سمير اليوسف - مقالات في الحب (5) أن الحبّ ارتحال إلى مدار مشترك

أنّ الحبَّ حركةٌ تنمّ عن حنين إلى الأصل، عن رغبة في استعادة حرية البداية، كما سبق القول، يعني أنه فعل. حتى لو اقتصر فقط على العاطفة والإحساس. فهو انتقال بالنفس من حالة الركود العاطفي إلى حالة الحركة. إنه خروج النفس عن ذاتها واتجاهها نحو آخر تسعى إلى شراكة معه، عاطفية وجسمانية واجتماعية.
أن تحبّ هو أن تحبّ أحداً غير ذاتك. أو، كما يقول الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، أن تتمتع بشجاعة أن ترى العالم من منظور إثنين بدلاً من منظور واحد فقط. بهذا المعنى الحب خروج من مدار الذات، من سجن الذات. تمرّد ضد الخلاصة الديكارتية- نسبة إلى ديكارت الذي قلّص الوعي اليقيني إلى الوعي بوجود الذات (أنا أفكر إذا أنا موجود)- خاصة إذا سلّمنا بصحتها. إنه اقتحام للمجهول بكافة المخاطر التي تكتنف اقتحام المجهول، بلا ضمانة أو كفالة.
درءاً لخطر التوحّد الذي قد تفضي إليه خلاصة ديكارت الشهيرة، جادل الفيلسوف الألماني ادموند هوسيرل بأن وجود الآخر هو البرهان على وجود عالم خارج مدار الذات والوعي المحصور بمعرفة الذات. إذا كان ديكارت افترض بأن كل ما أعرفه خارج اطار الوعي بالوجود الذاتي قد يكون باطلاً، فإن وجود الآخر، ومعرفة الآخر، لهو السبيل إلى دحض هذا الافتراض. وحيداً قد أنظر إلى شجرة، قد أظنها من نسج خيالي فحسب، ولكن وجود شخصٍ آخر ينظر إلى الشجرة نفسها سيكون برهاناً كافياً على وجود الشجرة.
الحبّ تعبير عن شجاعة البحث عن آخر، التعرّف إلى آخر والإستعداد أن تمتحن معرفتك من خلال الآخر ومعرفة الآخر. الآخر قد يُصادق على ما تعرفه، أو، من جهة أخرى، قد يبرهن على بطلانه، أو ربما يقدم معرفة ثانية بديلة. وقد تقبل بمعرفة جديدة تختلف اختلافاً حاسماً عما كنت قد سلّمت بصحته بداهة بما في ذلك أشدّ القناعات رسوخاً. وكما نعلم بدافع الحب قد يتخلى المرء عن ديانته ويعتنق ديانة أخرى، بل وديانة كان في الماضي يعتبرها ديانة باطلة.
أن تعتنق ديانة الحبيب، أو تتبنى معارفه وآرائه، لا يعني أن تصير هو، أن تصيرا، أنت وهو، واحداً. لا! من الضروري أن تبقيا شخصّين مختلفين. [هذا موضوع سنتناوله حينما نتكلم على الفارق ما بين الحب والإمتلاك] وإنما أن تكون من الشجاعة بحيث ترحل عن نفسك المعهودة المتوافق على هويتها. هذا الرحيل عن الذات سيمنحك الفرصة إلى الإنتقال والإقامة في مدار مشترك يجمعك مع من تحبّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى