..........
- في الطريق إلى الله لا يحمل السّالكُ سوى ضعفه، ولا يرى في المرآة إلا ما انكشف من عري روحه حين خذلته الأقنعة. هناك، حيث تخفّ الدنيا وتثقل الذنوب، يتباطأ الخطو كأنّ الجسد يجرّ ظلاله لا أقدامه. وكلما حاول الإنسان أن يستر نقصه رقّ الستر وانفضح القلب، فيدرك أن المعصية لا تُغطّي معصية، وأن الورقة لا تخفي جذع الشجرة. ومن عمق هذا الارتجاف الوجودي تنبع هذه الأبيات، صرخةَ روحٍ تائهة بين ثقل الحمل وخوف البعث.
- يبدأ الشاعر الجزائري سليمان جوادي قوله: بـ«أمشي الهوينى»، وليس المشي الهوينى هنا بطئًا جسديًا فحسب، بل بطءٌ وجودي، حركة إنسان يحمل أثقالًا لا يريد صراخها، فيمشي ببطء ليحافظ على توازنه، كأن كل خطوة قد تكشف ما يخفيه صدره. غير أنه يتبعها بعبارة «غير مكترث»، لتنشأ مفارقة نفسية دقيقة: هو بطئ في مسيره، ثقيل الخطوة، لكنّه يدّعي اللامبالاة. هنا يتكشف صراع بين ظاهرٍ يحاول البرود وبين باطنٍ قلق، وكأنّ «غير مكترث» ليست حقيقة
بل قناع نجاة، محاولة لإنقاذ صورة الذّات من الانهيار أمام الآخرين،ثمّ تأتي العبارة المفصلية: «طفقت أخصف من أوراق معصيتي». إن اختيار فعل «أخصف» يحيل مباشرة إلى تجربة آدم الأولى بعد الذنب، حين خاط أوراق الجنة ليستتر. هنا تنكشف طبقة دينية عميقة: فالشّاعر لا يستعيد قصة آدم لينقل الحكاية، بل ليعيد عيشها. المعصية ليست حدثًا عابرًا، بل مادة يستر بها عريه، أي أنّ الذنب نفسه صار وسيلة للستر، وهذه مفارقة دينية مؤلمة ما كان يفترض أن يُحجب يصبح هو أداة الحجب. فـ«أوراق معصيتي» تكشف أن المعصية تحوّلت من فعل منبوذ إلى رداء اضطراري، وأن الستّر لم يعد نعمةً تُعطى بل محاولة يائسة يكدّ الإنسان في صناعتها
«لأستر بعض العري» عبارة تشتغل على مستويين "العري النّفسي" و"العري الديني". النفس العارية هي النّفس المكشوفة أمام ضعفها، أمام حقيقتها بلا تزييف؛ والدين ينظر إلى العري بوصفه نقصًا في الستر الذي يمنحه الله رحمةً للعبد. لذا فالعري في النص ليس جسديًا، بل افتضاح داخلي، عجز روحي، فقدان لحجاب الحياء. والشاعر حين يحاول ستر «بعض» العري لا كله، فهو يعترف ضمنيًا بأن التستر التام أصبح عصيًا، وأن ما يعانيه من انكشاف أكبر من قدرته على الحجب
ثم ينتقل النّص إلى الصرخة الأعلى: «يا ويلتي». هذه ليست شكوى عادية، بل لحظة سقوط الإنسان أمام نفسه. «الويل» في البعد الدّيني ليس مجرد حزن، بل خوف من عاقبة، من حساب، من مواجهة لا مفر منها. إنّها صرخة من يشعر بأنه تجاوز حدّ القدرة على الاحتمال، وأنه عند نقطة يتقاطع فيها الذنب مع الشعور بالعجز.
و«ذنوب جئت أحملها» ترسم صورة إنسانٍ لم يعد الذنب في حقّه فكرة أخلاقية، بل حملاً ماديًا، شيئًا يُحمل على الظهر كعبء ثقيل. الجملة تحمل إحساسًا دينيًا عميقًا بالمسؤولية، فالذنوب ليست ماضيًا مضى بل أمانة مظلمة تتحرك معه، وتنتقل معه، وتدخل معه كل باب. إنه يحملها لأنه لا يستطيع التخلص منها، ولأن أثرها صار جزءًا من تكوينه النفسي.
وتبلغ القصيدة قمتها الروحية حين يقول: «يا باعث الناس». هذه العبارة تُخرج النص من الهمّ الشخصي إلى أفق الآخرة. «باعث الناس» ليس شخصًا من البشر، بل هو الذي يبعثهم يوم القيامة، فيحضر هنا معنى المحشر والحساب، ويصبح النداء موجّهًا إلى الله، أو إلى الحقيقة المطلقة التي تبعث الخلق وتحاسبهم. هكذا يتحوّل الخوف من فضيحة الناس إلى خوف من يوم تتكشف فيه كل السرائر.
«دعني غير منبعث» هي الذروة النّفسية والدّينية في النّص. إنّها رغبةٌ في التّوقف، في ألا يُبعث الإنسان بذنوبه، ألا يُقام من جديد محمّلًا بما يخشاه، كأنّ الشّاعر يطلب من الله أو من القدر أن يتركه في طيّ السّكون، في موضع لا يُفتح فيه سجل الذنوب ولا يُكشف الغطاء. في هذا الطلب يظهر الضعف الإنساني المطلق ليس طلب مغفرة مباشرة، بل طلب مهرب، طلب ألا يُفتح الباب أصلًا.
في هذه الجملة يتجسد الخوف من المواجهة أكثر من الخوف من العقوبة. إنّه خوف من الوقوف أمام الحقيقة، من انبعاث الذاكرة، من أن يُسأل المرء عمّا حمله طويلًا.
بهذا يتبيّن أنّ الأبيات ترسم رحلة داخلية مختصرة لكنّها كثيفة وعميقة المعنى تنطلق من بطء الخطى إلى ثقل الذنب، ومن ستر ناقص إلى عري روحي، من صرخة النّدم إلى الخوف من البعث. إنّها لحظة يلتقي فيها الإنسان بذاته من زاويتين: زاوية النّفس التي تهرب من انكشافها، وزاوية الإيمان الذي يذكّرها بأن السّتر الحقيقي لا يُصنع من أوراق المعصية بل من نور التّوبة تلك هي رحلة الصّفاء التي يتوق إليها كلّ مؤمن مثقل بهوى النّفس وبعذابها الطويل،وفقك الله ورعاك صديقي الشاعر الكبير سليمان.
- في الطريق إلى الله لا يحمل السّالكُ سوى ضعفه، ولا يرى في المرآة إلا ما انكشف من عري روحه حين خذلته الأقنعة. هناك، حيث تخفّ الدنيا وتثقل الذنوب، يتباطأ الخطو كأنّ الجسد يجرّ ظلاله لا أقدامه. وكلما حاول الإنسان أن يستر نقصه رقّ الستر وانفضح القلب، فيدرك أن المعصية لا تُغطّي معصية، وأن الورقة لا تخفي جذع الشجرة. ومن عمق هذا الارتجاف الوجودي تنبع هذه الأبيات، صرخةَ روحٍ تائهة بين ثقل الحمل وخوف البعث.
- يبدأ الشاعر الجزائري سليمان جوادي قوله: بـ«أمشي الهوينى»، وليس المشي الهوينى هنا بطئًا جسديًا فحسب، بل بطءٌ وجودي، حركة إنسان يحمل أثقالًا لا يريد صراخها، فيمشي ببطء ليحافظ على توازنه، كأن كل خطوة قد تكشف ما يخفيه صدره. غير أنه يتبعها بعبارة «غير مكترث»، لتنشأ مفارقة نفسية دقيقة: هو بطئ في مسيره، ثقيل الخطوة، لكنّه يدّعي اللامبالاة. هنا يتكشف صراع بين ظاهرٍ يحاول البرود وبين باطنٍ قلق، وكأنّ «غير مكترث» ليست حقيقة
بل قناع نجاة، محاولة لإنقاذ صورة الذّات من الانهيار أمام الآخرين،ثمّ تأتي العبارة المفصلية: «طفقت أخصف من أوراق معصيتي». إن اختيار فعل «أخصف» يحيل مباشرة إلى تجربة آدم الأولى بعد الذنب، حين خاط أوراق الجنة ليستتر. هنا تنكشف طبقة دينية عميقة: فالشّاعر لا يستعيد قصة آدم لينقل الحكاية، بل ليعيد عيشها. المعصية ليست حدثًا عابرًا، بل مادة يستر بها عريه، أي أنّ الذنب نفسه صار وسيلة للستر، وهذه مفارقة دينية مؤلمة ما كان يفترض أن يُحجب يصبح هو أداة الحجب. فـ«أوراق معصيتي» تكشف أن المعصية تحوّلت من فعل منبوذ إلى رداء اضطراري، وأن الستّر لم يعد نعمةً تُعطى بل محاولة يائسة يكدّ الإنسان في صناعتها
«لأستر بعض العري» عبارة تشتغل على مستويين "العري النّفسي" و"العري الديني". النفس العارية هي النّفس المكشوفة أمام ضعفها، أمام حقيقتها بلا تزييف؛ والدين ينظر إلى العري بوصفه نقصًا في الستر الذي يمنحه الله رحمةً للعبد. لذا فالعري في النص ليس جسديًا، بل افتضاح داخلي، عجز روحي، فقدان لحجاب الحياء. والشاعر حين يحاول ستر «بعض» العري لا كله، فهو يعترف ضمنيًا بأن التستر التام أصبح عصيًا، وأن ما يعانيه من انكشاف أكبر من قدرته على الحجب
ثم ينتقل النّص إلى الصرخة الأعلى: «يا ويلتي». هذه ليست شكوى عادية، بل لحظة سقوط الإنسان أمام نفسه. «الويل» في البعد الدّيني ليس مجرد حزن، بل خوف من عاقبة، من حساب، من مواجهة لا مفر منها. إنّها صرخة من يشعر بأنه تجاوز حدّ القدرة على الاحتمال، وأنه عند نقطة يتقاطع فيها الذنب مع الشعور بالعجز.
و«ذنوب جئت أحملها» ترسم صورة إنسانٍ لم يعد الذنب في حقّه فكرة أخلاقية، بل حملاً ماديًا، شيئًا يُحمل على الظهر كعبء ثقيل. الجملة تحمل إحساسًا دينيًا عميقًا بالمسؤولية، فالذنوب ليست ماضيًا مضى بل أمانة مظلمة تتحرك معه، وتنتقل معه، وتدخل معه كل باب. إنه يحملها لأنه لا يستطيع التخلص منها، ولأن أثرها صار جزءًا من تكوينه النفسي.
وتبلغ القصيدة قمتها الروحية حين يقول: «يا باعث الناس». هذه العبارة تُخرج النص من الهمّ الشخصي إلى أفق الآخرة. «باعث الناس» ليس شخصًا من البشر، بل هو الذي يبعثهم يوم القيامة، فيحضر هنا معنى المحشر والحساب، ويصبح النداء موجّهًا إلى الله، أو إلى الحقيقة المطلقة التي تبعث الخلق وتحاسبهم. هكذا يتحوّل الخوف من فضيحة الناس إلى خوف من يوم تتكشف فيه كل السرائر.
«دعني غير منبعث» هي الذروة النّفسية والدّينية في النّص. إنّها رغبةٌ في التّوقف، في ألا يُبعث الإنسان بذنوبه، ألا يُقام من جديد محمّلًا بما يخشاه، كأنّ الشّاعر يطلب من الله أو من القدر أن يتركه في طيّ السّكون، في موضع لا يُفتح فيه سجل الذنوب ولا يُكشف الغطاء. في هذا الطلب يظهر الضعف الإنساني المطلق ليس طلب مغفرة مباشرة، بل طلب مهرب، طلب ألا يُفتح الباب أصلًا.
في هذه الجملة يتجسد الخوف من المواجهة أكثر من الخوف من العقوبة. إنّه خوف من الوقوف أمام الحقيقة، من انبعاث الذاكرة، من أن يُسأل المرء عمّا حمله طويلًا.
بهذا يتبيّن أنّ الأبيات ترسم رحلة داخلية مختصرة لكنّها كثيفة وعميقة المعنى تنطلق من بطء الخطى إلى ثقل الذنب، ومن ستر ناقص إلى عري روحي، من صرخة النّدم إلى الخوف من البعث. إنّها لحظة يلتقي فيها الإنسان بذاته من زاويتين: زاوية النّفس التي تهرب من انكشافها، وزاوية الإيمان الذي يذكّرها بأن السّتر الحقيقي لا يُصنع من أوراق المعصية بل من نور التّوبة تلك هي رحلة الصّفاء التي يتوق إليها كلّ مؤمن مثقل بهوى النّفس وبعذابها الطويل،وفقك الله ورعاك صديقي الشاعر الكبير سليمان.