الدكتور محمد ازلماط - الزجلية: دينامية الإبداع والنقد في منظور ما بعد السيميائيات

تنبيه للقارئ:
نظرًا لطول هذه الدراسة وعمق المعالجة التي تتطلب تفصيل المحاور والأطر النظرية، فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. كل جزء يحتفظ باستقلاليته التحليلية، مع مراعاة تسلسل الأفكار والمنهجية نفسها بين الجزأين، بما يضمن استمرارية الفهم والتفاعل بين المفاهيم والنظريات المطروحة. هذا التقسيم يأتي أيضًا لأسباب تقنية تتعلق بإمكانات النشر والطباعة، لكنه لا يؤثر على تماسك البناء المعرفي للدراسة أو على ربط بين محاورها المختلفة.
فقد تم تقسيمها إلى جزأين متكاملين. يتناول الجزء الأول المقدمة، ويشمل المحور الأول حول الإبداع وقصيدة الزجل، والمحور الثاني حول الرؤى الزجلية في قصيدة الزجل المغربية المعاصرة، والمحور الثالث حول النقد وإبداع الزجل. أما الجزء الثاني فيخصص لدراسة الزجلية كنظرية نقدية في ضوء ما بعد السيميائيات.
هذا التقسيم يهدف إلى تسهيل القراءة، وضمان وضوح الربط المنهجي بين المحاور، مع الحفاظ على تماسك البناء المعرفي للدراسة، ويأخذ بعين الاعتبار أيضًا عوامل تقنية النشر والطباعة.
الجزء الثاني:
«الزجلية: أفق نقدي في ضوء ما بعد السيميائيات»
يختص هذا الجزء بدراسة الزجلية كنظرية نقدية مستقلة، مركّزة على الجهاز المفاهيمي وآلياتها الإجرائية وأفقها المعرفي في إطار ما بعد السيميائيات.

المحور االرابعة: الزجلية نظرية نقدية متكاملة في رؤية وآليات
تُعدّ الزجلية مفهومًا نقديًا إبستمولوجيًا متقدّمًا يسعى إلى بناء نظرية خاصة بفهم الزجل المغربي وتحليل آلياته الإبداعية خارج الأطر التقليدية التي ظلت تحصره في خانة الشعر الشعبي أو التعبير الشفوي؛ فهي تشتغل على تحديد ما يجعل نصًّا ما "زجليًا" في جوهره، لا من حيث خصائصه الخارجية أو لغته الدارجة فحسب، بل من حيث البنية العميقة التي تنتج شعريته وتمنحه قوة تأثيره وقدرته على توليد المعنى.
وتنطلق الزجلية من فرضية أن الزجل ليس جنسًا أدبيًا تابعًا، بل هو خطاب ثقافي معرفي وجمالي [ هذه المراجع ليست حول “الزجل” بالمعنى التقليدي فقط، بل حول الحقول النظرية التي يستند إليها تصورك: ما بعد السيميائيات، الإدراك المتجسد، العلامة العصبية، السيميائيات الثقافية، ونقد ما بعد النقد. ويمكن اعتمادها في الهوامش لإسناد النظرية:
Lakoff, George, and Mark Johnson. Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999.
Varela, Francisco, Evan Thompson, and Eleanor Rosch. The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience. MIT Press, 2017 (revised edition).
Noë, Alva. Action in Perception. MIT Press, 2004.
Lotman, Yuri M. Culture and Explosion. Translated by Wilma Clark, De Gruyter, 2009.
Lotman, Yuri M. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. I.B. Tauris, 1990.
Sonesson, Göran. “Cognitive Semiotics: Its Development and Prospects.” Cognitive Semiotics 1, no. 1 (2007): 10–32.
Petitot, Jean. Morphogenesis of Meaning. Peter Lang, 2004.
Deacon, Terrence. The Symbolic Species: The Co-evolution of Language and the Human Brain. Norton, 1997.
]مستقل يمتلك منطقًا داخليًا للتوالد الإيقاعي والرمزي، يختلف عن الشعر الفصيح وعن باقي الأجناس الشعبية، ويقتضي بالتالي جهازًا مفاهيميًا خاصًا لتحليل بنيته الصوتية، وآليات اشتغاله التداولي، وحضوره الأدائي والجماعي، وموقعه داخل الثقافة المغربية.
وبهذا المعنى، فالزجلية تشبه في طموحها النظري ما سعت إليه “الأدبية” عند الشكلانيين الروس الذين بحثوا عن المحددات التي تجعل خطابًا ما أدبيًا،[ Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” In Russian Formalist Criticism, edited by Lee T. Lemon and Marion J. Reis. Univ. of Nebraska Press, 1965.
Jakobson, Roman. Language in Literature. Harvard University Press, 1987.
Todorov, Tzvetan. The Poetics of Prose. Cornell University Press, 1977.
] كما تتقاطع مع مشروع “الشعرية” الأرسطية التي حاولت الكشف عن القوانين التي تضبط اشتغال النص الشعري؛ غير أنّ الزجلية تختلف عنهما في كونها تستند إلى طبيعة النص الزجلي نفسه بوصفه خطابًا شفويًا–كتابيًا، جماعيًا–فرديًا، يوميًا–رمزيًا، يتحرك في فضاء ثقافي متعدّد الطبقات، ويمتلك من خلال تاريخه وارتباطه بالمخيال الشعبي منطقًا خاصًا في بناء الصورة، وتوليد الإيقاع، وتمثيل التجربة الإنسانية. وتقوم الزجلية بذلك على كشف "الطاقة الإبداعية" الكامنة في العلامة الزجلية، باعتبارها حدثًا صوتيًا–معرفيًا يمر عبر الأداء والإنشاد والتلقي المباشر، حيث يصبح المعنى مشروطًا بالتفاعل الحي بين الزجال والجمهور، وتتشكل الدلالات عبر لحظة جماعية يتقاطع فيها الصوت والإيقاع والإيماءة والذاكرة.
كما تفترض الزجلية أن الزجل لا يُقرأ فقط باعتباره نصًا لغويًا، بل بوصفه ممارسة ثقافية لها قواعدها ورهاناتها وتوتراتها الداخلية، ما يجعل النقد في هذا الإطار نقدًا لما “يحدث” داخل النص وما حوله؛ أي نقدًا لديناميكية الإبداع الزجلي وليس لمجرد بنيته الشكلية. ومن هذه الزاوية، تصبح الزجلية مشروعًا نظريًا يهدف إلى إعادة الاعتبار للزجل كحقل معرفي يمتلك معاييره الخاصة وقواعد تشكّله، ويسعى إلى إدماجه داخل العلوم الإنسانية بوصفه نظامًا للتعبير الجمالي والتداولي والثقافي، قادرًا على إنتاج معرفة جمالية تتجاوز ثنائية الفصحى/العامية، والمركزي/الهامشي، وتفتح أفقًا بحثيًا جديدًا لدراسة الشعر الشعبي بمنهج نقدي مُحْكَم ينتمي إلى ما بعد النقد، لا بوصفه قراءة تفسيرية فحسب، بل باعتباره ممارسة لإعادة بناء المفاهيم التي تؤسّس الهوية الشعرية للزجل وتضبط طرق فهمه وتأويله.
وفي هذا الامتداد النظري، تتحدد الزجلية بوصفها جزءًا من التحولات الراهنة في النظرية الأدبية، لأنها تدور في فلك ما بعد السيميائيات [ Cobley, Paul. The Routledge Companion to Semiotics. Routledge, 2010.
Johansen, Jørgen Dines, and Svend Erik Larsen. Signs in Use: An Introduction to Semiotics. Routledge, 2002.
Chandler, Daniel. Semiotics: The Basics. 3rd ed., Routledge, 2017.
]وضمن أفق ما بعد النقد[ Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network Theory. Oxford University Press, 2005.
Felski, Rita. The Limits of Critique. University of Chicago Press, 2015.
Sedgwick, Eve Kosofsky. “Paranoid Reading and Reparative Reading.” In Touching Feeling. Duke University Press, 2003.
]، حيث لا يُعامل النص كموضوع جاهز للتحليل، بل ككيان دينامي متحول تُنتج دلالاته عبر شبكات من العلامات والأحداث القرائية والتمثّلات الثقافية، بما يجعل الزجلية تجسيدًا لمقاربات نقدية جديدة تعيد التفكير في وظيفة النقد وطبيعة النص ومعايير الشعرية في سياقات معرفية معاصرة.
فالزجلية تمثل رؤية نقدية مستقلة لقصيدة الزجل، تتجاوز اعتبار النصوص الزجلية مجرد إبداع شعبي تقليدي، لتصبح نظامًا متكاملًا يجمع بين الظواهر الجمالية والمعرفية والاجتماعية. فالنص الزجلي، في إطار الزجلية، لا يُنظر إليه كنص مكتوب أو منظوم فحسب، بل كنص حي يتفاعل مع الواقع الاجتماعي والثقافي، ويعيد إنتاج الهوية الجماعية مع الحفاظ على القدرة الابتكارية والتجديدية للنص.
تتميز الزجلية بشحنتها الدلالية المزدوجة التي تجمع بين البعد النقدي والاستشرافي، فلا تُختزل في كونها مجرد شكل للقصيدة الزجلية، بل تُطرح كأفق معرفي وجمالي متجدد يسعى إلى المستقبل. وهي تعمل على مستويات متعددة: لغوية، إيقاعية، دلالية، سوسيولوجية وثقافية، مؤكدة أن الزجل ليس مجرد جنس شعبي، بل خطاب إبداعي قادر على إنتاج المعرفة والجمال معًا. ويستند هذا التصور إلى مقولات ما بعد السيميائيات، التي تعتبر النص فضاءً للتعددية القرائية والرمزية، حيث تتداخل العلامات مع السياق والمتلقي في شبكة علاقات تأويلية ديناميكية.
تنطلق الزجلية من كونها رؤية نقدية مستقلة تتجاوز مجرد تقييم النصوص الزجلية، لتصبح إطارًا تحليليًا قادرًا على تفسير الظواهر الجمالية والمعرفية والاجتماعية في النصوص الزجلية. فالزجل هنا ليس منتجًا معزولًا، بل نظامًا يتفاعل مع البيئة الاجتماعية والثقافية، مما يجعل النص الزجلي تعبيرًا حيًا عن الواقع الجماعي وفضاءً لإعادة إنتاج الهوية الثقافية، دون أن يفقد طاقته الابتكارية والتجديدية.
ومن هذا المنطلق، تُطرح الزجلية كمفهوم بديل عن "الأدبية" (Littérarité) في النقد الغربي، ما يمنحها خصوصية مستقلة تعكس هوية النصوص الزجلية المغربية. ويمكن تحديدها على النحو التالي:
1. ماهية الزجلية
الماهية تشير إلى الجوهر الذي يمنح الشيء هويته الخاصة. والزجلية، في هذا المعنى، ليست مجرد منهج عابر أو مقاربة تقنية، بل هي كيان نقدي ومعرفي له طابعه الإبداعي الخاص. جوهر الزجلية يقوم على جعل النص الزجلي – بما يحمله من خصوصيات لغوية وجمالية وثقافية – محورًا للتحليل النقدي. فهي لا تكتفي بوصف البنية أو دراسة الشكل، بل تتجاوز ذلك إلى إنتاج معرفة جديدة حول النصوص الشعبية والشعرية. ومن هنا، فإن الزجلية في ماهيتها تحمل بعدًا إبستيميًا، إذ تحاول إعادة بناء أسس الفهم النقدي انطلاقًا من النصوص الزجلية، دون الارتهان الكلي للمناهج المستوردة. كما أن لغتها الواصفة هي مزيج بين الفصيح والدارجة، ما يتيح لها الوفاء لطبيعة النص الزجلي نفسه، وفي الوقت ذاته الانفتاح على المصطلحات الأجنبية حين يفرض التحليل ذلك، مما يعكس طابعها المركب والهجين.
2طبيعة الزجلية
إذا كانت الماهية تحدد الجوهر، فإن الطبيعة تكشف الخصائص العامة التي تمنح الزجلية فرادتها بين المقاربات النقدية. فهي أولًا هجينة ومنفتحة، إذ تجمع بين علوم الأدب، النقد، السيميائيات، الدراسات الثقافية، واللسانيات المعرفية، وما بعد السيميائيات وتعيد تركيب هذه الحقول ضمن أفق جديد. وثانيًا، هي إبداعية ومعرفية في آن واحد، حيث لا تتعامل مع النصوص باعتبارها وقائع جامدة أو وثائق أرشيفية، بل كطاقة حية تولّد المعنى باستمرار. وثالثًا، هي تداولية، إذ ترى أن النص الزجلي ليس خطابًا مكتوبًا وحسب، بل هو ممارسة اجتماعية حية تتجدد في الأداء والتلقي، بما يمنحه بُعدًا تداوليًا يتجاوز النصوص الكلاسيكية. وأخيرًا، هي تحررية، لأنها تسعى إلى الانفصال عن هيمنة المناهج التقليدية الموروثة، مثل البنيوية أو الشكلانية، وتؤسس استقلاليتها الخاصة عبر ربط النظرية بالإبداع.
3كنه الزجلية
الكنه هو العمق الذي يحدد الحقيقة الباطنية للشيء. وكنه الزجلية يكمن في كونها رؤية مزدوجة، تجمع بين النقد والإبداع معًا. فهي ليست مجرد أداة لقراءة النصوص، بل تشتغل على النصوص من داخلها، أي بمنطق تأويلي وابتكاري يجعلها تنتج معرفة وفي الوقت ذاته تمارس الإبداع النقدي. هنا تظهر الزجلية كمنظومة معرفية جديدة، تخرج من معطف النقد الأدبي التقليدي، وتطرح نفسها كبديل معرفي يوازي ما مثلته الأدبية (Literariness) عند ياكبسون وتودوروف. غير أن هذا البديل يتسم بخصوصية زجلية، إذ يستند إلى النصوص الشعبية والشعرية في المغرب والعالم العربي، ويعيد الاعتبار لها كموضوع نقدي جاد، لا كأدب ثانوي. في هذا المعنى، الزجلية ليست مجرد تصنيف نقدي جديد، بل هي إعادة تأسيس للنقد الأدبي من منظور نصي وثقافي يتجاوز حدود الأكاديمية إلى رحابة الإبداع والتجريب.


الأسس المنهجية للزجلية
تقوم الزجلية بوصفها تصورًا نقديًا جديدًا على مجموعة من الأسس المنهجية التي تمنحها استقلالها المعرفي داخل حقل الدراسات الأدبية والثقافية. أوّل هذه الأسس هو اعتمادها على التحليل السيميائي–الإدراكي الذي يربط العلامة الزجلية بالبنية العصبية التي تولّد المعنى، وهو ما يجعلها تتجاوز التصور البنيوي الكلاسيكي للعلامة كما تبلور عند ياكوبسون وشكلوفسكي، نحو فهم يعتبر العلامة حدثًا إدراكيًا (cognitive event) يتشكل داخل تفاعلات الجهاز العصبي والجسد والثقافة[ Varela, Francisco J., Evan Thompson, and Eleanor Rosch.
The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience. MIT Press, 1991.
مبحث/فصل: Part II – The Embodied Mind, حول الإدراك المجسّد وعلاقته بالوعي.
] ،ومن ثمّ، فالمعنى في الزجل ليس مجرّد نتاج لعلاقات لغوية داخل النص، بل هو نتاج لتفاعل معقّد بين الإيقاع والذاكرة الجسدية والانفعال والصوت، وهي عناصر لم تكن النظريات الشكلانية أو الشعرية الكلاسيكية قادرة على إدراكها بالكامل.
والأساس الثاني هو اعتماد الزجلية على السيميائيات الثقافية بوصفها إطارًا لفهم الزجل كنظام لإنتاج الرموز داخل فضاء اجتماعي وثقافي محدد، بما يجعل الزجل أقرب إلى “نموذج ثقافي للمعنى” وليس مجرد خطاب فني. وهذا الامتداد يجد جذوره في نظرية لوتمن حول “الأنظمة الدلالية الثقافية” التي ترى الثقافة فضاءً لتوليد المعنى عبر ترابط العلامات وتفاعلها،[ Lotman, Yuri.Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. Translated by Ann Shukman. Indiana University Press, 1990.
مبحث/فصل: Chapter 2–3، حول العلامة والنصوص الثقافية.
Culture and Explosion. Mouton de Gruyter, 2009.
مبحث/فصل: Chapter 1، عن انفجار الثقافة ودينامية النصوص.
] وبتبنّي هذا التصور، تُدرج الزجليةُ الزجلَ داخل ديناميات الذاكرة الجماعية، والتحولات الاجتماعية، والتجارب المعيشية، مما يجعل التحليل يتجاوز المستوى النصي إلى المستوى الأنثروبولوجي والثقافي.
أما الأساس الثالث فهو انتماء الزجلية إلى منهج ما بعد النقد (Post-critique)، الذي يدعو إلى الانتقال من القراءة التفكيكية/الارتيابية إلى قراءة تُعيد بناء المعنى وتبحث في كيفية توليده داخل السياقات الاجتماعية والمعرفية [ Felski, Rita.The Limits of Critique. University of Chicago Press, 2015
. مبحث/فصل: Chapter 4، حول النقد المعاصر وإعادة قراءة النصوص الشعبية.
]؛ووفق هذا المنظور، لا تتعامل الزجلية مع النص الزجلي بوصفه موضوعًا للتحليل فقط، بل بوصفه حدثًا معرفيًا (epistemic event) يكشف عن طرائق اشتغال المخيال الشعبي، وتمفصلات السلطة الرمزية، وأنماط التعبير عن الذات والجماعة.
وأخيرًا، تستند الزجلية في منهجها التحليلي إلى المقاربة التجسّدية للمعنى (Embodied Cognition)، التي تؤكد أنّ الإدراك والمعنى لا ينفصلان عن الجسد، وعن ديناميات الحركة والإيقاع والتنفس والصوت، وهي عناصر مركزية في الإبداع الزجلي. وقد بيّن كل من لاسكوف وجونسون أنّ المعنى متجذر في الخبرة الجسدية قبل أن يتشكل لغويًا [ Lakoff, George, and Mark Johnson.Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999
. مبحث/فصل: Chapter 1–3، عن العلاقة بين اللغة والجسم وإعادة إنتاج المعنى.
]، وهو ما ينسجم تمامًا مع طبيعة الزجل الذي يولّد دلالاته عبر أداء حيّ يتشابك فيه الصوت والجسد والذاكرة الشعبية.
وبذلك، يمكن القول إنّ الزجلية ليست مجرد منهج تحليلي، بل هي إطار إبستمولوجي متكامل يجمع بين السيميائيات الإدراكية، والسيميائيات الثقافية، والمقاربات التجسدية، ومنهج ما بعد النقد، ليعيد إدراج الزجل ضمن فضاء المعرفة، ويدفعه من حدود “الأدب الشعبي” إلى مجال نظري أوسع يتأمل طبيعة المعنى ذاته، وكيفية تكوّنه واشتغاله في الوعي الجمعي والذاكرة الثقافية.
الآليات المعتمدة عليها في الزجلية
تعتمد الزجلية على منظومة من الآليات المتكاملة التي تعمل على تحويل النص الزجلي من مادة أدبية بسيطة إلى فضاء معرفي حيّ متفاعل، قادر على إنتاج معانٍ متعددة ومستمرّة. تتمثل في:
1.الفحوصات النقدية: تحليل النصوص على مستويات اللغة والأسلوب والدلالة والسياق، وكأن النص جسد حي يخضع للفحص التشخيصي. ومن خلال هذه الآلية، يتم الكشف عن البنية الداخلية للنص الزجلي، وإبراز تفاعلاته الداخلية مع التجربة الثقافية والاجتماعية التي ينتمي إليها، مما يجعلها أساسًا لإنتاج قراءة نقدية دقيقة ومتعمقة.
2.دينامية النص: دراسة القدرة الداخلية للنص على التجدد من خلال الإيقاع، التكرار، والانزياحات الأسلوبية، ما يجعل النص مفتوحًا على التأويل المستمر. هذه الآلية تجعل النص مفتوحًا على التأويل المستمر، وتمنحه قدرة على إعادة إنتاج المعنى في سياقات مختلفة، مع الحفاظ على توازنه بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني، ما يميز الزجل عن النصوص الأدبية التقليدية ذات البنية الجامدة.
3.السيميائيات العصبية النقدية: تصور النص كبنية عصبية–ثقافية، تتولد منها المعاني باستمرار، وفق شبكة تربط الفرد بالثقافة والوعي باللاوعي، محولة القراءة النقدية إلى مختبر لإنتاج معرفة جديدة بالنصوص. هذه الآلية تربط الفرد بالثقافة، والوعي باللاوعي، وتفسر كيفية تأثير النص على الإدراك الحسي والعاطفي، ما يجعل التلقي عملية ديناميكية تتفاعل مع التجربة الشخصية والجماعية للقارئ
4 آلية التفاعل النصي، كما أشرنا، تقوم على مجموعة محددة من الأدوات التي تجعل النص فضاءً حواريًا حيًا. هذه الأدوات هي:
1.التناص: استدعاء نصوص سابقة أو إشارات ثقافية ودينية وأدبية، مما يجعل النص جزءًا من شبكة حوارات تاريخية وثقافية أوسع، ويحول القراءة إلى عملية فكّ رموز متعددة المستويات.
2.صيغة السؤال والمخاطبة المباشرة: استخدام الأسئلة والمخاطبة يضع القارئ في موقع التفاعل، ويخلق علاقة شخصية وحية بين النص والمتلقي.
3.الانزياح الدلالي والاستعارة الاستثنائية: إخراج المفاهيم من مرجعيتها المألوفة ونقلها إلى فضاءات جديدة لإشراك القارئ في إعادة بناء سياق المعنى.
4.التكرار والتحوير الإيقاعي والردّ: في الزجل، يعمل التكرار كدعوة للاستجابة، والتحوير يطوّر المعنى بدلًا من إغلاقه.
5.التعدد الصوتي وتبديل الأصوات (البوليفونية): التنقل بين الأصوات والخطابات داخل النص يولد حوارات داخلية ويتيح مقارنة بين نظم دلالية متنافرة.
6.الإشارات الدلالية والضمائر (Deixis): الربط بين المواقف والزمان والمكان والشخص، لخلق موقع موقف ومساحة تفاعلية فورية للمتلقي.
هذه الآليات تمنح النص قدرة على التفاعل المباشر مع القارئ، وتخلق تجربة معرفية–جمالية–اجتماعية متكاملة، وتحوّل النص الزجلي إلى حدث متحرك يعيش في ذهن المتلقي
إلى جانب هذه الآليات التفاعلية، توجد آليتان مستقلتان تشكلان جزءًا أساسيًا من الجهاز المفاهيمي للزجلية: الأولى المعرفة العصبية والذهنية، حيث يولد النص خرائط ذهنية دينامية في ذهن المتلقي، تتغذى من الذاكرة الفردية والثقافية، وتعيد إنتاج المعنى عبر عمليات إدراكية وعصبية متشابكة. والثانية الجرافيزم، أي شكل الكتابة وتموضعها على الصفحة، الذي يربط بين الإيقاع الصوتي والتمثيل البصري، ويحوّل القراءة إلى تجربة حسية متكاملة، تجمع بين البصر والسمع والحركة، وتدعم قدرة النص على التواصل الثقافي والاجتماعي.
الجهاز المفاهيمي للزجلية
يتضح أن الزجلية ليست مجرد منهج نقدي، بل جهاز مفاهيمي شامل ينظم فهم النص الزجلي على مستويات متعددة، ويتيح للقارئ والباحث التعامل مع النص كفضاء حيّ متفاعل، يجمع بين التحليل النقدي، الأداء الثقافي، والتجربة الحسية والمعرفية. بهذا المعنى، تصبح كل آلية من هذه الآليات جزءًا من بنية معرفية مترابطة تشكّل الجهاز المفاهيمي للزجلية، ما يبرز أهميته العلمية في تقديم قراءة نقدية مبتكرة تتجاوز حدود النقد التقليدي للأدب الشعبي.
وتُظهر المقاربة العربية المعاصرة للسيميائيات—كما تتجلى عند سعيد بنكراد—أن العلامة لا يمكن فهمها خارج سياقها الثقافي، لأن كل إنتاج لغوي هو في جوهره فعل تأويلي متجذر في الذاكرة الجماعية ومشحون بدلالات تاريخية [بنكراد، سعيد.سيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012. ص41]. هذا التصور ينسجم جوهريًا مع الرؤية التي تبني عليها “الزجلية” جهازها المفاهيمي، حيث لا يُقرأ النص الزجلي بوصفه بنية لغوية فقط، بل بوصفه حقلًا للتفاعل بين الذاكرة الشعبية والوعي الجمالي. وهذا ما يجعل الزجل، في امتداداته المغربية، أكثر انفتاحًا على التداخل بين الإيقاعي والرمزي، بين الأداء والصوت، وبين الجماعة التي تنتجه والجماعة التي تتلقاه. ومن هنا يصبح النص الزجلي فضاءً دلاليًا متحركًا، تتعدد داخله مستويات القراءة، وتتجدد معه آليات التأويل.
ويؤكد محمد سبيلا، في قراءته للفكر التأويلي، أنّ النصوص التي تنتمي إلى الثقافة الشفوية أو شبه الشفوية—كالزجل—تتسم بطبيعة “تداولية” تجعل معناها مرتبطًا بمقام القول وسياق الأداء [محمد سبيلا.مدخل إلى فلسفة التأويل. الدار البيضاء: دار توبقال، 2001. ص63] لذلك فإن الجهاز المفاهيمي للزجلية، كما هو مقترح في هذا البحث، ينسجم مع هذا المنظور عبر اعتماده على مفاهيم مثل الإيقاع التداولي، والذاكرة الثقافية، والتفاعل الجماعي للمعنى. فالزجل لا يُكتب ليُقرأ فقط، بل يُؤدَّى ليُعاد إنتاجه في كل مرة، مما يجعل العلامة داخله ذات دينامية عالية، قادرة على التحول بتغير السياق أو المتلقي.
أما داخل الحقل الدلالي الشعبي المغربي، فقد أبرز عبد الله العوفي أن الشعر الشعبي—ومن ضمنه الزجل—لا ينفصل عن بنياته الاجتماعية والاقتصادية، وأنه يعمل كمرآة حسية وثقافية للمجتمع الذي ينتجه، بل يخلق أشكالًا جديدة من الوعي الجماعي عبر صوره وإيقاعاته واستعاراته [ عبد الله العوفي.:الشعر الشعبي المغربي: البنية والدلالة. الرباط: منشورات كلية الآداب، 2010.ص27]. وبالتالي، فإن إدراج الذاكرة الثقافية في “المعادلة الزجلية” ليس إضافة تجميلية، بل ضرورة منهجية لتفسير الطريقة التي يعيد بها النص الشعبي تشكيل الهوية الثقافية. فالزجلية، من هذا المنظور، ليست مجرد تحليل تقني، بل هي تصور إبستمولوجي يعيد ربط النص بالفضاء الرمزي والثقافي للمغرب.
وتعزز هذه الرؤية ما ذهب إليه رشيد بولعيش في تحليله للسيميائيات الثقافية، حيث يرى أن العلامة الشعبية تمتلك قدرة على اختزان الذاكرة الجماعية، وأن إنتاج المعنى داخل الفنون الشفوية يقوم على علاقة جدلية بين التجربة الفردية والتجربة المشتركة [ رشيد بولعيش.:السيميائيات الثقافية: المفهوم والمنهج. منشورات كلية الآداب، الرباط، 2016.ص52] من هنا، يصبح من الضروري النظر إلى “الجهاز المفاهيمي للزجلية” كإطار متعدد الطبقات: طبقة لغوية، وأخرى سيميائية، وثالثة ثقافية، ورابعة إدراكية–اجتماعية. وهذا التعدد هو ما يبرّر اعتماد “المعادلة الزجلية” بوصفها نموذجًا يبرز تشابك عناصر الإبداع الزجلي مع الرؤى المتعددة، وحركية العلامة، والذاكرة الثقافية المغربية.
خريطة مفاهيمية للجهاز المفاهيمي للزجلية:
الجهاز المفاهيمي للزجلية يقوم على منظومة من الآليات المتكاملة التي ترتبط فيما بينها وتتفاعل لتقديم فهم شامل للنص الزجلي. يمكن توضيحها على النحو التالي:
1.الفحوصات النقدية
oطبيعتها: تحليل النص على مستويات اللغة والأسلوب والدلالة والسياق.
oوظيفتها: الكشف عن البنية الداخلية للنص وإبراز التفاعلات الثقافية والاجتماعية.
oالعلاقة بالنتائج: إنتاج قراءة نقدية دقيقة ومتكاملة [ازلماط محمد القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات، دار بصمة للتوزيع والنشر الطبعة الأولى،2025، ص78 ].
2.دينامية النص
oطبيعتها: القدرة الداخلية للنص على التجدد عبر الإيقاع، التكرار، والانزياحات الأسلوبية.
oوظيفتها: فتح النص على التأويل المستمر والحفاظ على توازن بين الإيقاع الشعبي والابتكار الفني.
oالعلاقة بالنتائج: إتاحة نص مفتوح على المعنى متعدد السياقات.[ Chklovski, Viktor. Theory of Prose. Moscow: Academia, 1925, p. 89.
]
3.السيميائيات العصبية النقدية
oطبيعتها: تصور النص كبنية عصبية–ثقافية تولد المعاني باستمرار.
oوظيفتها: تحويل القراءة النقدية إلى مختبر لإنتاج معرفة جديدة بالنصوص.
oالعلاقة بالنتائج: ربط الفرد بالثقافة والوعي باللاوعي، وتعزيز الإدراك الحسي والعاطفي[ Barthes, Roland. S/Z. Paris: Seuil, 1977, p. 13]
4.آليات التفاعل النصي
oتشمل: التناص، صيغة السؤال والمخاطبة، الانزياحات الدلالية، التكرار والتحوير الإيقاعي، التعدد الصوتي، والإشارات الدلالية (Deixis).
oطبيعتها: أدوات تجعل النص فضاءً حواريًا حيًا.
oالعلاقة بالنتائج: خلق تجربة معرفية–جمالية–اجتماعية متكاملة، وتحويل النص إلى حدث متحرك في ذهن المتلقي. [ Jakobson, Roman. Linguistics and Poetics. In Style in Language, edited by Thomas A. Sebeok. Cambridge, MA: MIT Press, 1960, p. 356.
]
5.المعرفة العصبية والذهنية
oطبيعتها: إنتاج خرائط ذهنية دينامية في ذهن المتلقي من خلال الإيقاع والاستعارات.
oالعلاقة بالنتائج: تعزيز إعادة إنتاج المعنى عبر العمليات الإدراكية والعصبية.
6.الجرافيزم (شكل الكتابة وتموضع النص)
oطبيعتها: أداة جمالية تربط بين الإيقاع الصوتي والتمثيل البصري.
oالعلاقة بالنتائج: تحويل القراءة إلى تجربة حسية متكاملة تربط البصر والسمع والحركة، وتعزز التفاعل النصي.

الجهاز المفاهيمي للزجلية يقوم على منظومة متكاملة من الآليات الإجرائية التي تحول النص الزجلي من مجرد مادة أدبية إلى فضاء معرفي حيّ متفاعل. من حيث الماهية، يعكس هذا الجهاز فهم النص الزجلي كنظام ديناميكي متحوّل، يُمكن تحليله عبر مستويات متعددة: اللغة والأسلوب والدلالة والسياق، بحيث يُنظر إلى النص ككيان حي يخضع للفحص النقدي والادراكي المتوازي، وهو ما يميزه عن الأدوات النقدية التقليدية التي تركز على الثبات البنيوي للنص، ما يجعل النص يحقق نوعا من الدينامية الداخلية التي تسمج للقارئ المشاركة في انتاج المعنى[ازلماط محمد القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة بين دينامية التجديد وممارسة النقد في ضوء ما بعد السيميائيات، دار بصمة للتوزيع والنشر الطبعة الأولى،2025، ص78 ].
أما طبيعته، فهي إجرائية–تفاعلية–إبداعية، إذ تشمل آليات تتعامل مع النص على المستويات الداخلية والخارجية، بما في ذلك ديناميته الداخلية وقدرته على التجدد عبر الإيقاع، الانزياحات الأسلوبية، والتكرار الموسيقي، مما يجعل النص مفتوحًا على التأويل المستمر، ويؤكد التوتر بين البعد التراثي الشعبي والبعد الحداثي.[ Chklovski, Viktor. Theory of Prose. Moscow: Academia, 1925, p. 89.
] كما تضم آليات السيميائيات العصبية النقدية، التي تعتبر النص بمثابة بنية عصبية–ثقافية تولد المعنى باستمرار، وتحوّل القراءة النقدية إلى مختبر لإنتاج معرفة جديدة[ Barthes, Roland. S/Z. Paris: Seuil, 1977, p. 13].
فيما يخص كنه هذا الجهاز المفاهيمي، فهو قائم على إعادة إنتاج الفعل الإبداعي للنص من خلال آليات محددة، أهمها آليات التفاعل النصي: التناص، صيغة السؤال والمخاطبة المباشرة، الانزياح الدلالي والاستعارات الاستثنائية، التكرار والتحوير الإيقاعي، التعدد الصوتي والبوليفونية، والإشارات الدلالية والضمائر (Deixis). هذه الآليات تجعل النص فضاءً حواريًا حيًا، حيث يتفاعل القارئ مع النص ويشارك في إنتاج المعنى[ Jakobson, Roman. Linguistics and Poetics. In Style in Language, edited by Thomas A. Sebeok. Cambridge, MA: MIT Press, 1960, p. 356.
].
إلى جانب ذلك، يشمل الجهاز مفهومان مستقلان عن التفاعل النصي: المعرفة العصبية والذهنية، التي تولّد خرائط ذهنية دينامية في ذهن المتلقي عبر الإيقاع والاستعارات، والجرافيزم أو شكل الكتابة وتموضعها على الصفحة، الذي يربط بين الإيقاع الصوتي والتمثيل البصري، ويحول القراءة إلى تجربة حسية متعددة الأبعاد.
معادلة الزجلية[ تنبيه منهجي: إن “معادلة الزجلية” و“الجهاز المفاهيمي للزجلية” كما وردا في هذا البحث يمثلان اجتهادًا نظريًا أصيلًا للمؤلف، ويستندان في خلفيتهما إلى أطر معرفية من السيميائيات الثقافية، وما بعد السيميائيات والسيميائيات المعرفية والعصبية ونظرية التلقي. وعليه فإن استعمال المراجع يهدف إلى دعم الإطار النظري العام، وليس لكونها قدمت هذه المعادلة بصيغتها الحالية.]
لا يقتصر الجهاز المفاهيمي للزجلية على كونه مجموعة من الأدوات التحليلية التي تفحص البنية اللغوية والدلالية للنصوص الزجلية، بل يتجاوز ذلك ليشكّل إطارًا نقديًا واسعًا يسمح بفهم الزجل كظاهرة دينامية تتقاطع فيها الإبداعية الفردية، والذاكرة الجماعية، والفضاء الثقافي المحلي. ويُعدّ هذا التصور امتدادًا للمنعطف السيميائي–الثقافي الذي ينظر إلى العلامة بوصفها كيانًا متحوّلًا ينشأ داخل سياقات اجتماعية وثقافية متغيرة، كما طرحه كل من أمبرتو إيكو في تحليله لحركية العلامة[ Eco, Umberto. 1976. A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press.p68
]وبول بويزاك في تناوله للعلامة كذاكرة ثقافية حية.[Bouissac, Paul. 2007. “Semiosis and Cultural Memory.” Sign Systems Studies 35 (1/2) p41
] كما يستند هذا الإطار إلى فكرة النص المفتوح التي عرضها رولان بارت، حيث يصبح النص «موقعًا لإعادة الإنتاج المستمرة للمعنى[ Barthes, Roland. 1977. Image–Music–Text. Translated by Stephen Heath. New York: Hill and Wang.p13
]. ، مما يجعل الزجل فضاءً متجددًا يتجاوز حدود القراءة الشكلانية أو البنيوية.
وفي هذا السياق، ينبغي التوضيح بأن «المعادلة الزجلية» و«الجهاز المفاهيمي للزجلية» هما مقترحان نظريان أصيلان ضمن هذا البحث، وليسا مستمدّين من مصدر سابق، بل تمّ بناؤهما اعتمادًا على منظورات نقدية حديثة بما بعد السيميائيات والسيميائيات المعرفية والعصبية والتأويلية ونظرية التلقي، باعتبارها أطرًا تتيح فهمًا مركبًا للعلاقة بين النص والمتلقي، وهي العلاقة التي يؤكد عليها هانس روبرت ياوس في نظريته عن أفق التلقي.[ Jauss, Hans Robert. 1982. Aesthetic Experience and Literary Hermeneutics. Minneapolis: University of Minnesota Press.p23
]كما يهدفان إلى بناء نموذج جديد لفهم الظاهرة الزجلية، وليس اعتمادًا على نموذج جاهز في التراث النقدي العربي أو الغربي. غير أن هذا التصور يستند، في خلفيته، إلى مجموعة من الأطر النظرية الكبرى التي تعزّز وجاهته العلمية، وخاصة السيميائيات الثقافية، وما بعد البنيوية، ونظرية التلقي، وما بعد السيميائيات
وانطلاقًا من هذه الأطر، يمكن تفسير الزجلية بوصفها نتيجة تفاعل أربع قوى كبرى: الإبداع الزجلي بخصائصه الأسلوبية والإيقاعية، تعدد الرؤى الزجلية التي تمنح النص انفتاحًا معرفيًا وتأويليًا، حركية العلامة ضمن منظور ما بعد السيميائيات الذي يفترض تحوّل الدلالة بتغير السياق الإدراكي والثقافي[ Lotman, Yuri. 1990. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. Bloomington: Indiana University Press.p125
], ثم الذاكرة الثقافية المغربية التي تعمل كخزان رمزي يوجّه فعل الإنتاج وفعل التلقي معًا. وعليه تُصاغ «المعادلة الزجلية» على الشكل التالي:
الزجلية = إبداع زجلي × رؤى متعددة × علامة متحركة × ذاكرة ثقافية
ولا تُعدّ هذه المعادلة مجرد صياغة رمزية، بل هي تمثيل معرفي–إجرائي لطبيعة النص الزجلي كحدث مستمر من التأويل وإعادة التشكيل، يندرج ضمن ما سمّاه فولتير بنيامين «إعادة إنتاج المعنى عبر الزمن والثقافة».[ Benjamin, Walter. 1969. Illuminations. Edited by Hannah Arendt. Translated by Harry Zohn. New York: Schocken Booksp221.
] فالجهاز المفاهيمي للزجلية، كما تربط بين الأبعاد الجمالية والمعرفية والثقافية للقول الزجلي. وتعكس هذه المعادلة تصورًا ينسجم مع ما يسميه ياكوبسون “الوظيفة الشعرية الممتدة[ Jakobson, Roman. 1960. “Linguistics and Poetics.” In Style in Language, edited by Thomas A. Sebeok, 350–377. Cambridge, MA: MIT Press.p356
] التي تجعل النص مساحة لتوليد مستمر للمعنى. وهكذا تنفتح الزجلية على أفق يجعل من الزجل تجربة معرفية–جمالية–ثقافية متكاملة، تتحرك فيها العلامة، وتتشكل فيها الذاكرة، ويتفاعل فيها الشاعر والمتلقي في فضاء واحد.
وفي هذا المنظور، يُعيد إدراج الزجل ضمن حقل معرفي أوسع، حيث يتفاعل فيه الحس الجمالي مع البعد الاجتماعي، ويتداخل فيه الصوت مع الذاكرة، لتتولّد تجربة جمالية–معرفية تجعل الزجل أكثر من مجرد نص شعري شعبي؛ بل تجعله بنية ثقافية تخلق المعنى عبر الأداء والتلقي في آن واحد.
فهذه المعادلة ليست مجرد صياغة رمزية، بل تعكس بنية معرفية–إجرائية للزجلية، حيث يربط الجهاز المفاهيمي بين العناصر الأربعة بطريقة تجعل النص الزجلي حدثًا مستمرًا من التأويل، وفضاءً نقديًا حيويًا، يجمع بين الحس الجمالي، البعد الاجتماعي، والقدرة على إنتاج معرفة جديدة بالثقافة المغربية. من هذا المنطلق، يصبح الزجل، عبر آليات الزجلية، ليس مجرد نص شعري شعبي، بل تجربة معرفية–جمالية–ثقافية متكاملة تتفاعل مع المتلقي وتعيد تشكيل فهمه للمعنى، للذاكرة، وللإبداع الشعبي.
تقوم معادلة "أفق الزجلية" على اعتبار الزجل نتاجًا لتفاعل أربعة عناصر كبرى هي الإبداع الزجلي، وتعدد الرؤى الزجلية، ومبادئ ما بعد السيميائيات (تصبح العلامة: طاقة دلالية متحركة× تفاعل النص × تفاعل القارئ× التفاعل العصبي–الإدراكي، والفضاء الثقافي الذي يحتضن التجربة الزجلية داخل امتداداتها التاريخية والاجتماعية. ويعني ذلك أن الزجل لا يُختزل في كونه نصًا لغويًا أو شكلًا فنيًا قائمًا بذاته، بل هو عملية دلالية مركّبة تتولد من التداخل المستمر بين الأداء والصوت والحسّ من جهة، ومن البنى الثقافية والرمزية من جهة أخرى. وتتمثل المعادلة الأساسية في أن الزجلية هي نتيجة تفاعل الإبداع اللغوي والأدائي للزجال، مع تكامل الرؤى الزجلية المتعددة، وحركية العلامة في منظور ما بعد السيميائيات، إلى جانب أثر الذاكرة الثقافية المغربية التي تشكل الإطار المعرفي للقول الزجلي.
معادلة في ضوء ما بعد السيميائية
ويضيف منظور ما بعد السيميائيات بعدًا جديدًا لهذه المعادلة، إذ يجعل العلامة طاقة دلالية متحركة تُنتج معناها من خلال تفاعل النص مع القارئ ومع ديناميكية الإدراك العصبي، وهو تصورٌ يتقاطع مع ما ذهب إليه أمبرتو إيكو في حديثه عن «انفتاح العلامة» وحركتها داخل منظومة تأويلية غير ثابتة.[ Eco, Umberto. 1976. A Theory of Semiotics. Bloomington: Indiana University Press.p68
]فالعلامة هنا ليست ثابتة أو مغلقة، بل تتحول باستمرار وفق شروط الأداء ودرجة الانفعال وطبيعة السياق الثقافي، وهو ما ينسجم أيضًا مع رؤية رولان بارت للنص باعتباره «موقعًا لإعادة الإنتاج المستمرة للمعنى[ Barthes, Roland. 1977. Image–Music–Text. Translated by Stephen Heath. New York: Hill and Wang.p13
]
ولهذا تصبح الزجلية نتيجة لقاء بين نص يُقال، وحسّ يُلتقط، وإحساس يُستثار، ودلالة يعاد بناؤها داخل الوعي، ضمن دينامية إدراكية تشبه ما وصفه يوري لوتمان حول «الحركة المستمرة للعلامة عبر الفضاء الثقافي[ Lotman, Yuri. 1990. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. Bloomington: Indiana University Press.p125
]
كما يتحدد هذا التفاعل داخل فضاء ثقافي مغربي يمتاز بتعدد لغوي واضح يشمل الدارجة والفصحى والأمازيغية والحسّانية، ويعتمد على ذاكرة تاريخية واسعة تغذيها الثقافة الشعبية والمجال العمومي والعادات الجماعية. وهذا الفضاء هو الذي يمنح العلامة الزجلية جذورها وامتداداتها ويعيد وصلها بالخبرات الجماعية وبمخزون الرموزوالصور التي تراكمت عبر قرون، كما تشرح السيميائيات الثقافية في أطروحات سعيد بنكراد حول «العلامة والهوية والسياق [ بنكراد، سعيد.سيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.ص41]»وتأكيد عبد الله العروي على مركزية الذاكرة الثقافية في إنتاج المعنى داخل الخطابات الشعبية.
وبناء على هذه العناصر الأربعة[ تفكيك عناصر المعادلة لأفق الزجلية على النحو التالي:
الزجلية = نتيجة تفاعل أربعة عناصر كبرى هي:
1.الإبداع الزجلي
2.الرؤى الزجلية
3.مبادئ ما بعد السيميائيات
4.الفضاء الثقافي
شرح مكوّنات المعادلة بالتفصيل اللغوي:
1. الإبداع الزجلي
الإبداع الزجلي ينتج من:
اللغة الدارجة × التقاليد الشفوية (العيطة، الكناوي، الحسّاني) × السياق الاجتماعي والسياسي.
2الرؤى الزجلية (أربع دوائر)
الرؤى الزجلية تتكون من أربع دوائر تشتغل مجتمعة:
(أ) الرؤية الطقوسية–الجماعية
= الوصف الطاقي للوجود
الإيقاع الروحي
الذاكرة الشفوية الجماعية
(ب) رؤية التأنيث الزجلي
= اللغة المؤنثة
العروبيات الفاسية
التبراع الحساني
(ج) الرؤية الوجودية–الذاتية
= إحساس اللاجدوى
التجربة البرزخية (بين الذات والجماعة)
(د) الرؤية الكونية–التفاعلية
= قصيدة تعيد تشكيل الشاعر
العلامة بوصفها شبكة طاقية–عصبية
3ما بعد السيميائيات
في هذا الإطار تصبح العلامة:
= طاقة دلالية متحركة
× تفاعل النص
× تفاعل القارئ
× التفاعل العصبي–الإدراكي
4الفضاء الثقافي
وهو يتحدد عبر:
الذاكرة المغربية التاريخية
.تعدد اللغات (دارجة، فصحى، أمازيغية، حسّانية)
المجال العمومي والثقافة الشعبية

]، يمكن صياغة النتيجة النهائية للمعادلة في جملة واحدة، مفادها أن الزجلية هي نتيجة التفاعل بين الإبداع الزجلي، وتعدد الرؤى الزجلية، والديناميكية الإدراكية للعلامة في منظور ما بعد السيميائيات، وتأثير الذاكرة والفضاء الثقافي المغربي. ويمكن تلخيصها رمزيًا في الصيغة التالية:
الزجلية = إبداع زجلي × رؤى متعددة × علامة متحركة × ذاكرة ثقافية
وهو تصور ينسجم مع ما يسميه والتر بنيامين «إعادة إنتاج المعنى عبر الزمن والثقافة[ Benjamin, Walter. 1969. Illuminations. Edited by Hannah Arendt. Translated by Harry Zohn. New York: Schocken Books.p221
].
فرضية المعادلة وجهازها المفاهمي
وتفترض الفرضية العلمية لهذه المعادلة أن العملية الزجلية ليست مجرد إنتاج لغوي، بل هي عملية معرفية–جسمانية تتشكل عبر ثلاث دوائر متفاعلة.
الدائرة الأولى تبدأ بالعلامات الحسّية المتجسدة في الإيقاع والنبرة والصوت والصورة الحسية التي يلتقطها الجسد مباشرة، وهي مقاربة تتقاطع مع التصور الإدراكي–الجسدي للمعنى كما تناوله جورج لاكوف في إطار اللسانيات الإدراكية[ Lakoff, George & Johnson, Mark. Philosophy in the Flesh. New York: Basic Books, 1999.p12
].
ثم تنتقل العملية إلى دائرة الإدراك العاطفي–الجماعي حيث يتفاعل الجمهور مع النص وفق حالات وجدانية وانفعالية مرتبطة بالذاكرة وبالتجربة الاجتماعية، وهو ما يشير إليه محمد سبيلا عند حديثه عن «الانفعال الجماعي ودوره في تثبيت المعنى داخل الثقافة الشعبية[ محمد سبيلا.مدخل إلى فلسفة التأويل. الدار البيضاء: دار توبقال، 2001. ص63]»
لتصل أخيرًا إلى دائرة إعادة البناء الثقافي للمعنى التي تُثبت العلامة داخل مخزون رمزي مشترك يقوم على الأمثال والصور والرموز التراثية، وهي رؤية تدعمها أعمال رشيد بولعيش حول السيميائيات الثقافية وارتباط العلامة الشعبية بالذاكرة الجماعية[ رشيد بولعيش.السيميائيات الثقافية: المفهوم والمنهج. منشورات كلية الآداب، الرباط، 2016.ص52]
ووفق هذه الفرضية، فإن معنى الزجل لا يَنتج من النص بوصفه بنية لغوية، بل يتشكل في الممرّات الدقيقة التي تربط بين الحسّ والإدراك والذاكرة. ويعني ذلك أن العلامة الزجلية لا تستمد قيمتها من تركيبها اللغوي وحده، بل من كونها آلية إدراكية–ثقافية مركّبة تتداخل فيها التجربة الجسدية للحسّ، والتفاعل العاطفي للمتلقي، ومنظومة الرموز التي يعبر عبرها الجمهور نحو إعادة صياغة الدلالة.
النتيجة
تكشف المعادلة ما بعد السيميائية الخاصة بالزجل أن العملية الزجلية لا تقوم على البنية اللغوية وحدها، ولا يمكن اختزالها في نسق لفظي أو في وزن وإيقاع؛ بل تتجاوز ذلك نحو مجال أكثر تركيبا تنصهر فيه تجربة الجسد والإدراك والذاكرة الثقافية لتشكيل معنى متجدّد داخل وعي المتلقي[ Jakobson, Roman. Language in Literature. Harvard University Press, 1987.p356]. وتُظهر هذه المقاربة أن العلامة الزجلية ليست بنية مغلقة كما يتعامل معها النقد التقليدي، بل هي حدث إدراكي ينبثق عن تفاعل ثلاث قوى رئيسية: الحسّ بما يتضمنه من إيقاع ونبرة وصورة صوتية، والانفعال بما يحمله من أثر عاطفي لحظة التلقي، والذاكرة الثقافية بما تختزنه من صور ورموز وخبرات جماعية. ومن خلال هذا التفاعل الثلاثي، يصبح معنى الزجل سيرورة مستمرة لا تتوقف عند حدود النص، وإنما تتشكل باستمرار عبر آليات التلقي والتأويل وإعادة بناء الدلالة في ذهن الجمهور.[ . Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. University of Minnesota Press, 1982.p23
]
وتؤكد هذه المقاربة أن الزجل لا يُنتج المعنى إلا من داخل تجربة يعيشها المتلقي، بحيث يتحول الصوت البدوي أو الحضري، والصورة الشعبية أو الرمزية، إلى نبضة عصبية تنتقل من قناة حسّية إلى مستوى إدراكي ثم إلى حقل ثقافي مشترك. وبهذا يصبح المتلقي شريكًا في بناء الدلالة، ليس بصفته قارئًا خارجيًا، وإنما بوصفه حاملا لأفق انتظار ثقافي–وجداني يولّد المعنى من جديد كلما تغيّر السياق أو تغيّرت شروط التلقي. وهنا تتحول العلامة الزجلية من “وحدة لغوية” إلى “حدث معرفي”، ومن “صوت شعبي” إلى “آلية إدراكية” تُدخل المتلقي في دينامية التأويل.
وتظهر النتيجة أيضًا أن هذا النموذج يتيح قراءة أجناس الزجل باعتبارها تجارب حسّية ومخيالية مختلفة، وليس باعتبارها اختلافات عروضية أو لغوية فحسب. فالنص الزجلي الذي يرتكز على الإيقاع المهيمن ينتج معنى يختلف جذريًا عن النص الذي يركز على الرموز الثقافية أو الصور الحسية، لأن كل نص يحفّز قناة إدراكية مختلفة داخل الجهاز المعرفي للمتلقي. وبذلك تتضح العلاقة بين طبيعة العلامة ونمط التلقي: فكلما كان النص مشبعًا بالحسّ، كان أثره معرفيًا لحظيًا، وكلما كان مشبعًا بالرموز والثقافة، كان أثره ممتدًا في الزمن. وهذا ما يفسر قدرة الزجل على التأثر والتحول عبر الأجيال، إذ ينتقل من نص أدائي إلى ذاكرة جمعية.
ويبيّن النموذج أن نقد الزجل لا يمكن أن يبقى حبيس المقاربات البنيوية أو الجمالية الكلاسيكية، لأن هذه المقاربات لم تكن قادرة على التقاط البعد الإدراكي–الأنثروبولوجي في الزجل، وهو البعد الذي يجعل من العلامة حدثًا عصبيًا–ثقافيًا في آن واحد. فالتجربة الزجلية، بحسب هذا النموذج، ترتكز على انتقال متدرج من الإيقاع بوصفه تجربة حسّية إلى الانفعال بوصفه تجربة وجدانية، ثم إلى الثقافة بوصفها تجربة تأويلية. وكل نص ينجح في تحقيق انسجام بين هذه المستويات الثلاثة يكون نصًا قادرًا على إنتاج أثر معرفي يتجاوز حدود لحظة الأداء.
وبناءً على هذا كله، يمكن القول إن الزجل، في ضوء المعادلة والفرضية، هو ممارسة معرفية قبل أن يكون ممارسة شعرية. إنه نوع من إنتاج المعنى الذي يعتمد على الجسد قبل اللسان، وعلى الذاكرة قبل المفردة، وعلى الحدث الإدراكي قبل البنية اللغوية. وبذلك تكشف هذه المقاربة أن قوة الزجل ليس في شعبيته أو سهولته كما يُشاع، بل في كونه نظامًا دلاليًا يتقاطع فيه الحسّ والعاطفة والثقافة لصياغة معنى متجدد قادر على العبور بين الأزمنة والطبقات الاجتماعية.
خاتمة
تقدّم الزجلية نموذجًا نقديًا مزدوجًا يجمع بين البُعد الإبداعي والتحليلي: فهي لا تقتصر على دراسة الجماليات الداخلية للنصوص الزجلية، بل تُطوّر أدوات القراءة والتأويل بطريقة تجعل من النص الزجلي كيانًا حيًا، متفاعلاً مع الواقع، والمتلقي، والسياق الثقافي والاجتماعي. في هذا الإطار، يتحول النص الزجلي إلى فضاء متعدد المستويات: لسانياً، اجتماعياً، زمنياً، وجسديًا، حيث تتداخل العلامات اللغوية، الرموز الثقافية، والإيقاعات الصوتية والمرئية لتوليد المعنى وإعادة تشكيل الواقع الثقافي.
من جهة أخرى، تبرز الزجلية كمنهج نقدي قادر على قراءة النصوص في أفق شامل، يجمع بين التقليد التراثي والانفتاح على إمكانيات جديدة، ويوازن بين الفردي والجماعي، بين الملموس والمتخيل، بين المعرفي والانفعالي. فالخط والشكل الطباعي، الإيقاع الصوتي، الصور الحسية، والاستعارات الإدراكية تعمل جميعها على خلق تجربة معرفية وجمالية متكاملة، تجعل المتلقي شريكًا فعالًا في إنتاج المعنى، وتفتح المجال لتفاعلات جسدية وذهنية ممتدة بين النص والقارئ.بهذا، يمكن القول إن الزجلية ليست مجرد دراسة لفنية النص الزجلي، بل رؤية نقدية متكاملة، تستند إلى شبكة من الآليات التفاعلية والمعرفية والرمزية، تجعل من النص الزجلي حدثًا لغويًا واجتماعيًا مستمرًا، قابلاً لإعادة التفسير والتجربة في كل مرة، ومؤسسًا لإعادة تقييم الإبداع الشعبي المغربي في ضوء ما بعد السيميائيات.
الاقتراحات
في ضوء ما أسفر عنه التحليل النقدي للزجل المغربي، وبخاصة من منظور ما بعد السيميائيات، يمكن صياغة مجموعة من الاقتراحات التي تهدف إلى تعزيز الفهم الأكاديمي والإبداعي لهذا الصنف الشعري الشعبي، وتجاوز محدودياته النقدية والتطبيقية. ويمكن إجمال هذه الاقتراحات في ثلاثة أصناف رئيسية:
الأول يخص رؤى الزجلية والإبداع الزجلي،
تسعى الرؤية المعرفية–الثقافية للزجل إلى تأطيره كخطاب مُنتِج للمعنى يرتبط بالذاكرة الجماعية والسياقات الاجتماعية، لا كتراث شفهي معزول. وتدعو إلى اعتماد مقاربة تفاعلية تُبرز ديناميكية العلامة الزجلية في علاقتها بالشاعر والمتلقي والبيئة الثقافية، مع التركيز على الإيقاع بوصفه مولّدًا للطاقة الإبداعية.
ويُوسَّع مفهوم الإبداع ليشمل تفاعلية الزجال مع الواقع واللغة، إضافة إلى التجارب المعاصرة التي تدمج الموسيقى والأداء والوسائط الرقمية. كما يُقترح تنويع آليات التحليل عبر توظيف المقاربات السيميائية والتداولية والمعرفية والعصبية لفهم إنتاج المعنى.
ويُعدّ تطوير نقد قادر على التمييز بين التقليدي والمبتكر ضرورة لقراءة الانزياحات الصوتية والإيقاعية والتجريب اللغوي. ويُعاد تعريف المتلقي كعنصر إنتاجي في الأداء الحي والفضاءات الرقمية، مع ربط الإبداع الزجلي بالتحولات الاجتماعية والثقافية الراهنة. وتختتم الرؤية بدعوة الزجالين إلى تبني منهجية إنتاجية قائمة على التجريب المستمر في اللغة والإيقاع.
المقترحات والتوصيات في تجديد النقد الزجلي من منظور ما بعد السيميائيات
تكشف المقاربة ما بعد السيميائية للنقد الزجلي عن اختلالات بنيوية ومفاهيمية تستدعي إعادة بناء شاملة لهذا الحقل. ويقتضي ذلك أولًا تأسيس جهاز مفاهيمي خاص بالزجل يستمد عناصره من طبيعته الشفوية والصوتية والثقافية، بدل استنساخ مفاهيم الشعر الفصيح. كما يتطلب إدماج مقاربات ثقافية وأنثروبولوجية تُعالج الزجل باعتباره خطابًا حاملًا للذاكرة الجماعية ونظم القيم، مع تفكيك المركزية المعيارية التي تفرض قياسه على النموذج الفصيح.
وتدعو هذه الرؤية إلى توسيع مجال التحليل ليشمل الفضاء القيمي، الإيقاع التداولي، الرموز الثقافية، وصلات الزجل بالممارسات الفنية الشعبية، إضافة إلى ترسيخ الأرشفة والبحث الميداني لضبط سياقات الإنتاج. كما تؤكد ضرورة تبني منهجيات تحليل متعددة—سيميائية، تداولية، معرفية، وعصبية—تستجيب للطابع التفاعلي والمتعدد الأصوات للخطاب الزجلي.
ويبرز كذلك غياب النقد المتخصص بوصفه عائقًا مركزيًا، مما يستلزم دعم البحث الجامعي وتكوين فرق علمية موجهة لهذا الفن. كما ينبغي تجاوز القراءة الأخلاقية–التراثية نحو تحليل وظائف الخطاب وجماليات الانزياح. ومن جهة أخرى، يستوجب تطور الممارسة الزجلية إعادة تعريف مفهوم المتلقي في ضوء طبيعته المتعددة (الشعبي، المثقف، الموسيقي، الرقمي)، والانفتاح على الفضاء الرقمي وما أفرزه من أشكال نصية جديدة.
وإن إصلاح النقد الزجلي رهين بإعادة تأسيسه على أسس معرفية سيميائية ولسانية معاصرة، تُعيد وصل النص بسياقاته الاجتماعية والثقافية، وتؤهّله لقراءة الزجل كخطاب معرفي وجمالي مستقل.
توصي رؤية ما بعد السيميائيات بإعادة بناء النقد الزجلي من الأساس، عبر تحديث مفاهيمه، تحريره من المركزيّات القديمة، وصل النص بسياقه الثقافي والاجتماعي، واعتماد مقاربة تعددية تؤهّل النقد لفهم الزجل كخطاب معرفي وجمالي فاعل، لا مجرد ممارسة لغوية هامشية.
أما الصنف الثالث فهو اقتراحات عامة،
استنادًا إلى الرؤى النقدية والتجريبية الحديثة للزجل المغربي، يُمكن تقديم مجموعة من الاقتراحات لتعزيز البحث والإبداع الزجلي، مع التركيز على الأبعاد الأكاديمية والمؤسسية والمجتمعية.
أولًا، يُوصى بإحداث مراكز بحثية متخصصة في دراسة الزجل، بالتعاون مع الكليات والجامعات، تجمع بين اللسانيين والسيميائيين والنقاد والباحثين والموسيقيين في الدراسات الثقافية ، لتكون منصات لإنتاج البحوث النقدية، وتنظيم الورشات التكوينية، ودعم المشاريع الإبداعية الزجلية عبر النشر في مجلات فصلية تعنى بأجناس الزجل ونقده وفلسفته.
ثانيًا، يجب دمج الزجل في البرامج الأكاديمية والمنهجية، سواء في الدراسات الثقافة أو الأدب أو النقد أو اللسانيات أو السوسيولوجيا أو علم النفس، مع التركيز على التحليل ، وتطوير برامج تدريبية قصيرة للزجالين والباحثين لتعزيز مهارات الإبداع والتحليل.
ثالثًا، يُعدّ تطوير آليات التوثيق الرقمية أمرًا ضروريًا، من خلال إنشاء أرشيف شامل للنصوص والتسجيلات الصوتية وأداء الزجل الحي، بما يتيح للباحثين دراسة تطور الظواهر الإبداعية واللغوية عبر الأجيال والمناطق.
رابعًا، ينبغي تشجيع الابتكار والتجريب في الزجل عبر دمجه مع الفنون الأخرى كالسينما والمسرح والموسيقى والفنون البصرية، مع الحفاظ على الجذور التراثية، لتوسيع آفاق الإبداع.
خامسًا، يُوصى بإقامة ندوات وورشات نقدية دورية تجمع الزجالين والنقاد والباحثين، إلى جانب تطوير مسابقات وجوائز تقديرية تشجع على البحث والإبداع، ودوريات فصلية تعنى بالزجل ونقده وربطها بالمؤسسات الجامعية والبحث العلمي لاخضاعها للرقابة الابستمية والعلمية.
سادسًا، من الضروري تعزيز الشراكات الدولية لتبادل الخبرات ودراسة الزجل في سياق المقارنة الثقافية، والاستفادة من التجارب العالمية في الفنون الشعبية.
وأخيرًا، يجب إدماج الزجل في النشاطات الثقافية والمجتمعية، سواء عبر المهرجانات أو الأعياد، واستخدامه كأداة تعليمية لترسيخ قيم التراث واللغة الشعبية، بما يعزز الهوية الثقافية ويتيح للجمهور المشاركة في العملية الإبداعية.
المصادر والمراجع:
بنكراد، سعيد. 2003. سيميائيات السرد: مفاهيم وأطر. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
بنكراد، سعيد. 2012. سيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
أدونيس (علي أحمد سعيد). 1992. مفهوم الشعر عند العرب. بيروت: دار الآداب. (مفيد لمفهوم الشعرية وامتداداتها الشعبية).
سبيلا، محمد. 2001. مدخل إلى فلسفة التأويل. الدار البيضاء: دار توبقال.
رشيد بولعيش. 2016. السيميائيات الثقافية: المفهوم والمنهج. الرباط: منشورات كلية الآداب.

الفراوي، محمد. 2012. الزجل المغربي: بحث في الأصول والتحولات. الدار البيضاء: منشورات الفنك.
بنطلحة، عبد الإله. 2006. جمالية الزجل المغربي. الرباط: دار أبي رقراق.
العوفي، عبد الله. 2010. الشعر الشعبي المغربي: البنية والدلالة. الرباط: منشورات كلية الآداب.
محمد مفتاح.دينامية النص: تنظيرًا وتطبيقًا. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990.
عبد الفتاح كيليطو.الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1982.

المصادر والمراجع باللغة الأجنبية

Bauman, Richard. Verbal Art as Performance: A Study of Interactive Aesthetics. Prospect Heights, IL: Waveland Press, 1986.
El Hamel, Chouki. Arts and Rituals in Morocco. Casablanca: Éditions Marsam, 2013.
Finnegan, Ruth. Oral Literature in Africa. Oxford: Clarendon Press, 2012.
Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.
Johnson, Mark. The Body in the Mind: The Bodily Basis of Meaning, Imagination, and Reason. Chicago: University of Chicago Press, 2007.
Khatibi, Abdelkébir. La Mémoire du Sable. Paris: Denoël, 1983.
Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023.
Merleau-Ponty, Maurice. Phenomenology of Perception. London: Routledge & Kegan Paul, 1964.
Pâques, Claude. Le Chant Populaire et ses Fonctions Sociales. Paris: CNRS Éditions, 1991.
Revue Marocaine de Littérature. “Zajal al-Nisā’ fi al-Maghrib: Dirāsāt wa Taqārīr.” Rabat: Université Mohammed V, 2022.
Sebeok, Thomas A. Signs: An Introduction to Semiotics. Toronto: University of Toronto Press, 2001.
Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago: Aldine Publishing, 1969.

Bauman, Richard. Verbal Art as Performance. Rowley: Newbury House, 1986.
Beness, Ahmed. Al-Zajal al-Maghribi: Dirasa Idraakiyya wa Thaqafiyya. Casablanca: Dar Al-Kutub Al-Maghribiya, 2010.
Finnegan, Ruth. Oral Poetry: Its Nature, Significance and Social Context. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.
Hammoudi, Abdellah. La Civilisation Marocaine et la Performance Orale. Paris: Karthala, 1997.
Khatibi, Abdelkébir. Le Roman Maghrébin Contemporain: Poétique et Linguistique. Paris: Sindbad, 1983.
Le360. “Zajal al-‘Aroubiyyat fi Fas: Dirasa fi al-Zajal al-Nisawi.” Le360, 2023.
Merleau-Ponty, Maurice. Phenomenology of Perception. London: Routledge & Kegan Paul, 1964.
Thompson, John. The Semiotics of Poetry and Performance. New York: Palgrave, 2010.
Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Ithaca: Cornell University Press, 1969.
هذه المراجع ليست حول “الزجل” بالمعنى التقليدي فقط، بل حول الحقول النظرية التي يستند إليها تصوري حول الزجلية: ما بعد السيميائيات، الإدراك المتجسد، العلامة العصبية، السيميائيات الثقافية، ونقد ما بعد النقد ونقد ما بعد البنيوية. وتم اعتمادها في الهوامش لإسناد النظرية الزجلية:
1. ما بعد السيميائيات – Post-Semiotics
Cobley, Paul. The Routledge Companion to Semiotics. Routledge, 2010.
Johansen, Jørgen Dines, and Svend Erik Larsen. Signs in Use: An Introduction to Semiotics. Routledge, 2002.
Chandler, Daniel. Semiotics: The Basics. 3rd ed., Routledge, 2017.
2. السيميائيات الجسدية والإدراك المتجسد – Embodied Cognition
Lakoff, George, and Mark Johnson. Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999.
Varela, Francisco, Evan Thompson, and Eleanor Rosch. The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience. MIT Press, 2017 (revised edition).
Noë, Alva. Action in Perception. MIT Press, 2004.
3. السيميائيات الثقافية – Cultural Semiotics
Lotman, Yuri M. Culture and Explosion. Translated by Wilma Clark, De Gruyter, 2009.
Lotman, Yuri M. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. I.B. Tauris, 1990.
4. العلامة العصبية والمعنى الإدراكي – Neuro-semiotics / Cognitive Semiotics
Sonesson, Göran. “Cognitive Semiotics: Its Development and Prospects.” Cognitive Semiotics 1, no. 1 (2007): 10–32.
Petitot, Jean. Morphogenesis of Meaning. Peter Lang, 2004.
Deacon, Terrence. The Symbolic Species: The Co-evolution of Language and the Human Brain. Norton, 1997.
5. نقد ما بعد البنيوية وما بعد النقد – Post-Critique
Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network Theory. Oxford University Press, 2005.
Felski, Rita. The Limits of Critique. University of Chicago Press, 2015.
Sedgwick, Eve Kosofsky. “Paranoid Reading and Reparative Reading.” In Touching Feeling. Duke University Press, 2003.
6. حول الشعرية والأدبية – Foundations for “zajaliyya” as a critical category
Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” In Russian Formalist Criticism, edited by Lee T. Lemon and Marion J. Reis. Univ. of Nebraska Press, 1965.
Jakobson, Roman. Language in Literature. Harvard University Press, 1987.
Todorov, Tzvetan. The Poetics of Prose. Cornell University Press, 1977.
Barthes, Roland. Image–Music–Text. Hill and Wang, 1977.














.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى