أ. د. عادل الأسطة - خجلان أكتب يوميات نابلس :

كأن لا كتابة بعد غزة . كأن رفعت الأقلام وجفت الصحف . كأن القلب نضب دمه وصار يباسا .
عندما كنت في سيارة النقل العمومي من المساكن الشعبية الشرقية إلى وسط نابلس ومركزها التجاري كنت أصغي إلى الراكب الجالس إلى جانب السائق يتحدث عبر الهاتف مع صديق له قائلا :
- لقد انسحب الجيش الإسرائيلي من المدينة . نزعوا نهار الناس وانسحبوا كأن لا هدف للجيش إلا تخريب الحياة في نابلس . كأن الإسرائيليين يبحثون عن حجة لتدمير نابلس كما دمروا غزة . ها هم يسرحون ويمرحون . يدخلون ويخرجون ليل نهار ولا هناك من يعترض .
في شوارع المركز التجاري يبدو أثر الاجتياح واضحا ، فالشوارع خالية من المتسوقين وأصحاب المحلات يعبثون بهواتفهم .
في المطعم لم يكن هناك زبائن . الساعة الواحدة والطاولات لا رواد يشغلونها . كنت الوحيد وكان العامل وحيدا . تناولت الفاصوليا البيضاء الناشفة وعشر ملاعق من الرز . أكلت على عجل كما العادة وأخذت اتسكع . مشيت بهدوء أتأمل ما خلفه الاجتياح الذي غدا عادة يومية ، ويبدو أن كنافة نابلس راقت لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي أو أن ... .
في شارع النصر خلا محلا بيع الكنافة من آكليها ولاحظت السدور شبه ممتلئة ، وليس هذا معتادا ، بخاصة في محل كنافة الأقصى . اشتريت شاكوشا وواصلت طريقي . تحدثت مع صاحب محل أدوات منزلية فأخبرني أن الجيش اقترب من بوابة البيك ، ما جعله يحكي لابني أخيه في محله الثاني أن يتركا المحل وأن يتجها إلى مكان آخر ، فالرصاص أعمى ، وشكا صاحب المحل من الأوضاع . حدثني وحدثني وحدثني ، وعندما اعتقل الجيش أخاه قبل أيام ، لمدة تسع ساعات ، وحقق معه ، سأله إن كان يحب " أبو مازن " وبدلا من أن يجيبه بنعم أو بلا سأل المحقق إن كان هو يحب ( بنيامين نتنياهو ) ، والطريف أن الجندي المحقق أجاب ب " لا " .
وأنا أتحدث مع أحد معارفي عما يجري قلت له :
- أريد أن أكتب يوميات عن اجتياح نابلس ، ولكني خجلان من غزة . خجلان أن يكتب لي كتاب غزة :
- بلا دلع . صرتم مثل القطط " تماوون " كما في شباط .
وللحقيقة فإنني صرت أتهرب من كتابة اليوميات إلى البحث عن دفاتري الأدبية القديمة . هل مات القلب أم أنه الشعور بالخجل من غزة ؟
في السوبر ماركت رأيت قهوة العليت الإسرائيلية / الأصابع ، وكنت أدمن شربها قبل طوفان الأقصى ثم توقفت . سألت البائع إن كان مازال هناك من يشتري بضاعة إسرائيلية ، فأجابني :
- حياة وبدها تمشي .
دفعت ثمن المياه ومادة سائل جلي الصحون ومشيت ، وربما ظلت الحياة تمارس روتينها .
قبل أن أكتب قرأت في موقع رام الله نيوز ما كتبه الصحفي أسامة الكحلوت عن الطفلة الغزية التي صارت أما تربي إخوتها الأطفال وهي لما تبلغ الثالثة عشرة من عمرها .
[ الصحفي اسامة الكحلوت من غزة : الطفلة رهف يوسف بدر 13 عاما تصبح أماً قبل أوانها...
لم تكن تتوقع رهف أن توصية والدتها لها بان تنتبه لأخواتها الأطفال بعد وفاتها أنها جدية، وكانت تفكر أنها تمازحها، لكن المرض والحرب اجتمعا على رهف لتصبح أما بالإجبار بعد رحيل والديها،
رهف نزحت مع أهلها من الشمال للجنوب، وخلال النزوح تم اكتشاف إصابة والدتها بسرطان الثدي وبعد عام توفيت والدتها وتحملت رهف عبئ أربعة من إخوانها في خيمة مهترئة شمال القطاع مع والدها، وفي نفس الشهر الذي توفيت فيه والدتها، توجه والدها لمحاولة جلب طعام وملابس من منزله في الشمال تم قصـ،ـــف البيت عليه وارتقى داخله ولم يتمكن أحد من انتشال جثمانه لخطورة المكان، وبذلك حرمت رهف من وداع والدها ووالدتها وتحملت أدوارهما برعاية أربعة من إخوانها.]
خربشات ٣ / ١٢ / ٢٠٢٥ة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى