سمير اليوسف - مقالات في الحب (9) حب الإمتلاك ونهاية الحب .

9-

حينما نسعى إلى امتلاك من نحب فإننا نفعل ذلك ليس من باب الإفراط في الحبّ، كما يزعم البعض، وإنما لأننا تعبنا من الحب. استنفدنا طاقتنا على الحب ونريد أن نضع حداً له ونذهب إلى نومٍ عاطفي.
الحب الذي يدّعي ملكية الحبيب يُنكر استقلالية الحبيب ويُصادر حقه في الاختيار. أن تحب هو أن تحبّ إنساناً آخر مختلفاً عنك وغير تابع للذات كملك لها. ومن شروط وجود الآخر المختلف، توافر المسافة التي تفصلنا عنه وتجعلنا نتوقّع، ونتقبّل، وإن تدريجياً أحياناً، غيابه عنا، غياباً مؤقتاً أو أبدياً.
ولكن هناك من سيردّ قائلاَ بأنه انكار استقلالية الآخر هو ايضاً انكار لاستقلالية الذات. لا هو مستقل عني ولا أنا مستقل عنه. إنه بمثابة امتلاك الواحد للآخر بحيث يصير الاثنان واحداً. واتحاد الحبيبين في كيان واحد لهو أسمى درجات الحب بدليل أن انفصالهما قد يؤدي بهما أو بأحدهما الى الجنون والموت.
مثل هذا الكلام قد يبدو للوهلة الأولى مُقنعاً ومثيراً للتقدير. ولكنه في الحقيقة يقوم على مغالطة أساسية. القول باتحاد الروحيّن هو قول بانتفاء وجود شخصين اثنين، ومن ثم انعدام إحساس الواحد تجاه الآخر. في حين أن من المتوجب أن يكون الحب هو الاحساس المتوقد تجاه الآخر. فان انتفى هذا الإحساس دخل الحب في حالة سكون ونوم، أي ببساطة انتهى.
لا تحتاج أن تحبّ من تمتلك. في الحقيقة لا يمكنك أن تحبّه لأن من تملك هو أدنى منزلة في الرتبة والطبيعة. فهو شيء يمكنك أن تلعب فيه، أو تفعل به ما تشاء، ولكنك لن تستطيع أن تحبه. وامتلاك الآخر حتى في سياق الامتلاك المتبادل ما بين الحبيبين هو انعدام توافر الآخر لكي تحبه وهو ما قد يؤدي الى البحث عن آخر، شخص ثالث، تحبه. وهذا ما يحصل للمتزوجين.
الزواج، عقد الزواج الذي يربط اسميّ الحبيبين في مصير واحد، ومن ثم الحياة المشتركة تحت سقف واحد، وما ينجم عنها من الفة، تجعل الواحد متوافراً بالنسبة للآخر إلى حد أن يظن أن الآخر صار ملكه. وهذا ضرب من ضروب امتلاك الآخر بما يقضي على الحب وبما قد يدفع أحدهما أو كليهما الى البحث عن الحب عند شخص ثالث.
الرغبة في امتلاك الآخر حتى في سياق الامتلاك المتبادل هي عدو للحب. وهي إن تحققت تقضي على الحب. لذلك على الحبيبين أن يقاوماً رغبة الآخر في امتلاكه. نعم، لا بد من حضور أو توافر الآخر لكي لا يكون الحب من طرف واحد فحسب، ومن ثم يكون مصدر شقاء. ولكن ليس توافراً الى حد أن يصير الواحد ملكاً للآخر. أن تكون موضوعاً للحب، ولكن عصيّاً على الامتلاك من قبل الآخر، هو ما يضمن استمرار الحب. كلُ طرف سيحاول امتلاك الآخر. من الطبيعي لمن يحبّ ان يرغب في امتلاك الآخر، ولكن من الضروري، من جهة أخرى، أن يقاوم هذه الرغبة، إلا اذا كان قد تعب من الحب ويريد أن يذهب الى النوم.
#مقالات_في_الحب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى