المستشار بهاء المري - الطربوش...

كانت الحياة في تلك الدائرة تبدأ من خيطٍ يتدلّى بين ‏عمودين من أعمدة الكهرباء، كوترٍ أوشك أن يتهتك من فرط ‏التكرار. خيطٌ مشدود يحمل يافطةً باهتة، كأن يدًا غير مرئية علّقتها ‏في جوف الليل، الخط العريضٍ يقول: "الحاج أبو شوق يهنّئ أهالي ‏الدائرة الكرام بمناسبة..."‏
لم يعرف أحدٌ متى وُضعت، ولا مَن علَّقها، لكنها كانت ‏دائمًا هناك، تطلّ في كل موسمٍ كما يطلّ القمر في ميعاده، شاهدةً ‏على دورةٍ لا تنكسر من العطاء والاحتفاء.‏
في رمضان، تسبق موائده مدفع الإفطار؛ تتناثر الحقائب ‏المملوءة بما لذّ وطاب في الأزقة قبل أن يُسأل، وفي العيد الكبير، ‏تُذبَح الأضاحي على نفقته، وتُقسَّم اللحوم كما تُقسَّم المغانم في ‏زمن الغزو القديم.‏
شيئًا فشيئًا، صار الرجل طيفًا يمرّ في الذاكرة كما يمرّ ‏النسيم في ظهيرةٍ خانقة؛ لا يُرى، لكنه يُحسّ. وحين تساءل الناس ‏عن هويته، جاءهم الجواب كأنه وحيٌ من الغيب: أغنى تُجّار ‏الخردة في المدينة.‏
لكن هذا العام... بدا أن الطيف قرَّر أن يتجسَّد. اختفت ‏يافطات التهنئة المألوفة، وظهرت أخرى جديدة، أكثر جرأةً ‏ووضوحًا، كُتِب عليها بخطٍّ أكبر وأثقل: من أجلكم رشَّحتُ ‏نفسي لانتخابات... وتحت العبارة، صورته مطبوعة بعناية، ‏يجاورها رمزٌ أحمر قانٍ: الطربوش.‏
كان الاسم قد تسلّل إلى كل بيت، لا لفصاحته، بل ‏لجرسه الذي يملأ الأذن بثقلٍ لا يُنسَى. وفي صباح التصويت، ‏لاحظ رئيس اللجنة كيف تدفّق الناس نحو الاسم ذاته، وكيف أن ‏الأميين الذين لم يخطّوا حرفًا في حياتهم صاروا يسألون بلهفةٍ ‏طفولية: كيف نختار الحاج؟
لقد صار الرجل أيقونةَ البساطة، وورقةَ الأمل الأخيرة ‏في دفتر الغلابة؛ الاسم الذي لا يُخطئه اللسان، والرمز الذي لا ‏يُشير إلا إليه.‏
منتصف النهار، دوَّى صِخبٌ مفاجئ عند الباب. ‏خطواتٌ صلبةٌ تشبه دقّ الطبول، وعدساتٌ تُضيء كوميض البرق. ‏دخل رجلٌ قصير، كثّ الشارب، ضيّق العينين، ممتلئ البطن، ‏يرتدي جلبابًا صوفيًّا في عزّ الصيف، وعلى رأسه طاقيةٌ مشدودة. ‏خلفه رجالٌ طِوالٌ غِلاظ، كأنهم خرجوا من مشهدٍ سينمائي قديم. ‏كان دخوله لوحةً ساخرةً تتحرّك، تجمع بين الهيبة والعبَث في آنٍ ‏واحد.‏
جلس رئيس اللجنة يراقبه بعينٍ قاضٍٍ لا يُخفِي فضوله. ‏تقدَّم الحاج نحو السِّجل، أمسك القلم كمن يمسك أداةً غريبة، ‏وراح يخطّ اسمه بتأنٍّ شديد، يفصل بين الحروف كأن بينها خصومةً ‏قديمة.‏
وبينما الصمت يملأ القاعة، دخلت امرأةٌ عجوز تسلمت ‏بطاقة الانتخاب، توجهت صوب الصندوق ثم عادت بها تمسكها ‏مقلوبة، وسألت ببراءةٍ عَفوية: "فين الطربوش يا أستاذ"؟ ضحك ‏الحاج بصوتٍ ملأ المكان، وقال: "أنا الطربوش"!‏
ومع آخر ضوءٍ في المساء، نطق الصندوق. فوزٌ كاسحٌ لا ‏جدال فيه. ارتفعت الهتافات، ورفرفت الأيادي بالدعاء، وتفتّحت ‏في الغروب أزهارُ "الشكر" التي كانت بذورها "بونات" النهار.‏
وفي زاوية القاعة، بقيت صورة الطربوش تتدلّى من ‏الحائط، تبتسم ببرودٍ ملوكي، كأنها تعرف أن اللعبة لم تنتهِ بعد.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى