الليل والنهار آيتان من آيات الله تعالى، وهما اللذان يرجع إليهما ناموس الحركة ودولاب الحياة في هذه المعمورة وهما يتعاقبان في نظام دقیق محكم كما هو الأمر في باقي المنظومة الكونية.
ولولا قيومية الحق عز وجل لإنفرط عقد هذه المنظومات، وإختل واختلج النظام الكوني بأسره، وكانت النتيجة المحتومة التي لا محيص عنها، وهي تدمير كل الموجودات.
قال تعالى : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} «سورة البقرة - الآية ٢٥٥».
والليل والنهار يتولدان عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس، وتقدير ذلك يختلف باختلاف الفصول، فإنه يتباين الليل والنهار طولاً وقصراً في الفصول المختلفة وهما متساويان في الربيع والخريف، وهما الفصلان المسميان في اصطلاح الجغرافيين (بالاعتدالين) ويطول النهار على الليل في الصيف، لكن العكس يكون في الشتاء حيث يطول الليل، ويقصر النهار.
ومقدار الزيادة في أحدهما يكون النقص في نظيره، حيث إنه بميزان دقيق يكون قدر الزيادة في أي منهما مساوياً تماماً لمقدار النقص الحادث في مقابله.
وتحوطاً وإحتراساً من مظنة الإعتقاد بأن الطبيعة هي التي تدير حركتها ذاتياً بنفسها، أو أن الليل والنهار ناجمان عن حركة ديناميكية بحتة، وتداعيات كونية صرفة من غير تدبير أعلى، إحتراساً من هذا كله وتأكيداً على وجود قدرة الله تعالى القادر على كل شيء وتمكيناً من التوحيد في نفوس الناس، قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} «سورة آل عمران - الآية ١٩٠» .
ذلك، حتى لا يستدرج المفتونون بالأسباب للإنشغال بها عن المسبب الأعظم الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى وكل شيء عنده بمقدار.
إن الإنسان أكرم خلق الله تعالى وأحبهم إليه جل شانه وكل ما عداه من خلق الله مروض لخدمته، مأمور بتذليل مشقاته، ولتجري
أمور الإنسان على أذلالها هيئة، ولعل المسخرات بطبيعتها وأنماط حركتها اللإرادية هي في حقيقتها تؤدي وظائفها المقررة لها في خدمة البشر من حيث لا إرادة لها في ذلك ولا إختيار.
قال تعالى : {وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ} «سورة إبراهيم - الآية ٣٣».
وقال تعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} «سورة الإسراء - الآية ٧٠».
وقال أيضاً : {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} «سورة لقمان - الآية ۲۹ وفاطر - الآية ۱۳».
والإيلاج هو الإدخال، وما يحدث بين الليل والنهار هو مداخلة ومخامرة واتصال وثيق.
قال علماؤنا معنى الآية الشريفة : أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من هذا إلى هذا وبالعكس، فيتفاوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفاً إلى ست عشرة ساعة في بعض البلدان، وينقص الليل إلى ثماني ساعات، وهذه آية كونية وظاهرة طبيعية وستور دائم ثابت، ونظام محكم دقيق، لا يمكن أن يكون للمصادفة دور فيه أبداً، ولكنه من صنع الحكيم المدبر القادر على كل شيء، القائل للشيء إذا أراده كن فيكون.
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يذكر الإنسان بفضله عليه ولطفه وبره به، إذ إنه لو جعل الليل سرمداً على الإنسان أو جعل النهار سرمداً، كيف كانت تستقيم الحياة، وينسجم دولاب العمل والحركة؟! أو من غير الله يدبر أمر هذا الكون، ويقدر الليل والنهار بصورة ينعم معها الإنسان، وينعم فيها باليسر والسهولة، وعدم الملال والكلال والسامة؟!
قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} «سورة القصص - الآيتين ۷۲ ، ۷۱».
ثم يؤكد لنا كمال فضله، وتمام نعمته علينا جميعاً في بيان ودقة لا مزيد عليها بأسلوب اللف والنشر في قوله تعالى : في الآية الثالثة والسبعين من سورة القصص : {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ}.
يقول الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - في تفسيره الكبير ج ٢٥ ص ۱۲ : نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان : لأن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولولا السكون والراحة بالليل، فلابد منهما في الدنيا، وأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات .. هـ بتصرف.
وقد تمكن العلماء من حساب النقص في سرعة دوران الكرة الأرضية في الفضاء الكوني على مدار السنوات البعيدة فوجدوه بعد حسابات رياضية وفلكية معقدة أشد التعقيد - حوالي ثانية واحدة كل مئة وعشرين ألف سنة.
وبناء على هذه النسبة فإن دوران الأرض ينقص ساعة زمنية كاملة بعد زهاء أربعمائة واثنين وثلاثين مليون سنة، وعندئذ يصير مجموع ساعات الليل والنهار «اليوم الكامل» خمساً وعشرين ساعة.
وهكذا يطرد ويتوالى نقص سرعة الدوران الأرضية، وبالنسبة نفسها يطول الليل والنهار، وعلى مدار بلايين السنين وإلى آماد بعيدة لا يعلمها إلا الله تقف الأرض ساكنة، من ثم يصبح وجهها المقابل للشمس نهاراً أبدا كما يصبح الوجه الآخر المستدير للشمس ليلاً دائماً.
وليس معنى هذا أن الإنسان بعد هذا التطور العلمي المشهود في أدوات الرصد والبحث والإستقراء صار ممكناً له أن يعرف نهاية العالم، فإن المسألة في حقيقتها المجردة غير ذلك، إذ إنه ليس معقولاً أنه بحسبة رياضية أو فلكية يمكن تقدير عمر الأرض متى ينتهي وذلك قياساً على ماهو معلوم قطعاً، ذلك لأن مقاليد الأمر في جملتها بيد الله تعالى يدير الأمر في السموات والأرض كيف يشاء.
ولئن كانت الأحداث مرهونة ومنوطة بأسباب ومحركات، إلا أنه سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته غير المحدودة التي لا تتقيد بأسباب وعلائق وذرائع وموات يفعل ما يشاء، ولا يقع ملكه وملكوته إلا ما برید.
وقد ورد في القرآن الكريم لمحات دقيقة ولطائف رائعة للتأكيد على قدرة الحق سبحانه وتعالى غير المحدودة وعلمه اللانهائي الذي يحيط بالزمان والمكان إلى غير إنتهاء، ومن تلك اللطائف الدقيقة إشارته البليغة للسنة الشمسية والسنة القمرية، وهذه مسألة جغرافية فلكية محصنة، فقد ورد في سورة الكهف قوله تعالى : {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} «سورة الكهف - الآية ٢٥».
فقد قص سبحانه وتعالى قصة أهل الكهف، ثم أخبر بأنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وإزدادوا تسعاً .. فلما أن سمع نصاري نجران هذه الآية قالوا : أما الثلاثمئة فقد عرفناها، أما السنين التسع التي زادت عليها مدة بقائهم فلم نعلم عنها شيئاً .. فقال الله تعالى : {قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُ}.
وقد لفتت هذه المسالة الأنظار إليها، وعمد العلماء إلى الإستقصاء العلمي لكشف محجوب الأسرار ومستور الإعجاز ودقيق البلاغة التي تنطوي عليها هذه الآية، وكان قول العلماء قاطعاً حاسماً، وهو أنه لما كانت السنة الشمسية والمسماة بالإنقلابية، لأنها عبارة عن المدة المنقضية بين مرورين متواليين للشمس بنقطة إعتدال واحد تعدل ٣٦٥,٢٤٢ يوماً شمسياً، وينتج عن مرورها الفصول الأربعة المعروفة، أما السنة القمرية فإنها تتكون من ٣٥٤,٣٦٧ يوماً وهي المدة بين كسوفين متواليين، مقسومة على عدد حركات القمر الدائرية.
من ثم كان الفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية هو ٨٧٥ و ١٠ أيام، ولذلك فإنه يكون الفرق بينهما يكون مقارباً للسنة الواحدة كل ثلاث وثلاثين سنة.
وعلى ذلك فإن كل مئة سنة تزيد ثلاث سنين، من ثم تكون الثلاثمئة سنة الشمسية تزيد سنين تسعاً قمرية، وهذا الذي إنتهى إليه العلم الحدث بعد أربعة عشر قرناً، ويزيد يقطع بكل الأدلة العلمية والعقلية بأن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الباقية حتى الأبد الأبيد والحمد لله رب العالمين.
من كتاب "الإعجاز العلمى والإعجاز الكونى فى القرآن" تأليف العلامة الموسوعى الجليل الدكتور السيد الجميلي
رحمه الله تعالى رحمة واسعة 
اللهم تقبل من أبى
صلاته، وصيامه لك، وسائر طاعاته، وصالح أعماله، وأثقل بها ميزانه يوم القيامة، وثبِّته على الصراط يوم تزل الأقدام، واجعله من الفائزين ، وأسكِنه في أعلى الجنات في جوار نبيِّك ومصطفاك ﷺ ولا تحرمه من رؤية وجهك الكريم اللهم آآآمين يا رب العالمين 
تكملة المقال والتعليقات
www.facebook.com
ولولا قيومية الحق عز وجل لإنفرط عقد هذه المنظومات، وإختل واختلج النظام الكوني بأسره، وكانت النتيجة المحتومة التي لا محيص عنها، وهي تدمير كل الموجودات.
قال تعالى : {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} «سورة البقرة - الآية ٢٥٥».
والليل والنهار يتولدان عن دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس، وتقدير ذلك يختلف باختلاف الفصول، فإنه يتباين الليل والنهار طولاً وقصراً في الفصول المختلفة وهما متساويان في الربيع والخريف، وهما الفصلان المسميان في اصطلاح الجغرافيين (بالاعتدالين) ويطول النهار على الليل في الصيف، لكن العكس يكون في الشتاء حيث يطول الليل، ويقصر النهار.
ومقدار الزيادة في أحدهما يكون النقص في نظيره، حيث إنه بميزان دقيق يكون قدر الزيادة في أي منهما مساوياً تماماً لمقدار النقص الحادث في مقابله.
وتحوطاً وإحتراساً من مظنة الإعتقاد بأن الطبيعة هي التي تدير حركتها ذاتياً بنفسها، أو أن الليل والنهار ناجمان عن حركة ديناميكية بحتة، وتداعيات كونية صرفة من غير تدبير أعلى، إحتراساً من هذا كله وتأكيداً على وجود قدرة الله تعالى القادر على كل شيء وتمكيناً من التوحيد في نفوس الناس، قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} «سورة آل عمران - الآية ١٩٠» .
ذلك، حتى لا يستدرج المفتونون بالأسباب للإنشغال بها عن المسبب الأعظم الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى وكل شيء عنده بمقدار.
إن الإنسان أكرم خلق الله تعالى وأحبهم إليه جل شانه وكل ما عداه من خلق الله مروض لخدمته، مأمور بتذليل مشقاته، ولتجري
أمور الإنسان على أذلالها هيئة، ولعل المسخرات بطبيعتها وأنماط حركتها اللإرادية هي في حقيقتها تؤدي وظائفها المقررة لها في خدمة البشر من حيث لا إرادة لها في ذلك ولا إختيار.
قال تعالى : {وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ} «سورة إبراهيم - الآية ٣٣».
وقال تعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} «سورة الإسراء - الآية ٧٠».
وقال أيضاً : {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} «سورة لقمان - الآية ۲۹ وفاطر - الآية ۱۳».
والإيلاج هو الإدخال، وما يحدث بين الليل والنهار هو مداخلة ومخامرة واتصال وثيق.
قال علماؤنا معنى الآية الشريفة : أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من هذا إلى هذا وبالعكس، فيتفاوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفاً إلى ست عشرة ساعة في بعض البلدان، وينقص الليل إلى ثماني ساعات، وهذه آية كونية وظاهرة طبيعية وستور دائم ثابت، ونظام محكم دقيق، لا يمكن أن يكون للمصادفة دور فيه أبداً، ولكنه من صنع الحكيم المدبر القادر على كل شيء، القائل للشيء إذا أراده كن فيكون.
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يذكر الإنسان بفضله عليه ولطفه وبره به، إذ إنه لو جعل الليل سرمداً على الإنسان أو جعل النهار سرمداً، كيف كانت تستقيم الحياة، وينسجم دولاب العمل والحركة؟! أو من غير الله يدبر أمر هذا الكون، ويقدر الليل والنهار بصورة ينعم معها الإنسان، وينعم فيها باليسر والسهولة، وعدم الملال والكلال والسامة؟!
قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} «سورة القصص - الآيتين ۷۲ ، ۷۱».
ثم يؤكد لنا كمال فضله، وتمام نعمته علينا جميعاً في بيان ودقة لا مزيد عليها بأسلوب اللف والنشر في قوله تعالى : في الآية الثالثة والسبعين من سورة القصص : {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ}.
يقول الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - في تفسيره الكبير ج ٢٥ ص ۱۲ : نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان : لأن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولولا السكون والراحة بالليل، فلابد منهما في الدنيا، وأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم إلى الليل، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات .. هـ بتصرف.
وقد تمكن العلماء من حساب النقص في سرعة دوران الكرة الأرضية في الفضاء الكوني على مدار السنوات البعيدة فوجدوه بعد حسابات رياضية وفلكية معقدة أشد التعقيد - حوالي ثانية واحدة كل مئة وعشرين ألف سنة.
وبناء على هذه النسبة فإن دوران الأرض ينقص ساعة زمنية كاملة بعد زهاء أربعمائة واثنين وثلاثين مليون سنة، وعندئذ يصير مجموع ساعات الليل والنهار «اليوم الكامل» خمساً وعشرين ساعة.
وهكذا يطرد ويتوالى نقص سرعة الدوران الأرضية، وبالنسبة نفسها يطول الليل والنهار، وعلى مدار بلايين السنين وإلى آماد بعيدة لا يعلمها إلا الله تقف الأرض ساكنة، من ثم يصبح وجهها المقابل للشمس نهاراً أبدا كما يصبح الوجه الآخر المستدير للشمس ليلاً دائماً.
وليس معنى هذا أن الإنسان بعد هذا التطور العلمي المشهود في أدوات الرصد والبحث والإستقراء صار ممكناً له أن يعرف نهاية العالم، فإن المسألة في حقيقتها المجردة غير ذلك، إذ إنه ليس معقولاً أنه بحسبة رياضية أو فلكية يمكن تقدير عمر الأرض متى ينتهي وذلك قياساً على ماهو معلوم قطعاً، ذلك لأن مقاليد الأمر في جملتها بيد الله تعالى يدير الأمر في السموات والأرض كيف يشاء.
ولئن كانت الأحداث مرهونة ومنوطة بأسباب ومحركات، إلا أنه سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته غير المحدودة التي لا تتقيد بأسباب وعلائق وذرائع وموات يفعل ما يشاء، ولا يقع ملكه وملكوته إلا ما برید.
وقد ورد في القرآن الكريم لمحات دقيقة ولطائف رائعة للتأكيد على قدرة الحق سبحانه وتعالى غير المحدودة وعلمه اللانهائي الذي يحيط بالزمان والمكان إلى غير إنتهاء، ومن تلك اللطائف الدقيقة إشارته البليغة للسنة الشمسية والسنة القمرية، وهذه مسألة جغرافية فلكية محصنة، فقد ورد في سورة الكهف قوله تعالى : {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} «سورة الكهف - الآية ٢٥».
فقد قص سبحانه وتعالى قصة أهل الكهف، ثم أخبر بأنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وإزدادوا تسعاً .. فلما أن سمع نصاري نجران هذه الآية قالوا : أما الثلاثمئة فقد عرفناها، أما السنين التسع التي زادت عليها مدة بقائهم فلم نعلم عنها شيئاً .. فقال الله تعالى : {قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُ}.
وقد لفتت هذه المسالة الأنظار إليها، وعمد العلماء إلى الإستقصاء العلمي لكشف محجوب الأسرار ومستور الإعجاز ودقيق البلاغة التي تنطوي عليها هذه الآية، وكان قول العلماء قاطعاً حاسماً، وهو أنه لما كانت السنة الشمسية والمسماة بالإنقلابية، لأنها عبارة عن المدة المنقضية بين مرورين متواليين للشمس بنقطة إعتدال واحد تعدل ٣٦٥,٢٤٢ يوماً شمسياً، وينتج عن مرورها الفصول الأربعة المعروفة، أما السنة القمرية فإنها تتكون من ٣٥٤,٣٦٧ يوماً وهي المدة بين كسوفين متواليين، مقسومة على عدد حركات القمر الدائرية.
من ثم كان الفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية هو ٨٧٥ و ١٠ أيام، ولذلك فإنه يكون الفرق بينهما يكون مقارباً للسنة الواحدة كل ثلاث وثلاثين سنة.
وعلى ذلك فإن كل مئة سنة تزيد ثلاث سنين، من ثم تكون الثلاثمئة سنة الشمسية تزيد سنين تسعاً قمرية، وهذا الذي إنتهى إليه العلم الحدث بعد أربعة عشر قرناً، ويزيد يقطع بكل الأدلة العلمية والعقلية بأن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الباقية حتى الأبد الأبيد والحمد لله رب العالمين.
من كتاب "الإعجاز العلمى والإعجاز الكونى فى القرآن" تأليف العلامة الموسوعى الجليل الدكتور السيد الجميلي
اللهم تقبل من أبى
تكملة المقال والتعليقات
دينا السيد الجميلى
دينا السيد الجميلى is on Facebook. Join Facebook to connect with دينا السيد الجميلى and others you may know. Facebook gives people the power to share and makes the world more open and connected.