(8)
للوهلة الأولة تبدو قصة "جميلة والوحش" وكأنها تقلب المعادلة السارية كونياً رأساً على عقب: فبدلاً من اتباع معادلة "حبٌ فزواج"، جميلة تتزوج من الوحش أولاً ثم تقع في حبه لاحقاً. والأخطر من ذلك الزعم المُضمر أن الحب بعد الزواج أقوى وأرسخ من الحب قبله [سنتوقف عند مسألة الحب بعد الزواج وليس قبله في مقالة أخرى]. مع ذلك فإن هذه القصة الشعبية، وشأن كل قصة شعبية، إنما تتبنى معايير الثقافة الراسخة، مثلاً، الزعم أن الأهم هو ما أسفل السطح وخلف القشور، أي الجوهر وليس المظهر.
وبحسب هذا الزعم الرجل قد يكون مثيراً للنفور من حيث المظهر قبيحاً ولكن قلبه من ذهبٍّ خالص. الركون إلى ثنائية المظهر-الجوهر وحده يشي بأن القصة تهدف إلى ترويض الفتاة بحيث تقبل بالزوج المفروض عليها عوضاً عن الزواج من الرجل الذي تحب وتختار الزواج منه. ويصير الأمر أوضح حينما نعلم بأن جميلة، بطلة القصة، تُرغم على الزواج من الوحش ليس لأن من مصلحتها، على المدى الطويل، أن تتزوج رجلاً صالحاً مثله وإنما كتضحية في سبيل والدها.
ليست جميلة أول انثى تُضحي بنفسها من أجل الرجل. إكلتزتس، في الاساطير الاغريقية، ولعل حكاية إكلزتس المصدر الأول لحكاية "جميلة والوحش"، تُدفع إلى القبول بأن تموت عوضاً عن زوجها المحكوم بعقوبة الموت. جميلة أيضاً توافق أن تصير زوجة للوحش مقابل اعفاء والدها من عقوبة الموت. اكلزتس تُعتبر نموذجاً يُحتذى للمرأة الصالحة. وكذلك هي جميلة. فهي قنوعة تكتفي بالقليل جداً ومستعدة دائما للتكّيف مع أقسى الظروف. وطبعاً الزوجة الصالحة، أي التي تقدم نفسها قرباناً لأجل زوجها، تُكافئ في النهاية بالعودة الى الحياة بعد أن أُعدمت. جميلة، الابنة القنوعة الصالحة، تُكافئ بالحصول على الأمير الجميل الذي لطالما حلمت بالزواج منه. الوحش، على ما يتبيّن في النهاية، هو في الحقيقة أمير جميل كانت ساحرة شريرة قد حوّلته الى وحش.
رسالة القصة: اخضعي للنظام الذكوري وستكافئين بما لا يقل عن معجزة- ستعودين إلى الحياة بعد الموت أو زوجك الوحش سينقلب إلى أمير جمبل.
ترجمة الرسالة باللغة المتداولة: تزوجي قبل أن تغشاكي العنوسة فتندمين بعد فوات الأوان!
حتى الآن تُعتبر العنوسة، في الكثير من المجتمعات، الكابوس الذي يتهدد حياة كل فتاة لم تتزوج قبل بلوغها منتصف العشرينات من العمر. أي رجل يتقدم لها في ذلك السن، أو ما بعده، عليها ان تفكّر ألف مرة قبل أن ترفضه. يتوجب عليها أن تنظر الى الجوانب الايجابية، وأولها هل هو قادر على أن يفتح بيتاً. فان كان قادراً انتفت اسباب الرفض عموماً. الفتاة التي سترفض ستُعامل كأنها ترفس النعمة بقدمها. وستبدأ عملية الملاحقة والابتزاز العاطفيين من قبل الأهل حتى ترضخ في النهاية.
بحسب الثقافة الذكورية من اللازم أن تكون كل فتاة مثل بطلة قصة "جميلة والوحش"، قنوعة وقادرة على التكيّف مع أقسى الظروف، الى حدّ القبول بالوحش زوجاً. جميلة هي أجمل أخواتها وأذكاهن، وها هي توافق على الزواج من وحش، فمن أنت، يا ست بلقيس- سيُقال للفتاة الرافضة الزواج من وحش ما- لكي ترفضي الزواج من فلان صاحب "غاليري السعادة للمفروشات" وصاحب الفيلا والسيارة؟ تزوجي وأريحي والدك، وعائلتك عموماً، من همّك! فتاة عانس همّ كبير! الكثيرات يرضخن في النهاية. والمشكلة أن الوحش يبقى على حاله أو حتى قد يزداد سوءاً.
قصة "جميلة والوحش" ليست حكاية بريئة عن الفارق ما بين المظهر الخادع والجوهر الثمين. إنها قصة ذات وظيفة تربوية محددة وهي دفع الانثى الى الزواج من رجل لا تريد الزواج منه! إنها ليست قصة حبّ، كما يُصار إلى تسويقها لنا، وإنما بالعكس تماماً قصة معادية للحبّ جملةً وتفصيلاً!
للوهلة الأولة تبدو قصة "جميلة والوحش" وكأنها تقلب المعادلة السارية كونياً رأساً على عقب: فبدلاً من اتباع معادلة "حبٌ فزواج"، جميلة تتزوج من الوحش أولاً ثم تقع في حبه لاحقاً. والأخطر من ذلك الزعم المُضمر أن الحب بعد الزواج أقوى وأرسخ من الحب قبله [سنتوقف عند مسألة الحب بعد الزواج وليس قبله في مقالة أخرى]. مع ذلك فإن هذه القصة الشعبية، وشأن كل قصة شعبية، إنما تتبنى معايير الثقافة الراسخة، مثلاً، الزعم أن الأهم هو ما أسفل السطح وخلف القشور، أي الجوهر وليس المظهر.
وبحسب هذا الزعم الرجل قد يكون مثيراً للنفور من حيث المظهر قبيحاً ولكن قلبه من ذهبٍّ خالص. الركون إلى ثنائية المظهر-الجوهر وحده يشي بأن القصة تهدف إلى ترويض الفتاة بحيث تقبل بالزوج المفروض عليها عوضاً عن الزواج من الرجل الذي تحب وتختار الزواج منه. ويصير الأمر أوضح حينما نعلم بأن جميلة، بطلة القصة، تُرغم على الزواج من الوحش ليس لأن من مصلحتها، على المدى الطويل، أن تتزوج رجلاً صالحاً مثله وإنما كتضحية في سبيل والدها.
ليست جميلة أول انثى تُضحي بنفسها من أجل الرجل. إكلتزتس، في الاساطير الاغريقية، ولعل حكاية إكلزتس المصدر الأول لحكاية "جميلة والوحش"، تُدفع إلى القبول بأن تموت عوضاً عن زوجها المحكوم بعقوبة الموت. جميلة أيضاً توافق أن تصير زوجة للوحش مقابل اعفاء والدها من عقوبة الموت. اكلزتس تُعتبر نموذجاً يُحتذى للمرأة الصالحة. وكذلك هي جميلة. فهي قنوعة تكتفي بالقليل جداً ومستعدة دائما للتكّيف مع أقسى الظروف. وطبعاً الزوجة الصالحة، أي التي تقدم نفسها قرباناً لأجل زوجها، تُكافئ في النهاية بالعودة الى الحياة بعد أن أُعدمت. جميلة، الابنة القنوعة الصالحة، تُكافئ بالحصول على الأمير الجميل الذي لطالما حلمت بالزواج منه. الوحش، على ما يتبيّن في النهاية، هو في الحقيقة أمير جميل كانت ساحرة شريرة قد حوّلته الى وحش.
رسالة القصة: اخضعي للنظام الذكوري وستكافئين بما لا يقل عن معجزة- ستعودين إلى الحياة بعد الموت أو زوجك الوحش سينقلب إلى أمير جمبل.
ترجمة الرسالة باللغة المتداولة: تزوجي قبل أن تغشاكي العنوسة فتندمين بعد فوات الأوان!
حتى الآن تُعتبر العنوسة، في الكثير من المجتمعات، الكابوس الذي يتهدد حياة كل فتاة لم تتزوج قبل بلوغها منتصف العشرينات من العمر. أي رجل يتقدم لها في ذلك السن، أو ما بعده، عليها ان تفكّر ألف مرة قبل أن ترفضه. يتوجب عليها أن تنظر الى الجوانب الايجابية، وأولها هل هو قادر على أن يفتح بيتاً. فان كان قادراً انتفت اسباب الرفض عموماً. الفتاة التي سترفض ستُعامل كأنها ترفس النعمة بقدمها. وستبدأ عملية الملاحقة والابتزاز العاطفيين من قبل الأهل حتى ترضخ في النهاية.
بحسب الثقافة الذكورية من اللازم أن تكون كل فتاة مثل بطلة قصة "جميلة والوحش"، قنوعة وقادرة على التكيّف مع أقسى الظروف، الى حدّ القبول بالوحش زوجاً. جميلة هي أجمل أخواتها وأذكاهن، وها هي توافق على الزواج من وحش، فمن أنت، يا ست بلقيس- سيُقال للفتاة الرافضة الزواج من وحش ما- لكي ترفضي الزواج من فلان صاحب "غاليري السعادة للمفروشات" وصاحب الفيلا والسيارة؟ تزوجي وأريحي والدك، وعائلتك عموماً، من همّك! فتاة عانس همّ كبير! الكثيرات يرضخن في النهاية. والمشكلة أن الوحش يبقى على حاله أو حتى قد يزداد سوءاً.
قصة "جميلة والوحش" ليست حكاية بريئة عن الفارق ما بين المظهر الخادع والجوهر الثمين. إنها قصة ذات وظيفة تربوية محددة وهي دفع الانثى الى الزواج من رجل لا تريد الزواج منه! إنها ليست قصة حبّ، كما يُصار إلى تسويقها لنا، وإنما بالعكس تماماً قصة معادية للحبّ جملةً وتفصيلاً!