و شاهدها . بل ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، لدرجة أنه أخذ يرى أن ذاكرته هو هي التي تتذكر ، لا ذاكرة أمه .
بقية المقال في الأيام الفلسطينية يوم الأحد 22/5/2016

٩
الهباش يخطب :

يتحدث الهباش عن تحويل القبلة في القرأن . يتحدث عن عداء مع آخرين وصفهم القرأن بالسفهاء ( سيقول السفهاء... ) الآية.
والسفيه يجب الحذر منه ويجب عدم تنصيبه أي منصب . لأنه قد يكون منا وقد يكون من الآخرين .
من هؤلاء الآخرين مجموعة من الحاخامات الذين طالبوا بقتل الفلسطينيين الذين يفكرون بقتل اليهود .
علام يعتمد هؤلاء الحاخامات الموتورون؟ كيف يمكن التمييز بين فلسطيني يفكر بقتل اليهود وآخر لا يفكر ؟
في مواجهة هؤلاء نحن ثابتون على ملتنا /ديننا . ومع هؤلاء السفهاء سفهاء آخرون بالغوا في سخافاتهم وأحدهم لا يستحق أن أذكر اسمه يخرج قبل أيام ليشكك بنضالات شعبنا مثل معركة الكرامة ورمزنا ياسر عرفات ، بل وبشهدائنا . هذا السفيه من حماس وهو من المجلس التشريعي . إنه لا يصل حافة نعل عرفات .
يقول السفيه إن عرفات هو من جاء لنا بالرئيس محمود عباس .
الرئيس ليس بحاجة لنا . نحن بحاجة إليه .
الهباش يطلب منا أن نترك نضالنا على الفيس بوك وأن نتوجه إلى الجبهات اﻷخرى .
نحن نثق بقيادتنا الحالية والسابقة وبنضالها الذي يعيقه الاحتلال وهؤلاء السفهاء .
كنا لا نود الخوض في هذا ولكن لا بد من وقفة حق في وجه السفهاء من هناك ومن هنا ، والعجيب أن رأي السفيه لا يمثل رأيه الشخصي ، فقد وقفت حركته بصمتها على كلامه إلى جانبه .
أما نحن فلن يضرونا إلا أذى .
هذا هو الجزء اﻷول من الخطبة .
والآن سينتقل إلى القسم الثاني ويخص إطلاق سراح اﻷسير محمد القيق .
نبارك له حريته ونوجه له تحية .
والحرية آتية بإذن الله....الخ...الخ ووعد الله لا يتخلف .
في موضوع آخر .
تحدث الهباش عن سقوط الطائرة المصرية .
نحن نألم ﻷلم اﻷمة ونتكاتف مع مصر ونشعر بمصابها...الخ..الخ .
وسأكتفي بهذا .
20/5/2016
(اليوم شاهدت صديقنا د.محمد اشتية الى جانب الرئيس)

١٠
في اجتماع النقابة :

أمس في اجتماع نقابة العاملين تذكرت مقطعين شعريين لمحمود درويش .
كنت نقابيا فاعلا في 1985/1986 ، وما زلت عضوا في النقابة ، ولم أتردد في المشاركة في صناديق تخصها ، ولكن ليس لدي أية رغبة في أن أترشح لانتخابات عضوية الهيئة الإدارية . بل وللمشاركة في النقاش .
أحد مؤسسي النقابة ما زال كما عرفته منذ 37 عاما ، كما لو أنه في العام 1980.
لم يضجر ولم يكل ولم يمل . وربما ما زال يرى أنه الأب الشرعي للنقابة .
أمس تذكرت مقطعين لمحمود درويش ؛ واحدا من " جدارية " 2000 ، والثاني من " حالة حصار " 2002 ، وكلاهما عن الضجر .
في جدارية يشعر ابن سجان الشاعر قبل 1970 بالضجر من مهنته ويقرر الهجرة إلى اميركا ، وفي " حالة حصار " ينطق الشاعر باسم شعبه الذي سيصمد حتى يشعر العدو بالضجر ، وأن الضجر صفة من صفات البشر .
صديقي لا يشعر بالضجر .
أم كلثوم تغني من أجيال قصيدة " الأطلال " .
20/5/2016

١١
قفي فانظري ( أسماء ) هل تعرفينه؟
أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
أهذا الذي أطريت نعتا؟
فلم أكن ، وعيشك ، أنساه إلى يوم أقبر؟
عمر بن أبي ربيعة
2017/ 5/ 20
تداعيات الرقم 20

١٢
أحيانا أشعر :

أحيانا يشعرني الآخرون أنني أتاجر بما أكتب ، وأنني أنشر في غير مكان وآخذ من هنا وهناك .
كنت كتبت في " ليل الضفة الطويل " 1993 ساخرا إنني منشار آخذ من ... ومن... ومن ... ، ويبدو أن هناك من صدق .
أنشر مقالي في الأيام فقط ، وإن نشر في غيرها فإنما يؤخذ عن الأيام ..
مؤخرا نشر لي أحدهم مقالا في مجلة ، ولم يرسل لي عددا منها ، علما بأنه أخبرني أنه سيدفع مكافأة .
ربما هناك من يلطش المكافآت ... ! ربما..!
خريشات مكررة
(كتابة قديمة )
٢٠١٥

١٣
ما شاء الله.. ! ما شاء الله ...! :

قطر تثبت ، أمس ، أقدامها في عداد الدول العظمى .
في 2022 سيحق لها استخدام الفيتو في مجلس الأمن .
إسرائيل تنتفض رعبا . عقبال عند السعودية ودولة الإمارات ومملكة عمان و....و...عقبال عندي أن أصبح دولة عظمى .
2017/ 5/ 20.

١٤
صباح الخيرفي حيفا 9 :

في حيفا ،تنظر إلى حديقة البهائيين. إنها إحدى معالم المدينة التي يزورها الناس ولطالما تردد لفظ البهائيين على ألسنة الفلسطينيين ،منذ تولى رئيس الدولة السيد محمود عباس الرئاسة ، ولطالما أوضحت للذين يخلطون بين محمود عباس ومحمود عباسي أن هناك التباسا في الأمر ،فالأول غير الثاني. الأول من صفد والثاني ،كما أخبرك فاروق مواسي ،من أم الفحم ، وكنت تظنه من شفا عمرو ، وكنت أنت تعرفت إليه ولم تقابل الأول الذي اقترح عليك مرة استقباله مع 50 شخصية اعتبارية فاعترضت المخابرات الفلسطينية على اسمك.
تعود بك الذاكرة إلى 70 القرن العشرين حيث التقيت في نابلس بالدكتور محمود عباسي الذي كان يطبع مجلة "المشرق " الصادرة عن مؤسسة إسرائيلية في مطبعة أبي أحمد خليفة وقد حصل من جامعة حيفا على الدكتوراه في القصة القصيرة في فلسطين 1948 منذ قيام الدولة المصونة، دولة أبناء العمومة لا دولتنا المبجلة.
وكان محمود عباسي أصدر مجموعة قصصية عنوانها "في الهزيع الأخير " ورواية عنوانها "حب بلا غد"وذلك في 60 القرن 20 وكان يدعو إلى التعايش.
حديقة البهائيين في حيفا معلم من معالمها ويزورها الناس ولم تزرها أنت ، لأنك لم تتجول في شوارع حيفا ولكن الدليل ذكر أن أصحابها مولعون بالأرقام 9 و19 و 29 حتى 99- لعل الذاكرة لم تخنك. ومن الروائي ربعي المدهون ومن الدليل تعرف ان البهائيين طائفة غنية جدا وأن كل فرد منهم يتبرع كل صباح لطائفته بدولار وتتحسس دولاراتك في جيبك حتى لا تطير إلى الحديقة فيشاع عنك ما يشاع عن رئيس دولتك اللفظية.
هل ذكر أي من الروائيين الفلسطينيين شيئا عن هذه الطائفة؟
20/5/2018

١٥
وليد الهودلي في روايته الجديدة " وهكذا أصبح جاسوسا " ( 2018 ) :

قرأت 20 صفحة من رواية الكاتب إسلامي التوجه وليد الهودلي الجديدة " وهكذا أصبح جاسوسا ".
يعود الكاتب إلى عالم السجن ليكتب عنه وهو عموما عالم المؤلف الذي يعيشه منذ سنوات ،ويكتب بلغة تراثية ترتكز على العبارات القرآنية بما لا يخفى على قاريء القرآن أو المصغي إليه- كما أنا-.
يكتب الكاتب عن كاتب يعتقل إداريا بسبب كتاباته وفي السجن يصغي إلى قصص السجناء ويدونها مظهرا عالم السجن والسجان والتنظيمات وحواراتها ويدلف في القصة الأولى التي يرويها الأسير عزيز إلى عالم السجناء العصافير .
عالم رهيب مخيف يشك السجين فيه بكل من حوله ولكنه لقدرة تمثيل العصافير الرهيبة ينطلي عليه التمثيل فيثق وهكذا يستدعى في الليل إلى ضابط المخابرات ليقرأ هذا على مسامعه رسائله التي كتبها.

وأنا أقرأ قصة عزيز تذكرت روايتي "الوطن عندما يخون ". صحيح أنني لم أكتب عن عالم السجن ولكني لم أعد أثق بأحد- أي والله- .
الكل يمثل. يصلي ويمثل.يتظاهر بأنه صادق الصدق كله ويمثل.
لمن يزعم بأنني أبالغ أقول: "اقرأ رواية وليد الهودلي الحديدة "وهكذا أصبح جاسوسا" .
20/ 5/ 2018

١٦
شحاذ فيينا :

" وعندما غادر المقهى بصحبة شيفمن رأى صبيا في زهاء العاشرة من عمره يقف عند ثنية الباب في الخارج ملتفا بمعطفه الخفيف وقد رفع كتفيه إلى أعلى ضاما ذراعيه إلى جسده وهو يدوس برجليه الثلج الذي تراكم نتيجة هبوب الريح في هذه الزاوية المستورة وقد بدت قفزات الصبي مضحكة لأول وهلة إلا أن فريدريك رأى أن الولد المسكين بحذائيه الممزقين يرتجف بردا و أدخل يده في جيبه و أخرج على ضوء المصباح القريب ثلاث قطع نقد نحاسية دفع بها إلى الصبي الذي أخذها منه وقال هامسا بصوت واجف من البرد شكرا وذهب إلى حال سبيله مسرعا
- ماذا أتساعد الشحاذ في الشارع قالها شيفمن متذمرا
- لست أظن هذا الصبي يتجول في سبيل المتعة في ثلوج ديسمبر هذه وأكبر الظن أنه صبي يهودي
- إذا كان الأمر كما تقول فان عليه أن يتوجه إلى الطائفة أو إلى جمعية اليانس الإسرائيلية بدل التجول ليلا حول
المقاهي
- علام هذا الغضب يا سيد شيفمن وأنت لم تعطه شيئا
وقال شيفمن حسما للموضوع يا عزيزي الدكتور إنني عضو في جمعية مكافحة الفقر والشحاذة ورسم العضوية دينار ذهبي في السنة ."
من رواية ثيودور هرتسل أرض قديمة جديدة
ما الذي ذكرني بهذه الفقرة من الرواية ولاحظوا أنني لم أضع علامات الترقيم لأنني قد أكتب ثانية عن الشحاد اليهودي في المنفى والشحاد الفلسطيني في الوطن والمنفى
ثمة تبادل مصائر بين اليهود وبيننا
صرنا اليهود الجدد
جزء من مقال قادم

١٧
شحاد فيينا : ( ثيودور هرتسل ) "أرض قديمة - جديدة " وشحاذ المخيم :

عادل الاسطة

ما الذي ذكرني بشحاذ ( فيينا ) اليهودي الذي كتب عنه الأب الروحي للحركة الصهيونية ( ثيودور هرتسل ) في روايته " أرض قديمة - جديدة " الصادرة بالألمانية في العام 1902 ؟
ما الذي ذكرني حقا ب ( ديفيد لوتفيك ) الفتى اليهودي المتسول وابن العائلة الفقيرة المعدمة التي لا تستطيع دفع أجرة المنزل لمالكه ، ما يجعلها مهددة بالطرد ؟
هناك مشاهد عديدة في حياتنا اليومية تبلغ ذروتها في شهر رمضان ، حيث يكثر المتسولون في المدن الفلسطينية ، ومنها مدينة نابلس التي أقيم فيها .
أشير ، ابتداء ، إلى خبر لافت نشرته صحيفة " الدستور " الأردنية في آيار الفائت أتت فيه على متسول أردني ألقي القبض عليه ، واكتشف أنه يحصل على راتب تقاعد شهري يزيد على ال360 دينارا أردنيا وله سيارتان تعملان .
في نابلس في شهر رمضان ، يكثر السائلون عن مساعدات - لأكن مهذبا جدا في كتابتي وانتقاء مفرداتي - وتكثر عبارات الاستعطاف التي تدر الشفقة ، ويكثر في المقابل عدد الأشخاص الذين يطلبون منك أن تزكي أموالك وأن تعالج مرضاك بالصدقة " داووا مرضاكم بالصدقات " ، وربما يحدثك أحد معارفك عمن دفع له مبالغ مالية ليوزعها بدوره على المحتاجين ، فهو موضع ثقة من الآخرين .
ما سبق ، وكثرة المتسولين والمتسولات الذين تكثر أعدادهم في هذا الشهر الفضيل ، يذكر حقا بشحاذ فيينا .
غير أن ما ذكرني بشحاذ فيينا هو موقف آخر مررت به في يوم ماطر شديد البرودة من شهر آذار هذا العام .
كنت في حافلة أجرة عمومية توقف سائقها ليقل راكبا يقيم في مخيم لاجئين ، وقد نقدت قريبة الراكب السائق الأجرة ، وبدا الشاب يرتجف من البرد ، مثل شحاذ فيينا تماما . السائق قص على مسمعي قصة الشاب ، فقد كان يقله باستمرار .
قال لي السائق إن الشاب مريض وقد عاد معي من المدينة ، ولكن قريبته أصرت على إعادته ثانية في هذا الجو ليواصل التسول ، وإن لم تصدقني فاسأله ، وسأل السائق الشاب ليؤكد ما يقول .
لم يكذب الشاب السائق ، بل عززه وقال كلاما آخر .
قال إن قريبته وقريبه في البيت يضربانه إن لم يتسول ، وأضاف إن بيتهم ممتليء بالرز والسكر والزيت بأنواعه وبكل ما يحتاجون إليه ، وهما يأخذان منه ما يجمعه ولا يتركان له شيئا .
كان منظر الشاب يبعث على الأسى . إنه مريض ، وعلى الرغم من هذا يجبر على السير في شوارع المدينة في هذه الأجواء ، بدلا من أن ينام في فراشه ويعتنى به .
موضوع الشحاذ موضوع لافت في الآداب العالمية ، وقد خصصته بدراسة ، ( نشرت في مجلة " قضايا إسرائيلية " في العام 2007 ) وبمقالات نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية .
ما يهمني هو المقارنة بين شحاذ فيينا وشحاذ المخيم وتبادل المصائر .
يشجع القادة الصهيونيون شحاذ فيينا على الهجرة إلى فلسطين ليصلح أرضها ويقيم دولة اليهود عليها ، حتى تتحسن أحواله ، وهو ما يتم في الرواية المتخيلة ، وفيما بعد على أرض فلسطين . ف ( ديفيد لوتفيك ) يغدو مواطنا منتجا وقائدا سياسيا واعيا ومتحدثا لبقا مجادلا . لقد غدا يملك فيللا فاخرة ومالا وفيرا ويأكل أفضل الطعام ويرتدي ملابس فاخرة . في المقابل نجد الفلسطيني المطرود من أرضه التي كان يزرعها ويأكل من ثمرها نجده غدا عالة على الآخرين ومتسولا بطريقة أو بأخرى ؛ من انتظار نهاية الشهر لتسلم مخصصات اللاجيء إلى التسول في الأماكن التي يقيم فيها ، مرورا طبعا بتوسل وتسول المساعدات من دول كثيرة . لقد غدا اللاجيء عالة على غيره وشحاذا بطريقة أو بأخرى .
لا يقتصر الأمر ، في تبادل المصائر ، على سلوك التسول . إنه يتجسد في جوانب أخرى أهمها امتلاك البيت والشعور بالعزة والكرامة وعدم الشعور بالخوف والاضطهاد وتحقيق الذات من خلال العمل والاستقلال .
شحاذ فيينا الذي كان يستأجر بيتا بائسا يمكن أن يطرد منه في أية لحظة ، يمتلك فيللا وعملا وأرضا يزرعها ، والفلسطيني الذي كان يعيش على أرضه ويزرعها غدا بلا أرض ويقيم في مخيمات بائسة تزداد سوءا مع الأيام ، وهو ما صورته أعمال سميرة عزام "لأنه يحبهم " وغسان كنفاني "أم سعد " وسامية عيسى "حليب التين "و"خلسة في كوبنهاجن " والياس خوري "باب الشمس " وآخرين .
لنقرأ الفقرة الآتية من رواية ( ثيودور هرتسل ) :
" وعندما غادر المقهى بصحبة شيفمن ، رأى صبيا ، في زهاء العاشرة من عمره ، يقف عند ثنية الباب في الخارج ، ملتفا بمعطفه الخفيف ، وقد رفع كتفيه إلى أعلى ضاما ذراعيه إلى جسده ، وهو يدوس برجليه الثلج الذي تراكم نتيجة هبوب الريح . في هذه الزاوية المستورة ، وقد بدت قفزات الصبي مضحكة ، لأول وهلة ، إلا أن فريدريك رأى أن الولد المسكين بحذائيه الممزقين يرتجف بردا . وأدخل يده في جيبه ، وأخرج ، على ضوء المصباح القريب ، ثلاث قطع نقد نحاسية دفع بها إلى الصبي الذي أخذها منه . وقال هامسا بصوت راجف من البرد :
- شكرا ،
وذهب إلى حال سبيله مسرعا .
- ماذا ؟ أتساعد الشحاذ في الشارع ؟
قالها شيفمن متذمرا .
- لست أظن هذا الصبي يتجول في في سبيل المتعة في ثلوج ديسمبر هذه ، وأكبر الظن أنه صبي يهودي .
- إذا كان الأمر كما تقول ، فإن عليه أن يتوجه إلى الطائفة أو إلى جمعية اليانس الإسرائيلية..بدل التجول ليلا في المقاهي .
- علام هذا الغضب يا سيد شيفمن . أنت لم تعطه شيئا .
وقال شيفمن حسما للموضوع :
- يا عزيزي الدكتور إنني عضو في جمعية مكافحة الفقر والشحاذة ورسم العضوية دينار ذهبي في السنة ".
ليس حل مشكلة اليهود الفقراء في المنفى بالصدقات . إنه يكمن في عودتهم إلى أرض فلسطين وإقامة دولتهم فيها ، وقريبة من هذه الفكرة فكرة غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس " 1963 .إن حل المشكلة الفلسطينية يكمن في العودة إلى فلسطين لا في البحث عن عمل في دول الخليج .
ليس في واردي أن أقارن بين ( هرتسل ) وكنفاني ، فالفكرة التي راودتني هي فكرة تبادل المصائر ، وكان مبعثها منظر اللاجيء الفلسطيني في اليوم الماطر شديد البرودة ، حيث دفعته قريبته إلى الذهاب إلى المدينة للتسول ، وهو ما فعله ( ديفيد لوتفيك ) الذي ظل والداه في البيت ينتظران عودته ومعه النقود لينفق عليهم .
تبدو قصة سميرة عزام الوجه الآخر لرواية ( هرتسل ) ، ومثلها طبعا بقية الأعمال الأدبية المذكورة .
في قصتها " لأنه يحبهم " نتوقف أمام شخصية فياض الحاج علي وتبدل أحواله . لقد كان في وطنه انسانا محترما وله كرامة ، وغدا في المنفى ذليلا بلا كرامة وبلا أخلاق .لن افيض في الكتابة فالنص الآتي من القصة يعبر عن الأمر تعبيرا كافيا و بأسلوب مؤثر :
" فياض الحاج علي كان مزارعا في إحدى قرى الشمال...... وكانت مواسمه في بلادنا خضراء دائما ، فسماؤنا سخية ، وتربيتنا سمحاء ، ولم تكن سواعدنا بالمتخاذلة الرخوة "
" كان مزارعا طيبا ، ولكنه فقد الكرامة حين فقد الأرض. هكذا قال لي أحد شيوخ المخيم ، وحدث كيف كان فياض مثال الدماثة ، وكيف نحر أبوه خمسة خراف حين زوجه من ابنة عمه التي يحبها " .
في المنفى وفي ذل اللجوء يعيش فياض عالة على تبرعات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ويبيع الطحين ليسكر وينسى واقعه ويقتل زوجته .
-هل قلت: موتى؟
-ثمة تبديل عوالم ، كما قال الهندي الأحمر .

[ ينظر أيضا " الشحاذ اليهودي والشحاذ الفلسطيني وما كتبته عن رواية " العطيلي " لنبيل أبو حمد .
Adel Osta]

١٨
الست كورونا : الأجواء الحارة وأجواء العيد تنسي الناس الفايروس ٨٩ :

كما لو أنه لم يبق من الست كورونا إلا بعض أثر يدل عليها : الكمامة وارتفاع أجرة المواصلات وتأثير هذين الأمرين على المواطنين ، وربما بقايا حديث عن توزيع المساعدات التي قدمها صندوق " وقفة عز " .
منذ زمن لم أجلس على مقهى رصيف ، وغالبا ما كنت أجلس إن استحق المكان الذي أجلس فيه هذه التسمية : أربعة مقاعد أمام محل يبيع القهوة والبهارات استغله أصحابه علهم ينتفعون منه في ظل فرص العمل القليلة في هذا الوطن الذي يضيق بسكانه ، في هذا العالم الذي كثر سكانه وفاض بهم .
اليوم جلست في شارع حطين وكان الحر شديدا فشغل الحديث عنه الناس ، تماما كما شغل توزيع المساعدات حديث الناس .
أمام محل بائع الخضار والفواكه همس البائع في أذني بأن الوزير خص جماعته بالمعونات ، وأن كل من انضوى تحت لواء " حزب الشعب " فاز .
سألت البائع علام اعتمد في رأيه ، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى دليل .
في سنوات الانتفاضة الأولى ( ١٩٨٧ - ١٩٩٣ ) وسنوات الانتفاضة الثانية ( ٢٠٠٠ - ٢٠٠٦ ) لطالما انتشرت آراء مثل هذه حول توزيع المساعدات ، فكل فصيل كان يخص أتباعه ومناصريه بمساعداته ، ومع مجيء السلطة الفلسطينية تردد كلام كثير عن تفضيل المناضلين السياسييين على الكفاءات العلمية . هذا موسم تقسيم الكعكة ، ومع استقلال جمهورية غزة الإسلامية - أو ولاية غزة - صار التعيين غالبا هنا وهناك مرهونا بالولاء .
كررت السؤال على البائع عن مرجعيته ، فأخبرني أنه هو شخصيا ، وهو عاطل عن العمل ، قد سجل اسمه ولكنه لم يمنح أية مساعدة .
المساعدات التي وزعت لا تسمن ولا تغني من جوع ، وهي رمزية على أية حال ، ومع ذلك فقد ظهرت على السطح وغاب عنه الحديث عن الفايروس .
هل ستنهي موجة الحر الشديد الست كورونا وتشويها في نار جهنم ؟
لا جديد ، ولا جديد أيضا في الكتابة ، وأحيانا يصح على ما نكتب قول الشاعر :
" ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا " .
مثلنا الشعبي يقول " مثل دق المي في الهون " وبدر شاكر السياب استحدم عبارة " دورة اسطوانة " للتعبير عن تكرار حديثه عن حنينه ، وهو في الكويت ، للعراق .
لا جديد يذكر .
٢٠ / ٥ / ٢٠٢٠

١٩
ذاكرة أمس ٦٥ :
يوميات غزة : من يكتبها ؟

أمس تذكرت القاص والروائي غريب عسقلاني / ابراهيم الزنط ، وتساءلت إن كان يكتب يوميات في حرب غزة الرابعة ؟ حرب رابعة خلال ثلاثة عشر عاما . يا إلاهي !
كان غريب كتب في ٩٠ القرن ٢٠ مجموعة قصصية عنوانها " وردة بيضاء من أجل ديفيد " عن الانتفاضة الأولى ، وكتب عن الجندي الإسرائيلي اليساري ديفيد الذي رفض أن يطلق النار على ابن صديقه الغزي في العمل ، فقد نشأت بين ديفيد ووالد الفتى المنتفض علاقات إنسانية وأسرية ، أدت إلى زيارات متبادلة .
كان الخطاب اليساري في الأدب الفلسطيني شائعا ومقبولا في حينه ، ثم خفت ، وحتى اللحظة لم نسمع عن طيار إسرائيلي رفض مهاجمة قطاع غزة ورفض تدمير البنايات على سكانها .
أمس تذكرت كتاب غزة الذين نشأت معهم . لقد مات قسم منهم ، ويقيم الآن قسم آخر في الضفة الغربية أو المنافي . من Khaled Juma و Wallid Hallis و عاطف ابوسيف و باسم النبريص و .. و .. وأخذت أتابع أصواتا جديدة تكتب من قلب المعركة ، وأكثرها يدون يومياته . Riyad Awad و Heba Alagha و Sama Hasan و شجاع الصفدي و .. و .. وقد أخبرني الأخير أن غريب موجود ولكن لا رغبة هناك للكتابة لأسباب عديدة منها قسوة الأوضاع وجدوى الكتابة في أثناء هذا الدمار الشامل ، عدا انقطاع الكهرباء والنت . أما الشاعر خالد جمعة الذي كتب من قبل عن الحروب السابقة ، فقد أوضح لي أن الكتابة عن الحرب يبدأ بعد انتهائها ، وإن ما يكتب الآن هو ضرب من تدوين اليوميات والأحداث .
شخصيا كنت أتابع كتابات الصديق Riyad Awad ، وهو طبيب بالدرجة الأولى ونشيط في وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات ، وتابعت في الفترة الأخيرة كتابات هبة الأغا وسما حسن وغيرهم . كتابة هؤلاء ذكرتني بمقطع شعري لمحمود درويش كتبه في انتفاضة الأقصى وورد في ديوان " حالة حصار " ونصه :
" خسائرنا من شهيدين حتى ثمانية
كل يوم ،
وعشرة جرحى
وعشرون بيتا
وخمسون زيتونة ،
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة " .
هل علينا أن ننتظر نهاية الحرب حتى نكتبها ؟
الزميلة Wafa Abushmais كتبت رواية عن حرب غزة في العام ٢٠١٤ وهي في طريقها إلى النشر ، ولكن وفاء لم تعش في غزة ، والكتابة عن الحدث من داخله غير الكتابة عنه من خارجه ، ولطالما استشهدت برأي الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) فيما كتبه تحت عنوان " أربع ساعات في شاتيلا " .
حتى الكاميرا التي تنقل الحدث على الهواء لا تستطيع أن تنقل رائحة الدمار .
أكثر ما قرأت ينطبق عليه سطر محمود درويش " الخلل البنيوي الذي سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة " .
وأنا أدرس نصوص أدباء المقاومة في الأرض المحتلة غالبا ما كنت أشير إلى مقولة نقدية تفرق بين المؤرخ الأدبي والناقد الأدبي ، فحين نقيم أدبية النصوص علينا ألا ننسى الظروف التي كتبت فيها .
النصوص ، إلا أقلها القليل ، تصف بلغة تقريرية مباشرة الأحداث ، ويبدو العنصر الجمالي فيها شبه منعدم . هل ثمة وقت أصلا لإعادة النظر فيما يكتب ، والكاتب لا يعرف ان كان سيبقى على قيد الحياة وإن كان سيملك الوقت أصلا ليقرأ ما كتب وليراه منشورا ؟
آخر الأخبار تقول إنه سيتم وقف إطلاق النار اليوم أو يوم الجمعة . هل ستبدأ الكتابة عن الحرب أم أن قلوب الكتاب ستكون ، كما يقول المثل " من الحامض لاوي / لاوية " .
الحرب تثقل القلب ، والأب وهو يستشهد كان يوصي ابنه بأن يتماسك فهو رجل البيت القادم الذي سيكون مسؤولا عن أمه وأخته وإخوته .
الحرب تثقل القلب ، فما جدوى الكتابة ؟ ما جدوى الكتابة في الظهيرة والظلال ، والغزيون مسحوقون في حربين ، بل في حروب عديدة ؛ التشرد واللجوء والفقر والاكتظاظ السكاني والكورونا والانقسام وتدمير البنايات والبيوت وقلة الكهرباء و .. و .. وحكايا غزة كثيرة . إنها أكثر من الهم على القلب .
يا إلاهي !!
٢٠ / ٥ / ٢٠٢١ .

٢٠
مظفر النواب ... وداعا

( هذا المقال كتب خصيصا لموقع " عرب ٤٨ ، فسحة ثقافية )

عادل الأسطة

وأخيرا رحل الشاعر العربي العراقي مظفر النواب . لم يكن خبر نعيه هذه المرة إشاعة ، ولطالما أعلن من قبل عن وفاته ، ثم تراجع الناعون غير المتأكدين ، وفي كل مرة كنت أبدأ في كتابة مقال في المناسبة ثم أشطب ما كتبت ، وما عليك لتحصي عدد مرات نعيه إلا أن تكتب على محرك البحث ( غوغل ) السطر " وفاة الشاعر العراقي مظفر النواب " .
في العام ١٩٧٣ كنت طالب آداب في الجامعة الأردنية والتقيت بخريج قديم منها يدرس العلوم في مدارس الكرك حل ضيفا على زميلي في السكن ، وفي أثناء اللقاء بدأ يقرأ أسطرا من قصيدة " وتريات ليلية " .
لم أكن يومها أعرف من هو مظفر النواب ، وحين خاطبت الأسطر في وجع الفلسطيني من النظام العربي ، استبد بي الفضول لمعرفة الشاعر والبحث عن أشعاره ، وصرت أبحث .
لم يكن مظفر النواب شاعرا مقروءا ، فلم يطبع أشعاره الفصيحة ، ولذا اقتصر البحث على أشرطة قصائده التي يلقيها بصوته ، وفي أثناء زيارتي دمشق في ١٩٧٥ عثرت على ديوانه بالعامية " للريل وحمد " ولما قرأت بعض قصائده ولم أفهم المعنى تركت النسخة في مكانها .
في العام ١٩٧٦ قرأت في إحدى الصحف الأردنية ، ولعلها الرأي ، مقالا عن الشاعر ، وازدادت متابعتي له ، وحين عدت إلى الضفة الغربية وبدأت أتابع مجلة " البيادر " الصادرة في منتصف ٧٠ القرن ٢٠ قرأت ما كتبه الشاعر عبد اللطيف عقل تحت عنوان استفزازي " مظفر النواب : هذا المتصوف البذيء تسلل إلى القدس " . كان عقل يومها قريبا من الحزب الشيوعي وكان النواب غادر الحزب الشيوعي العراقي ، وهو ما عبر عنه لاحقا في قصيدته " ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة " :
" وأوافيهم على بعد وما عدنا رفاق "
و :
" وحين لم يبق وجه الحزب وجه الناس ، قد تم الطلاق " . وكان للشيوعيين عموما موقف من أشعار مظفر التي هجا فيها الجماهير إلى جانب هجائه الحكام :
" لا أستثني أحدا / يا جمهورا يداوم في الليل في أقبية الحزن ... الخ " ،
وكانت ثقة الشيوعيين بالجماهير كببرة ولم تكن ترضى المساواة بينها وبين الأنظمة .
غير أن عقل الذي هجا النواب سرعان ما ابتعد عن الحزب الشيوعي ومال إلى اليسار التروتسكي ، وهكذا أعاد النظر في موقفه من مظفر وأعاد إليه الاعتبار ، وهو ما أقر به في مقابلة أجراها معه عادل سمارة ونشرها في الببادر نفسها التي اختلف خطها ، ولم يقتصر الأمر على هذا ، فقد تأثر بشعر مظفر ذي الطابع الهجائي .
في العام ١٩٧٦ كانت إذاعة الجماهيرية الليبية تبث قصائد مظفر ليلا ، ولطالما سهرت حتى منتصف الليل لأصغي إلى جديده ، ولكن المفاجأة التي أفرحتنا تمثلت في إعادة منشورات صلاح الدين في القدس ديوانه " وتريات ليلية " ، لتتلوها مفاجآت وهدايا أخرى تمثلت في طباعة قصائد أخرى للشاعر " أربع قصائد " و " سفينة الحزن " و" عرس الانتفاضة " ، وهكذا قرأت مظفر النواب قراءات كثيرة أنجزت خلالها مقالين عنه نشرتهما في جريدة " الفجر " .
عندما طبعت دار نشر في لندن واسمها " دار قنبر " ما وصفته ب " الأعمال الشعرية الكاملة لمظفر النواب " في ١٩٩٦ أعدت قراءة أشعاره من جديد ، وأسفرت القراءة الجديدة عن كتاب " الصوت والصدى : مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة " ( ١٩٩٩) الكتاب الذي أعادت طباعته مكتبة مدبولي في القاهرة في العام ٢٠٠٢ ، وفيه أفدت كثيرا من المناهج النقدية التي لم أكن ملما بها في أثناء كتابتي المقالين . أفدت من نظرية التلقي الألمانية ومن المنهج التكويني ومنهج التناص عدا إفادتي من بعض مقولات المنهج الاجتماعي الماركسي .
ظلت أشعار مظفر تلازمني وما زالت ، وعندما خفت حدة الرقابة في العالم العربي ولم تعد مجدية في زمن وسائل التواصل الاجتماعي تعددت طبعات أشعار الشاعر ، وكنت أقتني كل ما تقع عليه يداي لأقارن بين الطبعات وأعرف ما تضيفه الطبعة الجديدة إلى الطبعات السابقة ، وأخذت أدرس هذا لطلبة الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية ، وقد أشرفت على رسالة اتكأ كاتبها فيها على الطبعات المختلفة ليرصد الفروقات بينها والصيغ المختلفة لكل قصيدة ، والطالب هو مؤيد عودة .
وأنا أتابع الحركة النقدية الأدبية العربية وأقرأ ما كتب عن الشعر العربي الحديث لاحظت تغييبا لافتا لأشعار مظفر ، ما دفعني لكتابة مقالة طويلة عنوانها " تغييب أشعار مظفر النواب عن الدراسات النقدية " توقفت فيها أمام أبرز دراسات الشعر العربي ، وتساءلت عن الأسباب ، وهذا موضوع يستحق . كانت الأسئلة التي لازمتني هي :
- لماذا هذا التغييب ؟
- أيعود إلى شعر الشاعر فنيا أم إلى خوف الدارسين في الجامعات العربية من أنظمة الحكم التي بدت صورتها في شعر النواب سلبية في المطلق ؟
- أيعود السبب إلى أن الشاعر لم يجمع أشعاره في ديوان وأن قصائده مربكة لوجود أكثر من صيغة للقصيدة الواحدة ؟
عندما قرأت قصيدته " المسلخ الدولي : باب بوابة الأبجدية " التفت إلى الشكل التقليدي فيها ذي الصلة بالشعر العربي القديم ، وهذه الصلة كانت على مستويات أخرى غير الوزن والقافية : اللغة والصورة الشعرية والمعاني أيضا . كما لو أن القصيدة خارجة تماما الثقافة العربية القديمة ، وكان هذا يثير لدي أسئلة عن تحولات مظفر النواب الماركسي الثوري وانعطافاته وحنينه إلى الماضي :
" تذكر أهله فطوى
فكابر دمعه الخضل
وعاتب صامتا مرا ومنه يقطر العسل
وكاد يذوب لولا تمسك الآمال والحيل
فلا أحبابه يوما بأحباب ولا سألوا
وما مسحوا له دمعا كما الأحباب ، بل عملوا
ونقل قلبه لكنهم كانوا هم الأول
فلم يعدل بنخلة أهله الدنيا ، فنخلة أهله الأزل
وماؤهم الذي يروي وماء آخر بلل " .
وصارت قضية موقفه من الماضي وعودته إليه قضية تشغلني حقا إلى جانب قضايا أخرى منها مثلا اتهامه بأنه شاعر هجاء وشتائم ، وهذا ما لم يرضني ، فموضوعاته متعددة متنوعة عديدة ، ويخيل إلي أن معتنقي هذا التهام لم يقرأوا رباعياته وخمرياته ، والأولى تذكر برباعيات الخيام والثانية ربما تفوق خمريات أبي نواس .
في فترة متأخرة ، وتحديدا في العام الماضي ، التفت إلى " مدن مظفر النواب " وكتبت عنها .
الشاعر الذي كتب عن فلسطين قلما كتب في بدايات حياته الشعرية عن علاقته بالمدن العراقية . في " ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة " عبر عن حنينه إلى العراق واشتياقه إليه ، ولكنه لم يخص بغداد بقصيدة كتلك التي خص بها مدينة دمشق " باللون الرمادي " التي مطلعها :
" دمشق عدت بلا حزني ولا فرحي
يقودني شبح مضنى إلى شبح "
أو قصيدته " عتاب " التي مطلعها :
" أعاتب يا دمشق بفيض دمعي حزينا
لم أجد شدو الشحارير القدامى
....
أتيتك والعراق دموع عيني
لماذا تجعلين الدمع شاما " .
وظلت كتابته عن بغداد تشغلني وما زالت ، وهو ما كتبت عنه تحت العنوان المذكور " مدن الشاعر مظفر النواب " .
مظفر النواب الشاعر الكبير وداعا . نودع جسدك ولكن شعرك باق فينا ما بقينا .
الجمعة ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٢ .

٢١
كتابتي عن القدس .. بم تختلف عن كثير من الدراسات ؟
ما أهميتها ؟ .
الأسئلة التي أثيرها وقد لا تروق للدارسين وغالبا ما اختلف معهم فيها :
- الكاتب والمكان وصلته به .
- ابن المكان والمكان والبعيد عنه وكتابته عنه.
- الكتابة الصادرة عن تجربة وامتلاء .
- الكتابة الطارئة بسبب تغير أهمية المكان مع الأيام .
خطوط لمقال دفاتر الأيام في حزيران .
مسودة

٢٢
مظفر النواب وفلسطين في شعره :

( مقالتي اليوم الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٧ تموز ٢٠٢٢ ) ( جريدة الأيام الفلسطينية ) .

عادل الأسطة

حضر الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر النواب منذ قصيدته الشهيرة " وتريات ليلية " التي كتبها في بداية ٧٠ القرن ٢٠ .
خص مظفر في القصيدة فلسطين بأسطر قليلة عن القدس صارت الأشهر في الكتابة عن المدينة منذ كتب عنها ، وقد كتب عنها الكثير بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، فقبل ذلك العام ما كان لها حضور لافت في الأدب العربي .
جاءت الأسطر الخاصة بالقدس في ضوء هجاء الشاعر للأنظمة العربية قاطبة ، بل وفي ضوء تعببره عن قرفه من سوء الأوضاع العربية بشكل عام ، ويومها عزا مظفر سبب الهزيمة إلى الحكام والجماهير معا ، فلم يستثن أحدا ، وحمل مسؤولية ضياع فلسطين إلى " الثوار الكسبة " :
" من باع فلسطين وأثرى بالله
سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام
ومائدة الدول الكبرى ؟!
من باع فلسطين سوى الثوار الكسبة الكتبة ؟! "
من من قراء الشعر العربي الحديث لم يقرأ قول مظفر :
" فإذا أجن الليل تطق الأكواب بأن القدس عروس عروبتنا "؟ ، ولسوف يحضر وجه فلسطين للشاعر وهو يتعذب على أيدي جلاديه ليزداد صلابة فلا ينهار :
" بين الغيبوبة والصحو
تماوج وجه فلسطين ،
فهذي المتكبرة الثاكل
تحضر حيث يعذب أي غريب " .
غير أن هذا السطر عن القدس والأسطر التي تلته ليست الوحيدة فيما يخص الموضوع الفلسطيني في أشعاره ، ففي العام ١٩٧٦ سقط مخيم تل الزعتر الواقع في بيروت وارتكبت القوات الكتائبية في حينه مجزرة بحق سكانه الباقين ، وقد خص الشاعر الحدث بقصيدته الشهيرة " تل الزعتر " وفيها صور ما جرى وحاكم الحكام العرب وهجاهم بأقذع الشتائم . لقد وقف مظفر إلى جانب الثورة الفلسطينية وأهالي المخيم الضحايا من أطفال ونساء ومقاتلين ، ومجد الفدائي تمجيدا عاليا :

" أتحدى أن يرفع أحد منكم عينيه أمام حذاء فدائي يا قردة " .
هذا التمجيد للفدائي لم يقتصر على السطر السابق ، فللشاعر قصيدة طويلة جدا عن الفدائي الفلسطيني أبو مشهور الذي تسلل عبر النهر ليقاوم المحتل ويدافع عن القدس ، ويبدو أن قرب مظفر من الحركة الفدائية وقياداتها أيضا ترك أثرا كبيرا في الكتابة في هذا الموضوع . كان عنوان القصيدة " صرة الفقراء المملوءة بالمتفجرات " وأما أبو مشهور فهو " مقاتل فلسطيني قاوم في مذابح الأردن ورفض أن ينسحب ثم مات في ظروف غامضة بعد ذلك " ، وفي كلام مظفر ما فيه من تلميحات وإشارات تدين قيادات في المنظمة .
ستظل القضية الفلسطينية حاضرة في أشعاره باستمرار ، وحين يستشهد الفنان ناجي العلي سيخصه الشاعر بقصيدة طويلة عنوانها " مرثية لأنهار من الحبر الجميل " ويبدو أن ثمة تشابها بين الشاعر وفنان الكاريكاتير في صرامة الموقف والانحياز إلى الجماهير وحركة المقاومة في صفائها ونقائها وعدم التصالح مع كل من يحاصرها ويساوم على الحق الفلسطيني والتراب الفلسطيني من النهر إلى البحر ، وقد عبر مظفر عن الحق الفلسطيني الكامل في قصيدته الشهيرة " المسلخ الدولي " وفي تغنيه بمدن الساحل الفلسطيني بخاصة يافا .
وإذا كان ناجي العلي اغتيل في تموز ١٩٨٧ فإن الانتفاضة الفلسطينية اشتعلت في نهاية العام نفسه ، وكان مظفر يتابع أحداثها . في ربيع ١٩٨٨ تمكنت إسرائيل من اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في بيته في تونس ، فرثاه مظفر ، وفي الانتفاضة نفسها حاول الإسرائيليون دفن شباب فلسطينيين على مداخل نابلس وهم أحياء . هذا الحدث ترك أثره في نفسية مظفر فكتب فيه قصيدة الانتفاضة الخاصة به .
وقد ظل الهم الفلسطيني يؤرقه ، ففي الانتفاضة الثانية التي استشهد فيها الطفل محمد الدرة وحاصرت القوات الإسرائيلية مخيم جنين وسوت أكثر مبانيه بالأرض كتب الشاعر عن الحدث مشيدا بالمقاومة الباسلة التي أبداها المحاصرون . كانت مقاومة أهل المخيم مقاومة أسطورية في زمن كانت الجيوش العربية لا تصمد فيه في القتال طويلا . هذا ما دفع مظفر ليكتب عن ابن المخيم المقاوم :
" هذا الفتى البهي من جنين
حذاؤه أشرف منهم جملة ومفردا ، هيهات أن يلين "
وصارت قصيدة "جنين " تستحضر باستمرار ، فكلما حوصر المخيم وقاوم ابناؤه وازدادت مقاومتهم ضراوة استحضرت القصيدة ، حتى لكأن كاتبها فلسطيني من مخيم جنين .
وأنا أدرس قصيدة " المسلخ الدولي : باب بوابة الأبجدية " التفت إلى حضور الموضوع الفلسطيني فيها ونعت صاحبها بأنه العربي الفلسطيني .
لقد كان الموضوع الفلسطيني في أشعار مظفر حاضرا حضورا كبيرا حتى ليخيل لقاريء أشعار الشاعر ، قبل أن يلتفت الشاعر إلى العراق والمدن العراقية وحنينه إليها ، أن مظفر شاعر فلسطيني لا شاعر عراقي ، ولقد كان كذلك حقا .

٢٣
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
غزة ورائحة الموت

عادل الأسطة

أثار الأستاذ سامي أبو سالم المقيم في غزة السؤال الآتي :
- هل للموت رائحة ؟
وكتب مقالا أحال في صفحته إليه ( نشره في موقع جامعة النجاح الوطنية في ٦ / ٤ /٢٠٢٤ ) . وأتى فيه على القتلى والجرحى والمشافي وما رآه وشعر به وتسلل إلى أنفه من روائح ، ووضح ما كان يعتقده عن رائحة الموت " أنها مجرد تعببر أدبي مجازي " ، و " إذا ولا بد فالرائحة تتلخص في روائح الجثث المتحللة في الشوارع من بقايا الكوارث والحروب " ويرى أن الأمر مختلف في واقع غزة ، ففيها " تشتم اللحم البشري المتفحم ورائحة البارود مع غبار الخرسان ، ولكن لا تستطيع أن تفرق بين لحم الأطفال ولحم العجائز ولا لحم طبيب أو مهندسة أو ربة بيت ، فكلهم سواء ، سيما إذا تناثرت بقع الدم على جدران مجاورة . هذه الرائحة التي التصقت بالذاكرة ينفرد بها الموتى فقط " .
ويكتب عن روائح للموت ؛ رائحة جثث مع بقايا أغصان زيتون محترقة . رائحة دم وطحين . رائحة الأرض المعهودة ورائحة السماد العضوي . أي - كما فهمت - تكون رائحة الموتى من رائحة المكان الذي ارتقوا قربه ، أو الشيء الذي كانوا يحملونه .
ولم يتوقف الكاتب أمام دم أصحاب شعار " إنه لجهاد : نصر أو استشهاد " ويعدون ، من وجهة نظر إسلامية ، شهداء ارتقوا ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وفي الحديث النبوي " رملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون دم وريحه ربح مسك " ، وقسم من أهل غزة قالوا عن موتاهم - كما سمعت في أشرطة بثها مقربون لهم - أن رائحتهم رائحة مسك ، وغالبا ما أصغي ، في مناسبات ، إلى بعض مواطنين من نابلس يتحدثون عن شهداء فتحت قبورهم ، ليدفن فيها أقاربهم معهم أو ليدفن فيها شهداء جدد ( ما يعرف بالفستقيات ) ، أن أجسادهم كما هي لم تبل ( ى ) .
دال " رائحة " أثار في ذهني مجموعة من التداعيات فيما يخص استخدامه ، وأعتقد أن نصوصا أدبية فلسطينية وعربية وعالمية لم تخل منه ، بعضها ارتبط بالأشجار والنبات وبعضها بالتراب والحجر والأرض والبحر والخبز ، وآخر بالإنسان نفسه في أحواله المختلفة .
وعبارة " من ريحة البلاد " عبارة منتشرة انتشارا واسعا على لسان فلسطينيي الشتات ، وإن حضر في ذهني نص أدبي لافت تكررت فيه ، فهو رواية إلياس خوري " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) ، إذ يرد على لسان أم حسن الفلسطينية التي زارت قريتها بعد اتفاقات أوسلو . وكان الشعر عموما أسبق من النثر ، إذ حفل بالحديث عن رائحة البيارة والبرتقال والأرض .
كان كاتب القصة القصيرة حنا إبراهيم ابن البعنة في الجليل أول من استخدم التعبير عنوانا لمجموعته " ريحة الوطن " ( ١٩٧٩ ) ، وبعده كتب إلياس خوري " رائحة الصابون " وفاروق وادي " رائحة المانجا " والحبيب السلمي " روائح ماري كلير " ... إلخ .. إلخ .
في " ذاكرة للنسيان " عن حرب بيروت ١٩٨٢ كتب محمود درويش عن رائحة الهال التي يمكن أن تدل إلى مدخل بناية " اقطعيها واتبعي رائحة الهال إلى مدخل البناية كما يتبع كلب البحر رائحة الدم " ، هذا عدا كتابته عن رائحة القهوة .
وفي أدبيات السجون غالبا ما قرأنا عن رائحة العطن في الزنزانة ، ورائحة البول ، وأحيانا عن رائحة الدم ، وفي الأدبيات التي أتت على المدن القديمة كالقدس ونابلس قرأنا عن رائحة الأزقة في الصباح ، وكتب الياس خوري في " كأنها نائمة " عن رائحة المدن ؛ بيروت ويافا ، وعن رائحة البسطرما والبرتقال ،
ولن أعرج على رائحة العطور ورواية الألماني ( باتريك سوسكيند ) " العطر " وتأثير ترجماتها في بعض الأدبيات الفلسطينية ، وإن كنت لا أنسى رواية عزمي بشارة " حب في منطقة الظل " وكتابته فيها عن رائحة الخشب ، وعندما قرأتها تساءلت إن كان وقع تحت تأثير رواية ( سوسكيند ) فقد ذكرها في روايته .
وفيما يخص رائحة الموت وارتباطها بالجثث أذكر أسطرا لمظفر النواب ونص الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) " أربع ساعات في شاتيلا " الذي كتبه بعد أن شاهد في اليوم التالي لمذبحة شاتيلا وصبرا آثارها ، ونصه ترك أثره في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
ترد أسطر مظفر في " وتريات ليلية " ( ١٩٧٣ ) :
" وطني أنقذني رائحة الجوع البشري مخيفة / وطني أنقذني من مدن سرقت فرحي / أنقذني من مدن يصبح فيها الناس مداخن للزبل مخيفة / أنقذني من مدن ترقد في الماء الآسن
كالجاموس الوطني وتجتر الجيفة "
وأما (جينيه ) فكتب في صلب الموضوع ولست متأكدا إن كان سامي أبو سالم قرأه . يكتب ( جينيه ) : " وقد يستطيع طفل ميت ، أحيانا ، أن يسد الأزقة لأنها جد ضيقة ، والموتى كثر . ولا شك أن رائحتهم مألوفة لدى الشيوخ ، فهي لا تضايقهم. لكن ، ما أكثر الذباب ..... كانت هذه الكومة من الأجساد ذات رائحة قوية ، ولكنها لم تكن كريهة . وخيل إلي أن الرائحة والذبابات متعودان علي ..... إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة ..... لم تكن رائحة الجثث تخرج من منزل ولا من جسد منكل به : بل كان يبدو لي أن جسدي وكياني هما اللذان يبعثان تلك الرائحة ..... في شاتيلا مات الكثيرون من هؤلاء الفدائيين ، ولكن صداقتي ومودتي لجثثهم الآخذة بالتعفن ، كانت أيضا كبيرتين " .
وفي " أولاد الغيتو يذهب الدكتور ميخائيل الفلسطيني المولود في اللد إلى بيروت ، بطلب من ادوارد سعيد ، مع وفد ترأسه إبراهيم أبو لغد ، وعندما عرف بأخبار المذبحة هرول إلى المخيم ليجد نفسه في مواجهة الموت والرائحة والذباب !
" حين دخلت إلى المخيم كانت مفاجأتي الأولى هي الرائحة . عادت رائحة اللد . الرائحة التي لا اسم لها ، ولا تستعاد إلا حين تشمها مرة أخرى ، فتفوح بها الذاكرة . شممت رائحة الموت قبل أن أرى شيئا ... وشممت رائحة اللد " .
عندنا مثل شعبي يقول :
طول عمرك يا زبيبة في طيزك ( قفاك ) هالعودة . حالة الفلسطينيين سيزيفية . هل للموت رائحة ؟

( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ، زاوية دفاتر الأيام ، ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٤ )
الاثنين والثلاثاء والأربعاء
٢٠ و ٢١ و ٢٢ / ٥ / ٢٠٢٤ ) .

٢٤
غزة ( ٢٢٧ ) :
ماذا تقول المنجمة ليلى عبد اللطيف ؟

في الظهيرة وأنا وزميلي نجلس معا في محل ابن أخيه قدم بقال يعرفنا والحديث ذو شجون .
عندما أتينا على خبر تحطم طائرة الرئيس الإيراني ووزير خارجيته ومجموعة ممن كانوا ، على متن الطائرة معهما ، قال البقال :
- اليهود يريدون أن يقولوا لكل من يقف ضد دولة إسرائيل : هذا هو مصيركم .
ومنذ مساء الأمس ، عندما أعلن الخبر ، وقسم من المتابعين يتساءل إن كان الموساد الإسرائيلي وراء تفجير الطائرة .
في ساعات المساء ، في البقالة ، اشتريت علبتي تونة ، ولم أتكلم مع البقال أو مع أي من الموجودين ، ولكني استمعت إلى الحوار الآتي بين مزود البقال ببعض البضائع والبقال نفسه :
- ماذا قالت ليلى عبد اللطيف عن طائرة الرئيس الإيراني ؟
- أمس أرسل إلي صديق رسالة ( مسج ) . لقد قالت ليلى إن الطائرة انفجرت .
وأخذ ينظر في هاتفه ليري البقال الرسالة / المسج .
عندما غادرت البقالة فكرت :
- ماذا قالت المنجمة عن الحرب الدائرة حاليا ؟ هل تنبأت بهذا الذي يجري ؟ هل أخبرت ، قبل بدء الحرب ، عن كل ما جرى فيها ؟
وقلت :
- علي أن أشاهد ليلى تتكلم . ماذا قالت ؟ هل صدقت نبوءاتها ؟ أم هل أن علي أن أردد بيت الشاعر العباسي " أبو تمام " في معركة عمورية :
" تخرصا وأكاذيبا منمقة ، ليست بنبع ، إذا عدت ، ولا غرب "
- أي ليست ذات قيمة ؟
وأخذت أتابع أخبار الحرب . حرائق في جباليا . المعارك تزداد ضراوة في شمال قطاع غزة وجنوبه . قنص وقنص مضاد ، وحرب الشوارع والأزقة في أوجها ، وأهل جباليا ما زالوا صامدين فيها لا ترهبهم الطائرات وقذائفها وقذائف الدبابات ، والمحكمة الجنائية تتخذ قرارات ضد ( بنيامين نتنياهو ) و ( يوآف غالانت ) وأيضا ضد قيادة المقاومة ، والمقاومة ترى في القرار قرارا يساوي بين الضحية والجلاد .
لا بديل عن تفكك الدولة الإسرائيلية لتصبح فلسطين دولة لمن يعيش على أرضها ، ولا حل دون عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم ، وما دون ذلك إطالة أمد الصراع .
الحياة في مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها تسير كالمعتاد " سيري فعين الله ترعاك "
٢٠ / ٥ / ٢٠٢٤ .

٢٥
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 8 :

سليم النفار



ولد سليم النفار في ٢٧ / ٨ / ١٩٦٣ وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣.
حين تصفحت صفحته في الفيس بوك لم أقرأ له آية كتابة عن أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وبحثت له في الكتاب الذي حرره د. عاطف ابوسيف عن نص فلم أعثر ، وكما أبلغني فإنه لم يعثر له على نص والا كان أدرجه ، فعاطف يقدره شاعرا ويثمنه تثمينا كبيرا ، عدا علاقته الشخصية المميزة به وانتمائهما إلى مدينة يافا التي انحدرت منها أسرتهما ، وحنينهما إليها وإفاضتهما في الكتابة عنها . سليم في الشعر وعاطف في النثر .
كان خبر ارتقاء الشاعر صادما ، فقد ارتقى وعائلته وعائلة أخيه أيضا . ارتقوا كلهم معا .
الشاعر الذي ولد في المنفى وعانى من فقدان الأب ، حيث أبعد إلى الأردن في العام ١٩٦٨ واستشهد في لبنان في ١٩٧٣ ، الشاعر عاد إلى قطاع غزة إثر اتفاقات اوسلو ١٩٩٤ ونشط في الحركة الأدبية في قطاع غزة ، ولما أدرجت له في المنهاج المدرسي الفلسطيني قصيدة ، فقد زار العديد من المدارس يلقيها ويشرحها ويتحاور مع الطلاب فيها .
عندما قتلت الصحفية المقدسية شيرين ابو عاقلة كتب في القدس العربي في ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٢ :
" ثمة أسماء تحيلك بلا تردد إلى رديفها الأجمل ، الأكثر سعة ، وبما يليق بها وبالرديف ... رحيل شيرين كان خبرا فاجعا ولكن هنيئا لشيرين الاسم الحركي لفلسطين ..وداعا شيرين أيتها الشهيدة والشاهدة ، فإنك أجمل القصائد التي لا تنسى ، وأجمل القلائد التي يجب أن تبقى على صدورنا " .
وعندما ارتقى سليم وأسرته كتب فيه أصدقاؤه كلاما مشابها .
من قصائد سليم قصيدة " ايه فلسطين " ومنها :
إيه فلسطين
ان الزمان على محب فيك جوال
لم يصح من تعس
إلا ساءه حال
كل الدروب تحشدت فيها السهام
لكن راعينا على وهم
ينازع وهمه
في غفلة من حالنا .. يمشي ولا يمشي
كأن المشي أحلام " .
في ١٥ آب من العام ٢٠٢١ وقع في غزة ديوانه " حارس الانتظار " .
وأنت تنظر في صفحته وتقلبها تتحسر على غزة . كانت الحياة فيها مزدهرة ، وأناسها على الرغم من حصارها وحصارهم وفقرهم يعيشون ويرددون سطر محمود درويش :
" على هذه الأرض ما يستحق الحياة "
وسطره :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " .
كانوا يمارسون حياتهم ؛ قانعين أو غير قانعين ، راضين أو غير راضين . لقد كانوا في بيوتهم شبه هانئين يعملون ويعملون ويعملون ويبدعون ويتزاورون ثم ... ثم فقدوا كل شيء . من لم يفقد حياته وأسرته مثل سليم النفار ، فقد بيته وبعض أفراد أسرته أو جيرانه أو معارفه ...
من قصائد سليم أيضا قصيدة نشرها في القدس العربي عنوانها " هزها يا أبي " ومنها :
هزها يا أبي
من سبات هنا في نجيع الكلام
شجرة المعنى
ناعس ظلها
في دروب العماء
لم يلاقحها لهب من حنين
البراري
لزند يجوس المدى
كي يرى وارف الأحلام
هزها يا أبي
من فساد البلاغة
وحرر ثغور الغمام
من بروق عجاف
ليس لي نزفها في خبيص الدوال
ليس لي ورد
حرون يجافي الهباء
هزها
حينما لا تفيض السطور ... " .
يذكر أنه في العام ٢٠١٧ أصدر رواية عنوانها " فوانيس المخيم " وفي العام نفسه صدر له كتاب " غزة ٢٠١٤ : تأملات ويوميات شاعر ، في حال المدينة الرهينة " . الرواية والكتاب صدرا في حيفا عن دار كل شيء .

خربشات ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٤
"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى