قراءة نقدية في القصة الشّعرية عند لحسن الواحدي...

قراءة نقدية في القصة الشّعرية عند لحسن الواحدي
" ضغط الوزن وتحوّلات اللّغة الموجّهة للطفل"
- تمثّل القصة الشّعرية جنسًا أدبيًا يتوسّط بنية السرد وشاعرية الإيقاع؛ إذ تجمع بين متطلّبات القصّ في الحدث والشخصيات والفضاء، وبين خصائص الشّعر في الإيقاع واللغة المكثفة والصّورة. وقد نشأت هذه الصيغة الحديثة من حاجة الشّعر العربي إلى آفاق جديدة من التعبير، تسمح له بضمّ البعد الدرامي وتمثيل التّجربة الإنسانية في مشاهد متتابعة تتداخل فيها الغنائية بالحبكة. وللقصة الشعرية قدرة خاصة على احتضان عالم الطفولة، لما تمنحه من مجال رحب لتشكيل الخيال والوجدان، ولما تملكه من طاقة تعليمية غير مباشرة تستمد قوتها من رمزية
الحيوان ومسرحة القيم،ومن هذا المنظور، تبرز تجربة الشاعر الجزائري "لحسن الواحدي" التي امتدت عبر سنوات من الكتابة للأطفال في الشعر، والمسرحية الشعرية، وحكايات الحيوان. ويستعيد الواحدي بوضوح روح "الشوقيات"، فيستثمر نموذج الحكاية الحيوانية التي تمزج بين المغزى الأخلاقي والبناء القصصي، مع حرص على تقديم رسالة موجّهة للطفل. غير أنّ هذا الحرص، على جمالياته وأهميته، يكشف في بعض نصوصه عن مفارقة بين صلابة الوزن ودقة الدلالة، حيث يتقدّم الإيقاع أحيانًا على السرد، فتُستدعى مفردات لا تنتمي لمعجم الطفولة أو لعالم الحيوان، ويُفرَض انزياح لغوي يضعف الانسجام الفني.
وتسعى هذه القراءة إلى تتبّع ملامح هذه المفارقة، وتحليل مقومات الجمال والبناء، من خلال هذه القصص الثلاث. : "القنفذ والفأر، التّمساح والغزال الذكي، الأسد والثعالب".
1. بين قوة البناء الحكائي واضطراب الاختيار اللّغوي.
يعتمد الواحدي في نصوصه على حبكة واضحة تستجيب لأفق التوقع لدى الطفل: تمهيد، حدث مركزي، ثم خاتمة تربوية. ففي «القنفذ والفأر» نقرأ سردًا بسيطًا يدور حول الطمع والخداع، وفي «التّمساح والغزال الذكي» تتكرر ثنائية الشرّ والمكيدة، بينما يُعالج «الأسد والثعالب» قيمة التواضع بصفته قوة لا ضعفًا.
ويُعدّ هذا الوضوح في البناء من أبرز strengths التجربة، إذ يتيح للطفل متابعة الأحداث دون تعقيد، ويسمح بإيصال القيم بشكل سلس. كما تتجلى في النصوص قدرة الشاعر على توليد صور حكائية مقنعة، تستلهم بِنْية الحكاية الشعبية دون أن تقع في الترهل، مع حضور وزن صفّيّ منضبط يزيد من قابلية النص للإنشاد والحفظ.
غير أن هذا البناء المتين يصطدم أحيانًا بانحراف لغوي ناجم عن ضغط الوزن، حيث تُقحم مفردات عالية أو غير مناسبة لعالم الطفولة، وهو ما يترك أثره على تماسك النص.
2. تحليل أسلوبي ودلالي للنّصوص الثلاثة
أ‌- القنفذ والفأر: ارتفاع المعجم وتضخّم الخطاب
القنفذ والفأر
عاشَ في البُسْتانِ قُنْفُذْ يَمْقُتُ السّعْيَ ويَنْبُذْ
ويُحبُّ الرّزْقَ يأتي دُونَ جُهْدٍ وَتَشَحُّذْ
كلّما أبْصَرَ صيْدًا اشْتَهَاهُ وتَلَذّذْ
يَتمنّاهُ طعامًا إنّما باليُسْرِ يُؤْخذْ
كان في البُسْتَانِ فَأرٌ حاضرُ الْفِطْنةِ جَهْبَذْ
طمِعَ القُنْفُذُ فيهِ وتَمَنَّى يَلْتَقيهِ
لَوْ أتيحتْ فُرْصَةٌ قدْ يُصْبِحَنْ مِنْ آكِلِيهِ
فَرَآهُ ذات يَوْمٍ جالِسًا بَيْنَ بَنِيهِ
كيْفَ يصْطادُ سرِيعًا ولَهُ شَكْلُ نَبِيهِ
فكّرَ القُنْفُذُ حِينًا لمْ يَجِدْ حلّاً يَفِيهِ
كلّما حلَّ الظّلامُ عيْنُهُ ليْسَتْ تَنامُ
فأتَاهُ ذات لَيْلٍ مَعَهُ ذاك الطّعَامُ
قالَ يا فأرُ سلامًا بيْننا يُفْشى السّلامُ
إنّني جئْتُ بِصَيْدٍ نيّتي فيه اقْتِسَامُ
أنْتَ جاري وعشيري مُنْذُ عَامٍ بعدَ عامْ
نظرَ الفأرُ طَوِيلا في الَّذي يُخْفِي غليلا
خِلْتَنِي قَالَ غبيًّا عنْدَمَا تأتِي نبيلاَ
حِيَلُ الْقِطِّ كفَتْنِي أنْ أرى الْمَوْتَ الْوَبِيلا
هُوَ أوْ أنْتَ عَدُوَّايَ مَعًا جيلاً فَجِيلاَ
فَمُحَالٌ ومُحَالٌ يُصْبِحُ اللُّدُّ خَلِيلا
- يحفل النّص باستعمالات مثل: يمقت، ينبذ، يتشحّذ، جهبذ؛ وهي ألفاظ تنتمي لخطاب فلسفي-قيمي لا ينسجم مع طبيعة الحيوان ولا مع مستوى الطفل. كما تُستعمل أفعال دلالية مثل فعل "تلذّذ" في غير موضعها، ما يعرّض النّص لاختلال دلالي، إذ لا يمكن التلذّذ بالطعام قبل تناوله.
تحليلًا أسلوبيًا، نجد أنّ الجملة الشّعرية جاءت محكومة بالقافية، فجاءت «يمقت - ينبذ» و«اشتهاه - تلذّذ» لأجل الموسيقى أكثر مما جاءت لخدمة السرد. هذا الإقحام يُفقد الصورة صدقيتها ويجعل الحيوان ينطق بلغة لا تصدر حتى عن الرّاشد، فينقطع التلقي.
ب‌- التّمساح والغزال الذكي: انزياح بلاغي يُبعد النص عن عالم الحيوان
2. التمساح والغزال الذكي:
حِكايةُ الْغزالِ وَالتّمْسَاحِ تُجْدِي ذوي الألبَابِ والأرْواحِ
كم حاولَ التّمْساحُ أنْ يصْطادَهُ لكنّهُ لمْ يَحْظَ بالنّجَاحِ
وذاتَ يوْمٍ بعْدَما أبْصَرَهُ مُسْتَبْشرًا بِوَجْهِهِ الْوَضّاحِ
اقتَربَ التّمْسَاحُ منهُ هادئًا ودَمْعُهُ كالْهَاطلِ السّحَّاحِ
وشهْقةٌ في الصّدْرِ مُسْتَقِرَّةٌ والصّوْتُ مخنوقٌ من البُحاحِ
قالَ لَهُ إنِّي مَرِيضٌ مُتْعَبٌ ولَمْ يَعُدْ في صَيْدِكَ ارتيَاحي
قرّرْتُ أنْ أجْعلَ منْكَ صاحبًا نحْيَا حَيَاةَ الْهَانئِ الْمُرْتَاحِ
قضيْتُ دَهْرًا كُنْتَ لي طريدَةً أسْعى وراءَها بِلا سِلاحِ
لكِنّني أدْرَكِتُ سُوءَ فعْلَتي وتُبْتُ عَنْ جرائِمِ السّفّاحِ
وجئْتُ عن جرائمي مُكفِّرًا أطلبُ منْكَ الصّفْحَ باتّضَاحِ
نَدِمْتُ عَنْ عَدَاوَتِي لِفَاضِلٍ فَجُدْ بعَفْوِ الرّاحمِ الْمِسْماحِ
ابْتسَمَ الْغَزالُ منهُ هازئًا وقالَ قوْلَ الفاهِمِ اللَّمّاحِ
تخالُني الآنَ غبيًّا سَاذَجًا تخدَعُني بِدمْعِكَ النّضّاحِ
قدْ قيلَ قبْلُ لا تصَدّقْ مُطْلقًا إنْ رُمْتَ أمْنًا دمْعَةَ التّمْسَاحِ
- يميل النص إلى المبالغة البيانية في وصف المشهد: "دمعه كالهطل السحّاح، الصوت مخنوق من البُحاح، الصفح باتّضاح".
هذه الصور تنتمي إلى البلاغة التّقليدية القائمة على السجع والازدواج، لا إلى اقتصاد التعبير الذي تحتاجه القصة الشّعرية الموجّهة للطفل. من منظور بنيوي، نجد أن الصورة هنا لا تُنتج معنى جديدًا داخل الحدث، بل تشكّل قشرة زخرفية تُعلّق فوق الحكاية؛ فتغدو اللغة ذاتية لا وظيفية، وتفقد الدلالة فاعليتها التربوية.
ج‌- الأسد والثعالب: خطابية على حساب الدراما
3. في نص الأسد والثعالب:
جَالَسَ اللّيْثُ الثَعَالبْ
نَازِعًا ثَوْبَ الْمُحارِبْ
حِسَبَتْ ذلِكَ ضُعْفًا
مِنْ شَديدٍ لا يُغَالبْ
بَدَأَتْ تَهْمِسُ سرًّا
ثُمَّ رَاحَتْ تَتكَالبْ
ثَعْلبٌ يسْخَرُ منهُ
ثَعْلبٌ راحَ يُشَاغِبْ
ثعْلَبٌ يرْقُصُ زَهْوًا
ثعْلبٌ هَزَّ الْحَوَاجبْ
صَبَرَ اللّيْثُ قليلاً
ثُمَّ أخْزاهُمْ وَخاطَبْ
هُوَ في الأصْلِ كبيرٌ
ولهُ هيْبةُ ضَارِبْ
قامَ والحزْمُ جَلِيٌّ
بَعْدَما أرْخى الْمَخَالِبْ
ما تُظنّونَ أنَاتِي
وأنَا في الفَتْكِ رَاغبْ؟
مَنْ لَهُ الْجرْأةُ يُبْدي
يتَحدَّى أوْ يُعاقَبْ
أيُّكُمْ يَقْوَى؟ أجيبُوا
مَنْ يُرينِي وَلْيُرَاقِبْ
سَكتُوا كالصّخْرِ لكِنْ
زَادَهُمْ حكْمَةَ تائبْ
إن تَوَاضَعْتَ لِقَوْمٍ
فَتَهَيَّأْ لِلْمَتَاعِبْ
لا تُجَالِسْ مَنْ يُسَاوي
بيْنَ مغْلُوبِ وغالِبْ
- يقدّم النص رسالة مهمّة حول التّواضع، لكنه يحمّلها لغة خطابية:
- ما تظنون أناتي؟ من يريني وليراقب.
- هذه اللّغة، القائمة على النّداء والتحدي والاحتجاج، تُحيل إلى بيان خطابي لا ينسجم مع سياق حكاية حيوانية. تحليلًا بنيويًا، تتحوّل الشخصيات إلى أصوات خطابية، ولا تعود عناصر الحبكة (المشهد، الفعل، الاستجابة) فاعلة، بل تصبح إطارًا تُسكب فيه الحكمة. وهكذا يتراجع البناء الدّرامي لصالح الجملة الوعظية.
3. أثر الاضطراب اللغوي على المتلقي الطفل
يتشكّل الوعي اللغوي للطفل من النصوص الأولى التي يقرؤها، ولذلك يحمل كلّ انزياح أو مبالغة أثرًا تربويًا. إنّ اعتماد مفردات عالية أو دلالات غير واقعية يربك قدرة الطفل على بناء صورة ذهنية واضحة للشخصيات، ويعطّل خياله بدل تنشيطه. ولأن الطفل يتعلّم بالمحاكاة، فإنّ اللغة الثقيلة تفقده رغبة المتابعة، وتجعله مستمعًا سلبيًا، لا شريكًا في فعل التخيل.
كما أن استقلال اللّغة عن الحدث يُفقد النص قيمته الفنية؛ فالحكاية الشعرية الناجحة هي التي تجعل الموسيقى والإيقاع جزءًا من الحركة السّردية، لا عبئًا عليها.
4. القيمة الفنية للتجربة وآفاق تطويرها:
على الرغم من هذه الملاحظات، تبقى تجربة الواحدي تجربة مهمّة في أدب الطفل الجزائري، لما فيها من وفاء لروح الشّعر العمودي، وبناء قصصي واضح، ورسالة تربوية نبيلة. وقد نجح في الكثير من نصوصه في ضبط الإيقاع دون إفراط، وتقديم حكايات سلسة تستجيب لخيال
الطفل غير أن تطوير هذه التجربة يحتاج إلى:
-تخفيف ضغط القافية والوزن لصالح الدلالة؛
- اختيار معجم ينتمي لعالم الحيوان وسياق الطفولة؛
- تعزيز الحوار والمشهدية على حساب الوعظ المباشر؛
- اعتماد صورة شعرية وظيفية، لا زخرفية؛
-بناء حبكة تقوم على الفعل والصراع، لا على التقريرات الحكيمة.
عندئذٍ يمكن للواحدي أن يقدّم نموذجًا متكاملًا للقصة الشّعرية العربية الحديثة، يجمع بين الأصالة والوضوح، وبين جمال الإيقاع وعمق الدلالة، في خدمة متلقي صغير يحتاج إلى لغة صافية ووجدانية في آن واحد.
.......................................
هوامش
1. حسين عبروس .أدب الطفل وفن الكتابة .موفم 2013-الجزائر
2.لحسن الواحدي -حكايات من عالم الحيوان ج2- شعر
3. أحمد شوقي، ّالشوقيات" حكايات الحيوان".
Peut être une image de ‎texte qui dit ’‎c6ow لحسن الواحدي حكايات من عالم الحيوان حسن الإااي حكايات من عالمالحيوان منف مصة شعرية للاصهال تجربة جديدة ايقاعا م يخوض غمار رهاالشا الكير لحسن الواحدي متنوعة سلس لة مقةفكرر ارفة ومتعة ترسخ القيم والأخلاق TE عالم الحبواتات_وعلى ألسنتهل سرمداء للصفار قراءة وانشادا وللكبار قراءة ودراسة خطى الشندياد 3 تباريح العشق 5.من_دنايابلادي اليوم aman للشاعرا ترانیم. والزحيل محراب العصيمسرديةشعرية) وللأطفال،صدرنله اناشيد طفولية واحة البراعم 3 3.أنشيد ديوان الطفولة. حكابات منعالمالحيوان(لجزء الأول-حكايات منعال الحيوان منة فصة شعرية للأطفال الجزء الثاني Whiting 6arTblйлa #oфTи3oe primees how geria‎’‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى